مجلة الآثار السودانية/ العدد السابع/ ديسمبر/ 2005
بعض
الملاحظات
حول
المصطلحات
الصحراوية
علم
آثار ما قبل
الرعاوة في
الصحراء
الليبية ووادي
النيل الأوسط
سافينو دي ليرنيا والينا جارسيا
ترجمة د. أسامة عبدالرحمن النور
المصطلحات الفنية : إعادة تقييم؟
3.
علم آثار ما
قبل الرعاوة :
عرض موجز
تمثل
المصطلحات الفنية
موضوعاً
للجدل في مجال
دراسات ما قبل
تاريخ
أفريقيا وتصبح
أكثر إشكالية
مع تقدم
البحث. أهمية
الوصول إلى حل
لهذه
الإشكالية تم
الإحساس بها
وجرت
مناقشتها.
الحاجة إلى تشييد
مصطلحات فنية
متعارف عليها
في علم الآثار
تمثل مهمةً
ابستمولوجيةً
وأداةً
ضروريةً
للتواصل بين
الباحثين.
معظم
المصطلحات
المستخدمة في
مجال ما قبل
تاريخ
أفريقيا
مشتقة من محتويات
أوروبية وشرق
أوسطية، كما
تأصلت في تلك
المناطق. في
هذه الورقة
سنحاول
مناقشة هذه
المنطقة،
تحديداً منطقة
تادرارت
أكاكوس (جنوب
غرب ليبيا)
ووادي النيل
الأوسط. تشديد
خاص سيتركز
على مجموعات الهولوسين
التى تتميز
بالاعتماد
على اقتصاد استحواذي.
المصطلحات
الفنية :
إعادة تقييم؟
خاض
المتخصصون في
الدراسات
الأفريقية
(Mudimbe
1988; Irele 1991;
Andah 1995) معركة
محددة ضد
استخدام
المصطلحات
الآثارية
الأوربية
الاشتقاق،
بهدف التأكيد
على استقلالية
المسارات
الثقافية
التى تميز ما
قبل تاريخ
أفريقيا :
استخدمت
مصطلحات
العصر الحجري
المبكر،
والعصر الحجري
الأوسط،
والعصر الحجري
المتأخر
لتحديد
العمليات
التقنية
لأركيولوجية
البليستوسين،
مع أن العديد
من الباحثين
استمروا في
استخدام
مصطلحات مثل
الأشولي
والموستيري.
يمكننا أن
نشير إلى
المجهودات
المتكررة للمؤتمرات
"الكل
أفريقيةPan-African
Congresses"، التى أفضت
إلى تأسيس
ما يسمى بـ "مجلة لجنة ما قبل التاريخ للمؤتمر الكل أفريقي للمسميات والمصطلحات
الفنية
PanAfrican Congress of
Prehistoric Commission on Nomenclature and Terminology Bulletin" من أجل
تغطية
الاحتياج إلى
تشييد
تواترات أفريقية،
بدلاً عن
التواترات
الأوربية.
المسارات
نحو إنتاج
الطعام والمصطلحات
الفنية
المستخدمة
لها من المسائل
الأكثر عرضة
للجدل في مجال
دراسة ما قبل
تاريخ
أفريقيا، كما
تدل على ذلك
كمية
المصطلحات
المختلفة
المستخدمة. تم
استخدام
مصطلحات فنية
مثل الايبي
باليوليتي
Epipalaeolithic،
والميزوليتي
Mesolithic،
والكراميكوم
Keramikum أو عصر
الفخار
Ceramic Age،
والنيوليتي
الصحراوي السوداني
Saharo-Sudanese Neolithic
وأخرى، كلها لتعريف الجماعات البشرية التى اشتركت في محتوى ثقافي واقتصادي واحد. في
عام
1967
اقترح ج. ستون
الإقلاع عن مصطلح النيوليتي بالنسبة لشرق أفريقيا
(Quoted
in
Sinclair-Shaw-Andah 1993)،
ولازال أ.ب. سميث يتحدث اليوم عن
النيوليتى بوصفه
("مفهوماً
بربرياً" للصحراء)
(Smith 1996). تم اقتراح مصطلح الميزوليتي للمرة الأولى من قبل
أ.ج. آركل (Arkell 1949)، ومن ثم
تعرض للقبول
والرفض عدة
مرات.
في
اعتقادنا أن
التواصل بين
الباحثين يجب
تنقيته عن
طريق التحليل
اللغوي
والابستمولوجي.
كالعادة، فإن
المجادلات
تعتمد أساساً
على الظواهر التشخيصية
والأساسية
لتمييز
الظواهر الأساسية
للمجتمعات
القديمة.
