استنتاجات: مدافن الكرو والمنظور التاريخي
التحليل أعلاه لسجل الكرو الأثري فيما يبدو يؤكد صحة نظرية ريزنر بأن مدافن الأسلاف من المدفن التلي كرو 1 إلى المدفن كرو 7 تمثل مدافن لستة (أو سبعة) حكام متعاقبين وزوجاتهم الرئيسات، والتى تؤلف الجيل الأول المعروف من بينة النقوش. افترض ريزنر واتبعه دنهام بأن المدفن التلي كرو 1، وهو المدفن الأقدم، شيد في بداية أو منتصف القرن التاسع ق.م.، اعتماداً على فرضية أن كل حاكم شغل العرش بين عشرين (Reisner 1919a: 246; Dunham 1950: 2) إلى ثلاثين سنة. تقييم البينة على ضوء تاريخ مصر المعاصر قد يشير بالفعل إلى أن الجبانة تأسست في 850-830 ق.م.
هذا التاريخ المتدني بصورة غير متوقعة يثير حيرة أكثر من ذي قبل لا بالنسبة لأصل الأسرة فحسب بل أيضاً بالنسبة للفجوة الغامضة في السجل الآثاري النوبي بين القرن التاسع ونهاية المملكة الحديثة. يظل غير مؤكد عما إذا كان غياب بينة آثارية دالة على مواقع إقامة في هذه المنطقة يمثل عملية إفراغ سكاني للنوبة بفعل كارثة بيئية و/أو المغالاة في الضرائب، أو يمثل فترة قلاقل أدت الى تغيير نمط الحياة المستقر إلى نمط بدوي، أو أنه يمثل مغالاة من جانبنا في الكرونولوجيا الحقيقية للمرحلة الانتقالية الثالثة (Morkot 1991b: 213-219; 1994a). تحليل أجري مؤخراً لمصادر مصرية معاصرة عن طريق زيبليوس- شن يبدو أنه يشير إلى أن المرحلة الانتقالية الثالثة (كما تفهم كرونولوجيتها عادة) كانت مشحونة بصلات مصرية-نوبية قوية رغم أن المصادر نفسها تظل صامتة بصورة مخيبة للآمال عن صورة الحياة السياسية النوبية. هذا التكتم نفسه نجده في المصادر المصرية الرسمية للمملكة الوسطى بالنسبة لمملكة كرمة (لخصت تلك المصادر في عمل كندال.
حتى خلال المملكة الحديثة فإن الطريقة التى حُكمت بها النوبة العليا تظل غير واضحة. فيما وراء صاي، تم تتبع الوجود المصري حتى الآن فقط في بنوبس (تبو)، وكرمة، وكوة، وجبل البركل، وكرجس. يحتمل أن يكون موركوت محقاً في طرحه النظري بأن جزءاً كبيراً من إقليم دنقلا تمت إدارته في عهد الأسرتين 18 و19 عن طريق زعماء نوبيين يدينون بالولاء للتاج المصري. عدد مثل أولئك الزعماء، في رأيه، يمكن الاشارة إليه عن طريق "زعماء كوش" الستة المصورين مع ثلاثة من "زعماء الواوات" في مدفن نائب الملك خوي.
