|
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السـودانية |
|
مجلة الآثار السودانية/ العدد السابع / ديسمبر 2005
الهولوسين المبكر وظهور الاستقرار في منطقة عطبرة
راندي هالاند
ترجمة أسامة عبدالرحمن النور
مواقع نهر عطبرة في محتوى ثقافي أوسع
النتائج الديموغرافية للاستقرار
بدأ العمل الميداني في منطقة نهر عطبرة عام 1984. كان الهدف الأساسي للعمل هو مسح وتنقيب مواقع قد تسلط اضوء على الشروط المسبقة للانتقال إلى إنتاج الطعام وعواقبه. امتدت المنطقة التي كان من المفترض مسحها والتنقيب فيها على طول نهر عطبرة ونهر النيل. لم يسبق أن أجري عمل ميداني في هذه المنطقة. كان البحث الآثاري في السودان قد تركز على امتداد النيل في منطقة الخرطوم (Krzyzaniak 1978, 1992; Mohammed Ali 1982; Caneva 1983, 1988; Haaland 1981, 1987; Tigani el Mahi 1988; Clark 1989; Khabir 1987; Magid 1989). القليل من العمل نفذ في مواقع ما قبل تاريخية بين هذه المنطقة ومنطقة الجندل الثالث في الشمال، الاستثناء هو العمل المنجز في منطقة شندي (Geus 1984; Reinold 1987)، وفي منطقة شقدود (Marks and Mohammed Ali 199). في الشمال نفذت أعمال إنقاذ واسعة إرتباطاً بالحملة النوبية وهي أعمال تم تناولها بصورة مستقلة في ورقتي سيف سودربيرج ونوردستروم المقدمتين لهذا المؤتمر. بالتالي فإن عملنا غطى فجوة مهمة.
أجري العمل الميداني عن طريق أنور عبدالماجد وعلي التيجاني الماحي وشخصي. نفذنا خمسة مواسم (لم يشترك علي التيجاني في موسم العمل الأخير)، وكانت أكثر المعطيات لفتاً للانتباه حتى الآن من ثلاثة مواقع يرجع تاريخها للهولوسين المبكر. وفرت لنا المواقع تبصراً جديداً في الإشكاليات ذات العلاقة بالتحول إلى شكل من الاقتصاد واسع الطيف وبظهور الاستقرار. لم نسجل مواقع إقامة يرجع تاريخها للهولوسين الأوسط، أي، مواقع نيوليتية. يحتمل أن يكو سبب ذلك حقيقة أن كل المواقع في المنطقة كانت قد تعرضت لتدمير كبير. يبدو أنه كانت هناك إقامة نيوليتية متأخرة في معظم مواقع الهولوسين المبكر. يمكن رؤية ذلك كطبقة نحيفة للغاية تعرضت للتعرية حاملة لمواد نيوليتية من فوق تلال الإقامة الهولوسينية المبكرة وكمواد انجرفت إلى السهل المحيط. العنصر الآخر الذي أثر على غياب مواقع نيوليتية في المسح الذي أجريناه، يرجع إلى تغير مجرى النهرين. انخفاض معدل هطول الأمطار من الهولوسين المبكر إلى الهولوسين الأوسط غير الأراضي المغمورة بالفيضان والتي أصبحت أكثر ضيقاً وانحصرت الإقامات في الغالب في حدود المناطق المأهولة أو المزروعة بكثافة في الوقت الراهن. المواقع الثلاثة التي قمنا بالتنقيب فيها هي : أبودربين، والدامر، وانيبس. تقع المواقع كلها على حصي نهرية قديمة على امتداد نهري عطبرة والنيل. المواد التي تمَّ العثور عليها في المواقع تنتمي لثقافات مائية نموذجية كما وصفها سوتون في 1974. استغل الناس القاطنون في تلك المواقع طيف واسع من الموارد لكنهم اعتمدوا بثقل على موارد مائية تشتمل على ما يزيد عن الثلاثين نوع من الأسماك (تعرف جوريس بيترز على تلك الأنواع). الفخار