أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

مجلة الآثار السودانية/ العدد السابع/ ديسمبر/ 2005

 

 

 

أربع ألف سنة في النيل الأزرق :

المسارات إلى عدم المساواة وطرق المقاومة

فيكتور فرناندز

شعبة ما قبل التاريخ، جامعة كمبلوتنسى 28040 مدريد، اسبانيا

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

  موجز

  في أصل الثقافات الميزوليتية ومعناها

  العصر الميزوليتي في النيل الأزرق

  الانتقال إلى الاقتصاد النيوليتي

  الفجوة في السجل الآثاري : تراجع أم مقاومة

  الببليوغرافيا

 

 

 

 

الموجز

نطرح هنا، كاستنتاجات عامة للأوراق الخاصة بمشروع النيل الأزرق، بعض الأفكار المقترحة بشأن مجتمعات ما قبل التاريخ التى شكلت موضوعاً لدراسة علماء الآثار الأسبان العاملين في السودان الأوسط خلال التسعينات من القرن المنصرم. اشتمل المشروع على أعمال مسح لمنطقة وادي سوبا الحسيب إلى الشرق من الخرطوم وتنفيذ تنقيب في موقعين للعصر الحجري الوسيط (الميزوليتي) وموقع من العصر الحجري الحديث (النيوليتي) في منطقة وادي سوبا. جمعت المعطيات المستقاة من مصادر مختلفة في محاولة لتركيب رواية تاريخية. تمت ملاحظة آثار بعض الفجوات الآثارية في المنطقة، بخاصة في بداية العصر الميزوليتي ونهايته، حيث شهدت هذه الأخيرة بروز التراتب الاجتماعي وتراجع دور المرأة. تم تفسير الفجوة الآثارية في نهاية العصر النيوليتي بحسبانها ناتجة عن عائق أمام الانقسام الاجتماعي.

 

تم افتراض يقول بأن ثقافات مقاومة مبكرة وتحركات سكانية باتجاه الجرف الإثيوبي بوصفه منطقة لجوء آمنة قد تمت وسط السكان النيليين - الصحراويين ومنطقة الساحل الشرقي.

 

 

 

في أصل الثقافات الميزوليتية ومعناها

تنتمي المواقع الميزوليتية التى تم مسحها والتنقيب فيها في منطقة النيل الأزرق من قبل مشروع البحث الآثاري الأسباني، والذي نُشرت نتائجه في هذا المجلد (Fernández et al. 2003a, 2003b)، إلى "المركب التقني" الهولوسيني الصحراوي - الساحلي المسمى بمصطلحات عديدة مختلفة. تسمية "آثارية جغرافية" موفقة تم طرحها  (Hays 1971: 134) "أسلوب أفق الخرطوم Khartoum-Horizon Style" تشير إلى الزخرف المتجانس للفخار الذى تم الكشف عنه للمرة الأولى في موقع الخرطوم  (Arkell 1949a). الفكرة هي أن أسلوب الفخار نفسه انتشر من هنا إلى مجموعات عديدة مختلفة في الصحراء والساحل، والتي استنبط وجودها السابق قبل انتقال الفخار من تقنياتها الحجرية المختلفة (Hays 1971: 136). تكشف المعطيات الآثارية الحديثة وجود طور قصير "قبل فخاري" أو "ايبي باليوليتي" في الصحراء، وضع كرونولوجياً في الفترة من بداية الظروف الرطبة وانتشار تقنيات الفخار. تم جمع بينة من شمال مالي والنيجر  (Camps 1974: 214-6)، ومن صحراء مصر الشرقية (Gabriel 1977)، ومن شرق السودان (Marks 1987; Elamin 1987)، أو صحراء ليبيا الغربية (Cremaschi and Di Lernia 1998; Garcea 2001). سمي هذا الطور الثقافي في المنطقة الأخيرة بـ "الأكاكوس المبكر"، وأؤرخ بـ 9800 - 9000 سنة مضت. تميزت الصناعات الحجرية لهذه الفترة بتواتر عال للنصال المدببة الظهر كما هو الحال بالنسبة للصناعات المعاصرة لها في المغرب (القفصية)  (Tixier 1963; Camps 1974) ووادي النيل المصري (القارونية والشمارقية) (Wendorf 1968; Wendorf and Schild 1976).