حتى عهد تحتمس الثاني ظلت المدن المذكورة أعلاه، التى يربطها طريق المحيلة (عبر الصحراء النوبية) – إذ لم ترتبط كل المدن والقرى عن طريق النيل بأعلى النهر إلى الشلال الرابع – فيما يبدو تحت السيطرة المصرية. يبدو أن معبد آمون الكبير (B 500) في البركل، على سبيل المثال، قد توسع توسعاً كبيراً في عهد رمسيس26. فيما بعد تنعدم أية بينة، باستثناء طبل عمود منقوش خاص بـ مرنبتاح عُثر عليه بالقرب من دنقلا العجوز، دالة على بناء مصري في النوبة العليا. بعد ذلك تظهر فقط نقوش نذرية من أزمان رمسيس الرابع ورمسيس السادس في كوة. يبدو التمثال المشظى الخاص بـ بيكنوير، الذى يرجع لعهد رمسيس التاسع وعثر عليه في جبل البركل، في غير مكانه ويبدو أنه جلب إلى هنا في وقت لاحق، احتمالاً في فترة مبكرة من الأسرة الخامسة والعشرين. يمكن للمرء أن يستنتج فقط أنه في وقت ما خلال أواخر الأسرة التاسعة عشر هجر المصريون إقليم دنقلا الأعلى ومنطقة نبتة، والذى تبعه في الفترة المبكرة للأسرة العشرين هجر بقية النوبة العليا. لا نعرف عما إذا كان هذا الانسحاب نُفذ بسبب حالة طوارئ عسكرية في النوبة السفلى ومصر والتى تطلبت تحويل الرجال والعتاد إلى الشمال، أو أن الانسحاب كان بفعل التحولات في الأوضاع العسكرية في الجنوب وتزايد قوة جماعات نوبية معادية. كذلك غير معروفة ماهية الجهاز الإداري الذى خلفه المصريون وراءهم وطبيعته، كما ولم يتم التعرف على أية بقايا لموقع إقامة يرجع إلى تلك الفترة. بحلول عهد رمسيس الحادي عشر والنزاع بين نائب الملك في كوش بانحسي وكاهن آمون الأعلى في طيبة، فإن النوبة السفلى نفسها خرجت عن قبضة مصر الكاملة وأضحت بالتالي "أرض لا أحد" مع وجود القليل من المدن. بحلول الأسرة الحادية والعشرين، هكذا يبدو، كانت معظم النوبة "مستقلة". كون أن المصريين استمروا يدعون على الأقل شرعية اسمية على النوبة السفلى خلال المرحلة الانتقالية الثالثة، أمر وجد تعبيراً له في الاحتفاظ بلقب نائب الملك في كوش خلال الأسر 21، و22، و23.
ليست هنالك بينة صلدة دالة على صلات دبلوماسية – أو مغامرات عسكرية مصرية مع/في النوبة إلا مع الأسرة الثانية والعشرين، خلال فترة حكم ششنق الأول (حوالي 945-924 ق.م.). تحصل ششنق على منتجات نوبية لآمون الكرنك، وفي العام 25 لحكمه يقال بأن هذا الملك استخدم مرتزقة كوشيين في هجومه على القدس (المرجع نفسه: 295). لاحقاً يخوض خليفته اوسركون الأول الحرب ضد يهودا واضعاً على رأس جيشه قائداً كوشياً باسم زارا. واضح من هذا أن حكام تانيت كانوا يقتنون سلعاً وجنوداً من النوبة، وهو ما يدلل على محافظتهم على صلات مع النوبة – أو مع أجزاء منها. ما من شك في أن حكام تانيت أقاموا تجارة ناشطة مع الجنوب، ذلك أن قائمة الجزية للملك الآشوري آشوربانيبال الثاني (883-859 ق.م.)، كما يشير موركوت، تسمي العاج، والأبنوس، وجلود الأفيال، والقردة الآتية من مصر، كما صورت سلع أفريقية مشابهة في مسلة خليفته شلمنصر الثالث (858-824 ق.م.). لا يوجد ذكر لمن الذى وفر مثل هذه السلع للمصريين، لكن مشيخة الكرو فيما يبدو قد نشأت على خلفية تلك الأحداث.