الذي اكتشفناه كان من النوع الحامل لزخرف متموج منقط، كما وعثرنا على حربونات عظمية نموذجية، والمرتبطة بمثل هذا النوع من المواقع. كذلك واضح وجلي وجود حجارة طحن وبينة دالة على تجهيز طعام نباتي. اللافت للانتباه بصفة خاصة هو الكشف عن عدد من المقابر. وجدت تلك قائمة في الأطراف الهامش لمناطق الإقامة، ويبدو أنها أقيمت في إطار منطقة محصورة، لم توجد مبعثرة في الموقع. طالما أن المقابر في داخل أنقاض الإقامة فإنه يصعب إلى حد ما تحديد ما إذا كانت هناك مرفقات قبر وضعت عن عمد داخل المقابر. تأخذ في الظهور فيما يبدو كنمط ظاهرة وضع رخويات مائية طازجة بصورة طقوسية مع المتوفي كمرفقات قبر، قطعت بعض أصداف المحار وبريت في أطرافها عن عمد على هيئة مثلث حاد. وتشير المواد المكتشفة إلى أن سكان تلك المواقع استغلوا طيفاً واسعاً من الموارد: صيد الأسماك وجمع الرخويات، وصيد الحيوانات الصغيرة والكبيرة وجمع النباتات.
يبدو أن التشديد الأساسي تركز على الموارد المائية. تم استغلال قرابة الثلاثين نوع من الأسماك وثلاثة أشكال مختلفة من الرخويات. من بين أنواع الأسماك التي تم اصطيادها تلك التي تعيش في السهل المغمور بالفيضان (Clarias, Barbus, Tilauia) إلى جانب الأشكال التى تعيش في المياه المكشوفة (Bagrus, Synondotis, Lates). طبقاً لجوريس بيترز الذي درس البقايا الحيوانية، فإن الأخيرة شكلت الجزء الغالب. يشير ذلك إلى أن السكان ركزوا على ممارسة الصيد في المجرى الرئيس للنهر.
اعتماداً على نوع الأسماك المصطادة يقترح بيترز بأن الشباك اتخدمت، مع أن بقايا لها لم يتم العثور عليها. بعض الأدوات الفخارية الشبيهة بالقرص والتي تم الكشف عنها كثيراً في كل المواقع، يمكن أن تكون مثقلات للشباك. الجدير ملاحظة وجود نوع سمك نيلي مخطط (Tetrodon)، وهو نوع من السمك بغشاءات باطنية سامة لا بد من إزالتها مباشرة بعد اصطياده. في موقعي الدامر وانيبس تم الكشف عن شوك سلسلة فقرية لسمك فروج، بعضها بحجم تقريبي يبلغ المترين.
تشير بقايا حربونات ورماح من العظم إلى أن الأسماك قد تمَّ اصطيادها باستخدام تلك الأدوات. جادل ستيوارت إلى أن المرء يمكنه عن طريق تلك الأدوات أن يتتبع السمكة "باستخدام طريقة وتقنية لصيد الأسماك التي يجعلها سلوكها وايكولوجيتها قابلة لمثل تلك التقنيات" (Stewart 1989:233). من المتوقع أن يكون استغلال الموارد المائية نشاطاً يمارس في الأساس في فصل الجفاف. الأنواع القريبة من الشاطئ يسها اصطيادها مع بداية الفيضان، عندما تدخل الأسماك إلى السهل الغريني لتضع بيضها أو عندما تتراجع المياه ويجف السهل الغريني. الاصطياد في المجرى الرئيس للنهر يكون سهلاً هو الآخر أثناء المياه المنخفضة في موسم الجفاف.
تمَّ العثور على ثلاث محارات رخويات، وسمك حلزوني. عرف بيترز تلك بوصفها بقايا طعام. بما أن الموارد المائية تمَّ استغلالها خلال موسم الجفاف، ويغلب أن السكان مارسوا نوعاص من طهي الأسماك. وفرة جرار كبيرة تمَّ الكشف عنها في المواقع وتشير إلى أن من المحتمل أن تكون قد استخدمت لتخزين الأسماك المجففة/ أو المبخرة.
