أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السـودانية

مجلة الأنثروبولوجيا العدد الرابع/ يوليو 2005

 

الانفعالات المصاحبة في طقوس الزار

د. آمال النور حامد

 

"ليس الذى ينفعل هو النفس أو االجسم بل الإنسان"

                                            أرسطو *

مقدمة

هناك عوامل شتى تؤثر على الممارسة السلوكية في طقوس الزار من بينها الجهد الجسمانى المبذول ذو الطبيعة الراقصة، الى جانب المنبهات الحسية التى تغمر أجواء الطقوس في سياق رمزي، ممارسة تدثرها كثافة عالية من انفعالات شتى سلبية وايجابية، يمكن وصفها بأنها تنبع من دافعية انفعالية مكتسبة لها جانبها الاداراكى والاجتماعى، ومصحوبة بعوامل حفز متنوعة، واعتقاد راسخ بجدوى الممارسة؛ انفعالات مستخدمة لغة الجسد باحثة عن الاثابة وذلك برضا الأسياد، وهروباً من غصبهم؛ ممارسة قد تقود بعنفها المميز الى درجة فقدان الوعى والدخول في عيبوبة. سبق أن أشرت في دراسة سابقة الى أن الانفعالات في طقوس الزار هى نوع من الانفعالات التى تذود الممارسة بدوافع إرادية تدفعها الى مواصلة الرقص، وذات قيمة تعبيرية. ومن جانبٍ آخر قد تضعف من إرادة الممارسة وقوتها النقدية وتساعد على تشتت ذهنها مما يجعلها عرضة للخضوع للايحاءات الذاتية وايحاءات الشيخة.

 

تتميز الطقوس بوجود منبهات حسية عديدة لها  تأثير ادراكى من جانب، و وجدانى من  جانب آخر كما أن التكرار والنمطية والرتابة في الايقاع والأغانى وصخب جماعة الزار يمكن أن تؤدى الى تكيف حسى مما يؤدي الى تحويل وعي الممارسة من البيئة الخارجية الواقعية الى بيئتها الداخلية مما يجعلها عرضة للحرمان الحسى والوقوع في حبائل الايحاء. فالانفعال والجهد المبذول متغيران لهما أهميتهما في طقوس الزار. التعبير الانفعالى يستخدم لغة الجسد وسيلة للتعبير وهى لغة غير ناطقة وأكثر عمومية، شعورية ولاشعورية، والأكثر صعوبة للفهم كونها "لغة تستخدم  بشكل لا شعورى وتعبر عن الجوانب الأكثر حقيقة من ذواتنا... مشاعرنا انفعالاتنا وحاجاتنا واتجاهاتنا .. وهى الاكثر أهمية في العلاقات الشخصية" (جلين ويلسن،167:2000)

 

الانفعالات: تعريفاتها  والتغيرات  الفسيولوجية

تعددت التعريفات لللانفعالات مع انعدام الاتفاق على تعريف أساسى لطبيعة المفهوم. نعلم ان الانفعالات تستثار عن طريق طائفة متنوعة من أنماط المثيرات فطرية ومتعلمة  ومواقف اجتماعية مختلفة. ذهب البعض لتعريفها من وجهة ذاتية، أي، وفقاً لاحساس الفرد بينما رأى البعض الآخر التركيز على التغيرات البدنية (خارجية وباطنية)، في حيت تؤكد غالبية الباحثين على الاستجابة بوصفها العنصر الرئيس في الانفعال. اهتم آخرون بإدراك الموقف الذى يستثير الانفعال وآثاره على السلوك. وعرفتها ليندا دافيدوف (480:1988) بأنها حالات داخلية تتصل بجوانب معرفية خاصة واحساسات، وردود أفعال فسيولوجية، وسلوك تعبيرى معين، وتنزع للظهور فجأة ويصعب التحكم فيها. وبعد أن فحصت ليندا دافيدوف طبيعتها صنفتها في ثلاث حالات : القلق، والغضب - العدوانية، والابتهاج. أما هنرى مورى فقد عرفها بأنها عبارة عن استجابات فسيولوجية وسيكولوجية تؤثر في الادراك والتعلم والأداء، ويعدها صنفاً من الدوافع ويقول بأن الانفعال هو عبارة عن دافع تمت استثارته من الخارج وتصاحبه تغيرات بدنية هامة. ويركز جورج ميللر (انظر: عبدالرحمن عيسوي،61:1974) على الخبرة والتغيرات الجسدية والسلوك (خبرة ذات شعور قوى، غالباً ما تصاحبها تغيرات جسدية مثل تغير الدورة الدموية، والتنفس، والعرق، وفي الغالب ما تصتحب أعمال قهرية عنيفة ويعدها مقابلة للهدوء والاسترخاء. ويركز سانفورد (انظر:عبدالرحمن عيسوى، مرجع سابق: 62) على تعقد الاستجابة الانفعالية وتداخلها مع السلوك.. "الانفعال هو استجابة معقدة يتضمن خبرة شعورية واستجابات داخلية وخارجيه، ويمكن ان يسهل أو يعرقل السلوك المدفوع". هكذا يتضح تعقد العملية الانفعالية التى تصاحبها الخبرة ويستجيب الفرد لها بكليتة. ويتفق العلماء النفسيون من الناحية الجسدية على حدوث تغيرات في الكيان العضوى، ومن الناحية النفسية هناك حالات من الاثارة تمتاز بقوة الشعور والرغبة في عمل سلوك معين.