واحدة من المفاجئات المدهشة الناتجة من سجلات حفريات ريزنر غير المنشورة هي أن الكرو لم تك مجرد جبانة بل مدينة محصنة قديمة (شكل 17). لازال من الصعب تحديد قدم تلك البقايا المدينية، أو عما إذا كانت ترجع لتاريخ سابق للجبانة. يمكن مجدداً طرح إمكانية أن يكون الاسم الحالي "الكرو" استمرارية للاسم المصري القديم كري، وهو المركز الإداري القريب من نبتة في أزمان المملكة الحديثة، وأن المكانين يمكن أن يكونا متطابقين. إذا كانت الكرو امتلكت بالفعل أهمية استراتيجية ترجع بجذورها إلى أزمان المملكة الحديثة، بخاصة كمحطة طريق أو مركز عبور نهري أساسي للطريق التجاري البري وبقيت باستمرار موقع إقامة مأهولاً، فإن الموقع قد يوفر أفضل الآمال للكشف عن بينة أثرية لفترة ما بعد الرعامسة في النوبة العليا. قد تفسر أهمية الكرو الاستراتيجية لماذا تم اختيارها كمركز للحكم من قبل شاغل المدفن التلي كرو 1 ("الملك A"). فيما يتعلق بما إذا كانت الكرو متفردة في النوبة العليا أم أنها واحدة من مراكز السلطة فإن البحث الأثري المستقبلي هو القادر على تحديد ذلك. يمكن للمرء فقط أن يتكهن بالوسائل التى أصبح عن طريقها "الملك A" سيداً على الكرو، ومن هو الملك السابق له الذى حل محله، وبالأهمية السياسية المحلية – والأوسع – للحدث. احتكاماً إلى الظهور المفاجئ لمدفنه في الكرو، يبدو أن "الملك " قد جاء من مكان آخر – لكن لا يمكن تحديد عما إذا كان هذا المكان محلياً أم بعيداً. يدعي ريزنر أنه بحث في دائرة قطر خمسة أميال حول الكرو لكنه لم يجد جبانة مشابهة أو ذات صلة. غض النظر عن من كان، فقد استقر هذا الزعيم هنا، ودعم سلطته، وأسس أسرة وراثية.يشير دفتر يوميات ريزنر بأن ثلاثة مدافن مفترضة للجيل (المدافن التلية كرو 1، 5، 4) لم تك تلية الشكل كما تم نشره، لكنها أقرب إلى بنيات دائرية ذات جوانب منحدرة من حجارة خشنة، أشبه نوعاً ما بالمقابر النمطية للمجموعة الثالثة. كانت، بكلمات أخرى، من نوع نوبي عام، لكن من أين جاءت يظل أمراً غامضاً.
كما أشارت هيدورن، فإن مدافن الكرو المبكرة تلك – وبعض الأواني الفخارية غير المعتادة التى وجدت فيها – تكشف عن علاقات قرابة وثيقة مع جبانة نوبية سفلى في دبيرة شرق، الموقع 176 الذى نقبت فيه البعثة الاسكندنافية المشتركة، والذى ناقشناه أعلاه (الصفحتين 17-18)، والتى لا يوجد نظير آخر لها. العلاقة الواضحة بين مدافن الكرو ومدافن الموقع 176، والعلاقة المحتملة بين سور مدينة الكرو والسور المعاصر لها فيما يبدو في قصر إبريم، يمكن أن يشيرا إلى أنه في وقت ما من المرحلة الانتقالية الثالثة عاش في كل من النوبة العليا والنوبة السفلى أناس نوبيون من أصل غير معروف، والذين ثبتوا حدودهم مع مصر تقريباً في قصر إبريم. ليس واضحاً عما إذا كانوا موحدين سياسياً أم انقسموا إلى مشيخات مستقلة بعضها عن الأخرى، لكن يبدو مؤكداً أنهم كانوا مستقلين عن مصر وأن المصريين جلبوا من حكامهم، أو من آخرين مثلهم، المرتزقة النوبيين والسلع التجارية التى انعكست في الوثائق المصرية والوثائق الآشورية المعاصرة. ولأن مدافن الكرو التلية بمرفقاتها الجنائزية كانت أكثر تطوراً من نظائرها في دبيرة شرق، فإنها تعطي الانطباع بكونها متأخرة بقليل من حيث التاريخ، أو احتمالاً أنها استمرارية لنظائرها الشمالية. من ثم ليس مستبعداً أن يكون "الملك A" قد قدم من الشمال أكثر منه من الجنوب كما ساد الاعتقاد عادة.
