أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السـودانية

مجلة الأنثروبولوجيا العدد الرابع/ يوليو 2005

 

طقوس الزار وطبيعتها

د. آمال النور حامد

 

مربع نص: "بغض النظر عن التقنيات المستخدمة في المعالجة في طقوس الزار فإن أكثر التقنيات نجاحاً هى فترة الاثارة العاطفية للمريض التى تعقبها فترة التفريغ للشحنات التوترية". 
 طه بعشر(1) 

 


 

تقديم (2)

تدلل الكثير من المعطيات التاريخية والأنثروبولوجية على سعي الإنسان منذ القدم لتطوير تقنيات وممارسات ذات طابع علاجي وترويحي بهدف الوصول الى حلول للضغوط النفسية التى تواجهه. يمكن عد ممارستين من هذا النوع لهما وجود تاريخي ومعاصر في السودان هما الزار والكجور (*). وهما ممارستان تتناغمان مع الموروث الثقافي والاجتماعي وتجدان تقبلاً في اللاوعي الجماعي. ومن الأمور المتفق حولها أن جذور الاعتقاد تكمن فى بنية الشخصية. الأمر كذلك فإن قناعة ترسخت لديَّ بأنه وللقضاء على الخرافات التى تعشعش فى الذهنية الشعبية والممارسات المرتبطة بها، والتى تجعل من اللجوء للمعالجات النفسية الحديثة أمراً لا يتقبله اللاوعي الجماعي، لا بدَّ من اخضاعها للدراسة العلمية الجادة والتعرف على الجوانب الايجابية فيها. من ثم تتمحور أهمية هذه الدراسة في أن نتائجها قد تؤدي الي تطوير تقنية فنية ذات طابع شعبي يفي بالغرض بالنسبة لمثل هذه الممارسات وأمثالها طالما هي موجودة في السودان مع ملاحظة قلة عدد الأطباء النفسيين بالنسبة لعدد السكان.

 

سبق ليَّ أن قمت بدراسة وصفية ميدانية لظاهرة الاعياء والانفعالات المصاحبة فى طقوس الزار وعلاقتها بالترويح النفسي (آمال النور،1997)، وكان من بين النتائج التى توصلت لها تلك الدراسة الآتي :

(1) يمكن عد ممارسة الزار ظاهرة سيكوفسيولوجية الطابع من حيث الأداء الحركي المميز لها والانفعالات المصاحبة وما ينتج عنهما من تغيرات داخلية وخارجية للممارسة وما يعقبهما من استرخاء وشعور بالترويح النفسي؛

(2) يشتمل الانفعال الناتج عن ممارسة الزار على جانب معرفي ويمكن وصفه شحنة انفعالية تزود الممارسة برغبة وتجاوب مع الجو الصاخب من جانب، ويؤدي من جانب آخر الى اضعاف ارادة الممارسة مما يجعلها عرضة للخضوع لشخصية الشيخة المعالجة.

 

انطلاقاً من هاتين النتيجتين الرئيستين تولدت لديَّ فرضية ترى في ممارسة طقوس الزار أكثر من مجرد ترويح نفسي حيث لاحظت احتواء تلك الطقوس على العديد من التقنيات المستخدمة في مختلف مدارس العلاج النفسي. وكانت للفرضية التى طرحها طه بعشر، والمشار إليها في صدر هذه الصفحة، مفعول الشرارة التى حفزتني على تطوير بحثي الميداني السابق بالتركيز على متغيري الحركة الراقصة والانفعالات المصاحبة، وهى حركة يتم أداءها فى سياق مفعم بالرمزية.

 

دافع آخر شجعني على القيام بهذه الدراسة ملاحظتي، من خلال متابعة الأدب الذى تناول ظاهرة الزار، تركيز جل الدراسات على مسائل تتعلق بأصل الزار، ووصفه وتحليله على ضوء العوامل الاجتماعية والثقافية، بالاضافة الى بعض الدراسات النفسية الوصفية التحليلية. على حد اطلاعي لم يتم اخضاع ظاهرة الزار لدراسة تجريبية بغرض استجلاء تأثيراتها العلاجية رغم وجود ظواهر مماثلة في مجتمعات أخرى أخضعت للتجريب رغم الصعوبات الخاصة بالقياس.

