أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السـودانية

مجلة الأنثروبولوجيا العدد الرابع/ يوليو 2005

 

الزار مفهوماً أنيمياً وسحرياً ومرتبط بالفكر الخرافي

د. آمال النور حامد

umtaharka@yahoo.com

 

الزار وطبيعته

يقدم الجوهري تعريفاً للزار بوصفه نوعاً من الاحتفال الذى يستهدف طرد الأرواح أو استرضائها عن طريق اجراءات طقوسية خاصة تشتمل على تقديم الأضاحي والقرابين وأداء بعض الرقصات سريعة الايقاع (الجوهري، 1980: 594).

 

يعرف المعتقد الشعبي السوداني ظاهرة الزار التى شهدت انتشاراً لافتاً للإنتباه في الآونة الأخيرة لأسباب سنأتي على تفصيلها. ويعد الزار وفق المعتقد الشعبي طقساص علاجياً لكثير من الحالات غير الطبيعية التى يعاني منها الفرد، ويقوم بممارسة هذا الطقس العلاجي الأفراد الذين تتملكهم قناعة كاملة بجدواه لايمانهم بالمفهوم البنيوي للزار القائم على أساس الاعتقاد في الأرواح والأولياء الصالحين وفي الأساطير والخرافات.

 

من حيث دلالة اللفظ وتطوره فإن مصطلح الزار قد اشتق حسب اعتقاد المستشرق زويمر من الكلمة العربية "زيارة". ويفسر زويمر نشوء المصطلح انطلاقاً من الاعتقاد السائد عند البعض بأن الجن يقوم في بعض الحالات بزيارة الآدميين. وفي فترة لاحقة أصبح مصطلح الزار يطلق على حالات غير طبيعية تعتري الفرد ولا يُعرف لها سبباً بعينه بحيث تم تفسيرها من منطلق الاعتقاد بكونها ناجمة عن اتصال بعض الأرواح بالفرد. وبما أن هذه الحالات غير الطبيعية التى تعتري الفرد لا يدوم تجليها سوى لفترات قصيرة وفي أوقات متباعدة فقد تم تشبيهها بـ "الزيارة" Zewmer 1920: 22. اللافت للانتباه أن هذا التفسير لدلالة اللفظ كما يقدمه زويمر لم يجد شيوعاً في أوساط الباحثين العرب. ويرجع معظم الباحثين الآن أصله الى اللغة الإثيوبية. فعلى سبيل المثال يكتب سيريلي في شرحه لمادة "زار" في الموسوعة الإسلامية بأن الزار في العربية مستعارة عن الأمهرية، ذلك أن المعتقدات الشائعة في جن الزار قد انتقلت من إثيوبيا الى العالم الإسلامي (دائرة المعارف الإسلامية، مجلد 10: 329). ويتابع سيريلي حديثه عن الزار مشيراً الى أن مثل هذه الأقوال في الجن الذين يتجسدون الى حين في بعض الكائنات البشرية نجدها في مختلف البلاد الإسلامية في كل من آسيا وأفريقيا حيث تطلق عليهم أسماء خاصة مثل "بوري" (في نيجيريا وطرابلس)، وأموك (في الملايو). ومهما يكن من أمر فإن هذه "المادة زار إنما تتناول فحسب عادات الزار المعروف بذلك الاسم في كل من مصر والحجاز وعمان علاوة على وإثيوبيا" (المرجع السابق نفسه: 329). ويرى سيريلي بأن الاسم زار في إثيوبيا نفسها يرجع الى أصل سامي، إذ يعتقد بأن ظهوره يرجع في إثيوبيا الى بداية العصر المسيحي هناك حيث تمت استعارته عن بعض القبائل الوثنية الكوشية الذين كان معبودهم الأعظم إله السماء يعرف باسم "جار Djar". ويبدو أن عالم الأنثروبولوجيا البريطاني سليجمان لم يظهر اختلافاً في وجهة النظر تلك مع سيريلي حيث نجده يؤكد على الأصول غير السامية لمصطلح زار عاداص إياه دخيلاً على اللغة الإثيوبية الأمهرية وافداً من لغة شعب الجالا .. "لكن بعد أن تم إنزاله عن علياء الألوهية الى أسفل درك الكائنات فوق الطبيعة، مرتبة الأرواح الشريرة أو المغضوب عليها" (عبدالمجيد عابدين). هكذا غدا الإله المعبود الوثني القديم في إثيوبيا بعد اعتناقها المسيحية عفريتاً حقوداً. وانتقلت على هذا النحو الشعائر الخاصة بالأرواح الى المسيحية عند الإثيوبيين ثم منها الى الإسلام مقترنة باسم إله السماء جار. ويعتقد المسلمون والنصارى في إثيوبيا أن الزار، ذلك العفريت الذى يعيش بصفة خاصة في الأنهار والجداول أو غيرها من المياه الجارية، من الممكن طرده من الجسم الملبوس باستخدام التمائم أو الشعائر الشائعة عند أتباع كل من هاتين الديانتين السماويتين - المسيحية والإسلام - وذلك عن طريق استحضاره للافصاح عن اسمه. ويجري المعتقد بأنه ولمجرد الافصاح عن اسمه يفقد الزار قوته ومفعوله. أما أهالي إثيوبيا الجنوبية (الجالا والسدامو) فلا يقتصرون الشعائر على طرد الأرواح الشريرة واستحضارها وإنما يقيمون طقوساً أخرى بهدف ارغام تلك الأرواح على التلبس في أجسام الأتباع الجدد الذين ينضمون الى زمرة المؤمنين بهذه الطقوس. وفي معتقدهم أنه بمجرد أن تتلبس الأرواح الشريرة بدن الفرد يمكنه أن يصبح قادراً على التنبوء بالغيب إذ يظن الناس أن كل كلمة تصدر منه أو إشارة تبدر عنه إنما تكون بمثابة وحي صادر عن تلك الأرواح التى تلبسته (انظر دائرة المعارف الإسلامية، مجلد 10: 329).

