مجلة الأنثروبولوجيا العدد الرابع/ يوليو 2005
السلوك الطقسي في الزار
د. آمال النور حامد
تنطلق دراسة السلوك الطقسي في الممارسة الاحتفالية للزار من مفهوم تكاملي للسلوك، أي، سلوكاً كلياً، يحتل فيه الماضي، والخبرات المكتسبة عبر التنشئة الاجتماعية واحتكاكات الكائن السابقة واللاحقة مع المحيط وتدامجه مع هذا الوسط الذى يعيش فيه بكليته، وحيث يتخذ اتجاهاً خاصاً في الاستجابة للوسط الاجتماعي والثقافي، أي، للوضع بكامله مكانة هامة. بالتالي يصبح السلوك بهذا المعنى نتاجاً للتفاعلات المتبادلة بين الكائن والمحيط، وتصبح الاستجابات بمثابة استجابات كلية متفاعلة يجابه بها الواقع. إنه وفقاً لتعريف دانيل لاغاش فإن "السلوك هو مجموع العمليات الفسيولوجية والحركية والعقلية التى يستجيب من خلالها الكائن على مثيرات البيئة التى يوجد فيها؛ بهدف تحقيق إمكانية التوتر وتفريغه والذى يكون من جهة مصدراً في انهيار التوازن في نظامه، ومن ناحية أخرى دافعاً لتحريكه واستجابته (الموسوعة الفلسفية العربية، م.1، 1986: 488).
وفي تعريف أيزنك فإن "السلوك يمكن تحليله الى ثلاثة مكونات رئيسة، فمن جانب لدينا المنبهات التى يتعرض لها الكائن والتى تدفعه للاستجابة. وقد تأتي هذه المنبهات من الخارج وقد تأتي من داخل الجسم نفسه، أي، قد تأتى من ألياف العضلات الموجودة في أطرافنا حتى نعي عن طريقها تموضع هذه الأطراف. ولدينا من الناحية الأخرى الاستجابات التى يعطيها الكائن وهذه قد تكون عقلية، أي، حركات الجسم الناجمة عن انقباض العضلات وارتخائها أو غدية، ويمكن أن تصدر عن الجهاز العصبي المستغل (السمبتاوي أو الباراسمبتاوي) أو ما يسمى بالنشاط العقلي الذى يمكن أن يحسب كاستجابة؛ رغم أننا في هذه الحالة ندخل في مصاعب عندما نحاول تسجيل الاستجابة بأية وسيلة موضوعية. وبين المنبه والاستجابة لدى الكائن الحي." ومن ثم فإن الشخصية السلوكية وفقاً لـ أيزنك يمكن صياغتها في شكل المعادلة التالية "الشخصية السلوكية = الشخصية التكوينية × البيئة" (ايزنك، 20 : 1969).
فالممارسة الطقسية تقوم دعاماتها على البنية الأساسية لشخصية المريضة التى هى نتاج لثقافتها. فللثقافة ماضٍ ولها مستقبل من المنظور السوسيوسيكولوجي، أي، أن لها شقاً موروثاً وشقاً مكتسباً يكتسبه الفرد من الأنماط الثقافية والمؤسسات؛ طالما أنه وخلال مراحل النمو تتراكم بنيات فوقية معقدة هى حصيلة التفاعلات، وتتحكم في بنية الشخصية السلوكية.
ووفقاً لنظرية التعلم الاجتماعي فإن السلوك يتحدد بأهدافه، فالسلوك يتصف بالاتجاهية، حيث يستجيب الفرد للسلوك الذى تعلمه والذى يرى فيه طرقاً للإشباع في مواقف معينة، ويرتبط كل فرد ببعض موضوعات الأهداف وفقاً لنظرية التعلم الاجتماعي والظروف الداخلية المعينة. ويرى القائلون بهذه النظرية وفي مقدمتهم جوليان روتر (جوليان روتر، 1989: 108) أن السلوك المنحرف يخضع لمبادئ التعلم الاجتماعي.