كثرت بقايا ثدييات في المواقع مما يشير إلى أن مدى واسع من الحيوانات تمَّ اصطيادها. أعطت العينات الحيوانية عظماً من ثدييات ضخمة مثل الفيل والزرافة، ومن ثدييات صغيرة مثل النمس. على أية حال، فإن أكثر الحيوانات المصطادة كانت، وفقاً لبيترز، أنواعاً مختلفة من الأبقار الوحشية مثل الثور الأفريقي، والغزلان الصغيرة. بالنظر إلى الأدوات الصنعية فإن المدهش هو العثور على قاذفات مسننة. لدينا فقط أدوات ميكروليتية من نوع هلالية الشكل والتي يمكن أن تكون استخدمت أسلحة صيد. لتصبح تلك الأدوات فاعلة في اصطياد حيوانات كبيرة مثل الفيل، أفترض بأن سماً قد وضع بها كجزء من تقنية الصيد. استخلص بيترز بأن البقايا الحيوانية لم تقدم بينة للصيد خارج وادي نهري عطبرة والنيل. ويفترض بأنه لا سافانا البطانة ولا المناطق إلى الغرب من النيل كانت ضمن منطقة الصيد. يتوقع أن يكون الصيد تمَّ على امتداد العام.
تمَّ الكشف عن ثلاثة أنواع من النباتات. كانت تلك هي Celtis (وهي الأكثر شيوعاً)، وزيفوس Zizyphus وسيتاريا Setaria. النوعان الأولان يمكن استهلاكهما دون طهيهما، في حين أن السيتاريا تحتاج إلى طهي قبل تناولها. وجدت بقايا النباتات في أنقاض الإقامة ومطبوعة على جدران الفخار. طبعة الستاريا على الفخار يجعل واضحاً أن النبات معاصر للإقامة. وجود الساتاريا مثير، لازالت بذورها مستخدمة وتزرع بكثرة من قبل سكان أفريقيا ما وراء الصحراء، مثل الأزاندي في جنوب السودان (Magid 1989). كذلك توجد في مواقع نيوليتية ترجع للألفية السادسة قبل تاريخ اليوم. لكنه لم يدجن. لم نكتشف بقايا ذرة سكرية برية.
يشير وجود العديد من شظايا حجارة الطحن إلى أهمية الطعام النباتي. يمكن أن تكون حجارة الطحن استخدمت لطحن مواد غير طعامية مثل المغرة كما يلمح إلى ذلك آركل (Arkell 1949). يدعم ذلك وجود مغرة حمراء في المواقع. لا يعد هذا النشاط على أية حال وظيفة أساسية للعديد من أدوات الطحن. قد يكون جمع النباتات نشاطاً موسمياً ويتوقع أن يكون قد تمَّ في نهاية موسم الأمطار وبداية موسم الجفاف.
المواد الخزفية متوفرة بكثرة في المواقع. في بعض المربعات (عثر على ثلاثة أو أربعة شقوف في كل متر مربع واحد). كانت الجرار كروية الشكل وتشير شقوف الشفة أنها اختلفت في الحجم عن الأواني الكبيرة التي يبلغ قطرها 50-70 سم. إلى الصغيرة البالغ قطرها 20-30 سم. احتمالاً كانت الجرار الكبيرة قد استخدمت أساساً لأغراض التخزين في حين استخدمت الأصغر لأغراض الطهي. تم استخدام تقنية التكوير في تصنيع الأواني. دورت قواعد الجرار. الشفاه تحمل عادة زخرفاً، مثل وضع علامات أو خطوط. لا تحمل الجرار سطحاً ملمعاً لكنه مملس أو مصقول، غالباً من الداخل. تظهر الشقوف إعاد استخدام في شكل كشط أو تثليم. ينتمي الفخار إلى المركب الميزوليتي للخرطوم المبكرة النموذجي (Arkell 1949; Caneva 1983). يغطي الزخرف تقريباً مجمل السطح باستثناء الجزء القاعدي للجرة. انه يتألف في الأساس من نقاط مطبوعة معمولة بتقنية الطبع بالمهزة؛ كثيراً ما تعمل النقاط بنمط الخط المتموج المنقط. الزخرف المحفور المعمول بنمط الخط المتموج يوجد نادراً. نمط الخط المتموج يرتبط عادة بالمواقع الميزوليتية في منطقة الخرطوم لكنه يظهر بدرجة أقل خارج هذه المنطقة.
