أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

مجلة الآثار السودانية/ العدد الرابع/ فبراير 2003

 

 

 

 

 

 

 

فراعنة النوبة المنسيين

بروس وليامز

ترجمة : فؤاد عكود*

 

 

 

 

 

 

 

 

عادة ما تمثل إعادة اكتشاف مملكة قديمة أمراًُ مثيراً للاهتمام المكثف، لكن عندما يتعلق الأمر بأسبقيتها على أقدم حكومة ملكية- اتحاد مصر في الألف الرابع قبل الميلاد- فإن التاريخ نفسه يولد من جديد. المكان هو النوبة القديمة في قسطل حيث دللت البحوث التي أجريت على المواد الأثرية التى تمَّ اكتشافها أثناء جهود الحملة الكبيرة في الستينيات عن مكان ميلاد حضارة دامت لأجيال عديدة سابقة لصعود أول أسرة في تاريخ مصر الفرعونية. وقد دللت هذه الاكتشافات على خطأ الفرضية السائدة في وقت سابق بأن التنظيم السياسي لم يك قد جاء إلى النوبة أو إلى أي مكان جنوبي مصر إلا بعد انقضاء 2500 عام.

 

إن تحويل ما قبل التاريخ إلى تاريخ هو مهمة كبيرة ومعقدة دوماً، حتى في مصر التى تكشف وثائقها المبكرة عن مثل هذا التحول. ويتضاءل التعاقب الصارم للسجلات المعاصرة من فرعون إلى آخر بسرعة ويصبح غامضاً ومبهماً تماماً فيما قبل بداية الأسرة الأولى. ويعتقد أن هذه الأسرة الأولى التى تأسست في حوالي عام 3200-3150 ق.م- وكانت معلماً للوحدة السياسية لمصر العليا ومصر السفلى- كانت من عمل عحا "Aha"، الفرعون الأول لكلا إقليمي مصر، في غزوة حققها فعليا نارمر (نعرمر). وقد جاءت أكثر الأدلة المتعلقة بهذه الفترة التى تقع على تخوم التاريخ، من المقابر العظيمة المنسوبة إلى عحا "Aha" وخلفائه من الأسرة الأولى. وقد وجدت مع مقابر خلفاءه " كا" " Ka" ونارمر في ابيدوس - المدينة القديمة المقدسة للإله أوزوريس، على بعد مئة ميل من الأقصر، وفي سقارة على مشارف مدينة القاهرة، وفي هيراكونبولس في مصر العليا. وتم اكتشاف آخر كبير في بداية هذا القرن، ذلك المخبأ الرئيس الذى ضم اللوحات الحجرية الكبيرة ورؤوس الصولجانات التى وجدت مع كل من نارمر وخليفته الآخر، الملك العقرب، حتى في أزمنة مبكرة أكثر، وكانت لوحة نارمر الحجرية أهم هذه المكتشفات. وبالرغم من أنها تشبه في الشكل لوحات حجرية أصغر كانت تستخدم لسحن العطور، فإن هذه اللوحة تكشف عن صور تماثيل ورموز في نقش قليل البروز تحكي انتصار ملك مصر العليا على ملك مصر السفلى، كما يحتوى النقش على اسم الملك نارمر موضحاً بشكل ظاهر على رأس اللوحة. بالإضافة إلى كل هذه الأدلة، فإن نصب تذكارية أخرى لكل من نارمر والعقرب تدعم بأن التوحيد قد شق طريقه نحو الشمال. هناك  حفريات جارية الآن في هيراكونبولس قد تضيف أدلة أخرى.

