أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

مجلة الآثار السودانية/ العدد السادس/ مارس 2005

 

 

 

 

 

المدن والتمدن :

من منظور رؤية تطورية للتعقد الثقافي

"دراسة حالة : الجرميون في فزان و المرويون في وادي النيل السوداني- مقاربة"

أسامة عبدالرحمن النور

قدمت هذه الورقة لـ ندوة: "المدينة في الوطن العربي في ضوء الاكتشافات الآثارية: النشأة والتطور"، التى كان من المفترض انعقادها في الرياض في نوفمبر 2004. وبما أن الندوة لم يتم انعقادها ارتأيت نشر البحث على صفحات أركامانى.

موجز الورقة

حول أهمية النقلة النيوليتية وإشكالاتها

المدن والمدنية

المدنية الجرمية في صحراء فزان : دراسة حالة

 

 

 

 

 

 

موجز الورقة

ارتبطت مسألة نشوء المدن بإشكالية "التعقد الثقافي"، أي بظهور الثقافات المعقدة والتي طرحت من خلال المجادلات حولها العديد من التساؤلات الخاصة بجوهر التعقد الثقافي.

 

تحاول هذه الورقة إحداث مراجعة، من واقع أحدث المعطيات الآثارية من وادي النيل السوداني والصحراء الليبية إلى الغرب منه، معنى بعض المصطلحات واستخدامها بحذر أكبر في إطار إشكالية التعقد الثقافي. فالورقة تنطلق من فرضية أنه ولإنجاز تفسير شامل للتعقد الثقافي لا بدَّ من دراسة الدوافع التى أفضت إلى نشوء المدن ولأسباب تعدد الأشكال التى اتخذها. تسعى الورقة إلى اعتماد تفسير تطوري لهذه الظاهرة وهو ما سيفرض بالضرورة إعادة صياغة المفهوم نفسه ودمجه مع متغيرات خاصة بحالات منفردة. من هنا المحاولة في هذه الورقة لتحليل ظهور المدن انطلاقاً من فاعلية الأنظمة المختلفة لانتقال السمة الثقافية.

 

تجادل الورقة بأن مصطلح "المدينة والتمدن" لا بدَّ من إخضاعه لمراجعة جذرية ذلك أن الجانب الحاسم لهذه الظاهرة لن يكون هو وجود أو عدم وجود منشئات وصروح معمارية ضخمة أو سمات أخرى وإنما يتوجب التعبير عنه من خلال علاقة أنماط سلوكية مرتبطة بالتمدن وبالشفرات الثقافية للاتصال والتلاؤم الشامل وما إلى ذلك.

 

 

تقدم نتائج الأبحاث الميدانية الجارية حالياً في سلاسل الصحراء الوسطى الليبية وفي صحراء مصر الغربية وفي وادي النيل السوداني وفي السهول الممتدة إلى الغرب منه من المعطيات المادية ما يدفع إلى إعادة تركيب التاريخ الثقافي القديم للمنطقة في مجملها. تستخدم الدراسة مصطلح "الصحراء الليبية" بمعناها الواسع استناداً إلى التسمية الإغريقية القديمة، بحسبان أن "ليبيا القديمة" تسمية محفوفة بالمرونة بما يجعلنا نطلق هذا الاسم على منطقة الصحراء الكبرى الحالية بأكملها خاصة الأجزاء الوسطى منها وامتداداتها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. في الوقت نفسه ترفض الدراسة مبدأ التقسيم الحديث للصحراء إلى ليبية شمالية تمثل مجالاً للدراسات البحر أبيضية متوسطية، وجنوبية سودانية تمثل مجالاً للدراسات الأفريقية، باعتبار أن ذلك يمثل إقحاماً لطابع الحداثة على التاريخ القديم. من ثم فإن الدراسة تسترشد بالتوجه الجديد في علم الآثار الأفريقي المستند على نتائج أبحاثه العديدة في الصحراء الوسطى. كذلك تسترشد الدراسة بنتائج أعمال الاستكشاف والتنقيب الآثارى الجارية في وادي النيل السوداني وفي السودان الأوسط. بالإضافة إلى نتائج الأعمال الميدانية الجارية في صحراء مصر الغربية. 