 

وكما سبقت الاشارة إليه فإن سليجمان يرى أن الزار ظاهرة ممارسة انتقل الى الإثيوبيين الأمهرة من شعب الجالا المعروف باسم الأرومو والذى يرجع تاريخ ظهوره على أرض إثيوبيا الى القرن الخامس عشر الميلادي. ومن شعائر الجالا الدينية صلاة "واداجا" التى تستخدم فيها الموسيقى والغناء ويمارس الرقص وتقديم القرابين الى الإله "واكا" ويتم إلتهام القرابين جميعها. عند ذلك يعتقدون أن مثل هذا الحفل كفيل بشفاء مرضاهم وتحقيق رغباتهم Seligman 1939: 120. وفي الصومال توجد عادة وثنية قد تكون ذات صلة بالزار يطلق عليها مصطلح "السار" وترتبط طقوس السار بنوع قديم من الرقص المقدس الذى يتجمع فيه المشاركون في حلقة دائرية يتوسطهم المنشدون الذين يأخذون في الغناء على نغمة خاصة وفجأة يسقط أحد المشاركين على الأرض كما لو أنه مغشياً عليه، ويستمر الغناء والتصفيق وضرب الأرجل على الأرض ودق الطبول، ومع تزايد سرعة الايقاع وتصاعد عنف الرقصات ينهض المغشي عليه من على الأرض متثاقلاً، ثم يتناول خنجراً بيده بمجرد وقوفه على قدميه ويعاود الرقص من جديد في وسط الحلقة مشهراً خنجره ثم يكرر السقوط على الأرض مجدداً، ولكنه سرعان ما ينهض هذه المرة بطريقة أكثر حيوية ونشاطاً ويجري مباشرة خارج حلبة الرقص ليختفي في مكان قريب لفترة وجيزة. بعدها يظهر في الحلبة والدم يقطر من خنجره. عندها يسود المشاركين اعتقاد بأن الدم السائل من خنجره هو دم الجن الذى نجح في قتله.