 

من ناحية أخرى، هناك شظايا مبهمة مخيبة للآمال من سرخ Serekh ما قبل الأسرات تتمثل في مظاهر بوابات قصر ترمز للملكية محفورة على الفخار بالإضافة إلى مجموعة صغيرة لما يبدو أنها لوحات ملكية توضح الحرب أو مجموعة مبكرة تصور صراع الحيوانات. ونسبة لأن أي من اللوحات ورؤوس الصولجانات لم بتم العثور عليها في أماكنها الأصلية، فلا توجد علاقة لترتيب زمني يمكن تحديده لتكوين علاقة بين مختلف الشظايا "الكسور". إن عدم وجود الدليل المباشر في الماضي جعل دراسة هذه الدول ذات السيادة المبكرة متضاربة إلى حد كبير. لقد تغير هذا كله خلال السنوات القليلة الماضية. فالدليل المباشر للملوك في وادي النيل قبل عهد نارمر قد ظهر أخيراً من حيث المحيط والبيئة، في مكان غير ما نتوقع وفي إطار ثقافة لم يتوقعها أحد- كان ذلك تحديداً في قسطل في النوبة السفلى- قريباً جداً من الحدود الحالية بين مصر والسودان. لأزمان طويلة ساد الاعتقاد بان سكان النوبة السفلى في هذه الفترة، والذين يطلق علماء الآثار علي مخلفاتهم الثقافية تسمية المجموعة الأولى، كانوا حملة لثقافة غير معقدة ويؤلفون مجموعة سكانية محدودة العدد بحيث ما كانت تؤهلهم لتأسيس ودعم مؤسسات سياسية معقدة ومركزية تفضي ضمناً إلى حتمية وجود فراعنة.

 

الإشكالية القائمة هي كيف تسنى لهم والأمر كذلك أن يؤسسوا "أسرة أولي حاكمة" خاصة بهم؟ حتى ولو كانت ثقافة المجموعة الأولى قد جاءت أساساً من تلك الثقافة الموجودة في مصر العليا في عصر ما قبل الأسرات، تلك الفترة التي اصطلح على تسميتها بـ (نقادة الأولى) أو العمريةAmratian   مرواً بالحقب الوسطي والمتأخرة لما قبل الأسرات (نقادة الثانية) و (نقادة الثالثة)، أو عصر الثقافة الجرزيةGerzean . فالمصنوعات المحلية ليست مصرية، ويكشف العديد منها سمات مميزة للسودان. تأسيساً علي فقر البلاد وللصفة المختلطة للثقافة قام علماء الآثار بالتوصل إلى اتفاق مفاده بان نوبيي المجموعة الأولى (A) هم على أكثر تقدير بمثابة مجموعة مشيخات مبعثرة أو، احتمالا، مجموعة غير مترابطة من التكوينات العشائرية.

 

الدليل القوى الذى عكس هذا التفكير أو قلبه تم اكتشافه فقط بعد أن تم التقييم النهائي لنتائج أعمال التنقيب الآثارى التى أجريت في قسطل- ففي عام 1962 م عندما انطلق في آخر لحظة فريق دولي من علماء الآثار لإنقاذ البقايا القديمة التى حاصرها ارتفاع مياه خزان أسوان (السد العالي)- كانت منطقة قسطل القريبة من النهر قد عدت منطقة لا تستحق إجراء بحث إضافي فيها. إلا أن كيث سييل Keith Seele ، الذى كان آنذاك مديراً لبعثة المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو، رأى غير ذلك. فبعد تنظيف جبانة كبيرة ضمت مقابر تنتمي للمجموعة الأولى تماثل تلك التي لدي (كا) (Ka) واقع والجبانات الخاصة بفترات ما قبل الإسلام. تأثر سييل في الحال بشكل قوي بأهمية هذا الموقع الذي صنفه (رمزه) بالجبانة (L) برغم أن كل مقبرة فيها كان قد تم نهبها ودمرت واحترقت معظم محتوياتها، إن الكمية الهائلة للمادة التي تم اكتشافها دحضت أي رأي بشأن تصنيف الجبانة (L) لذا فان أي تقييم ميداني قد يتم القيام به علي أساس المقابر الثلاثة والثلاثون وتسجيل المواد الخاصة فيها وكنتيجة لذلك وبسبب عدم وجود دليل واضح ومحدد للملكية يمكن تتبعه بشكل مباشر، فان اقتراح سييل بان هذه المقابر قد تكون (لأمراء) أو ملوك نوبيين لما قبل الأسرات قد تم تجاهله تماماً. ولم تذكر لا قسطل ولا الجبانة (L) في المناقشات الهامة التي جرت مؤخراً حول المجموعة الأولى أو حضارة ما قبل الأسرات.