 

حول أهمية النقلة النيوليتية وإشكالاتها

بداية نقول بأن دراسة الانتقال إلى حياة الاستقرار وظهور المدينة في التاريخ لا بدَّ وأن تبدأ بالتراجع القهقري إلى ما اصطلح على تسميته وفق جوردون تشايلد بـ "ثورة العصر الحجري الحديث" تعبيراً للأهمية المبدئية التى اقتناها إنتاج الطعام بالنسبة للتاريخ الثقافي للبشرية. وفي الوقت الذى نعترف فيه الآن بأن أشكال حياة العصر الحجري الحديث لم تتطور أو تنتشر من مركز أوحد في مكان ما من الشرق الأدنى، كما اعتقد جوردون تشايلد، إلا أنه لا بدَّ من الإقرار بأن العصر الحجري الحديث كان بحق عصراً ثورياً بمعنى واسع. فقد حول إنتاج الطعام في نهاية المطاف معظم ثقافات العالم محدثاً في الآن نفسه تحولات في عالم الطبيعة (1) هذه الثورة النيوليتية ذات أبعاد ثلاثة على الأقل : التدجين، وأنماط للحياة المستقرة جديدة، وتقنيات جديدة. هذه الأبعاد ستكون موضوع هذه الورقة.

 

بالتدجين نشير في هذه الورقة تحديداً إلى الاعتماد المتبادل بين الإنسان وبين واحد أو أكثر من الأنواع النباتية أو الحيوانية. وندرك اليوم أن التدجين كان عملية أكثر من كونه حدثاً. ومن ثم لازال الجدل دائراً عن الكيفية التى دشنت بداية لتلك العملية. طرحت العديد من الآراء ذات الأهمية بالنسبة لهذه الإشكالية (انظر: جوردون تشايلد "د.ت."؛ Boserup 1965 ؛ Flannery 1973).

 

تكمن الثورة الاجتماعية- الاقتصادية المنجزة الحقيقية لا في التدجين في حد ذاته "بل في الأفكار القابعة في أساسه، في الرؤية الكونية التى أفضت إلى حدوثه والتي تطور عنها، وفي مجموعة المفاهيم التى كانت منبعاً لطريقة تجربة حياتية مختلفة ومحيطات الفرد الطبيعية" (موري: تحت الطبع). ما حدث هو أن التأثير المتنامي تدريجياً لكل ما استوعبه عقل الإنسان بدون وعى خلال الألفيات المبكرة، بدعم بدئي، بلا شك، متلقى من علاقاته المتبادلة مع البيئة، والذي تسبب في اتخاذ "الخيارات" نفسها في تلك المناطق الواقعة حول مدار السرطان كما اتخذت في مناطق أخرى بطرق مختلفة وبوسائل متعددة.

 

ما من شك في أن المناخ يمثل عنصراً لا بدَّ من الالتفات إليه انطلاقاً من حقيقة أنه مارس تأثيراً كبيراً في حياة الإنسان وفي إدراكاته المعرفية. كثيراً ما يتم القفز إلى استنتاجات متعجلة بأن الظروف ما قبل التاريخية "القاسية" ما كانت لتسمح بتطور نماذج ثقافية من النوع الذى يتطلب توفر شروط مسبقة تتمثل في سيادة ظروف بيئية ملائمة. حالياً تتوفر لدينا نتائج تظهر قدراً عالياً من التوافق من أعمال بحث أجريت في مناطق مختلفة من الصحراء، رغم أن أعمال البحث تلك تناولت بيئات ايكولوجية متباعدة ومتنوعة مورفولوجياً وفسيولوجياً (أسامة النور 2003).

