|
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية |
|
مجلة الآثار السودانية/ العدد الخامس/ مارس 2004
عصور ما قبل التاريخ في وادي النيل
د. يوسف مختار الأمين
قسم الآثار – كلية الآداب جامعة الملك سعود – الرياض
التاريخ الجيولوجي
لنهر النيل والبيئة القديمة
من المتفق عليه إطلاق مسمى وادي النيل على الأرض الواقعة على جانبي نهر النيل والممتدة من الدلتا في أقصى شمال مصر حتى ملتقى النيلين الأبيض والأزرق في الخرطوم بوسط السودان. وليس في هذا الوصف ما يمنع بطبيعة الحال من إضافة بقية أقاليم السودان جنوب الخرطوم لوادي النيل. تقسم مصر في المصادر التاريخية عادة إلى إقليمين هما، مصر العليا (الوجه القبلي) ومصر السفلى (الوجه البحري). تمتد الأولى من الشلال الأول حتى الأطراف الجنوبية للدلتا، حيث يجري نهر النيل شاقًا أرضًا صحراوية مكوناً شريطاً ضيقاً من الأرض الزراعية. أما مصر السفلى فتشمل منطقة الدلتا حيث يتفرع النهر إلى عدة أفرع تصب في البحر المتوسط وتكثر فيها البحيرات والمستنقعات. وعلى الرغم من التشابه الطبيعي بين هذين الإقليمين فإنهما أسهما في الحضارة المصرية بأدوار مختلفة تجمعت وتكاملت لتمنحها طابعها المتميز.
أَما السودان فيقسم بدوره إلى قسمين، النوبة السفلى، وتمتد من الشلال الأول إلى الشلال الثاني؛ والنوبة العليا التى تمتد من الشلال الثاني حتى الخرطوم جنوباً Adams,1977:20-24 مع أن كثيرين يحصرون منطقة النوبة في الأرض الممتدة من الشلال الرابع شمالاً حتى الحدود المصرية السودانية. وفي بقية السودان من حدوده الجنوبية والشرقية حتى الخرطوم تجري الأنهر وأفرعها والمجاري والأودية الكبيرة، كما توجد بالسودان مساحات شاسعة بعيداً عن مجرى النهر صالحة للزراعة والرعي قديمًا وحديثاً. لقد أتاحت الظروف الطبيعية بيئات متنوعة للبشر على مرّ العصور كان لها عظيم الأثر في المنتج الحضاري كما كان لها أثرها في مستويات الاتصال بين أقاليم قطري وادي النيل. وسوف يتضح كذلك لاحقاً عند وصفنا لتطور حضارات العصور الحجرية. ومن جهة أخرى لا يكتمل الوصف الجغرافي لوادي النيل دون الإشارة إلى الصحارى التى تحف بوادي النيل، فقد أوضحت الدراسات الجيولوجية والآثارية المتصلة أهمية الصحراء، وبخاصة الجزء المتاخم من الصحراء الكبرى لنهر النيل، حيث تنتشر الآبار والعيون والمنخفضات والأودية الكبيرة التي تصب في النهر.
أما الصحراء نفسها فقد كانت هي أيضاً مأهولة بالسكان خلال معظم حقب العصور الحجرية، وهناك من الأدلة الآثارية ما يؤكد الاتصال والتنقل بين الصحراء ووادي النيل خاصة خلال فترات التقلب المناخي مما نتج عنه امتزاج وتتداخل بين الجماعات السكانية وثقافاتها الشئ الذى أثمر بدوره في إثراء المنجزات الثقافية في هذا الجزء من العالم القديم (محمد على 2003: 24-26).
وعلى ضفتي النهر في مصر والسودان نشأت مدنية من أعظم مدنيات الشرق الأدنى القديم. فالمدنية المصرية القديمة معروفة على نطاق واسع بعظمة منجزاتها في ميادين النظم السياسية، والإدارية، والعمارة، والفنون، والآداب، والمعتقدات، واللغات. وقد وصل إشعاع هذه المدنية العظيمة ليس فقط للأقاليم المجاورة وإنما امتد لآفاق بعيدة في الشرق والغرب. كذلك عرف جنوب الوادي في السودان مدنية عريقة تبدأ بظهور دولة المدينة في كرمة نحو 2000 ق. م. كأول مدينة في أفريقيا خارج مصر، وهى التي تلتها الحضارة الكوشية بعصريها النبتي والمروي اللذين امتزجت فيهما المؤثرات الحضارية المصرية مع المنجزات المحلية المتميزة.