أعطت أعمال التنقيب في العامين 1989 و 1990 بقايا هيكلية لثمانية أفراد من بني الإنسان من موقع الدامر. وجدت تلك القبور داخل منطقة محصورة من الإقامة. دفن الموتى بوضع مقرفص، لكن لا يبدو أن هناك نمط ثابت بالنسبة لاتجاه الميت. يسترعي مدفن واحد الانتباه. قبر الهيكل باتجاه شرق-غرب مع الرأس في الغرب متجهة إلى الشمال. في ارتباط مع القبر، على بعد 50 سم منه، وجد رأس غزال بجذور قرن باقية، يتجه أيضاً صوب الشمال. مكتشفات مشابهة تمَّ العثور عليها في موقع ميزوليتي مع قبور في موقع بر هيبه في الصومال (Brandt 1988). في ارتباط بقبور أخرى اكتشفنا محار نيلي تمَّ ترسيبه غالباً كملحقات قبر، رغم أن هذا يعد غير موثوق طالما أن المقابر حُفرت على هامش أنقاض الإقامة.
من موقع انيبس تم تنقيب قبر واحدة، يحتوي هيكلاً دفن في وضع مقرفص بإحكام. هذا القبر الوحيد وجد أيضاً في أطراف الإقامة ويحتمل أن تسجل أعمال تنقيب مستقبلية وجود المزيد من القبور في المنطقة. لم يتمَّ الكشف بعد عن قبور في موقع أبودربين.
التواريخ بالكربون المشع 14 الـ 38 من المواقع الثلاثة تمثل إلى حد ما إشكالية. واضح أنها تغطي امتداد زمني طويل. بالنسبة لموقع أبودربين هناك ستة تواريخ تمتد بين 8640 ± 120 و 7700 ± 140 سنة مضت، لكن مع تركيز على 8640 إلى 8330 من وسط الإقامة. بالنسبة لموقع الدامر، تتفاوت 13 تاريخ من 8390 ± 50 إلى 7260 ± 110 سنة مضت، تسعة تتمركز حول 8040 إلى 7780 سنة مضت سبعة تعتمد على محار نيلي عثر عليه في قبور. من موقع انيبس نمتلك المدى الأوسع من التواريخ : 17 تاريخ تمتد من 8230 ± 120 إلى 6820 ± 170 (مرة أخرى مع تركيز على 8090 إلى 7290 سنة مضت).
أفسر التواريخ على الوجه الآتي. تقع المواقع في بيئة نهرية ملائمة. تمت الإقامة فيها بصورة متقطعة على مدى فترة زمنية طويلة. سأطرح، على كلٍ، فرضية أننا نمتلك بقايا سكان مستقرين خلال الفترة التي لدينا فيها تراكم تواريخ. واضح أن التواريخ من موقع الدامر تدعم أكثر سكان مستقرين من تلك التواريخ من الموقعين الآخرين.
