مجلة الأنثروبولوجيا العدد الخامس/ سبتمبر 2005
الدراسات الاثنوأركيولوجية في السودان
"رؤية تحليلية لبعض الدراسات الحديثة"
م. محاضر جامعة شندي
nuhaabdelhafiz@hotmail.com
ارتبط
العمل الأنثروبولوجي في السودان بالعمل الآثاري منذ تأسيس أول إدارة
متخصصة بالعمل
الآثاري في السودان، وهى الإدارة التى وضع لبناتها الأولي كروفوت Crowfoot عام
1904
وأعطي منصب
محافظ الآثار
بالإنابة "Acting Conservation of
Antiquities"، وقد
خصصت لها
مساحة من
مباني وإدارة
كلية غردون
التذكارية.
وقد استمر هذا
المنصب حتى
عُين آركل في
عام
1938 فأصبح
المنصب هو
"مفوض الآثار وعلم
الإنسان Commissioner of Archaeology and Anthropology". واستمر
التعامل مع
المادة
الأنثروبولوجية
والأثرية تحت
إدارة واحده
حتى يومنا هذا.
فالقيام
بالأبحاث
الاثنوغرافية
وتقديم كافة
المساعدات
للباحثين
وطلاب ودارسي
التاريخ
القومي ومدهم
بالمعلومات
الآثارية والأنثربولوجية
والمتحفية هو
من مهام وواجبات
الهيئة
القومية
للآثار
والمتاحف،
وإن يبدو أن
اهتمام الهيئة
بالعمل
الآثاري قد
أزداد على
حساب العمل
الأنثروبولوجي.
ففي تقرير عن
أداء مصلحة الآثار
والمتاحف في
الفترة مابين
(يونيو 1951 – 1952) الذى
قدمه ب.ل شيني P.L Shinnie ورد
فيه تقرير عن
صيانة
العينات
الاثنولوجية
وحفظها، وفي
تقرير أعمال
مصلحة الآثار
والمتاحف
القومية
للفترة (1 يناير
1988 -
1 يناير
1990)
وهو تقرير أعده
أسامه عبد
الرحمن النور
أورد فيه
تخطيطاً
لمشروع المسح
الاثنوغرافي
والآثاري لعموم
السودان كأحد
مشاريع
الهيئة، وذكر
متحف السودان
القومي
الاثنوغرافي
كتابع لقسم
المتاحف. ] تقارير الهيئة القومية للآثار
والمتاحف لعامي
1952و1990م
.[
ترجم هذا التكامل بالتسجيلات الاثنوغرافية التى قام بها آركل والتي نمثل لها بمقالتيه :
"The Baza Festival in Jebel Meidob
"
و"Darfur Pottery "
اللتين نشرتا في
مجلة السودان
في رسائل
ومدونات S.N.R العددين (21) و(22). كما رافق
حملات إنقاذ
النوبة إجراء
مسوحات
أنثروبولوجية،
نُشرت نتائجها
الأولية في
مجلة كوش Kush العددين (12) و(13).
ويسير العمل
الآن بنفس
النهج في حملة
إنقاذ
المناطق
المتضررة
بقيام سد مروي، وإن كان قد
تطور بحيث
أفرد له مجال
لعمل أبحاث
اثنوأركيولوجية
منفصلة إلى
جانب عمل مسح
اثنوغرافي
وفلكلوري وهو
النشاط الذى
قام به الفريق
الإنجليزي -
الألماني
بقيادة بافل وولف
Wolf وبمشاركة من
جامعة شندي
بمنطقة أمري
لموسم ديسمبر
2002- فبراير
2003،
الذى لم تُنشر
تقاريره حتى وقت
كتابة البحث.
كما
استُخدم
التناظر
الاثنوغرافي
لتفسير أو لمحاولة
إيجاد الحلول
لبعض القضايا
التى قد واجهت
المهتمين
بالآثار
السودانية،
ومن الأمثلة
المبكرة
مجهودات شيني
في رسم صورة
لمباني موقع
سوبا شرق
الأثري، حيث
قارنها
بالمباني
المعاصرة في
محاولة لفهم
العوامل التى
تتداخل في
تشكيل الموقع
الأثري
Shinnie 1961 :79 . كما
استخدمه
أيضاً في
محاولة لفهم
عملية صناعة
الفخار
اليدوي في
الموقع نفسه حيث ناظرها انطلاقاً من ملاحظات
جمعها من
حلة شريف الواقعة
إلى الشمال موقع سوبا
شرق
Shinnie Ibid:
81،
وأشار أيضاَ في مقاله "مذكرات شخصية"
المنشور في
كتاب "History of African Archaeology"
إلى أنه من الذين استعانوا
بالتناظر الاثنوغرافي قبل بروز علم الاثنوأركيولوجيا منهجاً منفصلاً.