 

عليه تقوم هذه الدراسة، التى يسرني نشرها للقراء على صفحات المجلة الإلكترونية للآثار والأنثروبولوجيا السودانية - أركامانى، على النتائج المتحصل عليها من اخضاع متغيري الحركة الراقصة والانفعالات المصاحبة لها للتجريب بهدف اختبار فرضية مدى تأثيرها الايجابي علاجاً نفسياً، دون إهمال للدور الذى تقوم به المتغيرات المستقلة الأخرى مثل الاعتقاد في الشيخة ونهج المعالجة. وما من شك فى أن الدراسة التجريبية التى أجريتها شددت على ضرورة الاستعانة بالمنهج الوصفي التحليلي من واقع المشاهدة المباشرة للممارسة الطقوسية والمقابلات غير المقننة مع مريضات مدمنات لطقوس الزار وأخريات تتملكهن قناعة لكونهن قد تعافين بفعل المعالجة بالزار، بالاضافة الى مقابلات غير مقننة مع شيخات زار تقليديات.

 

                        

الطقوس وطبيعتها

تمتلك كافة الشعوب طقوساً تمثل نوعاً خاصاً من السلوك القابل للملاحظة، القائم على أحكام راسخةestablished  أو تقليدية traditional. ويمكن النظر إليه بالتالي طريقةً لوصف الإنسان أو تعريفه. فالإنسان قد يعرف بأنه كائن عاقل أو كائن اقتصادي أو سياسي أو كنوع لاعب playing species، كما أنه يمكن النظر إليه بوصفه كائناً طقسياً يُظهر توازناً أخاذاً ومدهشاً بين سلوكه الطقسي والفعلي. فالطقس هو نوع من السلوك المعممpervasive kind of behaviour  يمكن الاستناد عليه لفهم كنه الإنسان، تماماً مثله مثل اللغة التي تعد نظاماً رمزياً قائماً على قوانين راسخة، بالتالي يمكن النظر للطقوس بوصفها نظاماً رمزياً من الأفعال، ويمكن رؤية العلاقة الشائكة المعقدة بين الطقوس واللغة فى تاريخ المحاولات العديدة لشرح السلوك الطقسي، ومن ثم نجد اهتمام أغلب التفسيرات بأهمية اللغة بوصفها عاملاً مهماً فى النظرية التى تهتم بطبيعة الطقوس. إن اللغة الخاصة بتفسير الطقوس هى لغة الأسطرة  language of myth. أما فيما يختص بمعنى الطقوس وطبيعتها فلقد سادت ثلاثة تناولات:

 

يعتمد التناول الأول منها  origin approachالأصل معياراً، وذلك عن طريق نظرية تختص بالأصل التاريخى للطقوس، كما هو الحال بالنسبة للأديان. المقدمة المنطقية أو القانون لهذا التناول هو أن تنامى الفرد (تطور كائن مفرد) يعيد باختصار التنامى التطوري (نمو مجموعة كائنات ذات علاقة) تماماً كما يعيد الجنين البشري باختصار مرحلة واحدة من تاريخ تطور الإنسان فى الرحم، أي، الـ gill stage يتوقف النجاح فى تفسير المدى العالمي الظاهر للطقوس على إمكانية تحديد أقدم الثقافات والمعتقدات. رأى العلماء أنه إذا ما أصبح بإمكانيتهم الكشف عن الأصل فإنه سيصبح بمقدورهم تفسير الطقوس المعاصرة لدى الناس. اتجه البحث عن أصل الطقوس بعيداً عن المجتمعات المعقدة التى تعرف الكتابة إلى المجتمعات الأمية الأقل تعقيداً، من ثمَّ نتج عن هذا التناول مصطلحات من نوع الديانات والثقافات البدائية بحثاً عن اجابة عن معنى الطقوس والأساطير والأديان. تم افراز ثقافات وطقوس مختلفة، وأصبحت مسألة الأضحيات، سواء البشرية أو الحيوانية، مثار جدل بين الباحثين من دعاة النظرية التطورية. هكذا طالعنا "روبرتسون سميث" في بحثه المنشور في "الطبعة التاسعة للموسوعة البريطانية 1973-1974 Encyclopędia Britanica" برأي مفاده أن الدافعية للأضحية وتقديم القرابين تكمن في رغبة الالتحام بين البشر من الجماعات البدائية وآلهتهم، بالتالي فإن أصل الطقس إنما يوجد في العبادات الطوطمية، ومن ثم أصبحت الطوطمية تعد من قبل العديد من الباحثين المرحلة المبكرة للدين والطقوس.