اختلاف أساسي
يمكن تتبعه
بين الباحثين
المتحدثين
بالإنجليزية
وأولئك
المتحدثين
بالفرنسية،
حيث يشدد المتحدثون
بالإنجليزية
على الظواهر
الاقتصادية
في حين يشدد
الأخيرون على
العناصر التقنية،
مثل الفخار.
تم
بالفعل الإحساس بأهمية
هذه المسألة
وضرورة إيجاد
حل لها وجرت مناقشتها
(على
سبيل المثال Safa Conference, Los Angeles 1992).
وقد كشف المؤتمر العاشر لما قبل التاريخ والدراسات اللصيقة، وكذلك المؤتمر الثالث
عشر لعلوم ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر، الحاجة الماسة العاجلة للوصول
إلى اتفاق
وسط مختلف الباحثين. مثل هذه الربكة المصطلحاتية لا تخفي فحسب مواقف أخلاقية مختلفة
(أي،
مصطلحات أفريقية في مواجهة مصطلحات أوربية)،
بل أيضاً تردداً نظرياً لتحديد الظاهرة الثقافية وتبيان
التعقيدات الأنثروبولوجية.
التناقض الظاهري
لأعمال
التنقيب الآثاري أننا نعرف من أين نبدأ، لكننا لا نعرف أين ومتى سوف ننتهي. في لحظة
العمل نكون مدركين لكل المعلومات التى نجمعها. فقط بعد التحاليل المعملية ومعالجة
المعطيات يمكننا الخروج بتواترات كرونولوجية، وتوزيعات عامودية وأفقية، وتنوعات في
السجل الآثاري. تشكل تلك المعطيات بينة صلدة نشيد على قاعدتها تفسيراتنا.
تنتج التغيرات من مقارنة المعطيات الهادفة
إلى فصل الظواهر التشخيصية. عرف جوردون
تشايلد
(Childe 1956: 123) "الثقافة" بوصفها مجموع أشكال تترابط بصورة متكررة
وشاملة مع بعضها الآخر وتتوافق مع نمط توزيع
معروف. مع ذلك، فإن السؤال الخاص بتعريف الثقافات عن طريق السجلات الآثارية يتأصل من الحاجة
إلى افراز عدم الاستمرارية في إطار سلوكيات تبدو متجانسة على امتداد فترة زمنية غير
متقطعة
(Otte 1985: 420).
يرى
ترنكاوس
بأن
الاختلافات الطفيفة يمكن تقديرها بيسر أكثر في السجل المتوفر، طالما أن علم الآثار
يمكنه في الأساس تبيان التغيرات طويلة الأمد
(Trinkaus 1987).
أعداد لا تحصى من المعطيات يمكن فقدانها بداية أثناء تجميعها، من ثم خلال عمليات ما
بعد الترسيب، وأخيراً أثناء أعمال التنقيب وبعدها.
لا
تمثل
"الثقافات"
ما قبل
التاريخية
المعروفة
بالضرورة
هُويَّات
ثقافية مختلفة.
يرى جيمس ساكت
بأن علم
الآثار يمكن
أن يوفر نتاجات
مادية و،
بالتالي، فإن
بمقدور علماء الآثار
فقط تحديد
التنوعات
المتكررة في فترات منتظمة،
أو التنوعات الأسلوبية في الأدوات الصنعية
(Sackett 1977;
1990). وفق هذا المنظور، فإن
التنوع الشكلي يكون "محدداً للأسلوب". مدت مارجريت كونكي التناول المادي
إلى منظور
أوسع لا يحدثنا فيها الأسلوب عن الثقافات أو المجموعات، بل عن "المحتويات التى يتم
فيها حشد المجموعات أو أية ظاهرة اجتماعية/ثقافية أخرى بوصفها عمليات"
(Conkey 1990:
15).
في
واقع الأمر، يمكن فهم الأدوات الصنعية وتنوعاتها بصورة أفضل إذا تم ربطها بمحتواها
الاجتماعي والثقافي. فوق ذلك، كما يشير ستيفان ج. شينان، فإن "الثقافات"
هي أيضاً
"طريقة لتصنيف تنوعات مكانية في السجل الآثاري"
(Shennan 1989: 6).
في اعتقادنا أن المنتجات المادية الناتجة عن البحث الآثاري يتوجب
إخضاعها إلى
معالجة أكثر اتساعاً تربط التنوعات الأسلوبية بالتنوعات الثقافية، والاقتصادية،
والكرونولوجية، والمكانية. يعيدنا هذا
إلى مارسيه ماوس، الذى
يرى
بأن
التقنيات تعمل الصناعات والحرف، وأن التقنيات، والصناعات، والحرف سوياً تعمل
الأنظمة التقنية للوجود
(Mauss 1947).
