|
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية |
|
مجلة الآثار السودانية/ العدد الخامس/ مارس 2004
شرق السودان : دلتا القاش في ما قبل التاريخ
لمحة موجزة عن أهم نتائج البحث الميداني في شرق السودان
أسامة عبدالرحمن النور
الواقع أنه حتى وقت قريب أهملت المراجع سكان شرق السودان القاطنين بمحاذاة الحدود الشمالية لإثيوبيا، من نهر عطبرة والبحر الأحمر والهضبة الإثيوبية، وظلت هذه المنطقة غير معروفة بالنسبة لعلماء الآثار والمؤرخين، باستثناء بينة محدودة جمعها آركل في أربعينيات القرن المنصرمArkell,1954 في أغوردات في وادي بركة الأوسط، وتلك التى جمعها شينر في ستينيات القرن الماضي Shiner,1971 بالقرب من خشم القربة في وادي عطبرة الأوسط. لأزمان طويلة عدت المنطقة أرضاً موحشة يقطنها بدو لم يسهموا في التاريخ الثقافي القديم لكوش ووادي النيل عموماً. وكان كتشن Kitchen,1971;1972 وبعض من الباحثين القلة قد طرحوا فرضية تقول بأن هذه المنطقة كانت هي "بلاد بونت" المسجلة في النصوص المصرية منذ الدولة القديمة.
البينة التاريخية الخاصة بشرق السودان ودلتا القاش شحيحة للغاية. لا يوجد ذكر مؤكد للمنطقة لا في النقوش المصرية ولا في النقوش النبتية والمروية. لكن طرح كل من زهلارز Zyhlarz,1958 وزيبليوس Zibelius,1972:170-171 رأياً بأن بلاد "جرس" المذكورة في قائمة البلدان لتحتمس الثالث تتطابق مع المنطقة الواقعة بين كسلا وقوز رجب. ويرى جارستانج Garstang et al.1911 أن "تسني" المسجلة في قوائم الأعداء على جدران معبد "اله الشمس" في مروي، تتطابق مع تسنيّ الاريترية الواقعة على القاش على بعد حوالي 40 كم إلى الجنوب من كسلا. النقوش البارزة والنصوص التى تروي لنا وقائع البعثة التى أرسلتها الملكة حتشبسوت إلى بلاد بونت وجدت على جدران معبد الدير البحري. لأزمان طويلة ساد الاعتقاد بأن بلاد بونت تقع في منطقة القرن الأفريقي. حالياً فإن غالبية الباحثين يطرحون رأياً مغايراً يقول بموقع بلاد بونت في الساحل السوداني من البحر الأحمر Берзина,1990. بالتالي، يرون بأن بلاد بونت شملت الساحل حتى الحدود الشمالية لارتريا والأرض الداخلية المجاورة للساحل. من ثم فإن العديد من الباحثين يرون بأن السفن المصرية المتجهة إلى بلاد بونت رست في المنطقة الحالية بورتسودان- سواكن. وقد ورد في نقش حتشبسوت اسم قبيلتي "نمي" و "إرم" ضمن القبائل في بلاد بونت التى قدمت الجزية للملكة. ويطرح اوكونور O’Connor 1984:117 رأياً يقول بأن "نمي" هي كتابة خاطئة لاسم "آمو"، وهى المكان الذى جلب منه المصريون الذهب. أما بخصوص "إرم" فقد دلل أوكونور بحجج قوية أن هذه القبيلة كانت تسكن إلى الشرق من النيل (وليس إلى الغرب منه كما ساد الاعتقاد)، تقريباً في منطقة ملتقى نهري عطبرة والنيل.