 

بحوالي 9000 سنة مضت، على أية حال، تبنت المجموعات على امتداد الصحراء إنتاج الفخار وفق أسلوب زخرفة مماثل بصورة واضحة بحيث لا يُظهر أية اختلافات على امتداد مساحة بهذا القدر من الاتساع. استخدم أسلوب الطبع بالمهزة نفسه من مناطق الأطلسي، مثل الصحراء الغربية (Almagro 1946: 200-1) أو موريتانيا (Commelin et al. 1992: fig. 3, a-f)، إلى المناطق القريبة من ساحل البحر الأحمر، كما هو الحال في طور ساروبا بمنطقة خشم القربة (Fattovich et al. 1984: fig. 3; cf. Arkell 1949a: 116; Garcea 1993: 189). وجدت تقنية الطبع المحوري المزدوج التناوبي التى تمثل شكلاً من نظام الطبع العام بالمهزة، أيضاً على امتداد الصحراء والنيل (Garcea 1998: 93). انتشر الخط المنقط المتموج بكثرة أيضاً في منطقة الصحراء، لكنه ظهر في وادي النيل في تاريخ لاحق (Ibid.; Caneva 1983; Caneva and Marks 1990; Caneva et al. 1993).

 

لازالت الأسباب الكامنة وراء مثل عملية الانتشار السريعة لموضوع ثقافي منفرد على امتداد مساحة بهذا القدر من الاتساع (أكثر من 6000 كيلو متر عرضاً) بحاجة إلى توضيح. طالما أن الأفق الفخاري في معظم المواقع المعروفة هو المحتوى الثقافي الأول بعد الفجوة الديموغرافية للبليستوسين المتأخر، فإن إشكالية أصول الفخار هي في الحقيقة مشكلة الإقامة الإنسانية المجددة في منطقة الصحراء. حالات مماثلة للانتشار السريع للفخار، مثل الفخار الدانوبي الخطي في أوروبا النيوليتية المبكرة (Whittle 1985) أو فخار نوع اوري لدى البانتو في عصر الحديد المبكر في شرق أفريقيا (Phillipson 1977a)  تم تفسيرها بحسبانها نتاجاً لتوسع المجموعات الإنسانية على امتداد مناطق جغرافية متسعة.

 

فسر سوتون (1974; Sutton 1977) في مقالتين نمطيتين نالتا انتشاراً واسعاً المركب التقني للفخار بالمهزة بحسبانه نتاج الهجرة الأولى للشعوب الزنجية، المتحدثة بتنوعات قديمة لتشكيلة اللغات النيلية - الصحراوية الحالية، خارج موطنهم في أفريقيا الوسطى (الثاني سيكون توسع البانتو، بعد عدة ألفيات لاحقة). كان التوسع مدفوعاً ببداية ظروف رطبة جديدة في الصحراء، وتبنت المجموعات المهاجرة بالتالي توجهاً اقتصادياً يعتمد موارد الأنهار والبحيرات، من هنا التسمية المقترحة "الحجرية المائية aqualithic" لهذا المركب الثقافي. يعتقد سوتون بأن الحركة قد دفعها توسع الغابات الاستوائية في أفريقيا الوسطى (Sutton 1977: 27)، وهو ما يبدو أن المعطيات الجديدة تقدم دعماً له. بعد أن كانت محصورة في "ملاذات" قليلة أثناء ظروف الجليد القصوى في نهاية البليستوسين، تمددت الغابات المطيرة لتصل إلى قمة توسعها بحوالي فترة الهولوسين الأوسط (Lieth and Werger 1989). طبقاً لنظرية معروفة لكنها عرضة للمجادلة (Bailey and Headland 1991)، كانت الغابات الاستوائية بيئة مغلقة أمام بني الإنسان قبل تثبيت التقنية النيوليتية. بالتالي كان رد فعل جماعات الباحثين عن الطعام أمام تمدد الغابات هو الهجرة نحو مناطق أكثر انفتاحاً وفي الشريط الشمالي المباشر "لوسط أفريقيا" سيكون هذا الاتجاه نحو الشمال.