وقد اتضح لي من خلال دراسة ميدانية أجريتها في ولاية الخرطوم (آمال النور،1997: 20) أن المريضات الممارسات لطقوس الزار يستندن على أهدافهن لتحقيق إشباع، أو لخفض التوتر الذى يتملكهن من خلال الممارسة الحركية ذات الطابع التفريغي وعبر الانفعال استرضاءً للأسياد (طلب العفو والرضاء) وصولاً لنيل الصفح والأمان. وقد توصلت الى أن هذا النوع من الذهنية تمتد جذوره الى حقبات من التاريخ الماضى، وينتشر لا في السودان فحسب وإنما في العديد من الدول العربية والأفريقية المجاورة. وكان مكسيم رودنسون قد أشار الى أن مركب الزار نال انتشاراً واسعاً في منطقة تمتد من شمال أفريقيا إلى شمال شرق أفريقيا وساحلها الشرقى والشرق الأوسط (انظر: Constantinides 1991: 1). وكما أشرت في ما نشرته سابقاً عن "الزار ودلالة اللفظ وتطوره" فإن يلاحظ التأثير المتبادل المستمر للأفكار والسمات الثقافية والدينية (المسيحية والإسلامية والمعتقدات الأفريقية التقليدية). وترتبط الذهنية المميزة للشخصية السلوكية للمريضات الممارسات لطقوس الزار ببقايا فكر أنيمي، ينطلق من القناعة بوجود حالات غير طبيعية تعتري الفرد، ويستوجب علاجها باتباع اجراءات تتخذ من الاعتقاد في وجود قوة خفية (الأرواح) - يمكنها أن تتلبس الإنسان، ولا يتم علاجها إلا من خلال التعامل مع تلك القوة الخفية بوصفها ذواتاً لا بدَّ من استرضائها - شرطاً مسبقاً للعلاج وعودة الملبوس الى حالته الطبيعية. وقد لاحظت مدى تجذر هذه القناعات الأنيمية الجذور في ذهنية المريضات الممارسات للزار. وهو ما يذكرنا بقول جيمس فريزر "لا يستطيع البدائي التفرقة بين الطبيعي وفوق الطبيعي، فكل شيء في عالمه يشخص" (American Encyclopedia, vol.26.1966: 160- 162). ويقول ليفي بريل "الناس الذين نسميهم بالبدائيين خطأ، والذين هم بعيدين عنا وجدوا قريبين منا في آن معاً" (ليفي بريل، د.ت.: 5) ويذهب مالينوفسكي الى أن "البدائي يعيش في عالم من الصوفية والشعائر" (مالينوفسكي،1995 : 22).
ينعكس التجسيد الفعلي للذهنية الأنيمية في السحر، ومن ثم فالزار ظاهرة ترتبط بهذا المعنى بالسحر بمفهوم ابن خلدون. والممارسة الطقسية متوارثة عبر التنشئة الاجتماعية. وكنت قد توصلت من خلال دراستي المشار إليها أن 70% من أفراد عينة الدراسة قد أكّدن أن ممارسة الزار لا تتعارض مع معتقدهن الديني، كما أكد 68.3% أنهن ينتمين إلى أسر لها تقاليد راسخة في العلاج بالزار.
لقد اكتسبت ظاهرة الزار في السودان صفة العادة الشعبية، وانتقلت من جيل الى جيل عبر التنشئة الاجتماعية في مجتمع تقليدي دونما تضامن آلي، ويسيطر عليها عقل جمعي وفق دوركايم (1). وإذا ما نظرنا الى الزار من واقع التعريف الذى يقدمه كرش وكرتشييلد للخرافة بوصفها تتسم بالبعد عن الواقع الموضوعي وتجد شيوعاً وسط العديد من أفراد المجتمع مع افتقارها للعلية المنطقية (Krech and Crutchield,1946: 90) فإننا لن نبالغ في حالة ربطنا له بالخرافة.
