أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

مجلة الآثار السودانوية/ العدد الثامن/ يوليو 2006

 

 

الجيل B

مدفنان في الكرو كانا أكثر تطوراً مقارنة بمدافن الجيل A لكنهما أكثر بدائية مقارنة بالمدافن الأخرى في الجبانة. بالتالي نسبهما ريزنر إلى مجموعته الثانية للمدافن قبل التاريخية، الجيل (Reisner 1919a: 239-40; 1920a: 61; 1921: 24). احتفظ المدفنان التليان كرو 6 و1 بمخطط دائري كالمدافن السابقة، لكنهما أصبحا محاطين بجدران على هيئة حدوة حصان تفتح باتجاه الشرق. في حين لم يحتفظ كرو 19 بأثر لمعبد صغير، فإن المدفن التلي كرو 6 احتوى معبداً صغيراً من الطوب الأخضر يفتح باتجاه الشرق، وهو التجلي الأقدم لمعبد صغير تابع للمدفن في الكرو. يمكن مشاهدة خريطتي ريزنر الأصليتين غير المنشورتين للمدفنين في الشكل 7، واللتين تظهران العديد من التفاصيل المثيرة للبناء والتي لم توضح في خرائط دنهام (Dunham 1950: 21, 72)، ويبدو من المشكوك فيه عما إذا كان دنهام قد امتلك الخريطتين ليعمل على أساسهما (انظر Kendall 1991: 302).

 

تشير الجدران التى تفتح باتجاه الشرق والمعابد الصغيرة لتلك المدافن المتعاقبة إلى أن الشرق بالنسبة لأولئك الناس، شأنهم شأن المصريين، يحتل أهمية خاصة - احتمالاً لعلاقته بشروق الشمس والتلميحات الكنائية لإعادة الميلاد والانبعاث. يجوز احتمالاً افتراض أن الأعضاء المبكرين للأسرة قد عبدوا الشمس وشاركوا المصريين احتمالاً العديد من معتقداتهم (Bonnet 1990: 89-91; Kendall 1996: 80-84). غير واضح عما إذا كانت تلك معتقدات محلية أو أنها تشكلت عبر قرون من العلاقة المباشرة وغير المباشرة مع المصريين. في العصر النبتي المبكر قد يحتمل أنهم عبدوا آلهة مصريين مختارين إلى جانب احتفاظهم بالعديد من عاداتهم ومفاهيمهم الخاصة المفضلة. يصح هذا في حالة عاداتهم الجنائزية. يمكن تشبيه الوضع بالعديد من شعوب السودان المسلمة اليوم الذين لازالوا يمارسون العديد من عاداتهم المحلية ما قبل الإسلامية.

 

لكون أن بعض المدافن التلية في الموقع 176، دبيرة شرق، تضم أضرحةً في جانبها الشرقي، ولأن العديد من الترسبات المرتبطة بالمدافن التلية للجيل A تقع في جوانبها الشرقية، فإنه يبدو ممكناً أن تكون تلك المدافن محتوية هى الأخرى على أضرحة. استمرت الظاهرة في كرو 19 احتمالاً طالما أن جدارها المحيط وسع المساحة إلى الشرق كما لو للسماح لعدد أكبر من الحضور للمشاركة في احتفال تقديم القرابين في ذلك الجزء. زين المدفن التلي كرو 6 بتشييد ضريح مشيراً إلى أن عنصراً نوبياً محلياً في المدفن تمازج مع عنصر مصري (فيما يبدو) بدون أي عرقلة أو تعديل للمعتقد التقليدي، وهو تكرار لظاهرة تمت ملاحظتها منذ قرون مضت في محتويات المجموعة الثالثة وكرمة (انظر على سبيل المثال O'Connor 1984; Williams 1991).

 

خلافاً لمدافن الجيل A لم يشيد المدفن التلي كرو 6 وكرو 19 بجانب بعضهما الآخر. احتل الأول النقطة المرتفعة في الحافة بين الوادي الشمالي ورافده، في حين شيد الثاني حوالي 60 متر إلى الجنوب من الأول، حوالي 35 متر إلى الشرق من المدافن الأقدم. يبدو أن صاحب المدفن التلي كرو 6 كان الأول في اختيار موقع مدفنه حيث أن الموقع كان هو الرئيس في الجبانة بعد موقع المدفن التلي كرو 1. طالما أن الأرض انحدرت بحدة في كلا الجانبين، فقد اضطر صاحب المدفن كرو 19 إلى اختيار موقع قريباً من المدافن الأصلية لكن في ارتفاع منخفض أكثر. وطالما يفتقد المدفن كرو 19 بينة دالة على معبد صغير – ولذلك السبب يبدو أكثر بدائية من المدفن التلي كرو 6 – قد يندفع المرء لافتراض أنه الأول من بين الاثنين، وبسبب مسألة وضعه الثانوي، وبسبب أن جداره المحيط شيد من حجارة مقطوعة أفضل (انظر شكل 7)، ولحقيقة أن مواد معينة من المدفن كرو 19 تبدو أكثر تطوراً من المدفن التلي 6، فإنه يبدو فعلياً لاحقاً من حيث التاريخ.