 

ويبدو أنه ونتيجة للعلاقات التى تضرب بجذورها الى أزمان سحيقة وتربط إثيوبيا بشبه الجزيرة العربية فقد تكوّن مركب للأفكار مشترك شمل مفهوم الجن وأشكال الرقص والتطير. ويبدو أن العرب أخذوا فكرة الزار عن الإثيوبيين إذ تشير دراسات سنوك عن المجتمع في مكة في الثلاثينات من القرن المنصرم الى أن نساء مكة كن يقمن حفلات الزار. ويشير سنوك الى أن حفلات الزار في مكة كانت تجمع أفراداً ينتمون الى طبقات اجتماعية مختلفة كما كانت الحفلات تظهر اختلافات من حفل لآخر Snouck 1921: 124.

 

تتمحور الفكرة القابعة في جوهر العلاج بالزار حول الاعتقاد بأن الفضاء الكونى ملئ بالأرواح، وتكمن النقطة المركزية في مفهوم الأرواح، وفق طقوس الزار؛ فتعد تلك الأرواح بمثابة قوة خفية، يتوجب على البشر مهابتها واحترامها وتبجيلها، ولايجوز بحال من الأحوال الربط بين أرواح الزار والشياطين. وتنتج إصابة الفرد بحالة غير طبيعية بفعل حلول (1) روح من تلك الأرواح في بدنه، بحيث يصبح الفرد غير مسئول عن كل ما يصدر عنه من أفعال وحركات. وبما أن الأرواح تمثل قوة خارقة غير طبيعية فإنه لا بدَّ من التعامل معها برهبة واحترام وتقديس، ومن ثم يهدف العلاج بالزار إلى استرضاء الروح التى حلت في بدن الفرد، بحيث تهدأ بفعل الاستجابة إلى مطالبها مما يجعل الملبوس، طبقاً لمفاهيم الزار، يعود إلى حالته الطبيعية.

 

يسود لدى البعض في السودان اعتقاد بإمكانية تلبس الجن والشياطين المذكورين في القرآن الكريم جسم الإنسان، لكنهم يعتقدون في الآن نفسه بإمكانية تلبس الإنسان بأرواح أخرى مثل روح القرينة أو روح القرين وهى أرواح تتلبس، وفق الاعتقاد السائد، غير المتزوجين، وتمنعهم من الزواج، ويمكن أن تسبب لهم الأذى في حالة إذا ما تزوجوا. كذلك هناك اعتقاد في روح أم الصبيان التى تمثل روح امرأة تكره الأطفال وتؤذيهم، كما تتسبب في حالات اجهاض للجنين وأمراض أخرى. أيضاً هناك اعتقاد في أرواح أخرى هى "أرواح الزار" (الدستور أو الريح الأحمر). هذا وكان عباس أحمد قد قسم الأرواح الى قسمين: ريح أحمر وريح أسود، وهو ما يمثل في اعتقاده تقسيماً رئيساً لعالم الأرواح الأرضية. ويقصد "بالريح الأسود" مجموعة أرواح الجن والشياطين التى يعتقد (في المعتقد الشعبى) بأنها إذا مست شخصاً أصابته بحالة من الجنون لايعالج منها إلا بالنجاح في اخراج تلك الأرواح من جسد المريض. أما "الريح الأحمر" فيقصد به مجموعة الأرواح الأخرى خلافاً للجن والشياطين، التى حين تمس إنساناً ما تسبب له الاختلال أو القلق النفسي الذى لا يرقى الى درجة فقدان العقل (عباس أحمد، 1969: 114).

 

وتطلق تسمية زار أو دستور أو الريح الأحمر في المعتقد الشعبي السوداني على نوع المرض الذى يستوجب المعالجة عبر طقوس الزار. ويتمركز الاعتقاد في الزار في وجود قوة خفية (أرواح) قادرة على أن تمارس الحلول في الفرد رجلاً كان أم امرأة مطالبة إياه بالاستجابة الى مطالب محددة ارضاءً لها، وبمجرد اكتمال عملية الحلول تلك تتغير الحالة الطبيعية للفرد وتتبدل طريقة حديثه وتنحرف تصرفاته. وهكذا يعتقد بأن الفرد أصبح مسلوب الارادة، وأن شخصية الروح تلبسته بحيث يصبح المصاب متصفاً بالقلق والاضطراب والخوف والتردد. ولدى ظهور أعراض مثل هذه الحالة غير الطبيعية فإنه لا مناص، وفق المعتقد الشعبي، من معالجة الفرد من خلال اقامة حفل للزار.