مواقع نهر عطبرة في محتوى ثقافي أوسع
توضح المعطيات الآثارية المبينة أن الصيد وصيد الأسماك وجمع النباتات والمحار شكلت النشاطات التي قامت عليها اقتصاديات الإعاشة لسكان تلك المواقع التى تمَّ التنقيب فيها. تمت ممارسة الصيد على مدار السنة تقريباً في حين أن النشاطات الأخرى كانت متقيدة بفصل الجفاف وشددت بصورة خاصة على الموارد المائية. إلا أن هناك نشاط مهم إضافي تمثل في صناعة الفخار مورس خلال موسم الجفاف حيث أن تجفيف المصنوعات ومن ثمَّ تعريضها للحرق يكون أمراً أكثر يسراً خلال هذا الموسم.
يبدو محتملاً أن تقنية إنتاج الفخار قد اخترعت في أفريقيا باستقلال في إطار هذا التقليد الميزوليتي (Arkell 1949; Roset 1987). من مواقعنا فإن أقدم تاريخ يأتي من موقع أبودربين هو 8600 سنة مضت. على كلٍ، فإن الفخار من موقع السروراب في منطقة الخرطوم يؤرخ بـ 9300 سنة مضت (Kabhir 1987). بالمثل فإن تواريخ مبكرة آخذة في الظهور الآن من مناطق بعيدة مثل موقع تين طره في الجزء الليبي من الصحراء، المؤرخ بـ 9300 سنة مضت .(Barich 1987) وتاجلاجل في النيجر، المؤرخ 9500 سنة مضت (Roset 1987). ينتمي نوع الفخار المكتشف في تلك المواقع. ينتمي نوع الفخار المكتشف في تلك المواقع إلى تقليد فخار الخرطوم الميزوليتية، بتشديد على زخرف الخط المنقط المتموج. يبدو أن هناك تشابهات ليس فحسب في زخرف الأواني بل في شكلها أيضاً. يعد أمراً غير وارد إلى حد بعيد أن يكون الفخار نفسه قد اخترع باستقلال في إطار تلك المناطق المختلفة. جادلت في مكان آخر أن تقليد الفخار هذا قد اخترع باستقلال في وادي النيل وسط سكان اعتمدوا بقوة على موارد مائية (Haaland 1992). طالما أن التواريخ من منطقة الصحراء-الساحل هي إلى حد ما متعاصرة مع التواريخ من وادي النيل فإنه قد يبدو غريباً المجادلة بأن تكون هذه المنطقة هي الأصل. على كل فإن استغلال الموارد المائية يشكل تقليداً طويل المدى في وادي النيل، ويرجع إلى 25.000 حتى 40.000 سنة (Greenwood 1968; Stewart 1989). لم تنفتح الصحراء على هذا النوع من استغلال الموارد قبل الطور الرطب للهولوسين المبكر في الألفية العاشرة قبل تاريخ اليوم (Hassan 1986). على المرء أن يشدد على أن المزيد من البحث المستقبلي والمعطيات يمثل ضرورة لغرض إعاد تركيب المنطقة التي تأصلت فيها تقنية الفخار وإنتاجه.
تكمن أهمية الفخار في حقيقة كونه يسمح باستخدام موارد غذائية أكثر اتساعاً. فقد أشار ارنولد في بحثه الموسوم "نظرية الفخار والعملية الثقافية" إلى أن عملية غلي الطعام وتعريضه للبخار يعطيه قابلية أفضل للهضم إلى جانب مذاق أكثر لذة. وأشار أيضاً إلى أن الأواني الفخارية أكثر فاعلية في عملية الطبخ ذلك أنها تتطلب طاقة حرارية أقل خلافاً لطرق الطهي الأخرى غير المباشرة – مثل الغلي على الحجر، هذا مع مراعاة أن استخدام الأواني الفخارية لأغراض تجهيز الطعام يوسع من مدى الموارد الغذائية المتوفرة في كلا البيئتين النباتية والحيوانية (Arnold 1985:125-136). بالتالي يسمح للناس بأن يستوطنوا في منطقة ايكولوجية أكبر ذات طاقة حاملة متزايدة. هكذا يجادل هاند فيركر بأن الفخار واستهلاك الطعام المغلي أدى إلى تغيير الوجبة الغذائية للأطفال وأن يؤثر الفطام المبكر الناتج عن ذلك على خصوبة النساء وعلى معدلات حياة الأطفال حيث أن المرحلة التي تعقب الفطام عادة ما تكون هي الأكثر "حساسية" (Handscerker 1983:19). ميزة إضافية للمصنوعات الفخارية تكمن في إمكانية استخدامها حاويات للتخزين. ومن الطبيعي أن التحسينات التي يتم إدخالها على تقنيات الحفظ تعزز بدورها القيمة الغذائية للأطعمة النباتية. الأهم هو أنه أصبح ممكناً تخزين الطعام وهو ما وفر نوعاً من الضمان على مدار العام. تشترط تقنية الفخار الجديدة طرح قيود على عملية التنقل والترحال الشئ الذي يمكن أن نرى فيه عاملاً يفعل لمصلحة استقرار متزايد للجماعات.