 

على امتداد تواتر مدافن الأسلاف يمكننا ملاحظة نمط المدفن الزوجي المكون من مدفن أكثر اتقاناً مصحوب بآخر يقع على يمينه ذو حجم وإتقان أقل من حيث الشكل. طالما أنه في حالتين (المدفن التلي كرو 4 واحتمالاً كرو 10) فيما يبدو احتوى المدفنان الأصغر على هيكلين أنثويين، فإنه يمكن افتراض أن تكون تلك المدافن الزوجية المجاورة محتوية على جثمان حكام ذكور وزوجاتهم الرئيسات. إذا كان المدفن التلي كرو 6 منتمياً إلى زعيم الكرو الثاني ("الملك B")، فإنه يبدو في هذه الحالة وجود احتمال كبير بأن يكون المدفن كرو 9 قد بني بدون ضريح لأن صاحبته، أنثى، بالتالي لا يعتقد في ضرورة جعل المدفن متقناً مثل مدفن زوجها. بينة لأنماط مشابهة تستمر على مدى تواتر المدافن مما يشير إلى أن مدافن الزوجات في الكرو شيدت دائماً إلى الجنوب أو الجنوب الغربي من مدافن أزواجهن، وهو ما يجعلها رمزياً إلى "الجانب الأيمن" لمدافن الأزواج.

 

احتوى كل من المدفن التلي كرو 6 وكرو 19، شأن مدافن الجيل A، غرف دفن قطعت في الجبل في الجوانب الغربية كحفر غير عميقة، حوالي مترين في العمق، مع أضرحة تتجه من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي. من بين المدفنين اشتمل كرو 19 على خنادق حفرت في الجهتين المتقابلتين لأرضية غرفة الدفن، وهى خنادق استخدمت بلا شك لوضع سرير الدفن. توفر هذه الحقيقة التأكيد الأول على الدفن على سرير في الكرو وهو مؤشر واضح ليس فحسب على استمرارية تقليد جنائزي نوبي قديم بل كذلك، مرة أخرى، على الأصل النوبي لأصحاب هذه الجبانة12.

المدفنان لهما بنيتين فوقيتين مستديرتين متطابقتين فعلياً من حيث نصف القطر. المدفن التلي كرو 6 بنصف قطر 8.8 متر وكرو 19 بنصف قطر 8.9 متر، كما تشير إليه الخنادق الدائرية في الصخر المحيط بمداخل المدفن. كانت كل واحد من تلك الخنادق أكبر بمتر من المدفن التلي كرو 1. واضح تماماً أن تلك الخنادق حفرت لاحتواء أساسات حجارة مقطوعة ثقيلة، يبنى عليها جدران حجرية محيطة دائرية، سامحة للهيكل الخارجي للبنية الفوقية بأن يبنى جزئياً أو كلياً أثناء عملية تنقيب حفرة الدفن. يمكن أن تكون تلك الجدران قد استخدمت لصد الرياح عن الحفر، حامية لها من الرمال التى تحملها الرياح أثناء البناء أو خلال الفترة الممتدة احتمالاً قبل الدفن. في أعقاب دفن الجنازة، يتم ملئ الفجوة المفتوحة في الجدار الدائري بالركام بحيث تتم تغطية القبر وحمايته. جزء تم الاحتفاظ به من هذا الركام لازال بيناً ويمكن مشاهدته في الصور الفوتوغرافية لأعمال التنقيب (Reisner 1921: 23; Dunham 1950: pl. Nb).