ومما لا شك فيه أن مدنيات وادي النيل تلك قامت على تجارب حضارية تمتد لأعماق ما قبل التاريخ إذ لم تكن المنطقة بعيدة عن ما أنجزته مجموعات الصيادين الأوائل في أفريقيا والشرق الأدنى من ابتكارات وتحسين في صنع الأدوات والأسلحة ومختلف ضروب الفنون البدائية والتمكن من استغلال البيئة الطبيعية والتكيّف الناجح على الصعوبات الطبيعية. ويكتسب وادي النيل أهمية خاصة عند النظر في تطور أدوار العصور الحجرية وانتشار البشر من أفريقيا إلى خارجها. فأوائل البشر الذين انتقلوا من شرق أفريقيا منذ مئات الآلاف من السنين ومن بعدهم أقدم سلالات الإنسان الحديث قد سلكوا مجاري المياه القديمة، ونهر النيل فيما بعد إلى شمال أفريقيا وشرق المتوسط. وعندما ظهرت أقدم المدنيات والدولة المركزية كانت أصولها موجودة محليًا في مجتمعات العصر الحجري الحديث التى أنجزت مرحلة إنتاج القوت متمثلاً في الزراعة، وتربية الحيوان، وعمل الفخار، والصناعات الحرفية المختلفة، وبناء الإقامات المستقرة.
من هنا تكتسب دراسة العصور الحجرية في وادي النيل أهمية خاصة لسببين رئيسين: الأول هو موقعه في القارة الأفريقية وسطاً بين شرق أفريقيا أقدم مراكز البشر الأوائل وآسيا في الشرق، وشمال أفريقيا ومن ثم أوروبا في جهة الغرب؛ والسبب الثاني طبيعة التطور الثقافي خلال فترة ما قبل التاريخ في المنطقة نفسها الذى شكل القاعدة التي قامت عليها أقدم مدنيات الشرق الأدنى.
نستمد معرفتنا بعصور ما قبل التاريخ في وادي النيل من نتائج التنقيبات والمسوحات الآثارية التي بدأت في العقود الأولى من القرن الميلادي الماضي. وقد تعرفنا على وجود البشر في المنطقة من خلال الملتقطات السطحية التى انتبه إليها المستكشفون الذين زاروا المنطقة حيث قارنوها بما هو معروف من نوعها في أماكن أخرى من العالم. ومن المعلوم أن فترة ما قبل التاريخ لم تكن موضوعاً مهماً لدى الباحثين في ذلك الوقت إذ اكتسب وادي النيل أهميته التاريخية من اكتشاف آثار المدنية المصرية القديمة (الفرعونية). وكانت المكتشفات الثقافية لمحتويات الأهرام والمعابد والمدن من لقي رائعة، ونصوص اللغة المصرية القديمة، وفنون الحضارة المصرية القديمة التي لم تترك موضوعاتها الأكاديمية الشيقة مجالاً للدراسات في مجال ما قبل التاريخ. فوق ذلك كانت مواقع ما قبل التاريخ الظاهرة قليلة في ذلك الوقت وساد اعتقاد بأن معظمها قد طمرته فيضانات النهر، أو، أنه لم يكن موجودًا في الأصل. وظن البعض من المهتمين بفترة ما قبل التاريخ أن وادي النيل لم يقم بدور مهم ولم يسهم في ثقافات تلك الفترة بل ظل متأخرًا وراكدًا ثقافياً Caton-Thompson,1952:57-58.