 

أما عن النظريات التى تناولت مسارات الانفعالات فقد بدأت تبلور بعض الملامح التى قد تؤدي الى معرفة تامة لما تحدثه الانفعالات ومساراتها. فالتراكم في أدبيات دراسة الانفعالات القائمة على ملاحظة النمو الانفعالي في الأطفال، ومن الدراسات التجريبية على الحيوانات، والاصابات التى تصيب بعض أجزاء الدماغ تكونت الكثير من النظريات. أدناه يتم التعرض لبعض النظريات التى شكلت الأساس النظرى للانفعالات ومساراتها.

 

سادت في الفكر الفلسفي حتى القرن التاسع عشر فكرة أن خبرة المرء للانفعال هى خبرة شعورية تتبعها التغيرت البدنية. شكك وليم جيمس في نهاية القرن التاسع عشر (انظر: ادوارد موراى 102:1988) في هذا الرأى مشيراً الى أن الخبرة الشعورية تعقب الاستجابة البدنية، بمعنى ان الانفعال هو  في الحقيقة ادراك للتغيرات في النشاطات الحشوية والعضلات الهيكلية، بمعنى آخر، الانفعالات هى نتيجة أكثر من مسبب للاستجابة الحشوية (1). تعرضت تلك النظرية لانتقادات ومن كبار نقادها والتر كانون (Cannon,1927) الذى قدم تلخيصاً للأدلة التى تبين أن الحيوانات التجربية والمرضى الذين تعرضوا لبتر الاتصالات العصبية بين الأحشاء والدماغ ظلوا يظهرون الغضب والخوف وغير ذلك من الاستجابات الانفعالية واقترح تفسيراً بديلاً للانفعال والتغيرات الجسدية وتلك هى النظرية الثلاموثية التى اقترحها بارد، وأصبحت تعرف بنظرية "كانون - بارد" في الانفعالات وتذهب الى أن العمليات العقلية والمخ لا بدَّ أن يسهما في الانفعال. حينما يواجه الإنسان موقفاً مثيراً للانفعال فإن الشحنة العصبية تسرى في المهاد Thalamus والبعض منها يذهب الى القشرة الدماغية cerebral cortex، حيث ينشأ الشعور بالخوف أو الغضب أو السعادة. بينما يذهب البعض الآخر الى ما تحت المهاد hypothalamus وتكوينات المخ الأوسط، حيث مركز التغيرات الفسيولوجية، فالانفعال هنا والاستجابات الفسيولوجية يتمان في الوقت نفسه. وبهذه الطريقة تحدث حالات التحفز المتشابهة استجابة لمختلف أنواع الاتصالات. لكن العمليات التى تحدث في القشرة الدماغية هى التى تمكننا من تحديد لماذا نشعر بتلك التغيرات الفسيولوجية. هذه النظرية وصفت  بالبساطة المفرطة لكن رغم ذلك فقد تأسست عليها أغلب النظريات اللاحقة.