 

 بحلول عام 1977 م، بكل أسف بعد سنوات قليلة من وفاة كيث سييل المبكرة، فان مشروع نشر ما تم اكتشافه بواسطة البعثة النوبية للمعهد الشرقي تحول إلى بحث منظم لبقايا الجبانة (L). إن أول وأعظم مهمة مثبطة للهمة هي كيفية أن يكون مفهوماً الركام الهائل من كسور وشظايا الأواني الحجرية، وكان قد تم في أعوام سابقة بذل جهد كبير لفحص هذه لوصلات) ولكن نسبة لضيق الوقت لم يتم التمكن من إجراء مقارنة  لعزل الشقوف غير المترابطة من كل آنية. إن العملية الضرورية لتحديد عدد تقريبي للعدد الأصلي للمحتويات في المقابر، أصبح سهلاً تمييز كل آنية عن الأخرى وذلك بالتصميمات المميزة للعدد الهائل (للسلطانيات) الملونة للمجموعة الأولى وبالصفة المميزة المتغيرة للمرمر المصنوعة منه معظم الأواني الحجرية. وبالرغم من أن المتطوعة اليزابيث تيكن Elizabeth Tieken  التي كرست جهدها وفحصت المجموعة لسنوات عدة متصلة من قبل، قد حذرت من أن العديد من القطع لا تناظر إحداها الأخرى، ولم يتوقع أحد حتى لو من بعيد بأن العدد الكبير من المحتويات التي قد تظهر، الأواني الملونة ليست شائعة كذلك الأواني الحجرية نادرة في المواقع الأخرى الخاصة بالمجموعة الأولى. وخلال أسابيع من إجراء المقارنة وإحصاء وإعادة المراجعة، أصبح واضحاً بشكل متزايد بان مجموعة قسطل احتوت علي عدد كبير من نوعي الأواني أكثر مما وجد من قبل علي الإطلاق في النوبة (أكثر من ألف جرة كاملة مكونة من قدور ملونة مؤلفة من شقوف، وأكثر من مئة آنية حجرية). إن طبقة أو رتبة هذه الشقوف والشقوف الأخرى من الجبانة المنهوبة بدأت تشير إلى ما يمكن أن يسمي بالثروة الملكية.

 

ويقع الفخار في خمس مجموعات رئيسة مميزة بالصناعة والزخرفة والي حد بعيد فان الأواني الوفيرة (السلطانيات) الفخارية المرسومة مزخرفة في بعض الأحيان برسوم تذكارية - الممارسة التي تبدو أنها قد هجرت في فترة سابقة في مصر وتم إعادة إدخالها إلى النوبة السفلي من السودان - إن معظم هذا الفخار تمت زخرفته بنماذج هندسية أو بخطوط مستقيمة بشرائط أفقية لا تماثل أي فخار ملون في تلك الفترة. ومن المحتمل أن يكون قد تم نسخه بعد الفخار المشهور المزخرف بالأشرطة من السودان، أو ربما أقتبس من نماذج حبال الشباك المستخدمة في حمل الأواني. وربما تكون بالفعل إحدى المجموعات الصغيرة من الأواني قد تم صنعها في قسطل، تقليداً لأسلوب سوداني بعينه بشرائط عريضة منقوشة بطراز ونموذج لختم متعرج معروف تماماً في الجنوب. كما (السلطانية) السميكة اللينة والمحروقة بشكل جيد بنقوش وزخارف مختومة علي سطح مصقول تمثل تقليداً آخر. وقد تمت زخرفة بعض هذه (السلطانيات) بالثعابين. كما وجد في مواجهة الطبقة التي ملأت الخلفية الموتيف المشابه. اللافت للثعابين التي وجدت علي الجانب الأسود المنقوش (لسلطانيات) المجموعة. الاسم الذي أطلق علي الثقافة التي احتلت النوبة السفلي من المملكة القديمة المتأخرة حتى المملكة الحديثة (حوالي 2300-1500 ق.م) وتماثل هذه (السلطانيات) بشكل شديد نظيرتها من المجموعة الثالثة (C) ويجب أن تعتبر جزءاً استمر طويلاً وتقليداً لم ينفصم. إن تقنية الصنع والأسلوب يختلف تماماً عن أية صناعة مادية أخري للمجموعة الأولى قد يكون تم استيرادها من موطن المجموعة الثالثة المتأخرة من المحتمل من الغرب.