 

مع غلافاتها الحجرية الخارجية، يمكن للمرء أن يظن بأن هذين المدفنين كان لهما جوانب عمودية تقريباً وبدأ كل واحد منهما كأسطوانة مبتورة. آخذين في الحسبان حقيقة أن مدفن واحد كان له ضريح، يمكن افتراض أن ارتفاعهما الأصلي كان على الأقل بمستوى غرفة مسقوفة: أي، احتمالاً بين مترين وثلاثة أمتار. رغم أن الحجارة المستخدمة في الجدران المحيطة قد اختفت كلياً، فإن آثاراً معتبرة للصفوف الأدنى للجدران لازالت باقية. الحجارة المستخدمة في المدفن التلي كرو 6 ذات مقاسات غير منتظمة، في حين أن تلك المستخدمة في المدفن كرو 19، احتكاماً إلى خريطة ريزنر الأصلية للمدفن (شكل 7)، تبدو بكل دقة ذراع مصرية واحدة (52.5 سم) في العرض. كانت جلاميد الصخر جيدة القطع مما يشير إلى أن بناة تلك المدافن، خلافاً لأولئك الذين شيدوا مدافن الجيل ، أصبحوا فجأة أكثر تعرفاً بفنون المحاجر وقطع جلاميد الصخر، وهى حقيقة تشير إلى ارتباط مصري مباشر ببنائها. على أساس جزء واحد محتفظ به من الجدار، يبدو أن الجدران المحيطة كانت أقل من متر في الارتفاع وكانت مستديرة في القمة.

 

بالإضافة إلى تشابهها في الشكل، يظهر المدفن التلي كرو 6 والمدفن كرو 19 أيضاً علاقة وثيقة من حيث ترسباتهما الجنائزية. عثر ريزنر وسط أنقاض السطح داخل معبد المدفن التلي كرو 6 وحوله على مئات شقوف فخار أحمر فاتح مصنوع على عجلة الفخاري وملون بخطوط بيضاء مع أشكال بشرية مرسومة في عجلة لكن بثقة بأسلوب مصري، ويرى دنهام بأنه عمل فنان مصري بلا شك (Dunham 1950: 22, and fig. 11). من الثماني صناديق الكبيرة المليئة بشظايا والمحفوظة في مخزن متحف بوسطن للفنون الجميلة يمكن للمرء أن يفترض تجريبياً أن تلك الشقوف انتمت إلى ست أو أكثر أمفورات كبيرة، والتي زخرفت بعدة طرق. نوع منها يحمل صف أشكال واقفة أشبه بالمحنطة تنظر إلى اليمين. أخرى حملت صف نساء باكيات مع أيديهن متقاطعات فوق صدورهن العارية وهن يتحركن في الاتجاه نفسه. تشير شقفة واحدة إلى أن أولئك النساء الباكيات يتقدمهن رجل واحد أو أكثر. حمل نوع ثالث صف رجال معزين يتحركون إلى اليمين، ويلبسون قمصان وتنورات قصيرة ويضعون يداً واحدة على جباههم. ولأن هذا الفخار حمل تحديداً مناظر جنائزية، فإنه يجوز افتراض أنه أنتج خصيصاً للجنازة. اختلطت مع تلك الشقوف أيضاً شظايا ما لا يقل عن عشرين وعاء صغير، بالإضافة إلى العديد من الوعاءات المقعرة وعلى الأقل كأسين. كل تلك أواني صنعت في عجالة على عجلة الفخاري وهى من نوعية رخيصة، استخدمت للأكل والشرب. أعطت انطباعاً بأنها صنعت بغرض استخدامها لمرة واحدة ذلك أن ممارسة الطقس نفسه مشهودة في مدافن الجيل A. ولأن كل الأوعية والأواني الحمراء تم تهشيمها إلى قطع صغيرة، يبدو أنها هشمت كلها عمداً ووطأت بالأقدام عند نهاية الاحتفال (دفتر يوميات ريزنر 12 مارس 1919).

 

فعلياً يظهر نمط البينة نفسه في المدفن كرو 19. هنا توجد نفس المصنوعات الفخارية الحمراء المصقولة المهشمة على السطح داخل الجدار المحيط، لكن بكم أكبر. الآن فإن كل من الجرار الكبيرة وأوعية الطعام الأصغر مصنوعة بالطريقة نفسها. حملت  الأمفورات بعض السمات الزخرفية الجديدة مع أنها تكاد تكون صورة طبق الأصل من الأمفورات السابقة، وحملت أمفورا واحدة على الأقل بعض الأشكال (شكل 11). يظهر الآن رجال يلبسون تنورات مع شعرهم الطبيعي أو المحلوق كلياً، الأخيرين احتمالاً هم الكهنة. تحوي الأنقاض أيضاً على ما لا يقل عن سبعة وعاءات ملونة، نصف قطرها حوالي 30 سم. كانت تلك تحمل رسوماً على سطحها الخارجي تمثل امرأتين متقابلتين يركعن أمام قاعدتي قرابين، على كل قاعدة رغيف خبز مستدير (Dunham 1950: 73). العديد من شظايا قواعد وعاءات أو جرار حمراء بها ثقوب بحجم الأصبع، مشيرة احتمالاً أنها صنعت كأواني رمزية فحسب، لا كحاويات، وصنعت وهشمت فقط لتغطية حاجة طقوسية.