 

يتجلى في السودان وجود شكلين مختلفين لطقوس التلبس بالأرواح، يتم التعبير عنهما من خلال مصطلحي "زار بوريا" و "زار طمبورة". والممارسون لزار بوريا من النساء، وهو الشكل الأكثر شيوعاً في العاصمة القومية. أما زار طمبورة فإنه خاص بطبقات خاصة من الرقيق المعتوق وأحفادهم، ويتميز بكثافة عدد الرجال بين الممارسين. ويمكن إبراز الاختلافات بين الشكلين في النقاط الآتية:

1- اختلاف الأدوات الموسيقية الرئيسة المستخدمة في الطقوس، الربابة بالنسبة لزار طمبورة، والدلوكة بالنسبة لزار بوريا؛

2- يكون الممارسون الأساسيون في زار طمبورة من الرجال، وذلك لصعوبة ممارسة طقوسه بالنسبة للنساء؛

3- على الشخص المتلبّس زار طمبورة أن يمارس الرقص وهو يرتدي حزاماً من عظام الأغنام والودع والخرز، وعليه أن يهزه ويخشخشه أثناء الرقص؛

4- لغة زار بوريا هى العربية، في حين تكون لغة زار طمبورة غير عربية؛

5- زار طمبورة أكثر سخونة في ايقاعاته، والمرض الذى يجلبه أكثر قساوة من زار بوريا.

 

الزار مفهوماً أنيمياً

تنطلق دراستي للزار من مفهوم له بوصفه تجلياً لحالات غير طبيعية مختلفة تعتري الفرد من بني الإنسان يستوجب علاجها اجراءات تتخذ من الاعتقاد في وجود قوى خفية يمكنها أن تلبس الإنسان، بالتالي، يصبح علاجها ممكناً فقط عن طريق التعامل مع تلك القوى الخفية بحسبانها ذواتاً لا موضوعاً، ذواتاً لا بد من استرضائها شرطاً مسبقاً لعودة الملبوس الى حالته الطبيعية. من هنا نجد أنه يتوجب علينا بداية البحث عن أصول مثل هذه الذهنية التى يسيطر عليها الاعتقاد في الزار بمفهومه المبين أعلاه.

 

يشير راون آرون في كتابه حول الاتجاهات الأساسية في الفكر السوسيولوجي الى أن أوغست كونت كان من أوائل الباحثين في تطور التفكير الإنساني مقسماً مراحله التطورية الى مرحلة لاهوتية أعقبتها مرحلة ميتافيزيقية فثالثة وأخيرة هى المرحلة الوضعية. ويرى كونت أن المرحلة الأولى تمثل نمطاً عقلياً تفسر من خلاله الظواهر عن طريق نسبتها أو ارجاعها الى قوى أو كائنات غير منظورة تتمتع بخصائص تشبه تلك التى يتميز بها الإنسان. أما المرحلة الثانية - الميتافيزيقية - فإنها، وفق رأي كونت، فتمثل نمطاً عقلياً تفسر من خلاله الظاهرات عن طريق قوة مجردة مثل الطبيعة. والمرحلة الثالثة والأخيرة في التقسيم الكونتي فتمثل قناعة الإنسان بملاحظة الظواهر واستخلاص الروابط التى توجد بين بعضها البعض Aron 1965: 65-66. لاحقاً تقبل كل من جون ديوي وآرثر بنتلي فكرة التقسيم الثلاثي لتطور الفكر، لكنهما عدلا في المسميات. بالنسبة لهذين الكاتبين فإن المرحلة الأولى لتطور الفكر - مرحلة الحركة الذاتية - تتميز بمحاولة الإنسان تفسير الظواهر الكونية بحسبانها كل ظاهرة قائمة بمفردها بعزلة تامة عن المظاهر الأخرى وهو ما أدى الى افتراض قوى تتجسد في كل الأشياء والظواهر وتحركها وتفسر سلوكها. أما علماء الأنثروبولوجيا فقد أطلقوا على هذه المرحلة البدائية من تطور الفكر اسم المرحلة الأنيمية (الأرواحية) (2).