ومهما كان من أمر تلك الآراء فقد بدأ الاهتمام بفترة ما قبل التاريخ وئيداً ففي السنوات الأولى من القرن الماضي وصف شوينغيرث وكورلي وستيرت أدوات حجرية وجدت في مواقع مختلفة من صحراء مصر وكذلك فعل الشئ نفسه بوفير – لاميني من خلال أعمال التنقيب في العباسية بالقرب من القاهرة. وتأتي بعد ذلك الأعمال المهمة التي قام بها كاتون- طومسون وغاردنر خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين في منطقة البداري ومن بعدها الفيوم حيث رصدا تعاقب طويل للعصور الحجرية وخاصة العصر الحجري الحديث وفترة ما قبل الأسر. كذلك فإن أعمالهما في واحة الخارجة (1930-1932) تمثل معلماً بارزاً في معرفتنا بفترة العصر الحجري القديم في وادي النيل. ومن الأعمال المهمة في أواسط مصر ما قام به فينارد واكتشافه لما سماه حضارة السبيل في كوم أمبو التي نسبها للعصر الحجري القديم الأعلى Wendorf and Schild,1976:XV. وقد حظيت منطقة النوبة في هذه المرحلة الأولى من الأبحاث بكثير من الاهتمام بسبب بناء خزان أسوان وتعليته حيث أجرى مسحان آثاريان مهمان (1907-1911 و1929-1939) ففي النوبة السودانية لم يرد شئ في نتائج هذه الدراسات عن العصر الحجري القديم. أما في النوبة المصرية فقد ذكر وجود صناعات حجرية منسوبة للأدوار المبكرة من فترة ما قبل التاريخ وجرى ربطها بفيضانات النهر القديمة التي تمثلها المصاطب الطميية على جانبي النهر Adams,1977:20-24 ; Sandford and Arkell,1933:35.
وفي داخل السودان عمل أنطوني آركل Arkell لفترة طويلة باحثاً في آثار السودان مبدياً اهتماماً خاصاً بفترة ما قبل التاريخ حيث قام بمسوحات غير منتظمة في معظم أقاليم السودان جمع خلالها ملتقطات سطحية من أدوات العصر الحجري القديم. بعد ذلك نقب في موقع خور أبو عنجة الذى يحتوي على لقي مهمة من العصر الأشولي- أقدم مراحل ما قبل التاريخ في المنطقة- وقد نشر عنه كتيباً خاصاً بالعصر الحجري القديم في السودان Arkell,1949a. ومن أبحاثه المهمة الأخرى التي كان لها الأثر الكبير في دراسات ما قبل التاريخ في السودان ووادي النيل عموماً ما قام به من تنقيبات في موقعي الخرطوم المبكرة والشهيناب. وكان فيهما من اللقي ما يدل على وجود أقدم أدلة لبدايات الاستيطان وصنع الفخار وإنتاج القوت. وقد وضعت تلك الاكتشافات منطقة النيل الأوسط في خارطة أبحاث ما قبل التاريخ وجذبت انتباه العلماء الباحثين حيث وفدت فيما بعد العديد من الفرق العلمية لإجراء البحوث الميدانية فيها Arkell,1949 ; 1975.
كانت حملة إنقاذ آثار النوبة (1959-1965) نقطة تحول في تاريخ العمل الآثاري في وادي النيل، وبخاصة تلك الأبحاث المتعلقة بعصور ما قبل التاريخ. فعندما تقرر بناء السد العالي توجهت حكومتا مصر والسودان والأمم المتحدة بنداء عالمي للمساعدة في إنقاذ آثار المنطقة التى ستغمرها المياه، وقد وصلت بالفعل العشرات من البعثات أو الفرق العلمية لإجراء المسوحات والتنقيبات الآثارية الإنقاذية. لم يكن ما قبل التاريخ في صدر اهتمام تلك الحملة في البداية ولكن نسبة لمجهودات بعض العلماء الأجانب والإداريين الوطنيين (ثابت حسن ثابت ونجم الدين محمد شريف- أركامانى) أوكل للبعثة الأمريكية المتحدة من جامعة دالس وجامعات أمريكية وأوروبية أخرى القيام بمهمة استكشاف وحصر مواقع ما قبل التاريخ ودراسة نماذج منها. لقد كانت نتائج أعمال هذه البعثة وغيرها من فرق علمية مثيرة وجديدة كشفت عن تسلسل لأدوار عصور ما قبل التاريخ توضح بجلاء خصوصية المنطقة وثراء حضارتها وتنوعها. وقد أوضحت الدراسة والمقارنات أن بعضها يرتبط بمثيلاتها في شمال أفريقيا والبعض الآخر يعكس تطوراً حضارياً محلياً. كذلك تأكد حيوية المنطقة خلال عصور ما قبل التاريخ وإسهامها مع غيرها في دفع تطور الحضارة الإنسانية. وقد رصدت البعثة الأمريكية أكثر من عشرين تقليداً في صناعة الأدوات الحجرية المتميزة تم ترتيبها في جدول زمني بدءاً من العصر الأشولي حتى نهاية العصر الحجري الحديث ومرحلة فجر التاريخ. وقد أجرت البعثة أبحاثاً جيولوجية وبيئية وأخرى جيومورفولوجية لمعرفة تاريخ نهر النيل وذلك من أجل وضع حضارات العصور الحجرية في إطارها الطبيعي الذى تتوفر فيه الموارد الغذائية من حيوان ونبات. وقد اهتمت تلك الأبحاث الميدانية بتوزيع المواقع الأثرية جغرافياً للكشف عن أنماط الاستيطان البشري القديم وعلاقة نهر النيل بالصحراء.