 

تأثير آراء "سميث" يمكن تتبعها في أعمال عالم الأنثروبولوجيا الإنجليزي "جيمس فريزر"، وعالم الاجتماع الفرنسى "ايميل دوركايم"، وفي أعمال "سيجموند فرويد" أب التحليل النفسى. رغم اتفاقهم مع ما قال به "سميث" فإن مسألة الأضحية والطوطمية ظلت مثار اهتمام أبحاثهم عن أصل الدين. بالنسبة لـ "فريزر" فقد قاده بحثه إلى القول بأن السحر كان مرحلة سابقة للدين، لكنه على الرغم من قوله بالانتقال من فترة طغى عليها السحر إلى فترة ساد فيها الموقف الديني، فإنه يرى أننا لا نستطيع أن نجد قاسماً مشتركاً بين السحر والدين (الموسوعة الفلسفية العربية، م1، 1986: 444) ويقول "فريزر" في هذا الخصوص إن الإنسان ... "أدرك أن تلك القوى التى كان يظنها أسباباً لم تكن كذلك، وأن كل جهوده المبذولة انطلاقاً من اللجوء إلى تلك الأسباب الوهمية كانت باطلة. ذهب عمله المضني سدى، ومارس نشاطه الخاص في سبيل لا شيء. كان قد شدَّ حبالاً لايتعلق بها شيء. إن كان العالم الكبير يتبع طريقه بدون مساعدته أو مساعدة أعوانه، فإنما ذلك لوجود كائنات أخرى شبيهة به، مع أنها أكثر قوة منه بكثير، تدير بشكل غير منظور سيره وتتمم كل ما كان قبلاً يظنه خاضعاً لسحره" (جيمس فريزر،1971 ص 76).

 

قادت أعمال كل من "سميث"، و"فريزر"، و"دوركايم" للبحث عن أصل الطقوس والأديان في الطوطمية كما تجلت في أستراليا .. "فالطقوس الطوطمية كانت تشد عرى التضامن الاجتماعي والقبلي، ثم تنقَّت الذهنيات الدينية تدريجياً إلى أن أغدقت على الطوطم شكلاً روحانياً مجرداً". (الموسوعة الفلسفية العربية، مرجع سابق، م.1،1986 : 444). ويرى "دوركايم" أن العلماء سيجدون في الطوطمية الشكل الأصلي للطقوس حيث ان الدين ليس .. "نظام أفكار فحسب بشأن الله والإلهي، بل يوجد خلف الاعتقادات قوى من نوع خاص تسود على الفرد وتدعمه .. ترفعه فوق ذاته، وتنقله إلى محيط غير ذاك الذى فيه يجري وجوده الدنيوى .. نطاق المقدس، وتجعله يعيش حياة أعلى وأكثر زخماً". هكذا يصل "دوركايم" إلى التمييز بين غير المقدس والمقدس. إن المقدس وكل ما يتضمنه من طقوس واحتفالات، يهدف إلى صيانة التضامن الاجتماعي، ويحمل الناس على احترام النظام، وكلها أمور بالغة الأهمية في سبيل استمرار البشر. فالأستراليون يعتقدون بأن السلوك الطقسي يحتوي على موقف يتعلق بالمقدس، وأفعال وأشياء مقدسة، بالتالي ليست سوى تمثلات رمزية للمجتمع.

 

وقد تأثر "سيجموند فرويد" بالنظرية الطوطمية، وحاول أن يجد لها دعماً من خلال نتائج دراسات علم النفس التحليلى. يرى "فرويد" في الدين عارضاً عصابياً يختلف عن الأعراض الفردية لكونه عصاباً مهووساً عامًا، ويقوم قمع الغريزة الأنانية بدور تكويني في الدين، كما يقوم قمع الغريزة الجنسية، في المرض العصابي. أما الطوطمية فيمكن عدها محاولة أولى للدين في تاريخ الإنسان بما هى عليه من تكريم للبديل عن الأب؛ وبما للوليمة الطوطمية من أهمية متفاوتة، أضف إلى ذلك الاحتفال بالأعياد التذكارية وفرض المحرمات والنواهي التى قد تؤدي مخالفتها إلى الموت.