 

هنالك فجوات في معلوماتنا عن الثقافة المادية، ولا تبدو المعطيات المتوفرة متناقضة فحسب، بل أنها لازالت تواجه بالتحدي والرفض. لنأخذ مثالاً عمل ميتر Maitre, 1971 والذي قدم أولى التواريخ لموقع الفخار في لاونى في الهوقار بالجزائر، وأيضاً للموقع في امينكى Camps, 1968. فقط قبل سنوات قليلة مضت عدت تلك التواريخ غير صحيحة وغير معتد بها، ذلك أنها جرت على عكس مجمل البينة المتوفرة حينها، كما ولم تك مقبولة بعد فكرة إجراء المراجعة المستمرة للبحث. لكن عدد "المفاتيح" ظل في تصاعد مستمر. قادت المعطيات الهائلة المتوفرة من الصحراء الوسطى والصحراء الشرقية إلى طرح تاريخ قديم للغاية للنقلة النيوليتية، مع إرجاع الفخار إلى مراحل أسبق تعود إلى حوالي الألفية العاشرة قبل تاريخ اليوم. تمَّ جلب الفخار وكذلك البقايا الحيوانية إلى الضوء، رغم أن الأخيرة احتوت على قدر من عدم الموثوقية تحديداً فيما يتعلق بأي من الأنواع تم تدجينها أو أنها كانت في طور التدجين Gautier, 1987. الملاحظات التى قدمها وندورف Wendorf, 1984 تجعل، على كلٍ، من الواضح وجود معطيات أخرى جديرة بالأخذ في الحسبان إلى جانب تلك المشتقة من اللقي مباشرة. ويرجع وندورف إلى المناخ القديم والبيئة بإشارته إلى ضرورة الالتزام بتفسير اللقي بحسبانها تعود إلى فترة الثيران (البوفيد) في الفن الصخري الصحراوي التى كانت فعلياً حينها تحت سيطرة الإنسان، في طور من الأطوار الجنينية (الترويض أو ما قبل التدجين) والتي علّمت الطريق المؤدية تدريجياً باتجاه التدجين الكامل والتهجين المتحكم فيه.

 

في المناطق الأكثر وسطية للصحراء فإن الصورة تكون أشد اتساعا واختلافاً: من النيجر حتى مالي، ومن الهوقار حتى تاسيلي، ومن الأكاكوس حتى مساك، كشفت السلاسل الوسطى المحيطة بالمنطقة ولازالت تكشف عن هُويَّة ثنائية متعددة الأبعاد، والتي يجب تحليلها في إطار بيئتها الايكولوجية المحلية قبل الشروع في دراسة طبيعتها المتنوعة والشاملة والمدهشة.

 

إلى جانب البينة التى توفرها أعمال التنقيب الآثارى، والمناخ القديم وكل فروع المعرفة اللصيقة الأخرى يمكن إضافة إسهام الفن الصخري، إذ انه برغم التردد القائم لازال بشأن التواترات والكرونولوجيا، فإن الفن الصخري يمثل عنصراً ذا ثقل كبير في دراسة تلك الحضارات القديمة للغاية، وتوفر مناظره الهائلة إمكانيات استثنائية للتفسير. ما يبدو صلباً بخاصة في هذه المجادلة هو بالتحديد طبيعتها غير المتخصصة، علاقتها بالنمو البطئ والمتقدم للوعي الذى يشكل النقطة البدئية لكل من التطورات الثقافية نفسها، وكل المعلومات المكتسبة التى سبقتهما بالتأكيد وتكمن في أساسيهما.

 