يوجد ترابط وظيفي بين ظاهرة الزار والتراث الثقافي، فالزار بوصفه أحد عناصر المعتقد الشعبي يتأثر، من خلال العناصر الثقافية والاجتماعية التى يتعايش معها، ويتدعم وتعمل هذه العناصر على استمراريته والابقاء عليه. إن تشبع الوسط الاجتماعي بالمعتقدات السحرية، وتواتر الحكايات والأفكار المتعلقة بها، وما يستند إليها من ممارسات فكرية، فضلاً عما يذكر عن الجن في النصوص الدينية (2)، يؤدي إلى أن يكون الفرد حاملاً لذلك التراث غير قادر على الفكاك منه. اضافة فإن ظاهرة الزار، إذا ما اتفقنا مع الرأي القائل بكونها وافدة إلى السودان من إثيوبيا أو غرب أفريقيا، ستكون حاملة لبصمات تراثية لمجتمعات الأصل التى وفدت منها. قد يتضح ذلك في شكل الممارسة وفي شخوصها وفي التنوع العرقي المعبر عنه. ويرى طه بعشر بأن "القبائل الكوشية بعد اعتناقها المسيحية والإسلام توقفت عن الاعتقاد في الزار كإله للسماء وأخضعت ظاهرة الزار لتحولات وفقاً للمعتقدين الجديدين" (Baasher,1988). كما وأن تريمنجهام كان قد أشار في دراسته عن الإسلام في السودان الى أنه "كما واستوعبت الديانة المسيحية في نظامها العديد من الديانات الوثنية والاحتفالات الموسيقية، كذلك امتص الإسلام كل المعتقدات والعادات الخاصة بأتباعه الجدد والتى استحال استئصالها" (تريمنجهام،161: 2001). إذن، فقد تم الالتحام في الأداء الشعائري بين القديم الأصلي والجديد الوافد بعد شحن الأول بالأساطير والحكايات والصيغ والعبارات الإسلامية. كانت تلك بمثابة عملية توفيقية بين الموروث القديم والجديد الإسلامي، رخصة اجازة دينية وتقبلاً للممارسة. وكان التيجاني الماحي قد المح الى أن هناك اعتقاد بأن الزار هو نوع من الجن يمتلكه الملك سليمان الذى نجح في تطويعه فقط عن طريق الغناء والرقص (التيجاني الماحي،11:1949). ويشير كنيدي الذى درس ظاهرة الزار في جنوب مصر إلى وجود بقايا فرعونية وقبطية إلى جانب ممارسات إسلامية شعبية في طقوس الزار Kennedy,1967:186.
استمرت ممارسة الزار رغم محاربة البعض من رجالات الدين الذين اتكأوا على قوله تعالى ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا﴾ (سورة الاسراء:82). كما واتخذوا من وصف الرازي للسحر بأنه "مختص بكل أمر يخفى سببه،ويتخيل على غير حقيقته، ويجري في مجرى التمويه والخيال" (3) تبريراً للقول ببطلان الزار. أما في التأملات الخلدونية العميقة في مكنون السحر الذى يدعي ابن خلدون أنه شاهده بأم عينه "من يشير الى كساء أو جلد ويتكلم عليه في سره فإذا هو مقطوع متحزق ويشير الى بطون الغنم كذلك في مراعيها فإذا أحشاؤها ساقطة من بطونها"(انظر: مصطفى غالب،1985: 14).
إذا أقمنا تناظراً بين شعائر الزار بوصفه طقساً علاجياً من جانب وتاريخ تطور المعالجة النفسية من جانب آخر فإن الكثير من التقنيات العلاجية القديمة تجد استخداماً لها في طقوس الزار. فالمعالجات القديمة اعتمدت السحر قاعدة لها، ولجأت الى مفاهيم التطهر والتوبة من الآثام والاغتسال. هكذا يقول أنبياء اليهود وحكماؤهم بأن يهوة قد أعطاهم القدرة على شفاء الأمراض ويمارسون المعالجات عبر التطهر من النوب والآثام. كذلك يحدثنا الانجيل عن مداواة السيد المسيح للمرضى وأنه أبرأ الأكمة والبرص. وتؤكد الفلسفة الإسلامية على أن النفوس القوية الشريفة تقترب من العالم الروحاني، فالمعالجة تنبع من النفس العارفة الواثقة، أي، من قدرة المعالج. ويعترف الاشراقيون بتأثير النفوس المستعلية في العناصر الكونية بعد الرياضة والاستعداد. في هذا الصدد يقول ابن سينا في كتاب الشفاء "وكثيراً ما تؤثر النفس في بدن آخر كما يؤثر في بدن نفسه تأثير العين العانية والوهم العامل، بل النفس إذا كانت قوية شريفة شبيهة بالمبادئ العليا أطاعها العنصر الذى في العالم وانفصل عنها ووجد في العنصر ما يتصور فيها" (مصطفى غالب، 1985 : 39). يمكن الاستنتاج من أفكار ابن سينا هذه أن الوهم والايمان لهما تأثير في "بدن النفس" الى جانب تأثير النفس التقية الشريفة العارفة في الأبدان الأخرى، انه الايحاء و الوهم بعينه. ويقول الغزالي في هذا السياق "وقد يتعدى أثر بعض النفوس الى بدن آخر قد تفسد الروح بالتوهم وتقتل الإنسان بالوهم" (مصطفى غالب، 1985 : 4).
