أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

مجلة الأنثروبولوجيا العدد الثالث/ أغسطس 2002

 

 

 

 

الموروث الثقافي السـوداني

تحديات الوحدة الوطنية والانتماء الإقليمي

د. يوسف مختار الأمين

كلية الآداب - جامعة الملك سعود - الرياض

بحث قدم في ندوة "العالم العربي وأفريقيا: تحديات الحاضر والمستقبل" الرباط 15 17 أكتوبر 2003 م.

 

       مقدمة

       عودة إلى الماضي

       حوارات الهُويَّة

       عودًا على بدء

       هوامش

       مراجع

 

 

 

مقدمة

يمر السودان منذ إعلان الدولة الوطنية الحديثة في 1956 م. باضطرابات وأزمات سياسية واجتماعية تتصاعد وتيرتها مع تعقيدات الأوضاع الداخلية وارتباطاتها الإقليمية والعالمية. ويردُ المراقبون والباحثون في أوضاع السودان ذلك إلى عدة أسباب يلتقي معظمها في طبيعة المجتمع السوداني العرقية والثقافية وإمكانياته الاقتصادية. ولعل أبرز هذه الأسباب ما يمكن وصفه بالمأزق الثقافي التاريخي والظرف الموضوعي الذى تكونت فيه الدولة. وهو وضع لم تتمكن النخب التى تعاقبت على إدارة البلاد من النظر فيه، ومن ثم مواجهته بفاعلية. وزاد الأمر تعقيدًا تعثر هذه النخب في إنجاز القدر المطلوب من التنمية الشاملة وتأسيس نظام للحكم متفق عليه ويلبي طموحات الغالبية من أهل البلاد. وفي ظل أوضاع التخلف وتدهور مرتكزات الاقتصاد المعيشي الطبيعي وارتفاع معدلات النمو السكاني تتوسع تلقائياً بؤر الصراع الاثني والجهوي والثقافي. ويتجلى هذا الصراع في تبني مواقف سياسية، وثقافية مغايرة للسائد وفي مواجهة السلطة المركزية بحمل السلاح وإذكاء حرب أهلية وصراعات قبلية تتفاقم أبعادها وآثارها يومًا بعد يوم. فالحرب الأهلية في الجنوب ظلت مشتعلة منذ الاستقلال حتى الآن ما عدا فترة توقف لمدة عشرة أعوام. وشهدت البلاد مؤخراً صراعات وحروب في أقاليم السودان الأخرى في الشرق والغرب بين القبائل وبين بعضها والحكومة المركزية. إن استمرار هذه المواجهات قد أهدر موارد البلاد وعطل التنمية مما أدى إلى تفكك المجتمعات المحلية ونزوح الآلاف من السكان إلى غير أماكن تواجدهم الطبيعي، ويجمع المتابعون لمجريات الأمور أن استمرار هذه الأحوال بات يهدد الوحدة الوطنية ما لم يتم تدارك الأوضاع. ولا غرابة أن نجد اليوم أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية الحديثة تصف السودان بالدولة المضطربة التي فشل قادتها ومثقفوها بصورة متكررة من مواجهة القضايا المعقدة التي أعاقت تطورها Woodward,1989؛ منصور خالد: 1993.

 