 

المواد المقدمة حتى الآن يبدو أنها تشير إلى أن كل جنازة شملت تناول المعزين "للعشاء الأخير" مع المتوفي، ويعقبه تهشيم كل الأواني احتمالاً في منطقة المعبد الصغير وحولها (أو، في حالة المدفن كرو 19، في الجانب الشرقي، حيث يمكن أن تكون قد وجدت كوة مفتوحة في المعبد). في المدفن التلي كرو 6 وجدت فقط أمفورا مصقولة حمراء ومزخرفة بأشكال بيضاء، في حين أن أوعية الطعام كانت بلا زخرف وخشنة، لكن في المدفن كرو 19 كانت كل من الأمفورا والأوعية جيدة الصنع ومزخرفة. وبسبب التعبير الطقوسي المتطور فإن المدفن كرو 19 يبدو أنه المدفن المتأخر.

 

إذا كنا قد لاحظنا كيف أن كوة القرابين "النوبية" قد حولت إلى ضريح المدفن "المصري" في تلك المدافن الدائرية، يمكننا أن نلاحظ أيضاً تحول العادة "النوبية" "لقتل" الأواني في أثناء الجنازة، الملاحظة في الموقع 176 في دبيرة شرق، إلى العادة الجنائزية المصرية المعروفة باسم "تهشيم الجرار الحمراء". كان هذا طقساً مشهوداً في العديد من مناظر المدافن في الأزمان المتأخرة للأسرة الثامنة عشر، والتي يقوم فيها المعزون في نهاية الجنازة بتهشيم الأمفورات التى خزنت فيها المأكولات الجنائزية (شكل 12).

 

من البينة الدرامية من مدافن الجيل B، لا يوجد شك في أن المصريين كانوا حينها يقدمون المشورة لزعماء الكرو فيما يتعلق بطقوس الجنائز، ذلك أن الفخار كان بكل وضوح مرسوم عن طريق فنان مصري أو فنان نوبي تلقى تدريباً في الرسم المصري، وكانت الأشكال التى استخدمها مصرية كلياً وتعكس معرفة بالفنون الجنائزية المصرية. رغم أنه لا توجد بينة بعد للتحنيط هنا، فإن بعض الأشكال المرسومة شبيهة بالمومياء. اللافت للانتباه هو حقيقة أن فخاراً مرسوماً كهذا، إلى حد علمي، لم يتم العثور عليه فعلياً في مصر، رغم أن أشكال الجرار متقاربة إلى درجة بعيدة مع الأنواع المصرية13 (Heidorn 1994: 120-122) .

 

أحد أكثر الموضوعات المكتشفة من بين ركام الشقوف في المدفن التلي كرو 6 إثارة، مع ذلك أشدها غموضاً، صفيحة فايانس مستطيلة فيها ثقوب صغيرة في ركن منها، مكتملة لكنها مكسورة إلى أربع قطع. تنشر هنا للمرة الأولى في صورتها الفوتوغرافية الأصلية (شكل 13). يبدو أنها كانت رقعة يحتمل أنها كانت مربوطة بخيط على مجموعة قرابين مخصصة للمدفن. لاحظ ريزنر في دفتر يومياته 12 مارس 1919 بتحديد أنها كانت "مكسورة منذ القديم" (أي، عن عمد). طولها 7.8 سم بعرض 3 سم وتحمل نقشاً عمودياً بهيروغليفات مصرية تخطيطية بلون أسود. للأسف فإن النص غير واضح. يمكن ترجمة الرموز، الباهتة حالياً، بعدة طرق. يبدو أن هنالك احتمال جيد، على كل، انه احتفظ باسم صاحب المدفن.

 

الرموز محتواة داخل مستطيل ملون، يذكرنا بـ الخرطوش لكنه ليس كذلك. شعر كارل-هاينز بريزه، الذى اختبر الموضوع معي سوياً في بوسطن، بأن الرمز الأول كان في الغالب k، أعقبه (Gardiner 1982: sign list E 9) و m (المرجع نفسه sign list G 20)، و r. أعقب هذا لاحقة صوتية غير معروفة، ويبدو أنه محدد اسم مذكر. يبدو أن أية قراءة غير ممكنة بدون وثيقة معززة. مع ذلك، قد يبدو من هذا أن أصحاب تلك المدافن، بحلول الجيل B، توفر لديهم كتاب لهم القدرة على كتابة أسماءهم النوبية الوطنية بهيروغليفات مصرية.