المواد الأثرية المقدمة هنا تشير إلى أن صيد الأسماك، وجمع المحار، والصيد وجمع النباتات كانت نشاطات إعاشة مهمة قام بها سكان المواقع التي تمَّ التنقيب فيها. تمت ممارسة الصيد احتمالاً على مدار السنة بكاملها، في حين كانت النشاطات الأخرى فصلية في الأساس. تطور مثل هذا التكيف المركب المعتمد على تعدد الموارد له العديد من الجوانب الحرجة التي تحتاج للمزيد من النقاش. يجوز الاتفاق بأن مثل هذا التكيف المشتمل على مهام إنتاجية متنوعة تطلب بالضرورة نشوء شكل من أشكال تقسيم العمل. من هذا المنطلق أطرح فرضية أن عنصر الجنس (الجندر) كان بمثابة المبدأ التنظيمي الأساسي الذي تمَّ اعتماده في عملية تقسيم العمل داخل جماعات الهولوسين المبكر. أعي تماماً حقيقة أن المعطيات الآثارية لا تقدم بينة دالة بصورة مباشرة على بنية الوحدات الإنتاجية وفق تقسيم للعمل يقوم على أساس الجنس، ومن ثمَّ فإن فرضيتي المطروحة تلجأ إلى ما يمكن أن توفره البينة الاثنوغرافية المقارنة الخاصة بالجماعات التى تمارس منظومة النشاطات نفسها في ظروف مدارية، والتي دلل مردوك وبروفوست على أنها تعتمد تقسيماً للعمل يقوم على أساس الجنس (Murdock and Provost 1973). أقتفي هنا خطى كونكي وجيراو الذين أشارا إلى أن أية فرضية تتعلق بمسألة الجنس في مرحلة ما قبل التاريخ لا بدَّ أن تعتمد، بهذا القدر أو ذاك، على النظائر الاثنوغرافية (Conkey and Gero 1991). سأحاول الآن التركيز على النشاطات الإعاشية التى يبدو ليَّ بأنها نُفذت من قبل المرأة (Haaland 1981; id. 1987). ولتكن البداية بالمادة الأكثر وضوحاً في تلك المواقع الهولوسينية التي تعرضنا لها في التلخيص أعلاه، ألا وهي الفخار. إذا ما صحت فرضية كون أن عملية جمع الأطعمة النباتية في مرحلة ما قبل التاريخ شكلت عملاً نسوياً في الأساس، فإنني أطرح من ثم فرضية كون صناعة الأواني من الصلصال غير المحروقة والمستخدمة لتخزين الحبوب كانت بدورها عملاً نسوياً بالمثل. يبدو أن الخطوة الأولى المهمة تم اتخاذها عندما تطورت فكرة استخدام الجرار المصنوعة من الصلصال موضوعاً للتخزين إلى استخدامها لأغراض تجهيز الطعام كأواني للطهي. دلل جيرو عن طريق الرجوع إلى نظائر اثنوغرافية على أن تجهيز الطعام كان نشاطاً نسوياً (Gero J.M. 1992). ومن ناحية أخرى يجدر الإشارة إلى أن المعطيات الآثارية تبين أن استخدام النار لتحويل الطعام الخام إلى مادة صالحة للاستهلاك البشري قد تمت ممارسته منذ أزمان موغلة في القدم. انطلاقاً من النظائر الاثنوغرافية والمواد الأثرية تبدو ليَّ موضوعية طرح فرضية أنه قد تم استخدام النار لتحويل الجرار المصنوعة من