 

إن الفخار المصري هو الأكثر شيوعا بعد الأواني الملونة للمجموعة الثالثة. كما تماثل القطع المميزة فخار حقبة "نقادة الثالثة"، المرحلة الأخيرة لثقافة ما قبل الأسرات في مصر. وتضم هذه القطع "سلطانيات" متعددة الأشكال ما بين الصغيرة والكبيرة الضخمة، والزجاجات ذات العنق الضيق، والجرار الأسطوانية المزخرفة بشرائط متموجة، تضم واحدة من المقابر المتأخرة رسما زخرفيا شبكي الشكل وجرارا كبيرة قوية ثقيلة "23" منها وجدت سليمة في خندق لواحدة من المقابر الضخمة الهامة، وأربعة من جرار التخزين، هذه - ذات الشكل المعدل والتي وجدت في المقابر الملكية الأخيرة لما قبل الأسرات في أبيدوس - وقد نقشت بنقش يمثل بوضوح الشكل المبكر للكتابة الهيروغليفية، والعدد الأكبر من الأواني المصرية أواني ملونة، معظمها بخطوط متموجة تميز رسوم أواني ما قبل الأسرات. والقليل من هذه القدور مزخرفة بمجموعة من الأشكال التي دلت على أنها ذات أهمية ومغزى كبيرين .

 

وجاءت المجموعة الأخيرة من المشرق، وصنعت على غرار تقليد الأواني السورية - الفلسطينية، وترجع إلى الفترة البيزنطية المبكرة الأولى "قبل حوالي 3200- 3150 ق. م" وقد وجدت معظمها في مقبرة واحدة في الجبانة "L" وتمثل طرازا لم يوجد أبدا في مصر، برغم أنه وجد ما شابهها على الشاطئ الآسيوي.

 

وبالإضافة إلى المجموعة الكبيرة للفخار والجرار الحجرية البالغ عددها مئة جرة، فإن أشياء أخرى مدمرة بشكل شديد ذات أصل محلي للمجموعة الأولى ومصرية ونوبية قدمت دليلا بليغا للنهب الكامل الشامل للجبانة، وتحدثنا قيمتها الخاصة وعددها غير العادي عن قصة وحكاية لبعض اللوحات الحجرية الصغيرة للمجموعة الأولى (A) قد صنعت من كوارتز صلب ومصقول وملون بشكل جيد جدا ، كما تم زخرفتها بملاط سميك لتحديد الأشكال عن الكوارتز شديد الصلابة، وفي أحيان أخرى تضاف زخرفة حلزونية بسيطة ولكن الأكثر أهمية هي المباخر المميزة للمجموعة الأولى. أشياء أسطوانية مصنوعة من الحجر الرملي المحلي، أو مزيجا من الصلصال والمرشوم وجد في قسطل بأعداد كبيرة، أكبر عدة مرات عما كان عليه من قبل في كل النوبة. وقد نقش العديد من هذه المباخر ثم نحتت تصاوير ورموز للأسر الملكية المصرية، البيان أو الإشارة الحاسمة للمعنى الحقيقي لحجم وثراء مقابر قسطل.

 

كما يعكس عدد صغير من القطع تقليدا ثالثا، إن أكثر هذه القطع شيوعا هي تلك القطعة الشبيهة بالخطاف منحوتة من الصدف البحري برؤوس دقيقة وسيقان دقيقة الطرف تتفاوت ما بين النتوء الطويل والقصير بنحت شبه دائري. إن الخطاطيف والأزرار والمسكوكات التي من هذا النوع نادرة نسبيا في مصر، وتظهر فقط في بعض المقابر الفقيرة ، وهي مفقودة تماما من حفريات أي مقبرة من مقابر المجموعة الأولى في النوبة. إن الأشكال المبكرة لبعض هذه القطع - معظمها من الحجر - شائعة في منطقة الشهيناب في السودان حيث من المحتمل أن تكون هذه المنطقة هي موطنها الأصلي . وبالرغم من أن العديد من هذه القطع الصغيرة قد وجدت على طول أنحاء الجبانة "L" فإن الركام من المصنوعات الصدفية التي لم تنهب بالمرة قد احتوت على أكثر من 1650 قطعة بالإضافة إلى "2600" قطعة أخرى من الأشياء التي لا يعرف الغرض من استخدامها وتسمى عادة "سدادات الأوعية " وهي شائعة أيضا في الشهيناب، ولكنها نادرة في مصر والنوبة السفلى وبالرغم من عدم وجود دليل واضح للغرض من هذه السدادات الصغيرة أو الأزرار فإنها لم تكن معدة للاستخدام بأعداد كبيرة ومن الواضح أن أغلب الـ4000 قطعة التي وجدت في هذا الكوم قد تكون ذات قيمة مادية أخرى.