 

بالنسبة للسمات الأنثروبولوجية الفيزيقية، فإن فكرة انتشار عنصر زنجي أساساً عبر الصحراء خلال الهولوسين، والتي كانت شائعة عندما كتب سوتون مقالتيه بعد المعطيات المستقاة من تنوعات هياكل منفردة من الخرطوم المبكرة ومواقع أخرى (cf. Derry in Arkell 1949a: 30-3)، فقد تم رفضها فيما بعد على أساس معطيات متنوعة تدعم وجود سكان شماليين من نوع مشتا (Petit-Maire and Dutour 1987). أظهرت أبحاث حديثة اعتمدت المتغيرات الوراثية، على كلٍ، وجود تنوع وراثي مستمر في كل من منطقتي النيل والصحراء بين السمات الزنجية السائدة في الجنوب والقوقازية في الشمال (Tay and Saha 1988; Fox 1997). غض النظر عن أن هذه الحقيقة قد فُسرت بحسبانها تأتي من تدفق المورثات أو الاصطفاء المحلي، فإن السيناريو هو واحد يمثل التنوع التدريجي على امتداد المنطقة. تظهر مناظر مبكرة في الصحراء الوسطى، أن أسلوب "الرؤوس المستديرة" المعاصر تقريباً للعصر الميزوليتي، أشكالاً بشرية عادة ما تفسر بحسبانها تصور "زنوجاً" (Sansoni 1994; 1998). في فترة "البقريات" التالية والمؤرخة بعد بداية تربية الحيوانات في الألفية السابعة قبل تاريخ اليوم، فإن وجود أشكال عرقية مختلفة مشهود في المنطقة، مع الادعاء بأن الأشكال الزنجية سابقة للأوربية (Muzzolini 1986; Gallay 1987).

 

من وجهة نظر لغوية، تقوت العلاقات بين اللغات النيلية - الصحراوية الحالية والتوسع الصحراوي - الساحلي عن طريق أعمال العديد من الباحثين في السنوات الأخيرة (Bender 1982; Blench 1993: 136; Ehret 2000: 281-9). آثارياً، يبدو أن فرضية الأصل الجنوبي قد تقوت بدورها، حيث أن الكميات الكبيرة من الهاربونات العظمية (المؤشر المتحجر الآخر للمركب إلى جانب الفخار) والتكيف الاقتصادي المائي العام قد تم تسجيله بالنسبة لأفريقيا الوسطى، بتواريخ مبكرة بالنسبة لمواقع الكونغو مثل ايشانجو وكاتندا (McBrearty and Brooks 2000: 503-6, 510-13). هذا العمر الأقدم يبدو أنه يتطابق بل ويسبق الأهمية المدعاة لوادي النيل أو بحيرات شرق أفريقيا كمناطق أخرى لأصل الأحداث الثقافية للهولوسين الصحراوي (Stewart 1989).

 

كان هناك عدد من النظريات بشأن أسباب اختراع الفخار ووظائفه الأولى. أصر معظم المؤلفين على الإمكانيات الجديدة لمعالجة الطعام بالغلي والبخار الذى يجعل الطعام أيسر هضماً وألذ طعماً (e.g. Haaland 1992: 48). وسط الجماعات الميزوليتية للصحراء ووادي النيل يمكن أن تكون الوجبات مؤلفة من النباتات المجمعة (Ibid.)، في الغالب حبوب تكون بذورها قد تم الكشف عنها في الترسبات الآثارية (Barakat and Fahmy 1999) وسجلت طبعاتها على شقوف الفخار في العديد من المواقع الميزوليتية والنيوليتية المنقبة (Magid 1989; 1995; 1999; 2003; Stemler 1990). كما وافترض بأن السمك قد تمت معالجته في شكل مطبوخ أو حساء في جرار فخارية (Sutton 1974; Stewart 1989; Haaland 1992, among others). جمع النباتات وصناعة الفخار المنزلي تم تفسيرهما في العادة بوصفهما نشاطين نسائيين على أساس المعطيات الاثنولوجية الشائعة (Murdock and Provost 1973: table 1). فيما يتعلق بصيد الأسماك، فإن المعلومات المتوفرة اليوم، ومن ثم احتمالاً أيضاً في الماضي، تشير إلى أنه نشاط رجالي في الأساس بنسبة 82% من دراسات الحالة الأفريقية (Ibid.: table 3). يقوم الرجال بتنفيذ نشاطات صيد الأسماك في الساحل ومناطق البحيرات، رغم أن حالات مشهودة لاشتراك النساء مثل ما هو الحال لدى النوير (Murdock 1967: 188). مع ذلك فإنه وفي بعض المجموعات التقليدية في الحدود الإثيوبية السودانية والذين سميوا في السابق بـ "أشباه النيليين" (see map in Fernández et al. 2003a: fig. 1)، مثل القمز، ومبان أو كوما، يمثل صيد الأسماك نشاطاً نسائياً في الأساس (Grottanelli 1948: 300; Cerulli 1956: 18-9).