ويشير طه بعشر (Baasher,1975:566) الى أنه وفي بدايات القرن الرابع عشر بدأ زحف الممارسات السحرية والخرافية الى الخدمات الطبية، كما تم التلاقح بين الثقافة الإسلامية والثقافات الآسيوية والأفريقية. من هذا الإرث العلاجي اشتقت الكثير من العناصر العلاجية في طقوس الزار من تطهير، واغتسال، ومسامحة، ورضاء الأسياد، وسلطان الشيخة المعالجة وقوة تأثيرها، وقوة الإرادة، والقدرة على الاستهواء، والتذود بالبركة عبر وسائط سواء رموز أو كلمات أو لبس أو ممارسة راقصة طلباً لرضاء الأسياد.
لقد شهدت ممارسة طقوس الزار في السودان تأرجحاً بين المنع والسماح بها. كان المنع دوماً مصاحباً للدولة الدينية فقد حظرت الممارسة في المهدية، لكنها عاودت الظهور بعد زوال الدولة المهدية، أيضاً جاء الحظر مجدداً مع عهد الانقاذ لكنه هذه المرة حظر رهين بوجوب استخراج تصريح من اللجان الشعبية التى تشترط الالتزام ببعض القيود في الممارسة من منع لشرب الدم والخمر وما الى ذلك. وقد لاحظت التوجه الى كتابة آيات قرآنية على الجدران الداخلية لمكان اقامة الحفل، كما وصارت الممارسة تتوقف في أوقات الصلاة. لكن مع كل ذلك تظل ممارسة الزار باقية مظهرة قدرة على التكيف مع التغيرات الاجتماعية بل ويشير عدد من الأطباء النفسيين الى جدواها مع أن طه بعشر يصفها بأنها فن في طريقه الى الزوال (Baasher,1988)، لكن سوزان كينيون تشير الى أن ممارسة الزار ظاهرة خاضعة للتحديث (Kenyon Susan,1995)، فى حين يرى حريز بأن الزار تحول الى نوع من المنتدى (Hurriez,1988). اللافت للانتباه أنها لم تعد ظاهرة للفقيرات من النساء ولغير المتعلمات بل أصابت عدواها أعداداً كبيرة من المتعلمات اللوائي يعانين من الاحساس بمحدودية دورهن في الحياة الاجتماعية (Saunders,1977).
الجدير بالذكر أن دراستي الميدانية المشار إليها؛ قد أظهرت أن نسبة عالية من المتعلمات بلغت 40% من أفراد العينة، وكلهن مسلمات ويتفهمن موقف الإسلام من مثل هذه الطقوس، لكن يبدو أن الذهنية الخرافية ظلت تهيمن على تفكيرهن، بحيث يستسلمن بسهولة لفكرة الزار بمجرد حدوث الأزمات. ويمكن تفسير ذلك من خلال قول ليفي بريل بأن "العادة الفعلية لا تختفي دفعة واحدة أمام عادة أخرى تحاول أن تحل محلها، بل تبقى العادتان معاً زمناً طويلاً دون أن يشعر الفرد بتضاربهما، وقد يحدث ألا تصل العادة الجديدة الى محو العادة القديمة محواً تاماً" (ليفي بريل، د.ت.:148).