من بين أهم السلع التى سعى المصريون للاستحواذ عليها كان الذهب، وهو ما يتوفر بكثرة في مناطق عديدة من السودان، رغم أن استخراجه تطلب عملاً شاقاً. ومع أن الذهب لا بدَّ وأنه كان سلعة هامة في الأزمان السالفة، لكن استغلاله بصورة مكثفة بدأ مع المملكة المصرية الحديثة، وأن تأمين الوصول إليه كان من أسباب الاحتلال المصري للنوبة في المملكة الحديثة. كانت هناك عدة مناطق لاستخراج الذهب والتي وجدت طرق تقود إليها. جلب "ذهب الواوات" من التلال إلى الشرق من النوبة السفلى حيث تم الوصول إلى المناجم في الأساس عن طريق وادي العلاقي الذى يتجه إلى الجنوب الشرقي من المحرقة على النيل بعيداً إلى المنطقة الجبلية بمحاذاة البحر الأحمر (لمزيد من التفاصيل حول المناطق الغنية بالذهب انظر Vercoutter 1959). ويبدو أن البطالسة شددوا محاولاتهم السيطرة على النوبة السفلى بغرض تأمين الوصول إلى مناجم الذهب في تلال البحر الأحمر عبر الطرق التى فتحها فراعنة المملكة المصرية الحديثة.
ويبدو أن المصادر الهلنستية سجلت سكان يعيشون في أراضي القاش المنخفضة. فوفقاً لكونت روسيني Conti Rossini,1925;1928 فإن الميجاباري الذين ورد وصف لهم في عمل أجاثارخيد بوصفهم بدواً يؤلفون فرعاً من التروجليديين، قد يكونوا سكاناً لهذه المنطقة. ويمكن أن يكونوا أسلافاً للباريا الذين يعيشون في الوقت الحالي في غرب ارتريا على حد رأي كونتي روسيني Conti Rossini 1913.
وسجل كتاب Monumentum Adulitanum في القرن الثالث الميلادي Wolska-Konus,1968:372-379 التنجاتيين من بين الشعوب التى تبعت لأكسوم، وهم الذين طابقهم كل من كيروان Kirwan,1972 وهنتنجفورد Huntingford,1974 بالسكان الذين يعيشون في دلتا القاش (التاكا).
وتذكر النقوش المسيحية للملك عيزانا (القرن الرابع الميلادي) غزو النوبا للمنطقة إلى الشرق من نهر الستيت، مما يشير في رأي فاتوفتش Fattovich,1987 إلى أن السكان القاطنين ما بين نهري التكازي وبركة كانوا تابعين للسيطرة الأكسومية. ويورد ليتمان Littmann et al.1913:43 بأن نقشاً ما بعد أكسومي للملك دانايل (حوالي القرن العاشر- الحادي عشر الميلادي) يسجل حملة باتجاه كسلا تم خلالها غزو الباريا.
دللت المعطيات الآثارية التى تم الحصول عليها خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة والمتعلقة بالثقافات المبكرة في شرق السودان على أن النماذج المقترحة لتفسير التطور الثقافي في مرحلة ما قبل التاريخ في الشرق الأدنى ووادي النيل المصري بحاجة إلى توسيع مع الأخذ بالحسبان لإمكانية وجود عمليات ثقافية بديلة.
النموذج التقليدي للانتقال من اقتصاد الصيد- الجمع إلى إنتاج الطعام، الذى طرحه بداية جوردون تشايلد وتم من ثم إدخال تعديلات عليه، بداية من قبل بريدوود Braidwood and Willey 1962، ولاحقاً من قبل عدد كبير من الباحثين، يفترض أن الأشكال الأولى لإنتاج الطعام اتبعت تمركز الصيادين- الجامعين في العصر الحجري القديم في مناطق محددة، وفرضت عليهم الحياة هناك بفعل أشكال مختلفة من الضغوط الطبيعية، مثل، على سبيل المثال، التغيرات المناخية، ونمو الكثافة السكانية وما إلى ذلك. هناك تدليل شائع يقول بأن إدخال حجارة الرحى والأواني الفخارية ارتبط بنشوء تنظيم اجتماعي اقتصادي جديد، أطلقت عليه بصفة عامة تسمية "العصر الحجري الحديث" ويتميز بحياة الاستقرار والنشاطات الزراعية والاقتصاد القروي. وينظر للإمكانيات الجديدة الناشئة لإنتاج الطعام وتخزينه بوصفها العنصر الأول للتراتب الاجتماعي، الذى يفضي في نهاية المطاف إلى تشكيل "نخبة" ونشؤ نظام الدولة.
خلال الأربعين سنة الماضية التى شهدت بحثاً مكثفاً في مجال ما قبل التاريخ في شمال شرق أفريقيا، فإن النموذج الذى تقدمه المعطيات الآثارية من وادي النيل المصري أثبت ملاءمته التامة مع هذا المخطط. لكن وضعاً مغايراً، على كلٍ، كان قد ميز في الغالب شرق السودان، حيث أعاقت الأمطار الصيفية والمناخ الجاف نمو المحاصيل البرية وتطور الزراعة. ومن ثم فإن ما قبل تاريخ شرق السودان قدم فرصة واعدة لتقديم نماذج لعمليات اقتصادية واجتماعية مغايرة، وطرق بديلة باتجاه تطوير مجتمعات مدينية. انطلاقاً من هذه الإمكانيات الكامنة قررت الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية السودانية في عام 1981 بدء مشروع الاستكشاف الآثاري المصحوب بعمليات تنقيب في شرق السودان. تنفيذاً لهذا المشروع منح تصديق لبعثتين آثاريتين للعمل، تحديداً، البعثة المشتركة لجامعتي الخرطوم/دالس، وبعثة المعهد الجامعي للدراسات الشرقية بجامعة نابولي، في المنطقة بين كسلا وخشم القربة.
النتائج المبدئية لأعمال البعثتين المذكورتين أوضحت بجلاء وجود تواتر ثقافي يغطي مجمل الفترة بدءاً من الألفية العاشرة قبل الميلاد حتى القرن الثامن الميلادي. تسعى هذه الورقة لإلقاء ضوء على تلك النتائج وتحليلها انطلاقاً من تقييم للعلاقة بين الثقافة والبيئة يتقيد بالحدود التي ثبتها علم الآثار المعاصر والمتمثلة في عدم إمكانية تجاوز أهمية الدور الذي تحتله كل من الثقافة والبيئة بالنسبة لعلم الآثار. وتتطلب معالجة البيئة والثقافة الرجوع إلى مبادئ الايكولوجيا الثقافية وكذلك مبادئ الجيوأركيولوجيا. فالثقافة التي نعني بها تحديداً الجماعة التي تجسد مثل تلك الثقافة، تعيش في تفاعل مع البيئة الطبيعية، ليس فقط في جوانب الثقافة المادية، ولكن أيضاً الخيارات الاقتصادية وخصائص الإقامة والديموغرافيا، يتم تحديدها بفعل البيئة.
فقد دفع التشديد الذي يضعه علم الآثار الوظيفي على المفهوم الإجرائي للثقافة، أي للثقافة بوصفها نتاجاً لوظيفية نظاموية، إلى الدفع ببعض مسائل إستراتيجية البحث إلى الصدارة. إحداث تقييمات لأبعاد الظواهر المكانية. شمل ذلك الابتعاد عن الاهتمام "بوحدة الموقع الآثاري" التقليدية وتوجيه تركيز البحث إلى اطر إقليمية أكثر اتساعاً، وإلى الاهتمام بعمليات الترسيب، وبعمليات تكون الموقع الآثاري وزواله (المعتمد اعتماداً كبيراً على تقلبات البيئات القديمة)، وإلى المحتويات الطباقية وديناميات ما بعد الترسيب. إلى جانب تلك الاعتبارات يجب عدم إغفال الموضوعات ذات الصلة بتوزيع الموارد (الماء، والنباتات، والحيوان، والمواد الخام) لارتباط ذلك بطبيعة البيئة.