 

إسهام النساء في صيد الأسماك كان أمراً محتملاً (Barich 1998: 108)، ارتباطهن الأكيد بالفخار والأغذية النباتية يقدم حالة جيدة للدور الأنثوي الهام في التوسع الميزوليتي. نظام تبادل النساء عبر الزواج طُرح كتفسير محتمل للتشابهات في زخرف الفخار الصحراوي (Caneva 1988b: 369). إذا كان من الجائز عد الزخرف والسلوك الأسلوبي العام نظاماً لعرض المعلومات، الموجهة إلى مجموعة سكان مستهدفة والتي تحتاج وتستطيع فك شفرة الرسالة (Wobst 1977)، فإن الرموز المحتواة في الجرار يمكن "قراءتها" من المحيط الأطلسي حتى البحر الأحمر. قد يكون مغرياً تصور أيديولوجيا واحدة مشتركة لكل هذه المنطقة الواسعة. تلميح بعيد لهذا المجال الأيديولوجي يمكن تتبعه في الأسلوب الغريب لمناظر الرؤوس المستديرة للفن الصخري في الصحراء الوسطى. هنا يتفوق عدد أشكال الرجال على النساء لكن يبدو أن الأخيرين يقمن في العادة بدور مهم (Sansoni 1994: 208; 1998: 149). في بعض الحالات يصور النساء بالقرب من حاويات نصف كروية تحتوي احتمالاً على بذور، أو يصورن وهن يرقصن في مناظر "تعبدية"، أجسامهن مزخرفة بموضوعات غنية (خدوش؟) أشبه بمناظر زخرف الفخار (Barich 1998: 112-3). الارتباط العادي بين الموضوعات المصورة على الجرار وعلى أجساد البشر قد تم تسجيلها في أفريقيا. إضافة فإن الفخار المكتشف في نبتا بصحراء مصر الغربية يدعى بأنه ارتبط بوظيفة اجتماعية ورمزية نسبة إلى شحه (Close 1992: 162-3)، كما فُسر التقليد طويل الأمد للفخار السوداني رائع الزخرف الذى استمر حتى العصرين المروي والمسيحي بوصفه بينة دالة على أغراضه الطقوسية (Edwards 1996: 74-5).

 

وجد النساء والأطفال بكثرة في البينة الجنائزية المشهودة من العصر الميزوليتي. في موقع السقاي بالسودان، انتمت أربعة من كل خمسة مدافن لنساء (Coppa and Macchiarelli 1983: 118-22)، والقليل من المقابر التى نقبت في الصحراء، على سبيل المثال في وان موهجاج (ليبيا) وامكني (الجزائر) تنتمي لنساء وأيضاً أطفال (Barich 1998: 111). في موقع مرميدة بني سلامة النيوليتي المصري تم تفسير التداخل الخاص لمدافن النساء والأطفال كمؤشر محتمل للأمومية (Hassan 1988: 169). قامت النساء في النوبة أيضاً بدور هام في المجتمع النيوليتي المبكر، كما هو مشهود من المدافن الخاصة بالنساء والأطفال في جبانة البرقة بالقرب من كرمة (Honegger 2003: 289) والموقع المتميز لبعض مقابر النساء في الجبانة 18 بـ كدروكة (Reinold 2000: 80-1, 2001: 6). في فترة لاحقة تشير معطيات من جبانة كرمة الصغيرة في عبري بشمال السودان (Fernández 1982: 289-302)، والتي كانت فيها مقابر النساء أكثر ثراءً من حيث المحتويات مقارنة بمقابر الرجال، إلى استمرارية الوضع المميز للنساء في المناطق الريفية البعيدة عن سيطرة المراكز مثل كرمة العاصمة نفسها.