الشكل الخشن النوبي الصرف للمدافن الأكثر قدماً الذى شيدته الأسرة الحاكمة الأولى في الكرو لم يتعرض لتأثيرات مصرية سابقة أو إن تعرض فبقدر ضئيل. يبدو أن هذه الحقيقة تثبت بصورة قاطعة أن تلك المدافن انبثقت من فترة أو مكان منعزل ثقافياً عن مصر. شظايا الأواني المصرية من الحجر والفايانس، والمجوهرات الذهبية، والفخار من المدافن، يشير ولا شك إلى وجود نوع من العلاقات التجارية مع مصر عندما تم تأسيس جبانة الكرو. ويبدو محتملاً أن هذه كانت التجارة نفسها التى اشترك فيها سكان دبيرة شرق، حيث أن المصنوعات المصرية من الفايانس المشابهة كثيراً إلى تلك التى تم الكشف عنها في الكرو قد تم العثور عليها أيضاً في الموقع 176. المثير للفضول، أن الكثير من تلك الموضوعات يبدو أن تاريخها يرجع للمملكة الحديثة، وهو ما قاد إلى ارتباك ومجادلات حول تأريخ المدافن الأكثر قدماً في الكرو (لمناقشة الإشكاليات والمجادلات، كما لاحظت هيدورن فإن بعض فخار الكرو من الجيل A، الذى يستمر خلال الجيلين B وC، ليس متشابهاً فحسب في الشكل مع بعض مصنوعات مصر العليا، بل يبدو مصنوعاً من صلصال مصر العليا الكلسي؛ وتبدو الجرار، على كلٍ، ذات شكل مميز بصورة غالبة للمرحلة الانتقالية الثالثة. يبدو أن الاستنتاج الممكن أنه حتى في بداية تواتر مدافن الكرو وجدت صلة تجارية مباشرة ربطت الكرو بمصر العليا والنقاط الواقعة فيما بينهما. بحلول الجيل B، تحتوي المقابر على شظايا جرار تخزين فينيقية، مشابهة لأخرى تم العثور عليها في محتويات مشرقية يرجع تاريخها للقرن التاسع. تلك سوياً مع البينة المعاصرة للسلع التجارية النيلية الجنوبية العابرة إلى آشور، والإشارت في "الكتاب المقدس" للقوات الكوشية المشتركة في الحملة على يهودا، تلمح إلى أن التجارة لا بدَّ وقد امتدت بعيداً فيما وراء مصر إلى المشرق والشرق الأدنى، وأن كوش، أيضاً، كانت تستقبل منتجات الشرق الأدنى بالمقابل. المظهر المتواضع نسبياً لمدافن الكرو الأكثر قدماً يعطي، بالتالي، فكرة خاطئة عن سلطة أصحابها الحقيقية وعن يسر حالهم وعالميتهم، مثله مثل الحجم الصغير للمدافن المتأخرة للأسرة الخامسة والعشرين في الكرو، بعد القليل من الأجيال، والذى يعكس بصورة ناقصة أهمية أصحابها.