 

التناول الثاني لتفسير السلوك الطقسي يدين بالفضل لأعمال كل من "سميث"، و"فرويد"، و"دوركايم" الذين رفضوا النظرية التطورية أداة لتفسير السلوك الطقسي؛ ذلك أنها لا تتناسب مع شرح هذا السلوك، بالإضافة إلى أنها تحمل أفكاراً جريئة لا يمكن التثبت منها  بل يمكن نفيها في الآن نفسه.

 

بالتحول من فرضية الأصل انتقل الباحثون إلى التأكيد على المعطيات الامبيريقية التى يتم تجميعها من خلال الملاحظة الفعلية، وهو ما أدى إلى تراكم كم هائل من المادة الوصفية للطقوس المختلفة الممارسة في أنحاء العالم. فإذا كان مصطلح الأصل يعد مركزياً بالنسبة للتناول الأول؛ فإن مصطلح الوظيفة يمكن استخدامه مؤشراً على التركيز الأساسي الذى يوليه التناول الثاني، وهو ما يشير إلى أن طبيعة الطقس لا بدَّ أن يتم تعريفها من حيث دورها الوظيفي في المجتمع المعين. ومن ثم يتبلور هدف التناول الوظيفي في محاولة تفسير السلوك الطقسي من منطلق الاحتياجات الفردية والتوازن الاجتماعي. هكذا يتم تقييم الطقس بوصفه استجابة تكيفية وتوافقية للبيئة الاجتماعية والطبيعية. وقد اتبع العديد من الباحثين المرموقين هذا النهج بحسبانه الأكثر فاعلية في تفسير الطقوس. وهكذا تبنى "مالينوفسكى" (3)، و"رادكليف براون" (4)، و"ايفانز برتشارد" (5)، و"ادموند ليش" (6) مدخلاً وظيفياً لدراسة الطقوس وتفسيرها.

 

أما التناول الدينى فإنه تمحور حول دراسات المؤرخين للدين، وكان معظمهم على اتفاق مع الوظيفيين بأن أصل النظريات التطورية لا فائدة منه كفرضية. كذلك رفضوا الوظيفية تفسيراً ملائماً لشرح الطقوس، متمسكين برأيهم القائل بأن السلوك الطقسي يعني أو يعبر عن عالم المقدس، عالم ترانزدستالي، أي، قمة الواقعية. على كل لم يعط هذا التناول تفسيراً أو شرحاً للطقوس؛ ذلك أن الاشكالية فيه ظلت باقية ولا يمكن تأكيدها؛ إلا إذا اتفق العلماء على أن الواقع الترانزدستالي يمكن أن يكون له وجود.

 

ويمكن تلخيص مميزات عامة للطقوس، نجدها عند أغلب المجتمعات ومختلف الثقافات، فهى ممارسة لها إطارها الطقسي. عدم التقيد بتلك الأطر سيؤدي إلى عدم فاعلية الاحتفال. كذلك يمكن التعامل مع الطقوس بوصفها وسيلة تعبير غير ناطقة تقوم على أساس رمزي ولغتها هى لغة الأساطير. واستناداً إلى رؤية العلماء الوظيفيين يمكن عدها شكلاً من أشكال الاستجابة التكيفية للبيئتين: الفيزيقية والاجتماعية. أما عن مرجعيتها فإنها تتمثل في منظومة الاعتقاد، كما، لها علاقة بالفنون.