لم تقتصر نتائج حملة إنقاذ آثار النوبة على النتائج العلمية بل كان لها أثر عظيم في جذب مراكز البحوث العالمية والجامعات لإجراء الدراسات الميدانية ذات الأهداف العلمية المحددة. فقد كانت هناك قضايا علمية أثارتها نتائج الأعمال الأولى تطلب حلها المزيد من البحث الآثاري المخطط (محمد على والأمين،1992:65-70). انتقلت البعثة الأمريكية لتجري أبحاثها الميدانية في مصر مباشرة بعد انتهاء الحملة، فأجرت مسوحات أثرية في إدفو ومن شمال اسنا حتى نجع حمادي، ثم بعد ذلك في منطقة الفيوم. وبالنسبة للصحراء الغربية فقد أجرت مسوحات وتنقيبات مهمة في منطقة الآبار والسبخات القديمة وحول وادي الكبانية. لقد امتازت هذه البعثة بشمولية البحث الميداني حيث يتكون الفريق عادة من عدة تخصصات تُعنى بالبيئة الطبيعية وموارد المياه والتكوينات الجيولوجية إضافة لموارد الغذاء المتاحة لصيادي العصور الحجرية في المنطقة اضافة لعدد من الآثاريين المتمرسين. وقد عمل أعضاء البعثة في ظروف صعبة لكنهم اختطوا منهجية صارمة في العمل واستعداداً لوجستياً صارت تحتذيه بقية الفرق العلمية. عمل الفريق الأمريكي وشركاؤه من أوروبا ومصر لأكثر من ثلاثين سنة متصلة كانت نتائج أعمالهم بالغة الأهمية في معرفتنا بالعصور الحجرية وتطور حضارتها. وقد تم نشر هذه المعلومات في العديد من المجلدات والمجلات المتخصصة والدوريات والمؤتمرات العلمية مما أكسب المنطقة شهرة أكاديمية عالمية Wendorf and Schild,1980:1-15 ; 1989:1-8.
ويجدر بالذكر أيضًا أعمال بعثات علمية أخرى قامت بأعمال كانت نتائجها هي الأخرى ذات أهمية بالغة. فالبعثة البلجيكية على سبيل المثال، أجرت أبحاثًا على مدى سنوات في أواسط مصر أمدتنا بمعلومات جديدة عن جماعات العصر الحجري القديم الأوسط والأعلى حيث غيرّت كثيرًا من الآراء التي كانت سائدة من قبل عن ظهور تقنيات العصر الحجري القديم الأعلى بسماتها الشرق أوسطية في وادي النيل الأمر الذي نتناوله لاحقًا.
وفي السودان تجمع عدد من البعثات الأوروبية والأمريكية في منطقة النيل الأوسط حول الخرطوم وشمال السودان وركزت تنقيباتها في مواقع العصر الحجري الحديث على وجه التحديد بحثاً عن أصل الزراعة واستئناس الحيوان وانتشار الرعي والكيفية التي انتقلت بها مجموعات الصيادين لمرحلة إنتاج الطعام. أجريت التنقيبات الميدانية وتحليل اللقي بأحدث ما توفر من مناهج في علم الآثار مما أحدث نقلة نوعية في المعلومات الدالة على قدرات السكان في الفترة 10.000 إلى 3000 قبل الوقت الحاضر. ونالت موضوعات أنماط الاقتصاد المعيشي وأنظمة المجتمع وخصائصه الثقافية والدينية حظًا وافراً من البحث والتداول بين العلماء. وقاد تناول موضوعات التحول الحضاري من الصيد والجمع إلى الزراعة وتربية الحيوان والاستقرار الباحثين للالتفات إلى ظهور المستوطنات الكبيرة والأنظمة الإدارية التي تأسست عليها الدولة السودانية القديمة Haaland,1987.