[ مقابلة – عبد الكريم:2004 ].
استخدم
كروفوت أيضاً التناظر الاثنوغرافي في كتابه "Island of Meroe" في
تفسير نمط
الاستيطان
السائد في
جزيرة مروي
الأثرية،
وذلك قياساً
علي النمط
السائد في ذلك
الوقت. كما
استخدم آدمز
التناظر
الاثنوغرافي
أيضاً في أكثر
من مقال من
أبرزها مقاله
المنشور عام
1976 بعنوان "Meroitic North and South" الذى نُشر
في العدد الثاني من مجلةMerotica ، حيث
حاول تفسير
نمط إنتاج
الفخار
اليدوي وذلك المصنوع
بالعجلة وقام
بوصف نمط
إنتاج الفخار
المصنوع
بناءً على التناظر الذى
قام به بأنه
نمط إنتاج
مركزي، أما
اليدوي فقد
وصفه بأنه
إنتاج محلي
يصنع بواسطة
النساء.
كما
استخدم
خضر
عبد الكريم التناظر في
تحقيق فرضيته
التى طرحها في مواجهة فرضية آدمز القائلة بأن
منطقة
البطانة
والبطانة
الغربية ذات
إمكانيات
زراعية
محدودة وهى فرضية شيدها علي
أسلوب
الزراعة
المكثفة وهو
الأسلوب المتبع
في المناطق التى تعاني من
قلة الأراضي
الصالحة
للزراعة وهى
صفة قلما توجد
في أفريقيا ذات
الأراضي
الزراعية
الواسعة،
فالأسلوب المتبع
فيها هو ما
يعرف باسم
زراعة الحريق.
قام خضر عبدالكريم بعمل
خرط لأنواع
التربة
بالبطانة
وقاسها
مقارنة مع
الأراضي
الزراعية على
النيل وتوصل
إلى أن حركة
المزارعين من
ضفاف النيل
إلى منطقة
البطانة
واضعين في
اعتبارنا عدم
استقرارهم
طويلاً بها
يفسر لنا عدم
وجود
مستوطنات صغيرة
في منطقة
البطانة وليس
شح الأراضي
الزراعية كما
أشار آدمز.
ولتأكيد هذه
الفرضية فقد
نفذ
إحصائيات
للحبوب في منطقة
البطانة
والتي كانت
ذات إنتاجية عالية
Abdelkarim-1984
أما الدراسات الاثنوأركيولوجية المتخصصة في السودان فإن من أبرزها الدراسة التى قام بها آيان هودر في الفترة مابين (1978- 1979) في منطقة جبال النوبا، وهى الدراسة التى ضمنها في كتابه "Symbols in Action" عام 1982. ومن الدراسات الجديرة بالاهتمام الورقه التى قدمها كندال Kendall في المؤتمر الخامس للدراسات المروية بروما عام 1984، بعنوان "Ethnoarchaeology in Merotic Studies"، التى نشرت في العدد العاشر من مجلة Meroitica وهناك أيضاً رسالة ربيكا برادلي لنيل درجة الدكتوراة والمنشورة في العدد الثالث عشر من مجلة Meroitica، إلى جانب بعض الدراسات الأخرى مثل المسح الذى أجراه مارتين فيتزينريتر Martin Fitzenreiter لتركيب المنازل المنشور في العدد السابع عشر من مجلة Meroitica، ودراسة نتالي توبيرتNatalie Tobert عن الزغاوة بدرافور بعنوان "The Ethnoarchaeology of the Zaghawa of Darfur"، ودراسة إلزا كليب Else Johansen Kleppe وسط مجموعة الشلك بعنوان"Religion Expressed Through Bead Use : An Ethnoarchaeological study of Shilluk Southern Sudan"، التى هدفت فيها إلى التعامل مع وحدات الثقافة المادية والنظام الثقافي الاجتماعي الذى أنتجها، وهدفها في هذا توضيح العلاقات الأساسية بين مظاهر النظام الثقافي الاجتماعي ومظاهر التفكير المادية، وركزت في دراستها هذه على القيم الرمزية والعقائدية للخرز في السياق الثقافي لمجموعة الشلك في محاولة لتفسير عدد من المعطيات الأثرية التى نقبت في مواقع أثرية بالقرب من مدينة الرنك. Kleppe 1986: 78-90. ومن الدراسات التى نشرت بواسطة باحثين سودانيين وإن لم تكن الوحيدة دراسة صلاح محمد أحمد المنشورة في مجلة كوش العدد السابع عشر بعنوان "التركين هل هو وجبة نبتيه؟".