 

وطرح بابيز Papez,1937)) مسألة مشاركة الجهاز الحوفي limbic system في التحكم في الانفعالات. ووصف بابيز دوائر عصبية ارتدادية بحسبانها الأساس العصبى للانفعال. وتشمل مكونات المخ الوسيط (أو الأوسط) في دائرة بابيز circuit of  Papez تحت المهاد، ونويات المهاد thalamic nuclei، والتلفيف الحزمى cingulate gyrus، وفرس البحر  hypocampus، والروابط  بينها. وقد وصف بابيز هذه المكونات بأنها تشكل ميكانيزماً متجانساً من شأنه أن يحسن أداء الانفعالات المركزية وأن يشارك  كذلك في التعبير الانفعالى. واعتبر أن نظريته تتوافق مع نظرية  كانون - بارد.

 

وطور ماكلين (MacLean,1958) نظرية بابيز بافتراضه بأن الجهاز الحوفي يستخدم كدماغ حشوى visceral brain ويعنى به أن وظائف الجهاز الحوفي  ليست  مقصورة على الأعضاء الداخلية ولكنه هو عضو يقوم بتفسير التجربة على أساس  الاحساس feeling  أكثر من تفسيرها على أساس لغة رموز معرفية Intellectualized symbols والتجربة التى يفسرها في شكل معلومات تم تلقيها من أحشاء البدن، والتى يبدو أنه يقصد بها كل بنيات الجسد البدنية والحشوية somatic visceral، وأشار الى أن الدماغ الحشوى له موقع استراتيجي في الربط بين كل أشكال الادراك الخارجى والداخلى. لذا سميت النظرية الفسيولوجية الشاملة لبابيز Papez theory of emotion and visceral brain وتبرز أهميتها في كونها توضح مسارات الانفعالات كما ترى أن الشعور والسلوك تم تفسيرهما على أساس دوائر وألياف عصبية في بعض المراكز العليا في المخ.

 

وافق العالم  ليندسلى ( (Lindsley,1951على نظرية كانون وبارد ووسعها بافتراضه أن الهيبوثلامس هو المصدر الأول في تنظيم السلوك الانفعالى، لكنه أكد أنه لكى يقوم الهيبوثلامس بوظيفته يجب أن يكون تحت تأثير النشاط المتواصل للجهاز  الشبكى reticular formation في جذع المخ الذى يستقبل المعلومات الحسية ويعمل مصفاةً لمرور أو عدم مرور المعلومات الجديدة أو غير المتسقة. وتوجد في داخله المنطقة الزرقاء locus coeruleus التى  تفرز "النورادرينالين" الذى يمارس فعله على القشرة الدماغية، والمهاد، وتحت المهاد، كما أن له مفعول على المخيخ والحبل الشوكى. 

 

وكتبت كرستين تمبل (194:2002) حول طرح البعض فكرة أن "النورادرينالين" يمكن أن يقوم بدور في الاضطرابات النفسية حيث يؤدي نقصه الى الاكتئاب بينما تؤدي زيادته الى اجهاد شديد واضطرابات عصابية وقد تكون لـ "النورأدرينالين" أيضا علاقة الشعور بالسرور. وبجوار المنطقة الزرقاء توجد المادة السوداء substantia nigra التى تفرز "الدوبامين" وهو مادة تشارك في السيطرة على الحركة. كما يقوم "الدوبامين" بدور أيضاً  في إحداث بعض الأحاسيس السارة ويمكن أن يعمل وسيطاً لإحداث حالة من النشوة في الذين يتعاطون بعض أنواع العقاقير مثل "الكوكايين" و"الأمفيتامين".

 

وذكر موراى (Murray 1987:124) أن أبحاث حديثة أظهرت وجود نوعين من هورمونات الغدة  الكظرية وهما "الأدرينلين" و"النورأدرينالين" لهما ثأثيرات مختلفة على الجسد، كما يبدو  أنهما مرتبطان بانفعالات مختلفة. "الأدرينالين" أكثر ارتباطاً بالخوف بينما "النورأدرينالين" أشد  ارتباطاً بالغضب.