وهناك من الأعمال الآثارية ما انطوى على مسوحات في مناطق واسعة بعيداً عن مجري النيل مثل عمل البعثة الإيطالية في دلتا نهر القاش بشرق السودان والمشروع الآثاري الأمريكي– السوداني الذى غطى جزءاً من البطانة الشرقية من شق الدود على بعد 50 كلم من الخرطوم حتى الحدود الإرترية في الشرق. كذلك يذكر في هذا السياق البحث الألماني في شمال غرب السودان بالتركيز على وادي هور. مع أن هذه الأعمال كان مسرحها بعيداً عن السهل الفيضي للنهر إلا أنها كشفت عن معلومات مهمة حول العلاقة بين وادي النيل وامتداده الطبيعي في سهول السودان في جهتي الشرق والغرب. ومع كثرة الأعمال الميدانية في وسط السودان والمنطقة المحيطة بوادي النيل تظل أقاليم واسعة من القطر لم تصلها فرق البحث الآثاري بعد. فأقاليم جنوب السودان لم تنل حظها من العمل الآثاري سوى ما قامت به بعثة واحدة لموسمين فقط (محمد علي والأمين، 1992؛ و Mack,J. and Robershaw,P.1982).
إن الأعمال الآثارية الميدانية المذكورة من مصر والسودان مجرد أمثلة فقط لأهم دوائر ذلك النشاط العلمي. هناك العشرات من فرق التنقيب والبحث من الأجانب والوطنيين في كلا البلدين تقوم بأبحاثها في مواقع ما قبل التاريخ لفترات قد تطول أو تقصر. وقد كانت المحصلة اليوم لجميع هذه الأعمال أن توسعت معرفتنا بفترة ما قبل التاريخ ليس فقط في مجال اللقي من الأدوات الحجرية وفخار وغيرها وإنما أيضاً بأنظمة مجتمعات العصور الحجرية وأطرها الطبيعية مما جعل وادي النيل اليوم يعد من أكثر أودية الأنهار في العالم حظاً في بحوث فترة ما قبل التاريخ. وكان نتيجة كل ذلك مراجعة دقيقة لكثير من الأفكار أو النظريات التي طرحت لتفسير التطورات الحضارية خلال العصور الحجرية، وهي عملية مستمرة بطبيعة الحال بسبب استمرار البحوث الميدانية وتنوع مصادر المعلومات.
التاريخ الجيولوجي لنهر النيل والبيئة القديمة
يمثل نهر النيل، أطول أنهار العالم، شريان الحياة وعصبها في مصر والسودان، ليس في الوقت الحاضر فقط، وإنما على امتداد تاريخ استيطان البشر على ضفتيه. فالنيل هو مصدر المياه الدائم للإنسان والحيوان، وفيه بعض مصادر الغذاء كالأسماك وغيرها. وفي انحداره من الهضبة الإثيوبية يجلب النيل الأزرق الطمي المعدني، في حين يجلب النيل الأبيض الطمي النباتي مما يخصّب الأرض على نهر النيل ويجعلها صالحة للزراعة مصدراً للاقتصاد المعيشي الأساس للسكان منذ آلاف السنين. كذلك ربط النهر بين الشمال والجنوب حيث كان الوسيلة الرئيسة للنقل وحوله تشكلت حياة الناس وقامت الفنون والعبادات والأساطير ولا يستطيع المرء استيعاب التاريخ الحضاري للمنطقة دون النظر في مزايا نهر النيل وعطاياه. ومثلما كان النيل ولا يزال حلقة الوصل بين السودان ومصر، فإنه كان أيضاً السبب في جذب الجماعات السكانية منذ أقدم العصور من شمال أفريقيا والصحراء الكبرى. لقد عاش الناس منذ عشرات آلاف السنين قبل ظهور المدنية المصرية القديمة فما هو تأثير النهر على إنسان ما قبل التاريخ؟ ومتى شق النيل مجراه الحالي؟ وكيف تتأثر وتيرة تدفق المياه فيه بالتحولات المناخية العالمية والإقليمية؟ تمثل تلك نوعاً من الأسئلة التي طرحها علماء الآثار والجيولوجيا منذ وقت بعيد عندما رصد بعضهم المصاطب ذات المستويات المختلفة على جانبي الوادي ووجدوا في طبقاتها الأدوات الحجرية وعظام الحيوانات من عصور مختلفة.