تأمل هذه الورقة الاقتراب من قضايا الوحدة الوطنية ومعوقاتها المتمثلة في الصراعات الاثنية والثقافية وذلك من مدخل الموروث الثقافي. وأقصد بالموروث الثقافي كل المنتج الثقافي المادي وغير المادي منذ أقدم العصور حتى الوقت الراهن باعتبار أنه المحيط الذى فيه تشكلّت الهُويَّة السودانية وفيه تتفاعل تحولاتها الدينامية. إن تناول قضية الوحدة الوطنية وعلاقات الانتماء الإقليمي يمكن تناولها من منطلقات مختلفة بمناهج وأطر نظرية متنوعة. وما يهمني هنا، النظر في إمكانية تحليل الأوضاع الحالية انطلاقاً من الموروث المادي الذى يشمل كل ما تركته لنا مجتمعات العصور القديمة من مخلفات أثرية تشمل الأدوات والمباني والفنون وكل ما له صلة بالفعل الإنساني على مر العصور. كما يشمل كل التراث الشعبي من حرف ومنتجات محلية. إن دراسة الثقافة المادية ببعديها التاريخي والتراثي، من مهام علم الآثار الأولى كما سيأتي ذكره، إذ هي تشكل مصدراً أساسياً إن لم يكن وحيدًا لمعرفة التاريخ الثقافي للأمم. وينطلق البحث أيضًا من فكرة أهمية مراجعة التاريخ الثقافي السوداني (Culture History) منذ أقدم عصوره واستدعائه من أجل صوغ مفاهيم جديدة تشكل إطاراً موضوعياً لاستيعاب تعقيدات القضايا الملحة الآن في السودان واقتراح حلول مناسبة لها. فالموروث الثقافي المادي يمكن الاستفادة منه إيجاباً كما حدث في تجارب شعوب وبلدان أخرى في تدعيم ركائز الوحدة الوطنية. ويتم ذلك بالبحث عن المشترك بين فئات المجتمع وإبراز ما يدعم مبادئ التسامح والسلم الاجتماعي خاصة في حالات التعدد الاثني والثقافي في البلد الواحد. وقراءة التاريخ الثقافي في بلد مثل السودان، بشكل متوازن تؤهله لإيجاد مناخات جيدة لتأسيس علاقات إقليمية أكثر إيجابية وفائدة لكل الأطراف. لا تتوقف أهمية التراث المادي كما جاء في هذا السياق عند مرجعيتها وأهميتها التاريخية وإنما تمتد إلى كشف معالم الاستمرارية والتغير في الأنظمة الثقافية. فالتاريخ الثقافي المعروف في شمال البلاد ووسطها يتعاقب في حلقات متصلة منذ العصور الحجرية حتى العصر الإسلامي وذلك مع وجود فترات تحدث فيها تحولات حضارية عميقة تشمل معظم جوانب الحياة الفكرية والمادية ولكنها بدرجات متفاوتة. فعلى سبيل المثال عندما قامت الممالك المسيحية في أواخر القرن السادس الميلادي حلت الديانة وفكرها الجديد مكان أيديولوجية الدولة القديمة القائمة على نظام الحكم العشائري والمعتقد البدائي. وانعكس التغيير أساسًا في الفكر ونظام الحكم ولم يكن واضحاً المستوى نفسه في الجانب المادي من حياة الناس (للمزيد عن التحولات التى أصابت الثقافة السودانية مع وصول المسيحية انظر "أركامانى"). ومع انتشار الإسلام واللغة العربية فيما بعد لم تختف أيضًا عناصر الثقافة المادية للوهلة الأولى بل احتفظت ببعض عناصرها القديمة Adams,1977: 665-680. تنبه لمثل هذه النقطة كثيرون منهم من هو غير  متخصص في مجالات الدراسات الحضارية. فحليم اليازجي عند دراسته للحركة الأدبية في السودان خلال فترة تزيد عن ثلاثمائة عام يقول: "... فبان لنا مدى الترابط القائم بين هذا الأدب وواقعه البيئي وأحداث تاريخه وكثيرًا ما كان انعكاسًا مباشراً لهذا التاريخ وتلك البيئات... فالماضي السوداني بكل ما استوعبه من تجربة يقتحم أبواب الحاضر في تداخل عفوي أو مقصود"؛ ويقول: "فالحضارات الموغلة في القدم، تحاور العقل السوداني المتطور الذى تغذي بلبان الثقافات الغربية الأكثر حداثة، وكذلك الثقافات العربية بنزعاتها الدينية والإصلاحية..." (اليازجي، 1985: 11-14).

 

وأخلص من ذلك إلى القول بأن الموروث المادي القديم والتراثي هو الأكثر قابلية، ضمن مجالات أخرى للبحث فيه عن المشترك بين فئات المجتمع في الماضي والحاضر ومن ثم تأويله لخدمة قضايا الهُويًّة والوحدة الوطنية.