 

وكان "جلين ويلسون" قد أشار إلى أن الطقوس هى بمثابة مسقط الرأس لكثير من فنون الأداء. فالطقس يتميز بالتكرار النمطي المغلف لنشاط ما استجلاباً لأثر سحري. ولا يتكرر النمط السلوكي فقط نتيجة للعادة ولكن أيضاً لأنه قد اكتسب دلالة باطنية عميقة. وقد تكون جذور هذا النشاط في الماضي عشوائية أو من قبيل المصادفة، أو قد تم نسيانها لكنها أصبحت الآن تغلف بمغذى اجتماعي وديني له أهميته. واشار "ويلسون" إلى عدة وظائف للطقوس أبرز منها : (1) تجديد المعالم الخاصة بالمناسبات الاجتماعية (زفاف، وجنازة وما إليه)؛ (2) تقوية اواصر التوحد والانتماء مع جماعة معينة؛ (3) التواصل مع العالم الذى يقع فيما وراء الطبيعة؛ (4) توسيع حدود الوعي من خلال الدخول في حالات تشبه الغيبوبة أو حالات شبه انتشائية. ومن بين مكونات الاحتفالات الطقسية هناك مكونات معينة من ترنيم وغناء، وتشكيل خطوات خاصة، وأقنعة وأزياء والتى شقت طريقها وأسهمت في الأداء المسرحي (انظر: جلين ويلسون، 2000 ص 59- 61).

 

يجمع العلماء على وجود علاقة وثيقة بين الطقوس والأساطير، وأثبتت الدراسات العلمية لحياة الجماعات البدائية أن للأسطورة لديهم وجود واقعي لسببين: قداستها وعظمة هدفها. ويؤكد "مالينوفسكي" على وجود هذه العلاقة بين الطقوس والأسطورة بقوله "إن الأسطورة إذا درست وهي حية فاعلة فسوف تتضح حقيقة كونها إحياء لواقع فطري يروى استجابة لنزعات دينية عميقة وميول أخلاقية وارتباطات اجتماعية" ... وأضاف "إن الأسطورة تبرهن على كفاءة الطقوس، وتمد معرفتها الإنسان بالحفز على النهوض بالأعباء التى تمليها الطقوس والفضائل" (Malinowski,B.1926:21). هذا في حين يرى فرويد أن الأسطورة تدل على نسق فكري ويمكن ارجاعها بالتالي إلى عناصر محددة وقليلة، وهى بعيدة الغور في الطبيعة الإنسانية وتعتمد على غريزة لا يمكن ردها، ويتوجب على الباحث تحديد طبيعتها وخصائصها (روزنتال وآخرون،1981 ص 23). وتتشابه الطقوس مع الأسطورة من حيث المحتويات، إذ إنها تحتوي على الإيقاع، والإشارة، والرمزية. يمكن أن أخلص للقول بأن هنالك ارتباطاً بين كل من الأساطير والطقوس ... "إذا تعرض المجتمع الذى تتفاعل معه الأسطورة لعناصر ثقافية أخرى تنفرط عقدتها، وتنحدر إلى سطح الكيان الاجتماعي، أو تترسب في اللا شعور وتظل في كلا الحالين عقيدة أو ضرباً من ضروب السحر، أو ممارسة غير مقبولة أو شعيرة" (عبدالحميد يونس، 1972 ص 19). وكانت "جين هاريسون" قد ربطت نشأة الفن الدرامي بالشعائر والطقوس مؤكدة على أن الطقوس  مسرحة للأسطورة، مشيرة إلى أن الأسطورة ميزة الفعل الاجتماعي (Encyclopedia Americana 1966: 162-163).

 

ويمكن عد الطقوس شعيرة من شعائر الانتقال وفقاً لتسمية "ارنولد فان جنب" rites de passage (7) والتى تقام في دورات الحياة (زواج، وختان، ووفاة الخ.) ويمكن عدها طقوس انتقال من حالة المرض إلى الصحة والمعافاة. ووفق قاموس الفولكلور (Maria Leach 1949: 946) فإنه يمكن عدها طقوساً شعائرية راقصة درامية، أي، رقصاً شعبياً فيه تفاعل جماعي بالحركات يؤدى في دورات الحياة. وتحتفل الكثير من القبائل في مختلف أنحاء العالم بدورات الحياة عن طريق الرقص (الزواج، والوفاة، والختان، والانتقال من حالة المرض إلى الصحة). ومن الأهداف العلاجية لهذا الرقص الدرامي طرد الأرواح الشريرة أو علاج نفسي عن طريق رقصات هستيرية مزيفة أو حركات جمبازية.