بهذه الطريقة يكتسب الفخار، أيضاً، قيمته الكلية وأهميته، ما عاد ينظر إليه بوصفه مجرد عنصر يوفر "حاويات" لمنتجات الطعام، ولا بوصفه مجرد بينة دالة على حياة مستقرة. مثله مثل عناصر ثقافية عديدة أخرى، يظهر الفخار في الألفية العاشرة قبل تاريخ اليوم في مرحلة تطور تقنى متقدمة. أمشاط الفخار التى لا زالت تستخدم في إنتاج الفخار وفي أشكال متنوعة من الزخرف والتشكيل Camps, 1969; Roset, 1987; Petit-Maire, 1971; Barich, 1987; Aumassip, 1980-81 تشير إلى أننا نتعامل هنا مع بينة دالة على عمليات ذهنية بلغت مرحلة نضوجها. المهارات الكثيرة التى وجدت في عملية إنتاج الفخار لازالت مصدر دهشة، عندما نلاحظ أنها تنتمي إلى بيئة اعتمدت قيمها الثقافية على وجود "لصيق بالطبيعة" Bedaux, 1986; Delneuf, 1984. طالما أن هذا الفخار كان قد فُسر لفترة تفسيراً صحيحاً بوصفه مؤشراً نيوليتياً Camps, 1971 رغم أن العديدين رفضوا وجهة النظر تلك – فانه يمكن رؤيتها بالتأكيد إثباتاً أكثر منها مجرد بينة دالة على سلسلة غذاء مختلفة، طالما أن تلك السلسلة تعتمد على الاستخدام الأكثر استمراراً وشيوعاً للأنواع النباتية. وفي الوقت الذى يصح فيه عدم وجود آثار للنباتات المدجنة في هذه المنطقة بعد في الفترات المبكرة، فان هناك بالتأكيد بينة واضحة وجلية في هذا الفخار دالة على بداية تعامل وعلاقة جديدة مع البيئة النباتية جالبة معها نوعاً جديداً من التكيف البيئي. لم يستخدم الفخار بالضرورة لاحتواء النباتات فحسب، إذ قد يكون استخدم للألبان ومنتجاتها، وإذا أصبح ممكناً التدليل على وجود حليب في حاويات قديمة فإن ذلك سيوفر زاداً إضافياً جيداً بالنسبة لأولئك الذين يرون ضرورة الدفع إلى الوراء بتاريخ بداية "النقلة النيوليتية"، بمراحلها العديدة والمختلفة في مسار رحلة الإنسان البطيئة للإنعتاق من أسر الطبيعة  Aumassip, 1984; Roset, 1987

 

في اعتقادي انه لمن الأهمية بمكان إعادة تقييم دور الفخار وأهميته، وملاحظة أن الطريقة التى يحول بها الإنسان الصلصال إنما تقف شاهداً على بروز ثقافة جديدة جوهرية، ذلك أن هناك الكثير من المهارات التقنية المحتواة في صناعة الفخار: درجات الحرارة العالية التى يتوجب التوصل إليها، على سبيل المثال، واختيار الصلصال والتعامل معه، والصلابة والخلطة التى يتوجب اختيارها لإعطاء الصلصال الجسم والمادة المطلوبة، واختيار الأشكال لتتلاءم مع المتطلبات الحياتية للمجموعة. كل تلك الاعتبارات وغيرها يبدو أنها تفرض علينا النظر للفخار بوصفه مؤشراً للتغير في سلوك الناس تجاه الطبيعة. يبدو محتملاً الآن أن إنعتاق الإنسان من أسر الطبيعة مرَّ بمرحلة طويلة من الخطوات: تقنيات بقاء مختلفة، أو تقنيات اقتصادية متنوعة بالمعنى الأكثر اتساعاً للمصطلح، قد تكون وجدت متزامنة لفترات طويلة. قد تكون تعاقبت أو تداخلت، ولسنا مجبرين لازلنا للاعتقاد بأن النشاطات "الاستحواذية" – مع كونها مرتبطة بأدوات ما بعد باليوليتية Epipalaeolithic النوع - وصلت فجأة إلى نهايتها عندما وصلت الأفكار "النيوليتية" إلى المسرح. يشير البحث الذى أجرى حتى الآن إلى أن سكان المناطق شبه الاستوائية قاموا بالفعل بدور هام في التحرك قدماً باتجاه اقتصاد يعتمد على "إنتاج" جزء من متطلبات الطعام. ليس هذا هو المكان للاسترسال في عرض النظريات المختلفة الخاصة بالتثبيت المحتمل لتقنيات اقتصادية جديدة خلال هذه الفترة الطويلة في أجزاء قارات أخرى وفي بيئات مشابهة (يمكن للمزيد حول الموضوع مراجعة Butzer, 1972)، كما وليس هنا مكان تقديم تقييم نقدي للنظريات الخاصة "بمعدلات انتشار العصر النيوليتى" القائمة على أساس اكتشاف الفخار (للمزيد يمكن الرجوع إلى Edmonson, 1961)، أو على ملاحظات مثيرة مثل انتشار الزراعة المبكرة وسط سكان أوربا (للمزيد راجع Ammerman & Cavalli-Sforza, 1971).