 

إن المقابر التي من هذا الحجم والغنى والتاريخ تم في مصر الاعتراف بها في الحال كمقابر ملكية. إن تنوع محتوياتها غير العادية قد يؤخذ كدليل على وجود ثقافة مركبة لها اتصالات خارجية واسعة. ولكن بسبب أن الاكتشاف قد تم في النوبة في وقت ومكان حيث كان يعتقد باستحالة وجود المكلية فيها فإن وجود دليل إضافي على الملكية يصبح أمراً ضرورياً، ولحسن الحظ فإن مثل هذا الدليل المؤيد والحاسم موجود على شكل مباخر منقوشة "السرخ"  Serkhs وصور أجزاء من واجهة القصر ورموز مميزة محددة للملكية المصرية، ويظهر السرخ في العصور المتأخرة لما قبل الأسرات، غالبا وهي تحيط بالصقر حورس رمز الفرعون، كما استخدمت مؤخرا لتطويق أسماء حورس للفراعنة المصريين. واستخدام الاسم الملكي الرئيس خلال الأسرات الأولى والثانية. إن صورة واجهة القصر على المباخر مشابهة لأبسط الأمثلة التي وجدت في نقش على فخار ما قبل الأسرات في مصر وتتزامن بعض هذه الواجهات مع مواكب السفن، وهي مفصلة بشكل خاص في حالتين. وفي الحقيقة فإنها أكثر الأشياء تشويقا وقيمة تم العثور عليها في قسطل، أكبر وأجود وأعظم اتقانا فيما يتعلق بالزخرفة في كل مجموعة مباخر المجموعة الأولى، وأفضل مثال لهذا المنظر الزخرفي الذى نجده في صورة أسلوب الصورة الظلية Silhouette المتصلة بالرسم على الحجر، وقد تم العثور عليها في إحدى المقابر المبكرة والغنية من مقابر الجبانة "L" التي يرجع تاريخها إلى حوالي أربعة أجيال أو أكثر قبل عصر الملك المصري "كا" (Ka) وستة أو سبعة أجيال قبل بدء الأسرة الأولى. وقد اعترف المعهد الشرقي بأن هذا المبخر يظهر موكبا من ثلاثة مراكب بمؤخراتها الطويلة ومقدمتها المنحنية متجهة نحو واجهة القصر، كما لاحظ الباحثون أيضا التصميم المنحنى المركز وأيضا التصميم المركز بشكل مدهش للسرخ والحشود العسكرية، ولكن نسبة لأن واحد فقط من شاغلي المراكب الثلاثة معروف، وأن ركاب المركبين الآخرين أصبح من المستحيل معرفة شخصياتهم نسبة لاستحالة الترميم، فإن مبخر قسطل يبقى لغزا، ومع ذلك عندما تم مؤخرا إعادة فحص المبخر على ضوء المكانة الملكية الرفيعة الواضحة للأشخاص الذين دفنوا في الجبانة "L" فإن الباعث الضروري للعوامل المفقودة أصبح في الحال واضحاً.