بمعنى أنه لا يجب فصل التقنيات عن الأنظمة أو المحتويات التى تنتجها.
تحدث كل التغيرات، سواء الأسلوبية، أو الاقتصادية، أو الثقافية في سلسلة متصلة بلا
بداية وبلا نهاية، وهو ما يصعب على علماء الآثار تتبعه. هذا هو الحد الحقيقي للبحث
الآثاري. الطريقة الوحيدة لتجاوز الحد هو وضع معايير قياس رمزية للتعرف على
الاختلافات وقياسها. طبقاً لـ ترنكاوس، فإن هدفنا هو دراسة التغيرات وتثبيت الحدود
أثناء عملية نمو مثل تلك التغيرات
(Trinkaus 1987).
ليس
السجل
الآثاري أكثر
من مجرد جزء
صغير من البينة
الدالة على
عملية مستمرة
يتطور من خلالها
المحتوى
ويندمج في
آخر. لا
نتعامل
مطلقاً مع
تتابع وحدات
منفردة،
منفصلة، لكن
مع أشكال
للسلوك دائمة
التغير
وتكيفات
للثقافات الإنسانية
في البيئة
الطبيعية.
مع
ذلك، فإن
النزعة
لتورخة
الماضي
وتقسيمه إلى
مراحل تبدو
وكأنها تحدٍ
ضروري رغم صعوبتها. وفقاً لـ كلفورد جيرتز، فإن ذلك مزعج بخاصة طالما أن هنالك
العديد من الطرق لفعل ذلك، وكل طريقة تبدو قسرية، ترتبط كلياً تقريباً بأسئلة ذات
طبيعة تلاءم الوصف
(Geertz 1995).
على مستوى عملي أكثر، عندما تكون الاختلافات الأسلوبية مدركة وعندما تتطابق مع
التنوعات في بينة البقايا الحيوانية، والبقايا النباتية، والبينة الجيولوجية و/أو
الراديومترية، فإنه يبدو صحيحاً التعرف على الآفاق الثقافية والاجتماعية-الاقتصادية
المختلفة وتحديدها. لاحظ دانيل كاهن أن الجهد الأول لعلماء ما قبل التاريخ يوجه
لوصف، وتصنيف، وتفسير، وترتيب المواد الأثرية طبقاً لوحدات متماسكة ومتكررة،
والمتوفرة في إطار استقرار محدد جغرافي وكرونولوجي
(Cahen 1985: 39).
يمكن إفراز مجموعات مختلفة على أساس مقارنات كل عنصر في السجل الآثاري.
أنجز
الباحثون في علم الآثار الحديث تقدماً نسبياً في الإطار النظري الآثاري، والذين
شددوا على العمليات أكثر من الأحداث
(على
سبيل المثال
Binford 1965;
Flannery 1967).
مثل هذا التناول اعتمد بصفة رئيسة على تحليل الثقافات المادية وعلاقاتها مع أنماط
الإقامة وفق منظور وظيفي. تناول "غير رسمي" ما بعد عملياتي لما قبل التاريخ يهدف
إلى إغفال إعادة التركيب الآثارية "المعتمدة على الناس"، مشدداً على تحليل "معتمد
على الفرد"
(على
سبيل المثال
Hodder 1985).
مع ذلك، يبدو أن هذا التناول يربط بطريقة خطيرة ما قبل التاريخ بأفكار أساسية نظرية
الطابع.
بدون شك فإن إسهاماً أساسياً في خلق النماذج الآثارية يقدمه علم الاثنوأركيولوجيا
(على سبيل المثال
Binford 1968;
Lee and DeVore 1968;
Gould 1980): حتى إن جاز عدها
بكونها تتسم بفوارق نظرية كثيرة
فإن الاثنوأركيولوجيا توفر أفضل الأدوات لاختبار "مطارقنا" المنهجية
(Moore
and
Keene 1983)
ولمراجعة قدرتنا على حل سجلات الماضي الآثارية عن طريق تحليل فعلي/حي. أما بالنسبة
للاثنوأركيولوجيا الأفريقية، فإنه توجد بعض الدراسات المهمة
(لعرض
للأعمال
الأفريقية
انظر
Atherton 1983;
Agorsah
1990)، رغم أن هذا المجال لا
يبدو مستغلاً بصورة كاملة، حيث أنه توجد إسهامات قصيرة أكثر من "نماذج
نظرية عامة" لتحليل المجتمعات
الماضية
(Yellen
1977: 2). طبقاً لـ اثرتون، فإن
التناول الاثنو تاريخي هو الآخر لم يطبق بصورة شاملة، في منطقة واعدة بدرجة عالية
مثل أفريقيا
(Atherton 1983: 79).