2-1 دراسة هودر النساء، النجاسة والمدافن وسط النوبا "Dirt, women and burial among the Nuba"
تناول
هودر عملية
الدفن عند كل
من المورو والمساكين،
وهما من فروع
نوبا الجبال،
ويعتمد كل
منهما علي
الزراعة بشكل
مكثف حول معسكراتهم
وتربية
الخنازير
والأبقار
والأغنام
والخراف. قام
هودر وفريقه
بعمل سجل
اثنوغرافي
ولغوي لكل من
القبيلتين.
امتدت الرقعة
الجغرافية
لدراستهم
تقريباً
حوالي
650 كلم
وزاروا حوالي
73 تجمعاً
سكانياً
وجمعوا منها
معلومات حول
الاقتصاد،
والثقافة
المادية،
وتداخل العلاقات
الاجتماعية،
وعادات
الطعام، وإجتناب
النفايات،
وعملية
الدفن، كما
قاموا برسم
عدد من
المدافن.
أظهرت
نتائج
دراستهم أن
لـ المورو
والمساكين إحساس
قوي بالنظافة
والطهارة،
وأن المصدر الرئيس
للنجاسة
عندهم هو دم
الحيض والخنازير،
وأنهم يخافون
من الإصابة
بالنجاسة عبر
اختلاطهم
بالنساء
أثناء فترة
الحيض وبالخنازير،
لأن هذا
التدنيس سوف
يؤثر سلباًُ
على غلالهم،
كما ربط
المورو
الخنزير
بالنساء والرجال
بالماشية.
كما
وأن شعب
المورو يركز
على الطهارة
والنظافة
بشكل أكبر
بفصل
الخنازير عن
الرجال بينما
لا نجد مثل هذا
التركيز عند المساكين
الذين يدعون
حيواناتهم
تهيم وتخرج فضلاتها
وسط مجمعاتهم
السكنية.
ولتلافي الإصابة
باللعنة جراء
التدنيس فقد
علق كل من المورو
والمساكين
عظام ماشيتهم
جوار مخازن
غلالهم وهى في
حالة المورو
تعلق داخل
المخزن، وفي
حالة
المساكين
فيعلقونها
بجانبه من
الخارج. فسر
هودر هذه
العادة بأن
شعب النوبا
يعبر عن اهتمامه
بمنطقة أو شئ
معين مثل
الغلال
باحاطة حدوده
بشكل طقسي.
أما
عن مدافن
المجموعتين
فهي تقع
بالقرب من مناطق
إقامتهم،
وهى مقسمة إلى
مجموعات اجتماعية
منعزلة عن بعضها. وتعبر
المدافن عن اهتمام
مقدر
بالتمييز
ما بين،
الجنس، والعمر
والمكانة
الاجتماعية
عند كل من
المورو
والمساكين.
وأن ملازمة
المدفن
للتلال
المشتركة بينهما
يؤكد نظاماً
وراثياً طور
عند
القبيلتين عبر
الأجيال،
ويواصل هودر
ليبرهن أن
المدافن هي بينة توضح
العلاقة
بين الموت،
والغلال،
والخصوبة وهي
أشياء معبر
عنها في :
التشابه
الواضح في
شكل المدافن
ومخازن الغلال.
استخدام الأواني
لتغطية مداخل المدافن ومخازن الغلال عند المورو.
استخدام الرماد
لتغطية المعزين واستخدامه أيضاً في طقوس أخرى مرتبطة بعملية دفن الموتى، خاصة إذا
عرفنا أن كوم الرماد مرتبط عند النوباوي بالخصوبة ورمز للقوة والاستمرارية.
تقرير قديم يتحدث عن تغطية جثث موتى مجموعات نوباوية أخرى بجلد الخنازير. المصدر Hodder 1980: 125-184
2-2 دراسة كندال " الاثنوأركيولوجيا في الدراسات المروية" Ethnoarchaeology in Merotic studies
قسم
كندال ورقته
إلى قسمين
رئيسين إلى
جانب المقدمة
والخلاصة.