حيث أن المدفن النوبي الصرف "للملك A" كان قد أشرف عليه خليفته، فإنه يجوز إدراك أن "الملك B" في بداية حكمه ظل هو الآخر غير متأثر ثقافياً بمصر. بنهاية عهد حكمه، على كلٍ، أصبحت الصورة مختلفة للغاية. فمدافن الجيل B مع بقائها في الأساس ذات طبيعة نوبية إلا أنها بدت الآن مشيدة بعون مصري مباشر. للمرة الأولى شيدت المدافن مع مبنى مقطوع في الحجر، وأن خندق الأساس في المدفن كرو 19 يبدو أنه تحديداً ذراع مصري واحد في العرض. وجد بكثرة فخار أحمر، مصنوع في الأساس لتلك الجنائز، ومطلي بمناظر جنائزية مصرية بأسلوب مصري جيد واستخدم غالباً هنا لتقليد الطقس المصري القديم المعروف بـ "تهشيم الجرار الحمراء". يشير ذلك إلى أن جنازات متقنة لـ "الملك B" وزوجته قد تم تخطيطها وإدارتها عن طريق متخصصين في الطقوس المصرية، والذين لم يكونوا متواجدين عند دفن "الملك A". السمة الجديدة للمعبد في المدفن التلي كرو 6 يجدر النظر إليها أيضاً كتجديد أوصى به مستشار الطقوس نفسه، والذى يبدو، حسب هذا التفصيل، أنه شجع تطوير طقوس جنازة ملكية وتأسيس عبادة أوزريس، وهى إمكانية تبدو أكثر تجلياً بظهور أشكال محنطة على بعض الفخار الملون. تشير لوحات أسماء بالهيروغليفية من الفايانس من كل من المدفنين التليين كرو 2 وكرو 6 أيضاً إلى وجود كتبة مصريين يحاولون تسجيل أسماء الحكام المحليين كتابة. انعدام عناصر الملوكية في الاسم الوحيد الباقي في المدفن التلي كرو 6، على كلٍ، يشير إلى أن أولئك الزعماء لم يدعوا لأنفسهم بعد مرتبة ملكية أو فرعونية.
تشمل مدافن الجيل B ليس فقط المدفن التلي كرو 6 والمدفن كرو 19 بل احتمالاً أيضاً القبر الصغير غير المسور الكرو التلي 2 27 وحيث أن هذا الفرد الذكر يضع كتلة ذهبية منقوشة لآمون، فإنه يبدو أن الرجل وأسرته كنوا احتراماً وتبجيلاً لإله طيبة وأنهم تحولوا أو في طريقهم الى التحول إلى أتباع له. وحيث أن الفخار الكلسي الذى يستمر في تلك المدافن يشير إلى أصل في منطقة طيبة، وحيث أن المستشارين الكهنة المصريين يبدو أنهم كانوا موجودين هنا، فإن المرء قد ينجر إلى الاستنتاج بأن حوافز التجارة والتمصير دفع بها أفراد لهم ارتباطات قوية مع طيبة، تحديداً بالكرنك. التغلغل الفجائي للتأثيرات التمصيرية المشهودة في المدافن تشير إلى أنه بحلول هذا الوقت استقر بعض أولئك المستشارين المصريين المفترضين في قصر الكرو وشكلوا احتمالاً جالية صغيرة دائمة. لا شك أن هذه الجالية كانت لها محطة عبادة صغيرة مكرسة لآمون.
استمرت تيارات التمصير الدرامية خلال الجيل C في شكل المدافن نفسها، والتى تضحي الآن مربعة التخريط والتى ضمت بشكل موحد ضرائح قرابينية. امتلك المدفن كرو 14 غرفة دفن متجهة شرق-غرب، وهو اتجاه ابتعد عن التقليد المحلي وقلد للمرة الأولى العادة المصرية. افترض توروك محقاً تقريباً بأن أصحاب تلك المدافن كانوا قد مارسوا عملية التحنيط. استنتج ريزنر بأن تلك المدافن كان لها بنيات فوقية أشبه بالمساطب، لكن المعطيات الجديدة التى أوردناها أعلاه كشفت عن أن جميع المدافن في الصف الثاني (كرو 14 حتى كرو 7 = الأجيال C حتى 1) أو معظمها اتخذت احتمالاً شكل أهرام صغيرة منحدرة الجوانب أو أهرام مدرجة بنيت على مثل تلك القواعد. يختفي طقس "تهشيم الجرار الحمراء" بعد الجيل C، احتمالاً بسبب أن مثل هذه الاحتفالات استبدلت بإنشاء أضرحة قرابينية منتظمة. لم تكن عادة توفير قرابين الطعام للمتوفي بجديدة على النوبة، لكن شكل الأضرحة القرابينية يبدو مصرياً تماماً، وأن بعض شقوف الفخار من المدفن كرو 13 تبدو الآن تحمل بالفعل آثار عبارة ختب-دي-نسو. يلاحظ أن أحد النصوص يبدو أنه ينتهي باسم غير مفهوم مع محدد للاسم المذكر، لكن، مثل ما هو الحال مع لوح الاسم من المدفن التلي كرو 6، لا يحتوي على أثر واضح للقب ملكي أو لقب أمير.