أما المرحلة الثانية - مرحلة التفاعل - فتتميز بتراكم المعلومات والمعارف مكنت الإنسان من رؤية العلاقات القائمة بين الأشياء والظواهر. أدت هذه النظرة بالإنسان الى اتباع المنهج التحليلي في دراسة الطبيعة وما فيها من أشياء. وقوام المنهج التحليلي هو التعرف على الجزئيات التى يتكون منها الشئ أو الظاهرة مما يمكن الإنسان من تحديد التفاعل بينها ونتائجه. وتشكل المرحلة الثالثة - مرحلة الفاعلية - مرحلة أخيرة بدأ الإنسان يرى فيها أن الكون عبارة عن وحدة متكاملة مدركاً استحالة تحديد صفات أي جزء من الكون بمعزل عن الوسط المحيط به. ومن ثم استحالت إمكانية التعامل مع شئ ما في حد ذاته إذ تتحدد صفات الأشياء أو الجزئيات بنوع التفاعل الذى تعمل فيه لا العكس هذه النظرة أصبحت تعرف بنظرية النسبية Aron 1965: 89-90. قطعاً فإن التأكيد على تقسيم تطور الفكر الى مراحل لا يعني بحال من الأحوال القطيعة الكاملة بين كل مرحلة والتى سبقتها. كل مرحلة لاحقة تُولد في أحشاء السابقة لها، وتظل تجليات المرحلة الأسبق بينة في المراحل اللاحقة. هكذا نجد أن الفكر الأنيمي لازال يجد انعكاسات له في واقعنا المعاصر. ويبدو أن الزار بمفهومه المشار إليه في المعتقد الشعبي السوداني أو غيره من الشعوب التى تُمارس فيها هذه الطقوس، يمثل ضرباً من ضروب الفكر الأنيمي القابع في أعماق الذهنية الحديثة التى تنتمي للمرحلة الثالثة في تطور الفكر، أي، الوضعية حسب كونت، ومرحلة الفاعلية وفق ديوي وبنتلي.

 