 

وقد طرح اولدذ وميلنر Olds and Milner, 1954 في ورقة عن دراستهم على الفئران فكرة وجود مركز لذة pleasure centre في المخ ويوجد تحت المهاد. وافترض  جراى (Gray,1987) إمكانية مشاركة نظام فرس البحر الحاجزي septal hippocampus  system وهو قسم من الجهاز الحوفي، في إحداث اضطرابات سلوكية معينة وذلك في أثناء تجاربه على الفئران وذلك حين لاحظ انه في حالة حدوث تلف في نظام فرس البحر الحاجزى فإن التأثير والسلوك الذى يحدث يشبه ذلك الذى يحدث عند اعطاء مضادات القلق.

 

وركز جللهورن وآخرون (Gellhorn and Loofbourrow,1963:39) على هيمنة الهيبوثلامس (تحت المهاد) ويعتقد في أنه مركز الانفعال لعلاقته مع بقية الجهاز العصبى رغم صغر بنيتة ووصلاته وتفاعلاته بالأجزاء الأخرى بالجهاز العصبى الأوتونمى (المستقل) autonomic nervous system الذى يرتكز على الانفعال، كما يشير الى حقيقة أن نشاط القشرة  الجديدة neocortical activity يخضع  لتسهيلات واسعة من الهيبوثلامس أكد على ذلك مورفي وجللهورن (Murphy and Gellhorn,1945).

 

مما سبق يتضح أن هناك تغيرات فسيولوجية يحدثها الانفعال وكل نظرية قدمت اضافة رغم أن الحلقة لم تكتمل بعد، فان هذا يوضح مدى تواصل العلاقة بين الانفعال والمسارات العصبية والجسد عموماً. ونجمل القول بأن الانفعالات يمكن الاحساس بها وتشتق من نشاطات الجهاز العصبى وذلك من خلال التغيرات في النشاط الغدي والعضلي، والعضوية بمجملها مخلوقة للمشاركة في الظاهرة الانفعالية وقد يحق القول أن مصفوفة الانفعال هو الجهاز العصبى.

 

طبيعةالانفعالات في الممارسة الطقوسة

طرق العديد من العلماء أبواب اشكالية التعبير الانفعالي، ومنذ قبل أكثر من مائة عام رأى داروين (Darwin,1872) أن التعبير الانفعالي عند الإنسان والحيوان يمكن استنتاجهما منطقياً من  الميول والنزعات السلوكية. فالغضب يتم من تكشير الوجه، والخوف والصدمة من خلال تجمد الحركة، وتوتر العضلات من خلال تسارع التنفس والبحث عن التلامس مع الآخر، والهم والقلق بالحركات العصبية، والحركة غير المستقرة تمثل صراعاً، كل تلك ملاحظات تنبثق من أنماط سلوكية ظاهرة أو، بمعنى آخر، تتم عن طريق ملاحظة خارجية.

 

ووسع  والتر  كانون (Cannon,1932) فكرة داروين بأن التعبير الانفعالي هو عادة  نافعة لها فوائدها، وجعلها تشمل الاستجابات الداخلية من خلال دراسته على الحيوانات، والتى تمثل معلماً بارزاً في مجال التغيرات الجسمانية الناتجة عن الألم والخوف والجوع، ورأى أنها تمثل "استجابات طوارئ" من  شأنها أن تعد الجسم "للهرب أو القتال fight or flight. أي أن كانون أضاف فكرة التغيرات في البيئة الداخلية.

 

وركز العالم النفساني هارولد شلوسبيرج (انظر: ليندا دافيدوف، 1988: 481) على تعبيرات الوجه قائلاً بأنه يمكن وصفها وفقاً لثلاثة أبعاد : السرور- الكدر pleasantness-unpleasantness؛ والرفض-الانتباه rejection-attention، والشدة (مستوى التنشيط intensity). بينما قسمها فوندت الى نظام ذى ثلاث أبعاد : 1. سار- غير سار؛ 2. اثارة- اكتئاب؛ 3. توتر-استرخاء. ورغم  ان هذه الأبعاد لاقت قبولاً، فإن تتشنر اعترض عليها حيث رأى أن الشعور يختلف تبعاً لبعد واحد هو السرور- عدم السرور، ويرى أن بعدي التوتر والاسترخاء والاثارة والهبوط عبارة عن اتجاهات عضلية وليست عمليات عقلية بسيطة، بل ان التوتر والاسترخاء ليسا ضدين بالمعنى الحقيقي، فالاسترخاء عبارة عن نقطة الصفر الخاصة بالتوتر واعتبر الشعور عنصراً من عناصر العملية الانفعالية، معتبراً ردود الفعل العضوية (الجسدية) سمة أساسية من  سمات الانفعال (انظر: عبدالرحمن عيسوي، مرجع سابق: 70-73).