 

عودة إلى الماضي

يتساءل كثيرون لماذا العودة للتاريخ الثقافي البعيد عند طرح قضايا وأزمات ملحة تهم المجتمعات المعاصرة؟ أوليس ذلك انكفاءً واستغراقاً في أمور غير مفيدة لمعالجة مشاكل الحاضر مثل الوحدة الوطنية والانتماء التي يبدو حلها كامناً في ميدان السياسية؟ لقد ألمحت آنفاً إلى دور الموروث الثقافي في معرفة  تكوين الأمم وتأصيلها والأسس التي تحكم الكثير من علاقات الأنظمة الاجتماعية والفكرية فيها. وتحفل أدبيات علم الآثار والتاريخ بالشواهد العملية لاستغلال المعرفة التاريخية إيجاباً أو سلباً في تأسيس الكيانات الوطنية وتقدمها أو في إضاعة حقوق تاريخية لمجموعات سكانية أو شعب بأكمله. ويتفق الجميع على أن حاضر الأمم يقوم على ماضيها بالرغم من صعوبة تحديد معالم ذلك الماضي البعيد أحيانًا ومشروعيته في تشكيل الحاضر وبناء علاقاته الداخلية والخارجية. ليس من الممكن في هذا الحيز أن نستعرض الأسس النظرية والتطبيقية المطلوبة في ذلك السياق وتطورها في علم الآثار أو الدراسات الأنثروبولوجية. شهد علم الآثار مؤخراً تحولات مهمة في توجهاته النظرية المستخدمة في تأويل التراث المادي القديم. وإذا كانت الأهداف تتغير من حين إلى آخر فإن معرفة أو اكتشاف الأنظمة الثقافية القديمة وتطورها عبر الزمن ظل أحد الأهداف الرئيسة لذلك النشاط العلمي. ويهتم الآثاريون في عملهم الأكاديمي بالهُويّات الثقافية القديمة وتحديد معالمها مثل ما تجد دراستها رواجاً في علوم أخرى غير الآثار وذلك تعبيراً عن تيار متصاعد في العلوم الإنسانية موجه نحو حقوق الأقليات وتأكيد مبادئ التمايز والتعدد الاثني والثقافي في المجتمع الواحد. واليوم نجد البحوث الآثارية قد امتد ميدانها من المجتمعات القديمة إلى المجتمعات التقليدية والبدائية المعاصرة (1) والموجودة في أكثر من بلد ومن بينها السودان. ومثل هذه المجتمعات بقدر ما تعرضت له من تأثيرات حضارية حديثة ما زالت تحافظ على تراثها وأنماط اقتصادها المعيشي المتمثل في الرعي والصيد والزراعة التقليدية. ويشمل التراث المادي أعمال النجارة والحدادة والفخار والأواني المنزلية وأدوات الزينة والملابس وأدوات الموسيقى الشعبية... الخ. إن مثل هذه الحرف التقليدية لها تاريخ طويل وهى تملأ حيزاً في المكوٍن الثقافي للمجتمعات الحالية. وإذا افترضنا مثلاً أن دخول العرب وانتشار الإسلام في السودان يمثل شبه قطيعة ثقافية في مجالات اللغة والدين والفكر فإن ذلك لا يشمل كما أشرنا التراث المادي التقليدي بكامله الذى احتفظ بكثير من سماته القديمة التي ظلت مستمرة حتى اليوم Elamin 1999: 1-3.

 