 

ويظهر في المركب الأول أسير راكع على محفة أو حمالة وقد ربط بحبل يمسكه حارس بيده صولجان، وبالرغم من أن الشكل أو الصورة التي في وسط المركب قد دمر تماما، فإن التاج الأبيض لمصر العليا يظهر بوضوح فوق المركب وأمامه ذيل الصقر علامة أخرى على الملكية ويوحي التاج على أن الصورة هي للملك. ويجب أن يقرأ الصقر الجاثم على السرج معا مع الصورة المتميزة في الأسر المصرية المبكرة. كما توجد أمام الصقر حلية معمارية وردية الشكل رمز الملكية قبل الأسرة الأولى، والاثنان - الأسير المقيد والفرعون - معروفان جيدا في التصاوير المصرية المبكرة ولكنهما ممثلان هنا بشكل ما غير عادي، وفي فترة الأسرة الأولى فإن مشاهد الاثنين ثابتة - الملك والأسير - وكلاهما واقف على اليابسة، في حين أنهما، على مبخر قسطل قبل أجيال سابقة، قد نقلا بالسفينة. إن تاريخ مبخر قسطل وضح بشكل أكثر الصور التي لها صلة كبيرة بالفن الوسيط والمتأخر لما قبل الأسرات، اسم مجهول لألوهية غادرة "حدد الصقر على العامود " والرجل الذي يؤدي التحية في وقفة وأسلوب يطابق تكوين آنية "نقادة الثانية " كما أن الحيوانان، الظبي واللاحم " من أكلة اللحوم" يثبان في مرح بالقرب من وسط المركب الملكي، وهما يتخذان بطريقة مميزة وضع الحيوانات في اللوحات المبكرة التي تظهر مجموعات الحيوانات المتصارعة . ويظهر هذا الطراز مشاهد للأحداث التاريخية ، وتوفر البيئة المحيطة بتاريخ اللوحة: الأسلوب والتركيب. ويوفر مبخر قسطل التمثيل المبكر والمؤكد للملك في وادي النيل أو أي مكان آخر. إن هذه النتيجة قد دعمها بشكل أكثر العديد من المباخر التي تصور مجموعة المراكب وواجهات القصر في الموكب الملكي. ومع ذلك كان تصميمها بسيط جدا أو حفظ بشكل غير جيد لدرجة كان من الصعب التعرف عليها إلى أن تم فك مغالق مبخر قسطل.

 

وبمرور الأسابيع والشهور فإن استمرارية إعادة تقويم أواني قسطل أظهر سلسة متعاقبة أرشدت إلى جيل بعد جيل عن الجبانة "L" حتى زمن مقابر آخر أسرة لما قبل الأسرات في ابيدوس، إن الأشخاص الذين دفنوا في قسطل هم ملوك ذوي ثروة تليق بالملوك، ولهم ثقافة واسعة جدا ذات صلات أكبر بكثير عما كان يعتقد لمثل هذا المكان النائي، ولكن ما هو المعروف بشأن هذه المملكة الجديدة؟ وما هي العلاقة التي كان يقيمها هؤلاء الفراعنة الأول مع رعاياهم ومع الكيانات السياسية المحيطة؟ ربما قد يكون السؤال العويص هو لماذا لم يعرف شئ عن هذه المملكة حتى الآن. إن الحقيقة في الواقع هي أن الدليل غير المقبرة في قسطل كان قد عرف لبعض الوقت، ولكن إما تم تجاهله أو تم تأويله وتفسيره خطأ. إن أعظم مثال هو النصب التذكاري لجبل الشيخ سليمان الواقع جنوبي قسطل . لقد كان هناك اعتقاد بأن هذا النقش من صنع (جر  Djer) ثاني ملوك الأسرة الأولى، ولقد عينت هويته باسم حورسه في سرخ الذي استعير ليكون اسماً لـ جر، وهو في الحقيقة جزء من الحيوان الشائع في المخربشات الصخرية النوبية، وفي الواقع لا يوجد مكان لاسم فوق هذا السرخ، ويجب أن يؤرخ على السرخ المجهول الممثل في مشهد ساحة القتال الذي يضم الأعداء المطروحين أرضا و المسجونان المقيدان والمركب الملكي ، إن هؤلاء الأعداء تم نعتهم بنعوت ووسموا بوسم تجعلهم أشخاص لا علاقة لهم بالنوبة ، بالإضافة إلى ذلك فأحدهما مقيد جسديا بدلا من تمييزه بالقوس، ذو المغزى الهام، لأن أرض القوس هو الاسم الهيروغليفي المبكر لأرض النوبة وفيما بعد الاسم الحقيقي لمعظم الولاية أو المحافظة المصرية الجنوبية ، وبالعمل كوكيل للفرعون فإن القوس يميز الحاكم كواحد من النوبة مما يجعله من المجموعة بدلا من كونه نصبا تذكاريا مصريا.