النقاط الأخيرة هذه تم تطويرها، كما هو معلوم، بخاصة في مجال الجيوأركيولوجيا، وهو فرع للمعرفة أبان لعلم الآثار الطرق التي يمكن من خلالها تطبيق المبادئ والتقنيات الكمية، بخاصة لدراسة البيئة، في البحث الآثاري. معروف أن أعمال بوتزر Butzer,1982 تمثل تطويراً أساسياً لمبادئ علم الآثار الوظيفي، وتوفر قاعدة متينة للبحث الآثاري الهادف إلى مدنا ليس فحسب بالأدوات النظرية بل بالأدوات التقنية كذلك التي يحتاجها عالم الآثار. مثال على ذلك نجده في فهم بوتزر للثقافة بوصفها مفهوماً لا يتخذ قيمة ميتافيزيقية لنظام، ولا هي بنظام مثالي لسلوك المجتمع وهو الفهم الذي تطور في مجال الايكولوجيا الثقافوية. على كل يمكن ملاحظة رؤية التحول في كلا الحالتين من الاهتمام بالأدوات وتصنيفها التيبولوجي إلى الاهتمام بالتحولات في السلوك، أي، التحول إلى الدينامية التي ينظم بها الناس وجودهم من خلال تفاعلهم مع الآخرين وبيئاتهم الثقافية والطبيعية والميتافيزيقية ... من هذا المنطلق تحاول الورقة المقدمة تقييم النتائج الأخيرة للبحث الآثاري الجاري في شرق السودان من واقع رؤية تتسم بالتشديد على تطور الاقتصاد ونمط الحياة العام دون إهمال للتعريف والتعاقب والعلاقات المتداخلة للصناعات المسماة. هكذا نرى أن التحول الأكثر تجلياً في سلوك جماعات شرق السودان في منتصف الهولوسين المبكر يمكن رؤيته في التجارب الأولى لإنتاج الطعام، أي، في الانتقال من حالة اعتماد على البيئة إلى حالة تنظيم "فعلية" للموارد وإنتاجها (أنظر أدناه الأطوار التى مرت بها هذه العملية). إنتاج الطعام يمكن رؤيته بوصفه نتيجة دينامية تكيفية افرزها استغلال اصطفائي مارسه الإنسان، نتيجة خبراته المتراكمة، على البيئة.
ورغم انه من الممكن ملاحظة أن الوظيفية النظاموية ومفاهيم التكيف ذات الصلة بها قد تؤدي إلى تفسير ميكانيكي للظواهر التقافوية التي تستبعد الإسهام الفردي Hodder,1985، فانه لا يمكن إنكار أن مفهوم النظاموي يسمح بالوصول إلى درجة تحكم وقياس كمي للمعطيات بدرجة ما كان من الممكن الوصول إليها من خلال النماذج التقليدية. دللت نتائج البحث في دلتا القاش Fattovich,1990c على أن التغير يمكن أن يحدث لا بفعل البيئة وحدها وإنما أيضاً بفعل عناصر أخرى مثل الديموغرافيا، والأيدولوجيا الرمزية، والصلات مع المناطق المجاورة. كما وأن النتائج أكدت على أن تأثير البيئة في ظروف شرق السودان كان عنصراً هاماً، بل وحاسماً، في تحديد قرارات الجماعات Sadr,1993. كانت إمكانيات الاختيار لا زالت عديدة لدى جماعات الهولوسين المبكر، وكان ازدهار المدنية على طول مجاري المياه بخاصة نتاجاً لقرارات اتخذتها الجماعات الإنسانية في تلك المرحلة. لكنه وفيما بعد مع بروز الأطوار الجافة التي ميزت الهولوسين المتأخر أضحت القيود، التي فرضتها البيئة الأكثر صرامة، تفرض الانتقال من الصيد إلى الفلاحة وسط جماعات شرق السودان في الهولوسين المبكر. في هذه الورقة يتم اعتماد فرضية نموذج ينظر فيه لإنتاج الطعام بوصفه تعديلاً للجماعات المعتمدة على نمط إنتاج استحواذي محلي تكيفاً مع قيود بيئية محددة، والتشديد على الدور الذي يقوم به تقلب الموارد بوصفه عنصراً في زيادة القاعدة الإعاشية القابلة للاستغلال. باللجوء إلى مثل هذا المنهج يمكن توفير تقييم حجم النشاطات الاقتصادية والتقنية، والأنظمة الاجتماعية السياسية، والمعتقدات والتي تم تطويرها وفق الكثافات السكانية المتفاوتة والحواجز الفيزيقية وسبل المواصلات والموارد المتوفرة. هكذا يمكننا رؤية الطريقة المثلى التي تم عبرها استغلال البيئات المختلفة.
إن إعادة تركيب البيئة القديمة في شرق السودان في الهولوسين لازالت مسألة عرضة للتكهنات. تشير البينة المتوفرة إلى مناخ رطب في الهولوسين المبكر (حوالي 6000-4000 ق.م.) وجفاف متزايد خلال الهولوسين الأوسط (حوالي 4000- 1000 ق.م.) مع بيئة سافنا شجرية في منتصف الألفية الثانية ق.م. Geraads,1983; Fattovich,Sadr and Vitagliano 1988.