يتعامل
علم الآثار مع
الأدوات
الصنعية والعمليات،
وهدفنا هو ربط
الأول
بالثاني وفق
إطار
أنثروبولوجي
مقنع ومطور
سلفاً: إذا
نجحت مثل هذه
المحاولة،
سيكون ممكناً
ترجمة الأدوات
الصنعية إلى
"ثقافات"
وإعطاءها
مسميات. يتضمن
ذلك نسب
مسميات
اصطلاحية
وتطوير
مصطلحات فنية
بهدف تيسير
التعرف على
الآفاق
المختلفة.
ما
نقترحه هنا هو
تمييز الآفاق
المختلفة لفترة
ما قبل
الرعاوة التى
يمكن التعرف
عليها في الصحراء
الوسطى ووادي
النيل الأوسط
والأعلى خلال
الهولوسين
المبكر،
اعتماداً على
تحليل كل من
المعطيات
الميدانية
والأدبية.
3.
علم آثار ما
قبل الرعاوة :
عرض موجز
علم
آثار "ما قبل
الرعاوة"
مصطلح يستخدم
عموماً لوصف
الجماعات
البشرية
للصحراء
الوسطى.
الهولوسين
المبكر: غياب
إنتاج الطعام
هو القاسم
المشترك
الأدنى،
بافتراض
مسارهم الثقافي
نحو اقتصاد
رعوي. في
المجادلات
الآثارية، تُعد
البادئة "ما
قبل"
شيئاً غير متبلور مقارنةً بسمات ثقافية واضحة المعالم، لكن علينا ألا ننسى أن مثل
هذا الشعور يتعايش في الغالب مع مصطلح "ما قبل التاريخ" نفسه... ففي اعتقادنا أن
علم آثار "ما قبل الرعاوة"،
والذي استخدم بصورة واسعة مصطلحاً افتراضياً لتجاوز
استحالة وجود مصطلح فني مشترك أكثر دقة
(Garcea 1993)، يشمل العديد من السمات المختلفة،
والتي يمكن أن تحدد
محتويات أنثروبولوجية متنوعة لمجموعات الهولوسين المبكر
(di Lernia 1996).
تقود
نظرة عامة لمواقع ما قبل الرعاوة في الأكاكوس في الصحراء الليبية
(Mori 1965;
Barich 1987c;
Lupacciolu 1992;
Cremascho and di Lernia
1998) إلى الاعتراف بوجود تمايز واضح في التواتر الذى عد في
السابق غير متمايز لفترة ما قبل الرعاوة في العديد من المواقع
(di Lernia
1996)، مثل تين طره شرق وتين
طره الكهفان في الأكاكوس الشمالي
(Barich 1987a;
Barich et al. 1984)،
ووان أفودا
(Cremaschi
and di Lernia 1995;
di
Lernia 1996)، ووان تابو
(Garcea 1992;
1996b)
في السلسلة الوسطى
(شكل
1).
انطلاقاً من البحث الجاري عن طريق البعثة الإيطالية الليبية المشتركة لجامعة روما
"لاسابينزا"، فإن كهف وان أفودا هو الموقع الأول الذى يمكن التعرف فيه على مثل هذا
التمايز
(Cremaschi
and
di Lernia 1995)، ذلك بفضل التواتر
الاستراتيجرافي البالغ 4 أمتار في سمكه
والذي يوجد في حالة حفظ جيدة
: إقامة
بليستوسينية متأخرة مشهودة من خلال القليل من أدوات غير متآكلة من الباليوليتي
الأوسط. أعادت مجموعات ايبي باليوليتية الإقامة مجدداً في الكهف مع بداية الهولوسين
(تمتد التواريخ بالكربون
المشع14 من
9765 إلى
9260 سنة مضت). تُظهر تلك المواقع
تنظيماً متعدد النشاطات، اصطياد اصطفائي للخراف البربرية
(مشهود فقط وجود نوعين،
ويمثل الاموتراجوس
80%)، وصناعة صوانية متنوعة
مع طقم أدوات ميكروليتية من الكوارتز والكوارتزايت. لا وجود لبينة للفخار، مع تشديد
فيما ندر باتجاه معالجة الحبوب واستغلال النباتات.
على العكس، تشير تراكمات كبيرة من بقايا تبن ونبات إلى إقامة مجموعات لاحقة والتي سميت في البداية بـ "الميزوليتية": منطقة إقامة كبيرة، ومناطق وظيفية متخصصة، وبروز مخزون تقني متنوع، مثل إنتاج فخار متطور، ووجود مكثف لأدوات طحن وصناعة ماكروليتية من حجر رملي هي السمات الأساسية. يُظهر هذا الطور مدى واسع من الموارد الحيوانية: العديد من الأنواع مشهودة، ثد