 

العصر الميزوليتي في منطقة النيل الأزرق

كشف المسح الآثاري عن معطيات قليلة خاصة بالعصر الباليوليتي في المنطقة. تشير البقايا القليلة من العصر الباليوليتي الأوسط التى تم العثور عليها إلى أن المنطقة لم تك غير مأهولة بصورة تامة، مع ذلك فإنها لا تضيف الكثير إلى ما هو معروف مسبقاً من أماكن قليلة أخرى، مثل سنجة أو أبوحجار (Arkell 1949b: 45-7, pl. 27: 5-7). لم يتم التعرف على أية مواقع من العصر الباليوليتي الأعلى، مع أن أدوات حجرية تعد مميزة لذلك العصر توفرت بكثرة في المواقع الميزوليتية في الوادي إلى الشرق أكثر منها في المواقع النيلية، يحتمل أن يكون ذلك نتيجة تأثيرات ثقافية من شرق السودان حيث تم تسجيل صناعات باليوليتية متأخرة (Elamin 1987; Marks 1987).

 

تشير بينة جيوكيمائية من المستويات القاعدية لموقع المهلَّب إلى أن المناخ كان أكثر رطوبة قبل 8000 سنة مضت مقارنة بالسنوات اللاحقة (Lario et al. 1997). يبدو أن مجمل منطقة البحث تكاد تكون خاوية قبل الألفية الثامنة، احتمالاً بسبب فيضانات النيل الأزرق المتكررة وتكون مناطق مستنقعات بالقرب من مجرى النهر وفي الوديان (Wickens 1982: fig. 6). بشكل ملحوظ، فإن معظم التواريخ من مواقع ميزوليتية أخرى في منطقة الخرطوم هى أصغر من ذلك التاريخ، القليلة الأقدم (من موقع واحد، السروراب، انظر Khabir 1987) غير موثوقة لاحتمال كونها غير مرتبطة ببقايا ثقافية (Caneva 1999: 33). ست تواريخ من أبودربين بالقرب من عطبرة في شرق السودان بين 8640 و 8330 سنة مضت (Haaland and Magid 1995: 49)، قد يكون هذا مؤشراً إلى وجود مؤثرات شرقية في المنطقة. تواريخ من المواقع النادرة المعروفة إلى الجنوب من الخرطوم تلمح حتى إلى تاريخ متأخر للتكيف الميزوليتي: على سبيل المثال 7470- 7050 سنة مضت في شابونا (Clark 1989: 389). فوق ذلك، لم يتم الكشف عن أي موقع ميزوليتي مهم خلال أعمال استكشافنا لمنطقة النيل الأزرق من ودمدني حتى سنجة (Fernández et al. 2003a: sites nos. 85-6, 92). العديد من الشقوف شبه الميزوليتية تم العثور عليها عن طريق المؤلف أثناء أعمال تنقيب حديثة في إثيوبيا بالقرب من الحدود السودانية (سقيفة بل كرمكو الصخرية في أسوسا، بني شنقول)، في مستوى مؤرخ بـ 5000-45 سنة مضت. كرونولوجيا مبكرة أكثر تم اقتراحها بالنسبة للقليل من الشقوف المزخرفة بخط متموج عُثر عليها في حوض بحيرة تركانا (Phillipson 1977a: fig. 16, 10; 1977b: fig. 19, 3). كل هذه البينة، رغم شحها، تلمح إلى أصل صحراوي أكثر منه وسط أفريقي لثقافة الخرطوم المبكرة، والتي بدأت احتمالاً في تاريخ متأخر مقارنة بمنطقة القلب الميزوليتي (cf. Close 1995: table 3.1).

 