 

يمكن تصنيف الطقوس إلى نوعين أساسيين: طقوس تتعلق بتجديد الحياة بالخصب والنماء، وطقوس تطهيرية تهدف إلى تطهير حياة الفرد من الأشباح والذنوب. فالإنسان يسعى لمحو الزمن الحسي ليعيش في الزمن الأسطوري من خلال الاحتفالات، بهذا المعنى يجوز لنا تصنيف الزار ممارسة شعائرية ضمن الطقوس التطهيرية، ذلك أن الزار يتميز بكونه نشاطاً يقوم على الرقص، والإثارة الانفعالية، وتقديم الأضاحي استرضاءً للأسياد وأملاً في عودتهم.

 

يرجع "الكسندر كراب" (1967: 464-465) جذور الممارسات الطقسية بصورة عامة لعلة سيكولوجية؛ فيتحدث عن الشعائر الطقسية الراقصة التى كان البدائي يقيمها لتحقيق النجاح في اصطياد الحيوانات بتقليد حركات الأخيرة، أو لانماء الزرع ووفرته، أو من أجل غايات أسمى: مثل توهم البعض بأن الأجرام السماوية في ارتعاش حركتها تحتاج لشيء من التشجيع حتى لا تتباطأ حركتها، أو قد تقام لطرد الأرواح الشريرة درءاً للأمراض. ويستشهد "كراب" بالعديد من النماذج الاثنوغرافية مثل الفكرة الكامنة في قفز الشباب عالياً وهم يرقصون أثناء بذر الكتان، الفكرة التى مؤداها أن الكتان سيصل طولا يبلغ ارتفاع قفزاتهم، أو مثل اللعنات التى صبها أنبياء بني إسرائيل على الممارسات الطقسية الراقصة لتطهير الديانة من تلك الرقصات التى أدت إلى سقوط عاصمتهم وتدمير الهيكل، ومثل الإكليريوس المسيحي الذى حاول إقصاء الرقص فباءت محاولاته بالفشل.

 

وإذا سلطنا الأضواء من منظور تاريخي على الممارسات الطقسية الروحانية فإن "أركون داروول" (أركون داروول، 1993) يرى بأن بدايتها يمكن تتبعها في الهند، أو على الأقل في المكان والزمان الذى بدأ فيه الكهنة ممارساتهم التى تأسست على قاعدة الأساطير الهندوسية. أما الطقوس ذات الطبيعة الحركية العنيفة المتميزة بحدة الانفعال فينسبها "أركون" إلى طقوس تدريب المنتسبين إلى سلك الكهانة في مصر القديمة، التى تشمل ضرب الصنج والتوتر ودرجة محددة من الاجهاد، وتناول نوع معين من الطعام، بالإضافة إلى مواقف مثيرة للرعب. كما كانت هناك عوامل أخرى مثل تجرع شراب منوم وحكم رمزي بالموت ثم الدوران في دائرة (8). عموماً يمكن تحديد ثلاث مراحل لتدريب المنتسبين إلى سلك الكهانة: المرحلة الأولى تمثل التهيئة العقلية، وذلك بزراعة التعاليم الدينية عبر تلاوة التراتيل (مرحلة ايحائية تتسم بالتواصل والتكرار). والمرحلة الثانية التهيئة البدنية وذلك باضعاف البدن عبر الصيام، وتعريضه للحرارة والبرودة ومختلف تقلبات الطقس والرعب. والمرحلة الثالثة الوصول إلى حالة الاسترخاء عبر الأنغام ورائحة العطور.

 

ويحدد "أركون" هدف الطقوس في تحرير الفرد من الروابط الأخلاقية، وتعتمد في ذلك على الاعتقاد والممارسة الجماعية عبر الإرادة الموحدة. ونجد في الممارسة الطقسية للزار نماذج كثيرة لتحقيق التحرر من الروابط الأخلاقية كمثال: خيط لولية الحبشية الذى يمثل رمزاً للمجون. وفي مختلف الخيوط نجد وقعاً للممارسة الجماعية سنداً تنتمي إليه الذات المقهورة. وفي حالة إجراء مقارنة هذه الممارسات في الزار مع ممارسات بعض الجماعات السرية فإن المرء يتوقع ظهور نتائج جد مذهلة، مثال ذلك: جماعة المتسوطين (9)؛ أو جماعة الغنوصية (10)