إن آثار الماضي البعيد والتراث المادي التقليدي ماثلة أمام الناس في شكل مبان وفنون وتحف تعرضها المتاحف المختلفة بطريقة تعكس أهداف الجهات التي أعدت تلك المتاحف. فالموروث الثقافي يقدم للناس على أنه ارثهم الحضاري الذى يقوم عليه حاضرهم ومستقبلهم. وبناءً على ذلك فكثير من الأعمال التي يقوم بها الآثاريون تنبع من موجهات فكرية أو وطنية تدعمها الدولة لبث مفاهيم وأفكار توظف في ترسيخ الأوضاع الراهنة. وليس بعيدًا عن الأذهان أن الاستفادة من دراسة الموروث الثقافي من أجل أجندة سياسية هدفها تشكيل الحاضر وصياغته لصالح فئة أو فئات معينة في المجتمع. بل أن دولاً عدة اعتمدت في نشأتها على استغلال الموروث الثقافي. ففي حالة إسرائيل، على سبيل المثال، عمل الآثاريون على إنتاج معرفة يعتقدون أنها تؤكد أحقية المستوطنين اليهود في أرض الميعاد وإحياء العصبية اليهودية ومن ثم إثبات مواصفات الهُويَّة الثقافية كما وردت في القصص التوراتي. وفي الدولة العبرية نجد أن المواقع الأثرية الكبيرة تمثل قوة رمزية لدى المستوطنين، ساعدت في توحيدهم خلال فترة التأسيس. وأصبحت هذه المواقع الأثرية وما تعنيه من موروث جزءاً مهماً في الفضاء الاجتماعي والسياسي والفكري الإسرائيلي. وفي أفريقيا تظل قصة المباني الأثرية الرائعة لعاصمة زمبابوي القديمة خير مثال على دعاوى المستوطنين الأوروبيين في رفضهم نسبة تلك الحضارة العريقة للسكان المحليين وذلك اعتماداً على تأويل الآثاريين الذين استقطبتهم سلطات الاحتلال الأوروبي. فقد روجوا آنذاك إلى أنها تمثل إنجازاً معمارياً لمجموعات وفدت من الخارج إلى أن نجح آثاريون منصفون، بعد مضي وقت، من إثبات أحقية قبائل البانتو الأفريقية في تأسيس المملكة التاريخية (للمزيد من الإطلاع أنظر كتاب علم الآثار الأفريقية لفيلبسون "أركامانى"). وقد كان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى هزيمة الفكر الاستيطاني الذى قامت عليه دولة البيض المستعمرين. ومن المعلوم أنه عندما تحقق الاستقلال في تلك البلاد تقرر تغيير اسمها من روديسيا الشمالية إلى زمبابوي رمزاً لتاريخ أفريقي عريق يستعيده أصحابه مرة أخرى دعماً للهُويَّة السياسية الجديدة Trigger,1975:355-370. ولا نجد اليوم بلداً لم يُستغل الموروث الثقافي فيه لاستلهام المستقبل وشحذ همم المواطنين. ومتاحف الآثار على اختلاف أنواعها في جميع أقطار العالم تعرض مواد الآثار والتراث للزائر بطريقة تعكس الصورة الرسمية لتاريخ الأمة. وليس غريباً أن يلاحظ المرء أحياناً عدم تمثيل تراث بعض الأقليات أو حتى جزءاً من التاريخ العام يظن أنه يخل بالأوضاع السائدة. فالماضي أو التاريخ مهما كان بعيداً يظل قابعاً في الذاكرة الجمعية يخبو حيناً ويتقد أحيانًا أخرى في لحظات الاستدعاء.

 

وعند مناقشته للهُويَّة الوطنية المصرية أشار فكري حسن إلى رسوخ التراث العربي الإسلامي وما جاء من أوروبا من مؤثرات في العصر الحديث في أذهان الناس مما يشكل ابتعاداً واضحاً عن الماضي القديم، بيد أن الأخير يظل ورقة سياسية مهمة. فالتاريخ الفرعوني كان مصدر قوة واعتزاز لدى المصريين خلال مقاومة الاحتلال الأجنبي ويتجلى ذلك في خطب السياسيين وما كتبه مثقفو الطبقة الوسطى عن الهُويَّة المصرية. وقد استدعى قادة ثورة 1919م. هذا التاريخ ومجدوا ماضي الأمة كما كتب عدد من مشاهير الأدباء أعمالاً روائية مهمة تستمد رموزها من ذلك التاريخ العريق. ولم يتراجع ذلك الاهتمام إلا بعد نمو التيار القومي الحديث في الخمسينات من القرن الماضي Hassan,1998: 207.

 

واختم ملاحظاتي عن أهمية تأويل الموروث الثقافي نظرياً واستغلاله في تعريف الهُويَّات الثقافية التي تعبر عن نقطة الانطلاق في تكوين الشرعية التي تقوم عليها الأمة والسلطة التى تدير شؤونها. والاستعانة بالموروث الثقافي في تشكيل الحاضر يتوقف بالدرجة الأولى على الأيديولوجيا السائدة وعلى قدرة القوى الاجتماعية التي تتبناها. ومن هذه المقدمة أود الإشارة، في إيجاز، إلى سيرة التاريخ الثقافي السوداني ومصادره لنرى مدى انعكاساته على الواقع السوداني المعاصر.

 

نستمد معلوماتنا عن فترات العصور الحجرية والتاريخ القديم من الأعمال الآثارية التي بدأت منذ مطلع القرن العشرين في شمال السودان بوتيرة بطيئة لتتصاعد بصورة مؤثرة عندما تقرر بناء السد العالي وأُجرى ما عرف بحملة إنقاذ آثار النوبة (1959- 1965).جاء إلى المنطقة في ذلك الوقت أكثر من أربعين بعثة علمية أجنبية تجري المسوحات وتنقب في المواقع الأثرية في كل من شمال السودان وجنوب مصر. وكان نتائج أعمالها هو معظم، إن لم نقل كل ما نعرفه، تقريباً عن تاريخ السودان القديم والوسيط (للمزيد من المعلومات حول الموضوع انظر في أركامانى : كاتسنلون؛ و آدمز، , أسامة).