ما يميز منطقة الخرطوم بوضوح، عند مقارنتها بالمناطق المجاورة، هو وفرة الخط المحفور المتموج مقارنة بأشكال الزخرف الأخرى، تحديداً الطبع بالمهزة الذى يميز المناطق الأخرى. يوجد الخط المحفور المتموج كذلك في المناطق النيلية، لكن بدرجة أقل : 4% في شابونا (Clark 1989: fig. 12)ا، 11% في أبودربين (Haaland 1995: 113) وحوالي 16% في إقليم دنقلا (Shiner 1971: 141). بعض المواقع التى قمنا بمسحها والتنقيب فيها، مثل كارنوس أو شيخ مصطفى، تحتوي على نسبة من الشقوف المزخرفة بالخط المحفور المتموج تبلغ أكثر من 60%  (see Fernández et al. 2003a: table 5). تواتر عال تم تسجيله أيضاً في موقع الخرطوم المبكرة (Mohammed-Ali 1982: 76). تشير نتائجنا الإحصائية إلى أن مواقع أكثر قدماً منتجة فقط لفخار مزخرف بخط محفور متموج بدون نوع المزخرف بالمهزة يمكن أن توجد ويمكن الكشف عنها في المستقبل (Fernández et al. 2003a: fig. 46). اختراع تقنية الخط المتموج في هذه المنطقة يمكن التكهن به باطمئنان ويحتمل ألا يكون تأصل الخطوط المتموجة في المناطق الأغنى بالمياه من بين كل امتداد المركب المائي مجرد صدفة فقط. لاحقاً استخدم الرمز نفسه ليمثل الماء في الخط الهيروغليفي المصري (Wilkinson 1992). الاستبدال التدريجي للزخرف المطبوع بالمهزة بزخرف خطي متموج كتقنية أساسية للزخرف، وهو ما يشهد عليه التواتر والمعطيات الاستراتيجرافية في كل من النيل الأزرق ونهر النيل، قد يكون انعكاساً لتأثيرات ثقافية متصاعدة من منطقة الصحراء. أيضاً فإن الوصول المبكر للفخار المزخرف بالخطوط المحفورة المتموجة إلى النيل، وهو مشهود في بعض مواقعنا، يشير إلى وجود صلات صحراوية خلال معظم العصر الميزوليتي. ثقافياً تنتهي منطقة السودان الأوسط بفقدانها لأصالتها وباندماجها في منطقة صحراوية أكبر. القليل من المواقع المكتشفة خلال أعمال المسح يمكن ربطها بالطور المتأخر للعصر الميزوليتي في المنطقة، والمتميز باختفاء الفخار المزخرف بالخطوط المتموجة ووفرة الفخار المزخرف بالمهماز (Caneva and Marks 1990: 21-2; Caneva et al. 1993: 247-8).

 

على ضوء توزيع مواقع الإقامة الميزوليتية على امتداد المنظر الطبيعي للنيل الأزرق، تم استنتاج نموذج للتحركات الفصلية بين منطقتي النيل والوادي. احتمالاً شأنهم شأن النوير الحاليين (Evans-Pritchard 1940)، تحركت المجموعات باتجاه النهر وتنقسم إلى أجزاء صغيرة مع بداية فصل الجفاف، مركزة تدريجياً على مصادر المياه المتوفرة بنهاية الفصل. تم تثبيت أن المواقع الآثارية الصغير منها والكبير والمسجلة في المنطقة النهرية يمكن أن تتوافق مع معسكرات بداية العصر ونهايته. يبدو أن القرى الأكثر ديمومة تم تشييدها خلال موسم الأمطار وفيضان النهر، حين يمكن للناس الارتحال من السهل الغريني إلى منطقة الوادي حيث جعلت الأرض المنحدرة الإقامة ممكنة. تحاليل بقايا الأسماك (Chaix 2003) واللقاحات (López and López 2003) تشير إلى قرب مياه العمق في موقع الوادي (المهلَّب). كذلك تتوافق أنماط الإقامة وإحصاء الفخار (Fernández et al. 2003a: section 6) مع النموذج الذى سبق اقتراحه على أساس التناظر الاثنوغرافي (Clark 1989: fig. 14).

 

قائمة المكتشفات الغزيرة التى عثر عليها في معظم المواقع تشير إلى أن المجموعات أتت سنوياً إلى النقطة نفسها، حيث احتفظوا في الغالب بجزء من متاعهم الشخصي المادي، على سبيل المثال حجارة الطحن الثقيلة، عندما يتحركون إلى معسكرات وقرى جديدة. يحتمل كذلك أن يكونوا قد هجروا بعض جرارهم، لهذا السبب نجد الآن الكثير من الشقوف في المواقع. حوالي 150 شقف بمعدل متر مكعب من الترسيب الآثاري تم تسجيلها في شيخ مصطفى، بل حتى أكثر، 275 شقف في المتر المكعب في المهلَّب. الحجم المتوسط للشقوف في موقع شيخ مصطفى 7.3 سم2، والذي يمثل 0.4 % من مجمل ا