احتمال أن يكون أسلوب "الهرم – على – مسطبة" الجديد قد كان نتاج تحفيز من نماذج تقليدية مصورة من كتاب الموتى المصري، والذى يصور مثل هذه المدافن. يحتمل أنه منذ نماذج الجيل C لتلك النصوص، سواء أنتجت محلياً أم تم استيرادها، تم توفيرها لزعماء الكرو عن طريق مصريين مزعومين متخصصين في الطقوس. من جانب ثانٍ، يمكن كذلك أن يكون المدفن الهرم قد ظهر في الكرو كنتيجة لتعرف الأسرة على الأهرام النوبية للمملكة الحديثة، والتى غالباً ما تكون قد ظلت قائمة في مواقع إقليم عبري/دلقو وما وراءه. التغير قد يعني أيضاً مؤشراً لتوسع الأسرة شمالاً. على كل حال، هناك شك في أن يكون أولئك الناس، الذين اعتادوا على مدى أزمان طويلة على بناء مقابر تلية لأنفسهم، قد تحولوا فجأة إلى تبني شكل مدفن أجنبي بدون أن يكونوا قد اقتنعوا إما بالصدق الأساسي لنصائح الدين المصري أو بالميزات السياسية المكتسبة في حالة هذا التبني، أو بالاثنين معاً. من هو الذى كان يقوم بالتبشير؟ ومن هو الذى يقوم بتسييس أولئك الزعماء، ولماذا؟
افترض تقليدياً أن التمصير السريع للحكام في الكرو، والمشهود في مدافنهم، قد جاء نتيجة تعرضهم "للهدايّة" من قبل كهنة معبد آمون القريب في جبل البركل، والذى افترض أيضاً أنه ظل فاعلاً، رغم انقطاعه وعزلته عن مصر، على امتداد المرحلة الانتقالية الثالثة. يشير تحليل سجلات ريزنر الخاصة بجبل البركل إلى وضع جد مختلف: أن المعبد، بين نهاية المملكة الحديثة والسنوات الأخيرة من القرن التاسع ق.م. كان خارج الخدمة بل ويحتمل أن يكون قد هُجر تماماً. المفاتيح هي كالآتي. أولاً، أفاد ريزنر انه في معبد آمون الكبير (B 500) كانت أعمدة المملكة الحديثة الواقفة في الغرفة 506، مباشرة خارج المعبد، قد تآكلت بصورة سيئة بفعل هبوب الرياح والرمال في الوقت الذى قام فيه بيَّا بحمايتها بجدار محيط. قد يشير هذا إلى أن الجزء الداخلي الأبعد للمعبد كان بلا سقف وتعرض للرياح والرمال منذ وقت طويل سابق لأعمال الترميم التى أجراها بيَّا، وأن المعبد القديم – واحتمالاً العبادة أيضاً – لم يتم الإبقاء عليها. ثانياً، في حين لاحظ كل من ريزنر ودنهام بأن معبد موت الذى شيده تهارقا (B300) كان قد بني فوق أساسات معبد سابق منذ أزمان المملكة الحديثة. يكشف دفتر يوميات ريزنر (28 يناير 1919) أن جزءاً من B300 شيد مباشرة فوق جدار منهار لمعبد سابق. مرة أخرى، يبدو أن ذلك يشير إلى انهيار طويل للمعابد القديمة وبالتالي عرقلة طويلة للعبادة قبل الأسرة الخامسة والعشرين. الاستنتاجات نفسها يمكن استخلاصها من الملاحظات في دفتر يوميات ريزنر بأن تناثر كتل حجرية لمبان منهارة لـ رمسيس الثاني تم العثور عليها تحت مستوى الأرضية