كان عالم الأنثروبولوجيا إدوارد برنت تايلور أول من أشار الى الأنيمية بحسبانها نمطاً من أنماط التفكير إذ رأى بأن فكرة الأرواح والجن والآلهة وأية مجموعة أخرى من الكائنات الروحية إنما هى مفاهيم من طبيعة واحدة حول مفاهيم الأرواح باعتبار أنها المقومات الأولى في السلسلة الروحية. وقد أكد تايلور أن الناس في كل مكان قد يخضعون لتأثير بعيد المدى لما يشاهدونه في أحلام فيها أقرباؤهم الموتى أو أصدقاؤهم البعيدون بأنها دليل على وجود الأرواح. وذهب تايلور بأن الاعتقاد السهل في هذه الكائنات الروحية في انفصالها عن الأجسام الطبيعية قد يتسع لكي يشمل عقائد دينية أكثر عمقاً مع ما يصاحب ذلك من طقوس تجعل من الممكن التأثير في الأرواح القوية والتحكم في الأحداث الطبيعية الهامة The New Encyclopedia Britanica 1961: 922. وترى يمنى الخولي بأن مفهوم الأنيمية يقوم على "فكرة أن الإنسان في فجر حياته سيطرت عليه ذهنية تنظر لذاته بوصفه جزءاً من مجتمع في الوقت الذى تنظر فيه تلك الذهنية للمجتمع بحسبانه شيئاً مثبتاً في الطبيعة ومعتمداً على قوى كونية وأنه طالما انعدمت المجابهة بين مفهومي الطبيعة والإنسان أحدهما للآخر تكون منعدمة بالتالي الحاجة لإدراك المفهومين بأساليب مختلفة للمعرفة" (يمنى طريف الخولي، 1989: 236). تنظر الذهنية الأنيمية للظواهر وكأنما هى تجارب إنسانية التى هى أحداث كونية في منظور تلك الذهنية. والواضح أن هذا هو ما يميز الذهنية الحديثة عن الذهنية الأنيمية. يكمن الاختلاف البادي للعيان بين الذهنيتين في أن الأولى تنظر الى عالم الظواهر بوصفه موضوعاً في حين أن الأنيمية تنظر الى ذلك العالم بحسبانه ذاتاً. ومن ثم فإن علاقة الذات/الذات (أنا/أنت) المميزة للفكر الأنيمي تعني علاقة النوع بالنوع نفسه. إن الذهنية الحديثة بنظرتها لعالم الظواهر بوصفه موضوعاً إنما تقيم ترابطاً بين الذات والموضوع وهو، بالطبع، أساس مجمل التفكير العلمي وهو الوحيد الذى "يجعل المعرفة ممكنة" (روزنتال وآخرون، 1981: 216). أما أسلوب التفكير الأنيمي الذى يرى في عالم الظواهر ذاتاً فإنه يشير الى نوع للمعرفة المباشرة. إن الظاهرة الموضوع يمكن أن تُقرن علمياً بظواهر أخرى بحيث تبدو جزءاً من منظومة وهو ما يؤهل العلم لرؤية الموضوع. فقط هذه النظرة هى التى تمكن العلم من تفهم الأشياء والحوادث إذ تتحكم بها قوانين عامة تجعل ممكناً التنبؤ بها وبسلوكها في ظروف معينة. أما الذات فهي فريدة دائماً لها شخصية الفرد التى لا يمكن التنبؤ بها حيث أن الشخصية هى وجود لا يمكن معرفته إلا بالقدرر الذى يكشف به عن نفسه. هذا الى جانب كون الذات ليست مجرد موضوع للتأمل والفهم، بل أن الإنسان يجربه ويحس بعلاقة حركية معه. إن الذهنية الأنيمية في محاولتها تفسير الظواهر الطبيعية لا تضفي على الجماد صفات إنسانية بل أنها لا تعرف عالماً جماداً. بالتالي فإن الذهنية الأنيمية لا تشخص ظواهر الجماد. إن العالم يبدو لها زاخراً بالحياة، وللحياة فردية سواء في الإنسان أو الحيوان أو النبات أو في كل ظاهرة تجابه الإنسان في الحالات غير الطبيعية التى تعتري الإنسان من أمراض وقلق واضطراب، وفي الأمطار وقصف الرعد، وفي الآفات.. الخ. في كل لحظة تواجه الذهنية الأنيمية الظاهرة الطبيعية بحسبانها ذاتاً لا بوصفها موضوعاً. وتكشف الذات في هذه المواجهة عن فرديتها وصفاتها وإرادتها ولا تتأملها الذهنية الأنيمية بانفصال ذهني، بل تجربها حياة تواجه حياةً.

 

إلا أن الذهنية الأنيمية التى سيطرت على الإنسان في فجر حياته لم تكن الأسلوب الأوحد. كان على الإنسان أن يتعرف على البيئة التى يعيش فيها تمكيناً له من التكيف معها. وعندما تتعطل قدراته وتعجز كان يلجأ الى الأفكار الخرافية المختلطة بالأفكار القائمة على الأنيمية، وهكذا اختلطت، على حد تعبير مالينوفسكي، بذور العلم بالتفكير الخرافي، فالإنسان المبكر إذا اشتبكت عليه آنية أحاسيسه، أدرك أن هناك مشاكل تتعدى الظواهر المجردة فتصور من الظواهر الطبيعية كائنات حية مثله وإن كانت تفوقه قوةً وتمارس تأثيراً قوياً على حياته، فكان لا بدَّ له له من استرضائها.

 

يبدو واضحاً أن طبيعة الزار وطقوسه كما أوضحناها تشير الى أنه مفهوماً تمتد جذوره الى خلفية أنيمية يختلط بها فكر خرافي. فالذهنية الأنيمية تعزو حالة الفرد امصاب بحالة غير طبيعية الى وقوعه تحت تأثير خفي تعجز عن إدراك نوع التأثير ومن ثم تتجه الى النظر الى الحالة في حد ذاتها، أي بحسبانها ذاتاً، وبالتالي ترجعها الى أحد السحرة أو الى الموتى المختفين، أو الى الأرواح الشريرة. ومن ثم فإن مفهوم الزار يمثل، في اعتقادنا، تجلياً لبقايا الفكر الأنيمي القابعة بصلابة في قاع الذهنية السودانية الحديثة أو غيرها من ذهنيات الشعوب الأخرى التى يحتل فيها مفهوم الزار موضعاً في معتقداتها الشعبية.