 

أما الحالات الانفعالية السارة فلها مصادر عديدة. يتجه البعض الى تفسيرها وفق منطلقات نظرية مختلفة. فالبعض يحاول تفسيرها من منطلق نظرية اشباع الرغبات؛ والبعض الآخر من منطلق نظرية المواءمة الوظيفية؛ في حين يسعى البعض الآخر الى تفسيرها من منطلق نظرية الطاقة النفسية (الليبدو)؛ وهناك من يحاول التفسير من منطلقات النظرية الحيوية (2).

 

الانفعالات في طقوس الزار يجوز وصفها انفعالات مدفوعة ذاتياً ومتعلمة ومشروطة، وتخضع لإرادة الممارسة وفيها الشعوري واللاشعوري. فالانفعالات تجسد سلوكاً تم تعلمه بفعل برمجة مسبقة، سلوكاً يرنو للاثابة تجنباً للتهديد من غضب الأسياد، وتنتمي الانفعالات الى عالم السلوك التعبيري المدفوع الذى يتصف بجوانب ادراكية وبردود أفعال جسمية (فسيولوجية). ونجد هذا السلوك معبراً عنه في بعض الخيوط مفعماً بالأحاسيس الايجابية التى تتسم بالتحرر من القيود (خيوط البنات، ولوليه)، وبالنشوة (خيوط الدراويش). يوجد كذلك نوع من الانفعالات الأخرى التى تتميز بالتوتر والقلق والخوف والعنف الذى يتجلى في ايذاء الذات (خيط الزرق)، وايذاء الغير (خيط نمر الكندو). فوق ذلك تحتوى ممارسة الزار على نوع من الانفعالات المرتبطة بالشعور بالخيلاء والعنجهية وحب السلطة (الخيوط التى تمثل الشخصيات السلطوية مثل الحكيم باشا، والخواجة، وملك الأحباش). مجمل هذه الانفعالات يتم التعبير فيها باللجوء الى حركات بدنية شاملة لكل أجزاء الجسم، والى تعبيرات في الوجه، والى الايماءات والاشارات الرمزية. كل تلك الحركات قد تشير الى وجود نمطية محددة في طقوس الزار لا بدَّ للممارسة من تعلمها واكتسابها عن طريق مداومتها ومشاركتها في مجتمع الزار.

 

للانفعالات في طقوس الزار شقين أولهما خارجي قابل للملاحظة وثانيهما داخلى قد يصعب قياسه. نتفق مع فرضية دونالد هيب (Hebb,1958) بأن السلوك عموماً يعتمد على نشاط قابل للملاحظة، وبأن الجهود المبذولة لفهم الآليات السلوكية تتطلب دراسة التغيرات الداخلية عن طريق الأدوات المتاحة ذلك أن السلوك القابل للملاحظة يحتوي على النشاط الإرادي والانعكاسي ويستبعد التغيرات في البيئة الداخلية أو في الجهاز العصبي الذى يسبق السلوك ويستدعيه. بالتالي فإن قياس الانفعالات في ممارسة الزار يتطلب تطوير قياس للتغيرات الجسمانية التى تحدث بفعل الممارسة. معلوم أن الجهود التى بذلت لقياس التغيرات الجسمانية المصاحبة للانفعال تمركزت الى حد بعيد حول التغيرات الجسمانية الفرعية مثل حرارة الجسم، والتغير في سرعة التنفس، والتغيرات في الافرازات الجسمية (العرق والبول) وفي الدم، وضغط الدم، وسرعة النبض، والتغيرات في الذبذبات الدماغية، هذا مع العلم بأن الانفعالات تختلف وتتباين باختلاف الأفراد وتباينهم من حيث شدتها وطبيعتها واستغراقها، وفي عتبات الاحساس.