وكان تايلور قد عزى بقاء السحر الى أربعة أسباب أوردها ريموند فيرث:
أولاً: أن قسماً من الحقائق المرجوة من السحر إما بسبب آخر غير السحر أو بسبب ما يفعله الساحر أو بفعل الأدوية المستخدمة؛
ثانياً: استعمال الخديعة؛
ثالثاً: الحالات التى ينجح فيها السحر يحسب لها حساب أكثر من الحالات التى يفشل فيها؛
رابعاً: الاعتقاد بوجود أشياء تتعلق بمفعول السحر الذى يخلق لنفسه دفاعات ضد الهجمات التى توجه إليه.
ويرى ريموند فيرث أن السبب في توزيع السحر والأشكال الأخرى في مختلف المجتمعات هو عدم استطاعة علم الإنسان أو علم النفس تفسير ذلك بصورة واضحة حتى الآن (ريموند فيرث، 1989:120-121).
أما عن علماء النفس فقد أشار وليام جيمس لدى وصفه لمنطقة اللا وعي أو محتوياتها التى تؤثر في السلوك، الى أنه "يتضح لنا أنها المنطقة الأكبر لدينا، أنها مقر الخفايا وهى التى تحتوي أي شيء عابر غير مسجل أو غير ملاحظ، فهى تحتوي، على سبيل المثال، على الذكريات المنسية، وايعازاتنا، وخيالاتنا، ومتاعبنا، وحدسنا، ورغباتنا، وما نحب وما نكره... وخرافاتنا وقناعاتنا واعتقاداتنا، وكل ما هو غير عقلانى نجده فيها" (Gustav Jahoda,1969: 53).
أما السحر في نظرية فرويد فهو بمثابة مرض نفسي، يصيب بعض الأشخاص في بعض المجتمعات، ويرى فيه فرويد نوعاً من الارتداد الى الفكر البدائي أو الى مرحلة طفولية، فيكون بهذا الشكل عرضاً نكوصياً. هذا في حين أن يونج بنظرته للنفس الإنسانية وحدة متكاملة من الشعور (الوعي) واللاشعور (اللاوعي) يرجع السحر الى اللاشعور الذى يحتوي على أنواع من الكبت النفسي، بجانب القدرة والقوة الدافعة للإنسان للتكيف مع حياته بوجه عام، وهى القوة التى تفجر قوة التخيل وتنظمها على نحو ما يظهر من أشكال في التعبير الشعبي. ونجد ذلك جلياً في قول يونج بأن اللاشعور "يتكون من عنصرين: الطبقة السطحية التى أسميها اللا شعور الفردي personal conscious وهى طبقة تستند على طبقة أخرى أكثر عمقاً، لا تنتمي الى التجربة الشخصية، ولا يكتسبها الشخص بل هى فطرية موروثة، وهذه الأخيرة سميتها اللاشعور الجمعيcollective unconscious. تم اختياري لكلمة "جمعي" لأن هذا الجزء من اللاشعور ليس فردياً بل عالمي، ويعكس القوى النفسية الشخصية وبالتالي فإن محتويات الأخيرة وأنماط سلوكها موجودة عند جميع الأفراد" (Jung,C.G.,1969: 43). ويستمر يونج متناولاً محتويات اللاوعي بشقيه الجمعي والفردي فيقول بأن "أغلب مكونات اللاشعور الشخصي هى العقد التى كانت في الوعى والتى تم كبتها ونسيانها، لكن محتويات اللاوعي الجمعي ما كانت أبداً في الوعي وبالتالي فإن الفرد لم يكتسبها وإنما يرجع وجودها كلياً الى الوراثة. ومكونات اللاوعي الجمعي فهى الأنماط العتيقة archetype التى تحتوي على المعرفة التقليدية (المكتسبة عن طريق الخبرة) البدائية، القبلية التى لها صلة بالأنماط البدائية التى ما عادت جزءاً من محتويات اللاشعور؛ بل تحولت الى معادلة شعورية تم توريثها بصورة عمومية وفقاً للتقاليد وفي شكل دروس خاصة معدة لفئة بعينها esoteric teaching وهذه الأخيرة هى وسيلة مثالية للتعبير عن انتقال المحتويات الجماعية المأخوذة أصلاً من اللاشعور" (المرجع نفسه).
أما فيما يتعلق بالأرواح والأشباح فإن مصدرها في نظر يونج يكمن في اللاوعي الجمعي "إنها مركبات اللاوعي الجمعي التى تظهر حينما يفقد الفرد اتصاله بالواقع وهي بالتالي إما فنتازيا مرّضية أو أفكار مبهمة" (Jung,C.G., 1956: 515).