 

ينصب اهتمامي في تقديم إجابة على سؤالين يتعلقان بجذور النظام الاقتصادي القائم على أساس إنتاج الطعام في أفريقيا ككل وفي الصحراء على وجه الخصوص: كيف حدث الانتقال، وما هي أسبابه؟ المحاولات للإجابة على هذين السؤالين دائماً ما تظهر هذا القدر أو ذاك من الاختلاف، بيد أن تلك المحاولات غالباً ما تحتوى كل منها على إسهام إيجابي جيد في حل المشكلة. من جانب نظري، يمكن للمرء أن يذهب للقول بأنه مهما كان تناول المسألة ذاتياً وتقليدياً فإنه يحتوى في حد ذاته على جرثومة الإجابة التى نسعى للوصول إليها. بمصطلحات عملية، على كلٍ، يكون أكثر فائدة ملاحظة أن الجانب السيكولوجي للسؤال يحتاج بدوره إلى اهتمام، طالما أن اللحظة التى يحدث فيها الوعي بالظاهرة دائماً ما تكون ذات أهمية قصوى. يمكننا بالتأكيد قبول الفرضية القائلة بأن أحداثاً طويلة ومتنوعة مثل تلك التى شملت تدجين النباتات والحيوانات ستكون لها جذور يصعب تتبعها تعود إلى عصور سابقة للعصر النيوليتى بكثير، لكن علينا أيضاً أن نتذكر حقيقة أن نوعاً خاصاً من الإنسان، الذى كان يمنح اهتماماً متزايداً للعناصر الفيزيقية لبيئته من أجل التعرف على تلك الأكثر ملائمة لوجوده الذاتي، يحتاج إلى تطور ثقافي قبل أن يتمكن من تحديد الأحداث المتكررة وجعلها موضوعية بحيث يصبح قادراً على إدراك أهميتها بصورة كلية. إن تحليل بعض جوانب التجسيد المادي للواقع هو ما يشير، بالطبع، إلى حدوث سلسلة طويلة من "الإبداعات" على مدى فترة زمنية وفي أماكن مختلفة، إلى أن حانت اللحظة التى أضحت فيها قيمتها أمراً معترفاً به بصلابة من جانب المجموعة ككل. تمثل جانب آخر هام للمشكلة، على كلٍ، في حاجة المجموعات المعينة إلى تحسين فرص البقاء عن طريق استغلال البيئة بطريقة خاصة. وبما أن كل عنصر لتقنيات الاقتصاد، من أكثرها أولية إلى أشدها تعقيداً، يكون هدفه الأساس موجهاً للحفاظ على النوع، فانه يبدو ليّ بأن إمكانية إنتاج الطعام والامتلاك البطئ للثقة في أن الطعام يمكن إنتاجه بالفعل، عدت، بل وكانت بالفعل، ميزة بيولوجية هائلة عندما يكون الأمر متعلقاً بتقييم خيارات إطالة أمد حياة أفراد المجموعة. هذه هي، احتمالاً، النقطة التى تأخذ فيها العناصر الأخرى "للخيار" الثقافي القيام بدورها. واضح انه ولكيما يتم تثبيت هذه العملية بصلابة، لا بدَّ من الاستجابة إلى بعض الشروط. في المقام الأول ضرورة توفر النباتات والحيوانات القابلة للتدجين؛ من ثم لا بدَّ وان تكون البيئة قد مارست ضغطاً على الإنسان بما جعل من اليسير عليه تغيير الاتجاه بالنسبة للبحث عن الطعام؛ كما لا بدَّ وان تكون مرحلة معينة للتطور الثقافي مختلفة ، لكنها ليست بالضرورة "أدنى"، عن مرحلة الثقافات المعاصرة في مناطق أخرى - قد تسببت في أن تحس بعض المجموعات الإنسانية بميزة مثل هذا التحول بالنسبة لنشاطات الإعاشة التقليدية. حقيقة كون هناك بعض السكان الآخرون الذين يعيشون، على الأقل، في ظروف بيئية شديدة الشبه قد استمروا في الاحتفاظ بطرق الصيد وصيد الأسماك والالتقاط لأزمان طويلة، إنما تعكس، في اعتقادي، بوضوح مدى التعقد الثقافي للمسألة. في إطار وضع ثقافي قد تكون بعض العناصر الوراثية وفرت في البداية نوعاً من الحافز باتجاه خيارات بعينها، والتي تم من ثم تعديلها ليمكنهم التحكم في تلك الخيارات وجعلها أكثر قابلية للتحقيق على المستوى العملي. أشار دوبجانسكي إلى أن فاعلية السكان في بيئة معينة يمكن أن تكون نتاج توازن جيد بين عدد من المتغيرات: التنظيم الاجتماعي، والتكيف السيكولوجي، والتقنية، والعناصر العاطفية Doobzhansky, 1965. حتى لو تم افتراض كون تلك العناصر العاطفية، الناتج النهائي لسلسلة طويلة من العلاقات المتداخلة التى بلغت المرحلة الأخيرة لتطورها، عاملاً محتماً، فإنه لا بدَّ قد كان لها تأثير بعيد المدى على الخيارات الاقتصادية بالنسبة لبعض المجموعات الإنسانية، انطلاقاً من حقيقة أن الإقلاع عن نوع معين من الاقتصاد - صيداً كان أو صيداً للأسماك أو الالتقاط أو الرعي - كان ولازال في حالات مرفوضاً حتى لو عنى ذلك تدهوراً مؤسفاً. يبدو ليّ أيضاً أن تأثيرات المناخ - في مناطق بعينها - لا بدَّ وقد كان لها دور أكثر من مجرد ثانوي بالنسبة لسلوك بعض السكان. بالتالي غالباً ما تصبح كل محاولة لتسليط الضوء على جذور عملية التدجين بحاجة إلى إدراك المدى الواسع للعناصر التى يمكن التعرف على قلة فقط من بينها.