 

توسع النشاط الآثاري بعد ذلك في منطقة الخرطوم ولكنه لم يشمل مناطق السودان الشاسعة الأخرى إلا في حالات قليلة مما سبب نقصاً واضحاً في المعلومات المطلوبة لصوغ التاريخ الحضاري للسودان بحدوده الحالية. ويجدر بالذكر أن التركيز على شمال السودان أوجد "مركزية شمالية" أثرت في توجيه مسار البحث العلمي في هذا الحقل لم تبدأ مراجعتها إلا مؤخرًا وبصورة جزئية (العباس محمد علي، ويوسف الأمين 1992: 65-67). ومازالت مناطق واسعة في الغرب والشرق لم يستوعب تاريخها القديم والوسيط في مسيرة التاريخ السوداني بطريقة مقنعة. بل أن جنوب السودان لم يحظ إلا بحملة آثارية واحدة ولفترة محدودة John Mack and Robertshaw,1982.

 

أوضحت البحوث الآثارية وجود مواقع تعود لفترة العصر الحجري القديم عاشت خلالها مجموعات سكانية على امتداد وادي النيل في السودان وفي الأقاليم الأخرى بعيداً عن نهر النيل (للمزيد انظر أسامة النور: العلاقة بين الصحراء ووادي النيل السوداني وشرق أفريقيا في الهولوسين). وكانت الأدوات الحجرية المكتشفة تعبر في مجملها عن وجود تقاليد ثقافية في تصنيع الأدوات الحجرية وأنماط الاقتصاد المعيشي البدائي وهى تمتاز بخصائص محلية كما تعكس صلات حضارية مع المناطق المجاورة في الوقت نفسه. ويبدو من الصعب القول أن كل أراضي السودان الحالي كانت تمثل في ذلك الزمن وحدة حضارية تربط بين أقاليمه. وربما نجد أول إشارة لهذا الأمر في الدور الثاني من العصور الحجرية المتمثل في مجتمعات العصر الحجري الحديث عندما تعرف الناس على عمل الفخار واستئناس الحيوان والزراعة ضمن ابتكارات أخرى في مجال تصنيع الأدوات العظمية ونماذج الفنون الأخرى وتوجه مجتمعات الصيادين نحو الاستقرار بصفة عامة. ويذكر في هذا السياق ما اشتهر باسم "حضارة الخرطوم القديمة" التى عُرفت أولاً في موقع الخرطوم المبكر الذى نقب فيه آركل في الأربعينات من القرن الماضي. وقد وصف الموقع بأنه كان مستوطنة شبه دائمة أقيمت على ضفاف النهر القديم اعتمد سكانها على صيد الأسماك والحيوانات البرية وجرش الحبوب البرية إذ لم يعرفوا الزراعة بعد. وقد شكلوا أدواتهم المتميزة من الأحجار والعظم كما صنعوا فخار الخرطوم الشهير وهو من النوع الصلب غير المصقول، تزينه خطوط متصلة مموجة وأخرى متقطعة مموجة أو متعرجة. وقد أصبح ممكناً تأريخ هذه الحضارة فيما بعد بالألف الثامن قبل الميلاد وبذا يكون فخار الخرطوم الأقدم في وادي النيل وربما أفريقيا كلها. وقد اكتشف هذا الفخار بزخارفه المعروفة في السودان الأوسط وشمالاً حتى وادي حلفا وكذلك في أماكن بعيدة من الصحراء الغربية حتى النيجر.

 

وفي السودان نفسه يشير توزيع مستوطنات هذه المرحلة إلى تماثل حضاري يمتد من شمال السودان حتى وسطه وقد كانت المستوطنات التي تلت مرحلة ثقافة الخرطوم عبارة عن تجمعات سكانية كبيرة نسبياً اعتمد أصحابها في حياتهم على زراعة الحبوب وتربية الحيوانات مثل الأغنام والماعز والأبقار إضافة إلى الموارد الطبيعية المعهودة Arkell 1975;Haaland 1992: 43-64.