لم تك تلك الملاحظات المبكرة ذات شمولية أو صفة علمية محددة، لكن ما حدث خلال حملة إنقاذ آثار النوبة وما جرى بعدها من أبحاث ميدانية أوضح الكثير من التاريخ الجيولوجي للنهر. وقد تم حفر العديد من المواقع لربطها بالتكوينات الطبيعية، كما درست مقاطع مختارة من الرسوبيات الطميية وتكوينات الأودية التى تصب في النهر وجرت المقارنة بينها لتحديد أزمانها ومدلولاتها المناخية. وقد نشرت نتائج هذه الأبحاث بصورة وافية تناولت تاريخ النهر والمناخ القديم وربط الاستيطان البشري بأحوال البيئة وما تبيحه من موارد طبيعية صالحة للإنسان والحيوان. وتكفي هنا الإشارة إلى أهم هذه الدراسات مثل ما نشره داينزلن في 1968، ومابثزر وهانسن 1968، ورشدي سعيد في 1975، وبهى العيسوي 1976، ووندورف وشيلد 1976، وفيرمش 1987 (لتفاصيل هذه الأعمال انظر Paulissen,E. and Vermeerch,P.1987).
أفادت هذه الدراسات والتي أعقبتها على مدى ثلاثة عقود في وضع إطار بيئي يمكن للباحثين أن ينظروا من خلاله إلى تعاقب الأدوار الحضارية في فترة ما قبل التاريخ ومقارنة المخلفات الآثارية التي تنسب إلى فترة سادت فيها أوضاع بيئية بعينها.
تختلف نتائج الدراسات الجيولوجية حول قضية قدم نهر النيل كمجرى مائي تأتيه المياه من المنابع المعروفة اليوم في وسط وشرق أفريقيا وكذلك حول معاني الظواهر الطبيعية التى تعكسها التكوينات الرسوبية بالقرب من ضفتي النهر. فالبعض يرى أن نهر النيل بدأ بحفر مجراه الحالي منذ أكثر من ربع مليون سنة مضت حيث دللوا على ذلك بوجود رسوبيات طميية من أصل إثيوبي في تكوين دندرة. وبعد ذلك تقطع النهر ولم يعد لحالته إلا خلال الفترة 100.000–60.000 قبل الحاضر. والرأي الآخر يقول بتاريخ حديث للنهر إذ كان في واديه عدد من الأنهر تأتيها المياه من الأمطار المحلية ومنابع أخرى بعيدة ولكن امتد مجراه من الهضبة الإثيوبية حتى شمال مصر لأول مرة في التاريخ المذكور أعلاه. ويختلف العلماء أيضاً في تفسيرهم للعلاقة بين فيضانات النهر الكبرى وأحوال المناخ المحلية فالبعض يرى أن المصاطب الرسوبية تقابل فترات امتداد الجليد في شمال الكرة الأرضية. وعندما ينخفض مستوى مياه النهر لسنوات قد تطول أو تقصر فذلك يقابل الفترات الدافئة التي تقع ما بين كل عصر جليدي وآخر. وهناك رأى آخر يقول أن هذه المصاطب قد تكونت عندما كان النهر ضعيفًا بحيث أنه لم يتمكن من إكمال جريانه حتى الدلتا وأن أولها تكون منذ أكثر من 30.000 سنة مضت ولم يتمكن النهر من حفر مجراه مرة أخرى إلا نحو 20.000 ق.م. وبحلول فترة العصر الحجري القديم المتأخر تكونت ما يسمى بمصاطب الصحابة – دراو ومسمس ثم زاد اندفاع النهر نحو 10.000 ق.م. وهي الفترة التى ظهرت بعدها مستوطنات العصر الحجري الحديث. واعتماداً على الدراسات الجيولوجية والآثارية اللاحقة اقترح بعض الباحثين تعديلاً لنموذج الفيضان الكبير الذى يعقبه انخفاض واضح في مستوى مياه النهر ثم فيضان كبير آخر، إلى افتراض ارتفاع هائل في مستوى مياه النهر الذى تتخلله انخفاضات بسيطة متذبذبة Wendorf,F. and Schild,R. 1989:89-100. ومما لا شك فيه أن نهر النيل يتأثر بالظروف المناخية المحلية والعالمية وهو مع الصحراء المجاورة بمناخاتها المتباينة عبر الزمن شكلا عنصراً بيئياً مهماً تحددت بموجبه أنماط استيطان السكان خلال حقب العصور الحجرية.
فخلال الأزمان المطيرة نجد مواقع / مستوطنات الصيادين منتشرة في أودية وبحيرات شرق الصحراء الكبرى مثلما هي موجودة بالقرب من وادي النيل نفسه وذلك خلال فترتي العصر الحجري القد