عموماً يبدو أن التقلبات المناخية في شرق السودان اتبعت المسار نفسه الذى ميز شمال أفريقيا وشمالها الشرقي عموماً. تميزت التقلبات بجفاف متزايد من 4000- 3000 ق.م.، مع فترة سادت فيها ظروف رطبة إلى حد ما في الألفيتين الثالثة والثانية ق.م. وحلول الظروف الحالية بحوالي 1000 ق.م.، مع فترة دافئة في بداية الألفية الثانية والتثبيت المتصاعد للمناخ الجاف الحالي في منتصف الألفية الثانية ق.م. (انظر Butzer,1976; Hassan,1981; Muzzolini,1982; Williams,1982; Gowlett,1989.)
كرونولوجياً فإن ثقافات شرق السودان التى
تمثل تواتراً منتظماً قد صنفت كالتالي
Fattovich 1994:
* الطور الأول مثلته مجموعات سكانية استغلت البيئات النهرية والسافانا المحلية وعاشت في شمال الدلتا خلال الألفيتين السادسة والخامسة ق.م. (مجموعة أم آدم). وجدت نماذج من الشقوف شبيهة بفخار الخرطوم المبكرة مما قد يشير إلى وجود صلة مع وادي النيل.
* الطور الثاني مثلته مجموعة صيادين اعتمدوا على ثدييات السافانا وسكنوا في السهول الممتدة بين شراب القاش ونهر عطبرة في الألفية الخامسة ق.م. (مجموعة ملاويا). يظهر فخار هذه المجموعة معاصرته لفخار وادي النيل والصحراء. وتشير المصنوعات الفخارية الناعمة ذات المقبض إلى علاقة هذه المجموعة بمجموعة أم آدم الأسبق.
* الطور الثالث يمثله أحفاد مجموعة ملاويا الذين سكنوا، في الألفية الرابعة والألفية المبكرة الثالثة ق.م. (مجموعة البطانة)، في السهول بالقرب من المجاري القديمة للقاش التى تنزاح باتجاه نهر عطبرة. اعتمد اقتصادهم المعاشي في الأساس على صيد ثدييات السافانا، وصيد الأسماك، واحتمالاً زراعة الحبوب. بدأ أهل هذه المجموعة في أواخر الألفية الرابعة ق.م. في تدجين الأبقار. وامتد حجم مواقع الإقامة ليصل الموقع إلى 10 هكتارات. تشير موضوعات الزينة القيمة في المواقع الرئيسة إلى احتمال نشؤ مجتمع تراتبى.
* الطور الرابع تمثله مجموعة رعوية، أو رعوية زراعية، سكن أهلها في مجمل الدلتا ومنطقة شراب القاش من بداية الألفية الثالثة حتى منتصف الألفية الثانية ق.م. (مجموعة القاش). ويعتقد صدر Sadr,1988 بأنها تمثل استمراراً للطور السابق. يتفاوت حجم مواقع الإقامة من أقل من هكتار إلى 13 هكتار، مع بروز واضح للتراتب الاجتماعي. وقد كشف فاتوفتش Fattovich 1988 عن جبانة رسمية مع مسلات ميجاليثية في الموقع الرئيس بالدلتا (محل تيجلينوس) يرجع لأواخر الألفية الثالثة بداية الألفية الثانية ق.م. دخل السكان في شبكة صلات واسعة وتبادل تجاري مع مصر، والنوبة، والجزيرة، وإثيوبيا، وجنوب شبه الجزيرة العربية، وقد كانوا شريكاً تجارياً هاماً لمملكة كرمة Fattovich, Sadr and Vitagliano 1988. ويعتقد فاتوفتش بأن شكل الدولة كان أقرب، احتمالاً، إلى الدويلة المشيخة Fattovich 1991.
* الطور الخامس يرتبط ثقافياً بمجموعة أغوردات في وادي بركة (انظر: Arkell,1954) وشغلت شمال غرب الدلتا في منتصف الألفية الثانية ق.م.
* الطور السادس مثله سكان زراعيين رعويين، ينحدرون من مجموعة القاش، وسكنوا السهول بين نهري القاش وعطبرة، وانتشروا حتى وادي بركة، من منتصف الألفية الثانية حتى منتصف الألفية الأولى ق.م. (مجموعة جبل مكرم). ويظهر فخار هذه المجموعة شبهاً بفخار المدافن الحفر pan-graves