ويشير جوستاف جاهودا في كتابه عن سيكولوجية الخرافة الى أنه بالرغم من الاختلافات بين آراء كل من فرويد ويونج بشأن الخرافة فإننا نجد أن هناك ما يجمعهما، إذ يرى كلاهما أن المعتقدات والممارسات الخرافية مغروسة في لاوعي العمليات العقلية unconscious mental processes وأن الخرافة ليست شيئاً من الماضي لا وجود لها سوى عند الأقل تعليماً من الناس. الواقع أن الخرافة تعد جزءاً ورزمةً من التركيبة العقلية لكل فرد وتجنح للظهور على السطح في حالات خاصة. ويرى جاهودا أن هذه النظريات تمت صياغتها من واقع تاريخ الحالات العلاجية لمرضاهما. فوق كل ذلك أكدَّ كل من فرويد ويونج على عنصر الانفعال في الخرافة وهو ما يساعد في تفهمنا لحقيقة أننا عندما نواجه الشخص الخرافى بمعلومات منافية أو مناقضة دائماً ما يظهر القليل من التغير (69 :Gustav Jahoda Ibid.,).
الحقيقة أن الخرافة والاعتقاد يتم ترسخهما في البنية العقلية للمريضات الممارسات للزار، وهو ما أثبتته دراستي الميدانية المشار إليها. من الناحية النظرية فإن تفسير ذلك يكمن طبقاً لـ جاهودا في أنه "إذا كانت الخرافة نتيجة خطأ في الإدراك أو الذاكرة أو الحكم فإن اصلاحه يكون ممكناً؛ ولكن الناس لا يهجرون مثل هذه الأخطاء بسهولة بفعل مناقشة عقلانية. إذا كانت الخرافة قد صممت بفعل ضغوط اجتماعية فإننا نتوقع زوالها بانتهاء الضغوط المسببة لها، ولكن هناك أفراد يتمسكون بقوة بخرافاتهم، ويبدو وكأن لها جذور في بنية شخصياتهم" (Gustav Jahoda, Ibid).
ففي مجتمعنا السوداني المتنوع والمتعدد الأعراق والثقافات تخضع الشخصية لبيئة يشكلها هذا الواقع الذى يعج بتيارات ثقافية أفريقية وعربية متمازجة. وقد ينطبق على السودان ما قاله الباحث النيجيرى نكيتيا.. "وضعنا الثقافي معقد ويتميز أساساً بالثنائية، القديم والجديد، أفريقين وغير أفريقيين، فالثنائية تجري خلال تنظيم مجتمعنا. هناك الأميون وغير الأميون، المتعلمون وغير المتعلمون، الريفيون والحضريون، جماعات صناعية وما قبل صناعية، هذه خلاصة البنية الثقافية الاجتماعية، نرى انعكاساتها في عالمنا مع صراعاتنا وتوترنا" (Nketia,1964). المتأمل لتضاريس الخارطة الثقافية السودانية يلاحظ التنوع والتعدد الاثني والثقافي، ويلاحظ التمازج بين المحلي والوافد منذ الحضارات السابقة لوصول المسيحية والإسلام (4)، ويلاحظ استحواذ الثقافة العربية الإسلامية بنصيب الأسد وتوسع الهجرات في كل الاتجاهات. وإذا أمعنا النظر "في خيوط الزار" نجد خيط الدراويش والأولياء الصالحين، ونلاحظ تأثر الزار بالطرق الصوفية (5) أو العكس. ويرى المستشرق لويس غاردية أن التصوف حتى القرن الحادي عشر الميلادي لم يتميز بالطابع الاحتفالي الراقص، المصحوب بالايقاع والطبول والدفوف. ولقد كانت المولولية (الدراويش ورقصهم في حلقات الذكر)، التى أسسها مولانا جلال الدين الرومي، إحدى الطرق الأكتر شهرة (لويس غاردية، 262-261:1992). وهنا تسعفنا الذاكرة بقول الرومي: "من يدري قدرات الرقص يفنى في الذات، لأنه يدرك كي