تناول في
الجزء الأول
منها تعريف
مصطلح
الاثنوأركيولوجيا
وأهدافه ومناهجه
التقليدية،
أما في الجزء
الثاني فقد تناول
ما أسماه
الاثنوأركيولوجيا
غير المادي"Ethnoarchaeology
: non materialist" حيث
قام بتطبيق
عدد من
البيانات
الاثنوغرافية
في الدراسات
المرَّوية وخصص
لها ثلاثة
مواضيع وهى
الأعمال
الفنية
والاثنوأركيولوجية, الاثنوغرافيا
– وتفسير الفن
القديم،
إلى جانب استخدام
الاثنوغرافيا
في تفسير
النصوص القديمة.
كرس
كندال ورقته
للإشارة
أولاً إلى
إمكانية تطبيق
الدراسات
الاثنوأركيولوجية
لخدمة الآثار
السودانية
والكثير الذى
قد تقدمه
بوصفها مفاتيح لحل
قضايا البيئة
القديمة
ونفاذ بصيرة
داخل الأوضاع
الاقتصادية
والسياسية.
قدم
كندال عدداً من
التطبيقات
نختار منها
تحليله لآنية
كارانوج وهى
القطعة
الموجودة
بمتحف
القاهرة تحت
الرقم (JE 41017)، وهى
عبارة عن آنية
نحاسية وجدت
في ضريح نائب
الملك المرَّوي
المعروف باسم
مالوتون Maloton بموقع
كارانوج
الأثري، بها
صور تعرض
النمط الرعوي
في بلاد
النوبة
المرَّوية، حيث
احتوى المشهد
على قطية (كوخ) من
شجر السنط،
وقد تمركز
المشهد أمام
القطية وتظهر
فتاة عارية
أمام مدخل
القطية
وأمامها طبل
ومن أمامها جلست
سيدة عارية
الصدر والتي
تبدو محور
المشهد، وقد ثنيت
قدما السيدة
تحتها وأمامها
صف من خمس
سلطانيات
شراب نصف
دائرية ويدها
ممدودة لترحب
بالراعي الذى
وصل مع أوعية
تحوي لبن، ومن
خلف السيدة
عارية الصدر
يقف رجل آخر
يبدو أنه
زوجها وقد
أومأ للراعي
الثاني أن يصب
المزيد من
اللبن ومن
خلفهم تظهر ثمانية
أبقار وثوران
وعجل يرضع من
إحدى الأبقار.
ولتحليل
هذا المشهد
فقد لاحظ كندال
عدة عناصر فيه،
أولها شكل
القطية
المدببة،
والتي تعرف باسم
"التُكل"
والشكل
البيضاوي
الذى يعلوها،
وهو شيء يمكن
أن نعرف معناه
بواسطة
الملاحظة
المباشرة، أو
الاستعانة
بالمصادر
الاثنوغرافية
بأنه عبارة عن
بيضة نعام فقد
سُجل من قبل،
أنه يوجد في
قمة سقف
"التُكل" شكل
سلة تستخدم
عشاً لطائر
"اللقلاق
الأسود" الذى
يعود إليه سنوياً
في شهري مايو
ويونيو، وفي
حالة عدم بناء
الطائر لعش
فوق "التُكل"
توضع ثلاث أو
أربع بيضات
إلى جانب حلية
من ريش النعام
في شكل منتصب في قمة
رأس السقف.
أضيف أيضاً أن التونسي أورد في وصفه لمنازل أهل دارفور نمطاً يعرف باسم "السكتاية"، وهى كما وصفها كقبة الخيمة إلا أنها طويلة ورفيعة من أعلى، وأن أهل المنطقة يأتون ببيض النعام ويثقبون في كل بيضة ثقبين عند محورها، ويدخلون من خلالها عوداً، حتى إذا أصبح في العود ثلاث بيضات أو أربع من بينها كرة من الفخار الأحمر ثبتت من أسفل على إبريق من صناعة الكيرا، وينصبونه على قمة القبة. ومن نمط المنازل أيضاً وصف "التكلتي" وهى من الأعلى تبدو كنصف كرة وقائمة على قوائم من الخشب، أما الكرنك فهو مثله إلا أنه قائم على أربعة قوائم خشبية ويضع السلطان بيض النعام على "السكاتية" و"التكلية" و"الكرانكة"، ويكسو أعلاها بثياب حمراء تتميز بها عن غيرها. (التونسي، 1965: 202 – 203).