 

عند هذه النقطة يكون من الضروري التشديد على انه وفي المرحلة البدئية للتحول، والتي يمكن نعتها بحق بـ "الثورية"، تقوم الجماعات الإنسانية بتثبيت انفصالها عن البيئة المحيطة التى ظلت تتعايش معها حتى تلك اللحظة في تآلف وتكافل. لا بدَّ وأنه كان هنالك اعتبار لفرص البقاء في الكثير من القرارات (اختيار موقع الإقامة بعيداً عن الأخطار على سبيل المثال)، وبالنسبة لإنتاج الطعام فقد حدث تغير أساسي وحاسم في هذا الوقت. لا بدَّ من الإقرار بأن فرص البقاء تلك، من الناحية النظرية، كانت قد تزايدت عندما تمت عملية إنتاج الأداة الأولى، إلا انه وخلال فترة الانتقال الطويلة من البليستوسين إلى الهولوسين، أدركت بعض المجموعات ببطء في بعض الأماكن أن مستقبلها ما عاد يعتمد فقط على النشاطات غير المأمونة والخطرة المرتبطة بالصيد. أضحى ذلك جلياً ومؤكداً جزئياً عن طريق "التجديد" الدوري الممكن لبعض النباتات والحيوانات. أخذت عملية الحفاظ على النوع، أو على الأقل على بعض المجموعات في إطاره، تعتمد على شئ لم يعد يشتمل على درجة عالية من الصدفة والمغامرة. الثمن الذى توجب سداده تمثل في الاستقرار، لكن بوصفه عادة مكتسبة أكثر منها طريقة حياة محددة (قرى الأكواخ يمكن العثور عليها في مناطق محددة حتى في العصر الباليوليتي الأعلى : انظر: Klima, 1954). على كلٍ، لا مجال لدينا لمعرفة إلى أي مدى كانت طريقة الحياة هذه أو النزوع إليها السبب أو النتيجة للظاهرة التى تهمنا. يبدو لي انه من الجلي للغاية أن عملية التطور البيولوجية في هذه المرحلة من التاريخ القديم لا بدَّ وقد اتبعت عدداً من المسارات المختلفة، كما ويبدو من المقبول أيضاً افتراض ظهور طريقة للحياة تعتمد على مراكمة الاحتياطي أو الفائض القابل للتعويض من فترة لأخرى، في فترة سابقة لنشوء المجتمعات الزراعية أو الزراعية المختلطة. مثل ذلك الاحتياطي أو الفائض كان من الممكن استخدامه ولا شك لدعم الوجود البسيط للمجموعة، لكنه كان من الجائز أيضاً "إعادة توجيهه" (إذا استخدمنا تعبير تينبيرجن الدقيق) بعدد من الطرق، إلى درجة بعيدة لأسباب عاطفية ترتبط بثقافة معينة. إنها لحقيقة مدهشة، على سبيل المثال، أن نجد أن مفاهيم السلطة والثروة في العديد من مجتمعات الصيد أو الرعي المعاصرة تمثل شيئاً جد مختلف عن تلك التى تطورت في مجتمعات ترجع بجذورها إلى الزراعة المختلطة. بعض من المفاهيم الأساسية تكون، في مثل مجتمعات الصيد أو الرعي تلك، مرفوضة لصالح قيم لا تتعدى كونها نظرية الطابع بالنسبة لرؤى ثقافة المجتمعات الزراعية؛ في حين أن أخرى مقلوبة رأساً على عقب. يحدث هذا ليس فحسب في المجتمعات التى تتطلب فيها سلطة التدرج الربط بقيم الكرم والإيثار وانعدام النزعة العدوانية تجاه المجموعة، لكن أيضاً في المجتمعات الأخرى التى تكون فيها الثروة - في الحالات النادرة التى تتراكم بها فعلياً - غير قابلة للتوريث (انظر لمناقشة أكثر استفاضة للموضوع Coon, 1971)، بل يتم تقاسمها بين أعضاء المجموعة بوفاة المالك. أعتقد أيضاً انه تجدر ملاحظة إمكانية أن تكون عناصر ثقافية أو معتقدات دينية قد أسهمت في استمرارية اقتصاد الصيد بتحولها إلى عائق منيع يقف في وجه تبنى النشاطات الزراعية الممارسة لدى مجموعات مجاورة. عبادة الأم الأرض، على سبيل المثال، لا بدَّ وان لها جذور عميقة لدى مجموعات معينة وسط الهنود الأمريكيين، طالما أن شاماناتهم (2)  ذكروا، في نهاية القرن التاسع عشر، بأن قضية رفض تبنى التقنيات الزراعية أمر ارتبط أساساً بمعارضة نوع معين من "العمل" الذى كان من الممكن أن يتسبب في جرح الأرض وخدشها، مما قد يفضى إلى منع أعضاء المجموعة من الحلم وبالتالي فقدان إمكانية اكتساب الحكمة Arrowsmith, 1973. كذلك أجد أن ملاحظة بوتزر Butzer, 1972 بشأن عدم وجود اختلافات تقنية واجتماعية هامة بين الاقتصاديات الزراعية البدئية ومجتمعات الصيد-الجمع الصامدة، بل ان العملية التطورية التى نجمت عن الأولى اتبعت سبلاً مختلفة وجعلت الأشياء أشد يسراُ بالنسبة لبعض المجموعات التى امتلكت ميزة مدى أكثر اتساعاً من المهارات، بالإضافة إلى الإمكانيات المادية لمراكمة الاحتياطي، وهى إمكانيات اتسعت تدريجياً مع التطور البطئ للتبادل والت