الأقدم للقصر النبتي في جبل البركل (B1200)، والذى يرجع إلى تاريخ ليس قبل حكم كاشتا أو بيَّا. أبعد من ذلك، أقدم نشاطات مبنى المعبد فيما بعد المملكة الحديثة التى تم التعرف عليها إما في جبل البركل أو كوة لا يمكن تأريخها إلى ما قبل حكم آلارا (الجيل المفترض E) أو كاشتا (الجيل 1). في الاجمال، تشير كل البينة الموجودة إلى أنه لم يتم الإبقاء على المعبدين بعد المملكة الحديثة لا في جبل البركل ولا في كوة، وأنه تم هجرانهما أو تدميرهما عن عمد من قبل أناس معادين لمصر ولا علاقة لهم بعباداتها. يبدو أن النشاط الديني لم تتم استعادته في أي من المكانين إلا في منتصف تواتر مدافن الكرو، عندما أصبحت المؤثرات المصرية، المدفوعة بقوى أجنبية، قوية للغاية. إذا كانت كل الاستنتاجات السابقة دقيقة، فإنه سوف يتوجب علينا تحديد "المستشارين الكهنة" في الكرو كمواطنين مصريين معاصرين أكثر من كونهم نوبيين متمصرين أو مصريين متنوبنين الذين استقروا هنا على مدى عدة أجيال. كما ومطلوب منا تفسير تمصير أسرة الكرو، وتحولها إلى عبادة آمون، والتنافس بين أماكن العبادة القديمة في كل من البركل وكوة باعتباره قد وقع بصورة سريعة ونتيجة الاشتراك المباشر للمصريين القادمين الجدد. لكن لماذا لجأت السلطات الكهنوتية المصرية المعاصرة الى الاستقرار في الكرو؟
يشير جزء معتبر من البينة إلى أنه وخلال المملكة الحديثة وجدت علاقة طائفية وثيقة بين معبدي آمون في الكرنك وجبل البركل. بداية من حكم تحتمس الثالث يبدو أن جبل البركل أصبح معبداً - شقيقاً أو "مكتباً فرعياً" للكرنك في النوبة، يشير حجمه الصغير إلى علاقة غير عادية ميثولوجياً ووظيفياً. علاقة المؤاخاة هذه يمكن رؤيتها بسرعة عن طريق دراسة مسلة تحتمس الثالث في البركل، وهي الوثيقة الأقدم في البركل. تكشف المسلة عن أنه وفي فترة الإقامة المصرية الأولى، سمي جبل البركل بـ دو - ووعب ("الجبل النقي") و نسوت - تاوي ("تاج الأرضين"). النعت الأخير مهم بخاصة، ذلك أنه يعرف جبل البركل – تراجعياً ومنذ الآن – كمصدر لصفة آمون الكرنك، "سيد تاجي الأرضين"، والذى كان فعلياً في الاستخدام منذ وقت مبكر من الأسرة الثانية عشر. هذا الطرح الميثولوجي كان يرمي بلا شك إلى تثبيت هذا الجبل الصغير على الحدود كمقر رئيس – احتمالاً المقر البدئي – للمعبود الطيبي، بالتالي إقامة جسر يربط الحد الجنوبي للإمبراطورية بالعاصمة28. ساد الاعتقاد فعلياً بأن الإله سكن داخل جبل البركل، مما أدى إلى ظهور صفته المحلية، هري – اب - دووعب ("هو ذلك الذى في الجبل النقي"). في أبي سمبل يصور رسم بارز في الجدار الجنوبي جبل البركل كجبل شديد الانحدار على هيئة ضريح يجلس عليه الإله متوج