 

كما يظهر القوس في مكان آخر في النصب الفرعونية التذكارية، مثلا على طبعة ختم عثر عليه في مخزن للمجموعة الأولى مخبأ في سيالي Siali إلى الشمال من قسطل ، وقد فسرت هذه الأختام خطأ بسبب شرخ في الختم العاجي أو الخشبي الأصلي مما جعل السرخ المتمركز يظهر وكأنه نبات، وتم بناءً على ذلك فحصه مصدراً للنسب الملكي. ومع ذلك فإن موضوعه الأساسي هو بال شك أن تجمع السرخ توج برمز الصقر المعتاد ، وبالرغم من أن عدد من أوجه هذا الختم ما زال من الصعب التأكد من صحته ، فإن عددا معينا من ملامح الأيقونات مؤكد تماما بنما فيها صور المباخر المستخدمة أو المذابح أو البوابات الضخمة في الهيكل الفرعوني المرتبط مع عيد هب - سد  Heb-sed، اليوبيل الفضي الذي احتفل به الفرعون الأول في عامه الثلاثون، ودوريا فيما بعد .. كما أن الرجل الجالس على الكرسي يحيي رمز القوس. ومع ذلك ففي هذا الوقت فإن القوس الذي يتأرجح فوق المستطيل الذي تم تنكيسه كان يمثل الأرض في هذه الفترة. إن التفسير الواضح هو أن الرجل يحيي اسم النوبة،"تا- ستي Ta-Seti" أو "أ رض القوس" بصفتها أرضا ملكية ودولة إقليمية، إذا فمن الواضح أن النوبة كانت نظاما سياسيا رفيع المستوى لحكم حقيقي وليس حكما بدائيا.

 

وهناك ثلاث قطع من الجبانة "L" متصلة بشكل مباشر أكثر بتاريخ مملكة "تا - ستي" القطعة الأولى "سلطانية " مصرية كبيرة من المقبرة "L" "23" ذات رسم مدروس مفصل لمشهد موكب يؤدي إلى مزار مقام من أعمدة. ويظهر ثلاثة نسور، اثنان منها يمسكان ثعابين بمخالبهما. كما وجد موتيف إضافي على أوان أخرى، وتظهر في شكل مبسط على سلسلة من الأدوات العاجية المشهورة لمصر ما قبل الأسرات مزينة بصنوف من الحيوانات بشكل تفصيلي. وبالإضافة إلى هذه الصلة والرابطة فإن الظهور المحدد لهذه الموتيفة على "سلطانية" قسطل يتيح لنا الفرصة لتتبع تقدم الترتيب الزمني في تطور هذه الموتيفة على قطعتين هامتين آخرتين. إحداهما أيضا سلطانية كبيرة والأخرى جرة مصرية للتخزين برقعة باهتة من الحبر الأسود على كتف الجرة من المقبرة "L6" وهي مقبرة للحيوانات الموضحة بها معاصرة للمقبرة "L23" ولأن هذه الرقعة تم وضعها بعد الحرق فمن المحتمل جداً أنه قد يكون عمودا رأسيا عليه شكل بيضاوي يهاجمه طائر نحيل يشبه النسر وقد بدا ظهر وعنق الطائر في قوس مبالغ فيه، وقد تم فعل الشيء نفسه بالنسبة لذيول وظهور وأعناق النسور على السلطانية من المقبرة "L23" ويحتوي الشكل البيضاوي الذي يهاجمه الطائر على خطين مائلين من الواضح أنهما علامة لنخن "Nekhen" أو هيراكنوبولس، الموقع الخاص بالفترة المتأخرة لما قبل التاريخ، الموقع الذي قدم إلى حد كبير الدليل على صعود الفراعنة المصريين.

 

أما الدليل الثالث من المقبرة "L19" فهو سلطانية كبيرة أصغر إلى حد ما من تلك التي وجدت في المقبرة "