 

كان البعض من الباحثين قد أبدى اعتراضه على هذه القياسات منهم على سبيل المثال برادي (Brady,1960) الذى يرى بأن اختيار معيار موثوق به للتعرف على النشاطات الانفعالية لازالت تعترضه معوقات حيث أن أغلب التغيرات المصاحبة للانفعال يمكن أن تحدث، في رأيه، في مواقف غير انفعالية.

 

معروف أن السلوك تتحكم فيه العمليات المعرفية كالاحساس والادراك والتخيل وما الى ذلك، كما وتتحكم فيه من جانب آخر العمليات غير المعرفية كالدافعية التى تقوم بتحفيز السلوك واستثارته. عموماً يوجد اتفاق عام بكون أن الدافع هو بمثابة عامل داخلي يستثير سلوك الإنسان ويحدد وجهة ذلك السلوك. وتسهم الاثارة الخارجية في الدافعية غض النظر عن اتجاه السلوك المدفوع، وتحتاج لنشاط الأنسجة الدماغية. كما وأن هنالك عوامل كثيرة تؤثر في السلوك المدفوع مثل الخبرات السابقة، والقدرات الجسمية، والموقفين البيئي والادراكي. وكان جللهورن لووفبوبرو (Gellhorn and Loofbourrow,1963) قد أشارا الى أن العمليات التى ترتكز عليها الدافعية قد أفضت الى بحث تحليلي على يد مجموعة من المتخصصين الذين اعتمدوا على دراسات اولدز (Olds,1960) أظهروا من خلاله أن نظام الاثابة والعقاب يعتمد على الدماغ المتوسط die encephalon والجهاز الحوفي (الليمبي) limbic brain. وبرز استنتاج من الدراسات في مجال الإدراك والاشراط بأن هذه العمليات هى نتاج للتفاعل بين البنيات القشرية cortical والفرعية للقشرة sub cortical والتى يقوم فيها الهيبوثلاموس بدور مهيمن. يوضح هذا مدى تأثير الانفعال على الفكر والفعل. فالادراك ليس بالعملية السلبية، لكنه يحتوي على انتقاء يرتكز على تجارب قديمة معدلة عن طريق الانفعالات. يؤيد بارسونس هذا الرأى قائلاً بأنه "يمكن التشكك فيما إذا كان الادراك منفصلاً كلياً عن النغمة الشعورية" (Parsons,1950)؛ وكذلك هوايت هيد الذى يقول بأن "قاعدة التجربة هى الانفعالات" (Whithead,1933).

 

اتفق العلماء المحدثون على أهمية الإدراك والخبرة في العملية الانفعالية، وأن التغيرات الفسيولوجية وحدها غير كافية لاثارة الانفعال بل يحتاج الأخير الى تقييم معرفي لوضعية المثير. تبدأ المعرفة بالادراك الذى له شقان في ممارسة الزار: أحاسيس وجدانية تتفاعل مع ايقاعات وأجواء احتفالية من جانب، وشق اعتقادي في نجاح تلك التقنية العلاجية التى تؤمن رضاء الأسياد وتمنح المريضة العافية والأمان النفسي من جانب ثانٍ. وتتفق الدراسة الحالية مع فرضية آرنولد (1971) وهى من الذين يعرفون الانفعال بمعنى الدافعية وترى أن مشكلة العلاقة بين الخبرة الانفعالية والتعبير الجسمي لا ينبغى أن ينصب التركيز فيها على التسلل (الانفعال التعبير الفعل) ذلك أن ليس كل انفعال يؤدي الى خبرة انفعالية، وترى ضرورة وجود ميكانيزم لتقدير الموقف قبل وقوع الاستجابة، ومن ثم تقترح التسلسل التالي: (1) الادراك، بمعنى الاستقبال المحايد للمثيرات الخارجية؛ (2) التقدير، أي، بمعنى الحكم على المثير من حيث الفائدة والنفع؛ (3) الانفعال؛ (4) التعبير عبر نمط من التغيرات الفسيولوجية المنظمة (الاقتراب أو الانسحاب) ويختلف باختلاف الانفعالات؛ (5)