 

ويبدو لنا أن مثل هذا الربط بين مفهوم الزار والفكر الأنيمي فرضية تتقبلها الفطرة السليمة إذا وضعنا في الحسبان ارتباط الإنسان عموماً بالنزعة الأنيمية. تبدو هذه النزعة الأنيمية، في رأي يوسف ميخائيل أسعد، واضحة عند الأطفال، حيث يعزو الطفل في ألعابه الإيهامية الروح والإرادة والسلوك الأخلاقي الى الأشياء من حوله ويثني على دُمية أو يعاتبها أو يعاقبها على ما يتخيل أنه سلوك ردئ صدر عنها (يوسف ميخائيل أسعد، 1977: 53). الشئ نفسه يمكن أن يقال بالنسبة للنزعة الأنيمية في حياة الراشدين فليس غريباً في سلوك الفرد أنه إذا ما أصاب سيارته عطل ناتج عن خلل في قطعة غيار طفيفة لا يحملها معه بحيث يتسبب ذلك في منعه من مواصلة السير رغم أهمية الموعد المرتبط به، فلا يستبعد أن نجده يخاطب السيارة ويلعنها ويعاتبها علماً بأنه يدرك أنها مجرد جماد ولا يقر بأن لها روحاً بعقله المنطقي، لكنه يقر ذلك بسلوكه، بل وبما ترسب لديه من نزعة أنيمية في أعماق ذهنيته. هذه النزعة الأنيمية نجد انعكاساً لها في الكتب المقدسة السماوية، فقد جاء في القرآن الكريم في سورة النمل ﴿ وورث سليمان داؤود وقال يأيها الناس عُلمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحُشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يُوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يأيها النمل اُدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التى أنعمت علىَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19) وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير بعيد فقال أحطتُ بما لم تُحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين (22) ﴾.

 

الزار مفهوماً مرتبطاً بالسحر

ينعكس التجسيد الفعلي للذهنية الأنيمية في مفهوم السحر. والسحر كما تعرفه الموسوعة الفلسفية هو "أحد أشكال الاعتقاد البدائي، إنه مجموعة من الطقوس الت ترمي الى التأثير في الناس والأرواح المتخيلة بهدف الحصول على نتائج معينة. ويقوم السحر على إيمان بعلاقة خارقة للطبيعة بين الإنسان والعالم المحيط به. وهناك سحر للعمل، وسحر لايقاع الضرر، وسحر لمعالجة الأمراض .. الخ. وقد ظل الاعتقاد في السحر قائماص في الجزء الأخير من القرون الوسطى (الكيمياء القديمة). ويعود السحر في زمننا الحاضر للظهور في نزعة العبادة السحرية" (روزنتال وآخرون، مرجع سابق: 244). في حالة اعتماد هذا التعريف فإن الزار يبدو ظاهرةً تمثل ضرباً من ضروبه موجهة لمعالجة حالات غير طبيعية تعتري الإنسان (سحر للأمراض) عن طريق طقوس ترمي الى التأثير في الأرواح "الأسياد" المتخيلة بغرض استرضائها للتعايش في حالة سلام مع الفرد الذى تلبسته.

 

وقد أشار مالينوفسكي في كتابه عن دينامية التغير الثقافي الى أن السحر يتسم بأشياء تقال، وأشياء تؤدى، وشخص يقوم بشعائر معينة Malinowski 1948: 95-97. بهذا المعنى يرتبط السحر بثلاثة أضلاع : الرقية، والطقس، وحالة الشخص الممارس للسحر. في حالة تطبيق هذه المؤشرات التى يقول بها مالينوفسكي على مفهوم الزار يتضح أنه يرتبط بـ "أشياء تقال" من ناحية بتحليل مقولة الأسياد والتعاويذ الخاصة بمخاطبت&