الصلصال والتي كانت قد استخدمت بداية لأغراض التخزين، إلى قدور لغرض طهي الطعام في إطار نشاطات نسوية محضة. هذه الفرضية طرحها بقوة رايت الذي يربط بالاعتماد على عمل قام به أميران بصنع/طبخ الخبز بإنتاج الفخار (Wright 1991). تشتمل صناعة الفخار من جانب وعملية تجهيز الطعام من جانب ثانٍ على نوع من النشاطات المتشابهة مثل الطحن، والعجن، واستخدام الماء، واستخدام النار، وهو ما دفع بـ رايت ليجادل بأنه "ومنذ ظهور الفخار المبكر فإنه اشتمل في الغالب على عمل نسوي وارتبط تطوره بالنشاطات الاقتصادية الأخرى مثل التدجين" (المرجع نفسه). مع تلك المخترعات التقنية فإنه يبدو أيضاً أن طاقة العمل المبذولة أصبحت أعلى بالنسبة للنساء. فقد ناقش هاريس وروس (Harris and Ross1987) بأن إنتاج الفخار والاستهلاك المتزايد للطعام المغلي قاد إلى تكثيف متزايد للعمل النسائي في تدبير الطعام، وهو ما تمَّ استبداله بالأهمية المتنامية لمشاركة الأطفال في تلك النشاطات وفي مجالات اقتصادية أخرى أكثر اتساعاً. كان جمع النباتات ضمن النشاطات الإعاشية وهو ما تشير إليه البينة الآثارية المتمثلة في بقايا النباتات وحجارة الطحن. وكما أوضح الباحث ليي فإن جمع النباتات يعد وسط الباحثين عن الطعام المعاصرين نشاطاً نسوياً يشارك فيه الأطفال. يقوم النمط الثقافي للجامعين للطعام على ثنائية جمع الطعام وتجهيزه طحناً وطبخاً من قبل النساء. وقد لاحظ ليي (Lee1972) أن النباتات التي يتم جمعها في المناطق المدارية تقتني أهمية أكبر مقارنة بمنتجات الصيد.
من جانب آخر فإنه يبدو أن حجارة الطحن هي الأخرى مرتبطة بالنشاطات النسوية، وهو ما لا يتفق معه مردوك وبروفوس (مرجع سابق) اللذين يعتقدان بأن إنتاج الأدوات الحجرية يمثل نشاطاً رجالياً محضاً. لكنني ومن خلال عمل ميداني كنت قد قمت به في منطقة غرب السودان وتنزانيا، لاحظت أن إنتاج حجارة الطحن كان ضمن النشاطات التي تزاولها النساء. يقدم ذلك دعماً لفرضية أن المهام ذات الصلة بعملية تجهيز الطعام تقع في مجال النشاطات النسائية.
وسط قبيلة الفور، في غرب السودان، لا يزال الناس يصنعون ويستخدمون أدوات الصحن نفسها التي نجدها في المواقع الميزوليتية. في قرية دور بشمال دارفور، حيث قمت في عام 1978 بتنفيذ عمل ميداني، تصنع كل امرأة في تلك القرية حجارة الطحن الخاصة بها بنفسها. وكانت المادة الخام موجودة في منطقة واحدة. ولكل امرأة محجرها الخاص بها تستخرج منه مادتها الخام لتشكيل الأداة بصورة خشنة في عين المكان ومن ثم تستكمل تشكيلها النهائي في القرية.
ويورد هاستروف معلومات عن قبيلة فيبا في غرب تنزانيا تشير إلى أن النساء هن اللواتي