وصف التونسي للتكل
أورد
كندال أيضاً
وصفاً عن
قبائل الشلك
بأنها تبني
برج بيض
النعام
لمعاني
مقدسة، حيث
نجد أنهم
يضعون بيضة
نعام واحدة مع
رأس رمح أو
حربة بحيث
تثبت البيضة
بطعنها برأس
الحربة فوق قمة
القطية وهى
توضع في
العادة في
القمة الناتئة
من مزار أو
مقام الإله
ملك الشلك "نيكانج Nyakang"
وبشكل مشابه لهذا في القطية المبنية بدون أبواب فوق قبور ملوك الأنواك
استخلص
كندال من هذه الشواهد الاثنوغرافية أن وضع البيضة فوق القطية هو مؤشر تقليدي
إلى أن
صاحب المنزل ذو منزلة اجتماعية عالية أو ملكية أو حتى إلهية كما عند الشلك
والأنواك، حيث جرت العادة على أن توضع بيضة النعام فوق قمة أكواخ الأشخاص المهمين.
وأورد كندال إمكانية أن تكون أهمية هذه الأكواخ قد جاءت من مدى غناهم مثل المك
والعجوز عند الشلك، حيث أن مظهر غناهم وامتيازهم لا يكون في حجم وطريقة بناء الكوخ
بل بكم الماشية التى يملكونها.
العنصر
الثاني الذى
لاحظه كندال في
المشهد هو آنية
اللبن التى
أمام السيدة،
والتي ناظرها بشكل آنية
اللبن
المستخدمة في
منطقة جنوب كردفان،
فهي على شكل
سلة من السعف
المجدول بشكل
جيد ومكثف
بحيث لا تسمح
بتسرب
السوائل منها
وهى مشابهة
للإناء أو الدلو
الذى رسم في
وعاء كارانوج،
وهذا النوع من
الآنية ما
يزال يستخدم
حتى الآن عند
قبائل مختلفة
مثل الكبابيش
والبجة
والشلك. يعمل
أهالي منطقة
جنوب كردفان
على سد ثقوب
هذه السلة بأن
تنقع في ماء
يغلي مباشرة
بعد أن تجدل لقفل
ثقوبها، أما
الشلك فإنهم
يسدون ثقوبها
بواسطة
تغطيتها من
الخارج بعد أن
تبلل بالماء بواسطة
دقيق الذرة
ولا تغسل هذه
السلال أبداً
ولهذا فإن
اللبن لا يحفظ
بها طويلاً.
أما الآنيات
الخمس التى
رصت أمام
السيدة فقد
رجح كندال أنها
عبارة عن قرع
جاف وهى شائعة
الاستخدام في
السودان.
بهذا
توصل كندال إلى
تحليل مفاده
أن القطية المزينة
ببيضة النعام
وسلة اللبن
وقرعة الشراب
هي عناصر
تقليدية من
عناصر
الثقافة
المادية التى
من المحتمل
عدم بقائها
مما لا يمكن
من تتبعها
داخل السجل
الآثاري، إلا
أنها تظهر للعيان
من خلال هذا
العمل الفني
القديم، وهى لا تزال
موجودة الآن
في شكل مماثل
يمكن التحقق
منه عن طريق
الملاحظة
الاثنوغرافية
وبالاستعانة
بالمدخل
الاثنوأركيولوجي
الذى يحاول أن
يربط ما بين
البقايا المادية
المنقب عنها
والسلوك
الإنساني
المرتبط بها.
وكمحاولة منه
لتفسير
السلوك
الإنساني المقدم
في هذا المشهد
الفني فقد قام
كندال برصد
ملاحظات عن
مظهر النساء
البدينات
الموجودات في
المشاهد
النوبية
القديمة
والكتابات التى تصور
ملكة بلاد
بونت Punt، وملكات
مروي، فإن
الملاحظ أن
البدانة كانت سمة
تقليدية تدل
على الجمال
والمنزلة
الاجتماعية
والغنى. وقد استمرت
بقايا هذه
المعايير
القديمة حتى
فترة سنار، فقد
ذكر أن آغا
أسوان لديه
زوجتان إلا أن
أحبهما لديه
هي الأولى،
فهي الأجمل
بالمقاييس التقليدية
لأنها مفرطة
البدانة. ومن
التقاليد الحالية
في السودان
تجتهد النساء
لزيادة وزنهن
قبل الزواج،
وفي الجزء
الشرقي لبحر
الغزال نساء
قبيلة البنقوBongo كلهن
يجتهدن في
زيادة وزنهن
لكي يصبحن
بشكل ملكات
بونت.