 

مثلهم مثل الجيل A، استمر أصحاب مدافن الجيل B قادرين على اقتناء موضوعات مادية مصرية عالية النوعية – واحتمالاً بكميات أكبر. رغم أن المدفن التلي كرو 6 كان قد نهب وقدم فقط شظايا فايانس أزرق قليلة، فإن الموضوعات المكتشفة في المدفن كرو 19 كانت مثيرة للإعجاب. قُبر صاحب هذا المدفن مع العديد من الأواني الكالسيتية المصرية الرائعة، والتي يمكن التعرف على واحدة منها بدقة من شظاياها كأمفورا كبيرة بمقبض – سير من نوع مصنوعات الأسرة الثامنة عشر المتأخرة، مشابهة للنموذج من المدفن التلي كرو 5 لكنها أكبر (شكل 8). فقط أجزاء من الجوانب بمقبضيها بقيت، إلى جانب غطاء الآنية. هذا الوجود لآنية أخرى تمت الإشارة إليه عن طريق بقاء غطاءها المشابه، ويبلغ نصف قطره 11 سم منحوت من اليشم. وجد مع تلك الموضوعات حشوة رائعة من زجاج أزرق؛ وجزأين مصقولين لدبوس كبير أو قلم كحل من الجرانيت، والعديد من قطع أواني رائعة من فايانس أزرق مع زخرف يمثل توبجية لوتس ملونة بالأسود. تبدو الموضوعات منتمية لتاريخ يعود إلى زمن متأخر من الأسرة الثامنة عشر أو زمن مبكر من الأسرة التاسعة عشر. رغم أن بعض شظايا الفخار المرتبطة بتلك المدافن ربطتها هايدورن (Heidorn 1992: 6-8; 1994: 122-124) ليس فقط بالمرحلة الانتقالية الثالثة لكن أيضاً بمصر العليا، مشيراً إلى صلة مباشرة بين الكرو وطيبة في هذا الوقت. من بين الشقوف المرتبطة بالمدفن كرو 19، تعرفت هايدورن على عدد منها مصنوع من صلصال سمادي، وهو ما قد يشير إلى أصل من مصر العليا، وأخرى من جنس جرار التخزين المعروفة بـ اللافنتين، مما يشير إلى امتداد التجارة مع الشمال – الدلتا والشرق الأدنى (انظر Morkot 1994a: 14-15).

 

أدخل ريزنر فقط المدفن التلي كرو 6 والمدفن كرو 19 ضمن الجيل B، لكن إذا اختبر التوثيق المتعلق بالمدفن التلي 2 المجاور، سيكون واضحاً أن له صلات مادية بالمدفنين بحيث أنه يكاد يكون معاصراً لهما (وهو ما لاحظه أيضاً على قسم السيد Gasmelseed 1982: 95). في المقام الأول فإن موقعه في الجبانة بين المدفن التلي كرو 1 والمدفن كرو 19 يشير إلى أن صاحبه كانت تربطه صلات وثيقة بصاحبيهما أكثر من أصحاب المدافن كرو 9، و 10، و 11، التى ربطه ريزنر بها. تاريخ ريزنر الأخير للمدفن، كان في الواقع قد بنى فقط على أساس حقيقة أن حفرة دفنه كانت سطحية بدون غرفة جانبية، وهى سمة لا تظهر في المدافن الأخرى حتى جيل ريزنر E (كرو 23، 21) لكنه، كما تمت ملاحظته، كان موازياً للموقع 176 في دبيرة شرق. من الواضح أن ريزنر نسبه إلى جيله D (كرو 9، و 10، و11) بسبب أن أطلال بنيته الفوقية بدت أشد قدماً.

 

يبدو واضحاً أن ريزنر أرخ المدافن حصرياً انطلاقاً من نوع الدفن، لكن منهجه هذا قد يكون جامداً للغاية، وأن افتراضه القائل بأن شكلاً واحداً للدفن أو نوع المدفن يمكن أن يكون قد وجد في وقت واحد قابل للخطأ. فكما هو معروف جيداً من مواقع وفترات أخرى، فإن أنواعاً عديدة للمدفن يمكن استخدامها في وقت متزامن لأسباب مختلفة (على سبيل المثال Griffith 1923; Dunham 1963). يختلف المدفن التلي كرو 2 كلياً عن المدفن التلي كرو 6 والمدفن كرو 19، لكنه أيضاً جد متميز عن بقية المدافن كلها في الجبانة. في المقام الأول، لا يشتمل المدفن التلي كرو 2 على جدار محيط ولا على ضريح مثل ما هو مشهود في مدافن الجيل A؛ كذل