لهذا فقد اقترح كندال أن ما تفعله السيدة في إناء كارانوج هو أنها تعمل على زيادة وزنها عن طريق شرب الحليب تحت رعاية زوجها ذي المكانة الاجتماعية الرفيعة خاصة وأن حجم الزوجة عند المجتمعات الرعوية الأفريقية لا بدَّ وأن يتناسب ويدل على مدى كبر القطيع الذى يملكه زوجها Kendall-Ibid: 28 - 34
حاول
كندال أيضاً
وباستخدامه
للدراسات
الاثنوأركيولوجية توليد نظرية أثرية من تحليله وتفسيره
للفن القديم ومقارنته مع الحالات المشابهة في البيانات الاثنوغرافية كما طبق في
تحليله لمشهد هرم
الملكة أماني شخيتو الهرم (البجراوية 6)Kendall
– Ibid:34-41
وفي
دراسته للشلوخ
والوسمات
القبلية لاحظ
أن من المعتاد
عند شعوب
السودان، كما
في أغلب أفريقيا
الاستوائية،
شلخ الوجه
بصورة مميزة
لإحداث سلسلة
من الندوب
المميزة، وتختلف
هيئة هذه
الندوب من
مجموعة قبلية
إلى أخرى
وتعتبر
علامةً تزين
المظهر و/أو
لها خاصة
تحمي من أمراض
العيون،
والصداع وبعض
أمراض الرأس
الأخرى. كما
لاحظ أيضاً أن
أنواعاً متعددة
من هذه
العلامات
والشلوخ هي من
زمن بعيد جداً
لأن نفس هذه
العلامات
يمكن أن ترى على
وجه الأفارقة
الممثلين في
الفن المصري
القديم منذ
القرن الرابع
عشر قبل
الميلادي، وأن
استمرارها
موثق في الفن
المرَّوي والفن
التقليدي
اللاحق. اقترح كندال أن
المسح
الاثنوغرافي
والفني
والتاريخي
والمعملي
المفصل لهذه
الشلوخ قد
يمدنا بوسيلة
للتعرف على
السلالات
العرقية في
بقايا
الهياكل
العظمية
المكتشفة أثرياً.
كما يمكن
أيضاً أن
تساعد على
معرفة المناطق
التى سُكنت في
العصور
القديمة من
جانب مجموعات
قبلية هم
أسلاف
المجموعات
الحالية.
وجد كندال خلال رصده للندوب القبلية الأثرية، أن من أكثر الرسوم غرابة للأفارقة في كل الفن المصري هى تلك الموجودة في مقبرة حور محب في سقارة، وهى تمثل أسرى ذوي ملامح زنجية يوجد بينهم صفوف من الزنوج طوال الساقين بعضهم واقف والآخر يجلس القرفصاء في مجموعات على الأرض، ويظهر بعض الزنوج وقد صفف رأسه في شكل ضفائر من الشعر المجدول وهو نمط تقليدي للشعوب الحديثة في شمال غرب كينيا وجنوبها، وآخرون لهم شعر غزير. هذا ما جعل كندال يقترح أنهم أقرب إلى الشلك والنوير أو الدينكا. ومن الملاحظات أيضاً أن الزنوج الواقفين هم أطول بكثير من الحراس المصريين وهى إحدى سمات القبائل النيلية الحديثة التى تتميز بالطول غير العادي. ومن الملاحظ أيضاً في هذه الرسوم العناية التى أولاها النحات المصري للإشارة إلى ندوب الوجه، والتى نجدها لدى أغلبية الأسرى، وتبدو ندوب غالبيتهم في شكل أربعة أو خمسة خطوط أفقية على جباههم كما عند قبائل النوير والدينكا الحديثين، وتبدو بعض هذه الخطوط ممتدة من وسط الجبهة كالوتر وهو يشبه نتوء دينكا بور الحديثين. والأكثر غرابة أنه في كل رسوم الوجه هناك خطوط على الأنف والشفاه توضع في شكل ثنيتين أو ثلاث، وقد تبدو هذه ال