 

ومع انتشار هذه المستوطنات الكبيرة شبه المستقرة بالقرب من ضفاف نهر النيل في الفترة 5000 – 3000 ق. م. تهيأت المجموعات السكانية لإحداث نقلة حضارية جديدة تتمثل في نشوء مراكز وتجمعات أكبر حجمًا انتظمت فيما يعرف بدويلة المدنية. كان ذلك أولاً في كرمة في منطقة النوبة العليا بشمال السودان عندما تمكن الزعماء والأمراء المحليين من تأسيس حكم مستقل عن الدولة المصرية. وقد كان هؤلاء يمثلون مقاومة مستمرة للاحتلال المصري لشمال السودان. وتدلنا المكتشفات الأثرية إلى أن كرمة كانت مدينة تبلغ مساحتها نحو خمسة وعشرين هكتاراً وهى مسورة بحائط ارتفاعه ثلاثين قدماً. ويوجد في وسط المدينة معبد وقصر وقاعة استقبالات كبيرة وبيوت الطبقة العليا في المجتمع. كانت هذه عاصمة أول دولة سودانية (كوش) التى ازدهرت نحو 2200 ق. م. وهى بالتالي أقدم مدينة معروفة لدينا في أفريقيا خارج مصر. كان مجتمع كرمة يمجد الحرب والعسكرية بحيث امتد نفوذها لتسيطر على النوبة السفلى في الشمال لبعض الوقت. واستعان حكام كرمة من المصريين المقيمين في القلاع والحصون لمساعدتهم في إدارة المنطقة. وقد خلفت كرمة تراثاً حضارياً غنياً في مجالات الفنون والحرف والعمارة ما يقف شاهداً على التمّيز الثقافي والأصالة المحلية (شارل بونيه، 1997). (للمزيد عن كرمة)

 

عاد المصريون واخضعوا كل بلاد النوبة نحو 1460 ق. م. وازدهرت المنطقة ببناء المستوطنات والمعابد وبالنمو الاقتصادي والثقافي. نهض أمراء المنطقة مرة أخرى بعد مرور مصر بفترة ضعف، وأسسوا دولة نبتة نحو 9000 ق. م. حيث يبدأ تاريخ كوش الحافل في مرحلته الثانية التى تطغى فيها المؤثرات المصرية كاللغة والعمارة والفنون والدين على الرغم من الغموض الذى يكتنف الطريقة التي تأسست بها هذه الدولة. لقد أعاد الكوشيون للحضارة المصرية مجدها القديم عندما حكموا مصر لمدة سبعين سنة حافلة بالإنجازات التي كان في مقدمها تحقيق أول وحدة سياسية في وادي النيل. إضافة إلى توسعهم في بناء المعابد والمدن وإحياء اللغة المصرية بعد ما أصابها من تدهور في فترة الاضمحلال في نهاية الألف الثاني ق. م. استمرت كوش دولة مستقلة في مرحلتها الثالثة عندما انتقلت العاصمة جنوباً إلى مدينة مروي القديمة القريبة من مدينة شندي (300 كلم شمال الخرطوم). وفي الوقت الذى ازدهرت فيه مروي وتوسعت في الأقاليم السودانية كانت مصر قد خضعت لحكم الفرس ثم البطالمة ثم والرومان.

 

ازدهرت الحضارة المروية (300 قبل الميلاد إلى 350 ميلادية) وعرفت بسماتها الأصلية الممزوجة بالتيارات الثقافية الوافدة من الشمال. كان أول ما حققه حكامها المحافظة على دولتهم ومقاومة البطالمة والرومان من بعدهم عسكرياً ودبلوماسياً عندما فشلوا في صدهم بالقوة. يصعب علينا أن نحصي صفات تلك الحضارة ويكفي أن نشير إلى أهم إبداعاتها مثل الكتابة المرَّوية التي وصفت بأنها شبه أبجدية ولها خطان أحدهما هيروغليفي وثانيهما تجريدي وكلاهما منحدران من أصول مصرية وهى أقدم لغة أفريقية صريحة مكتوبة، غير سامية كما يعتقد أحد علمائها البارزين (عبد الله، عبدالقادر محمود 1986). ومثل ما حدث في الكتابة المرَّوية من تطوير محلي نجد إبداعاً آخر في صناعة الفخار الرفيع والذي لم تشهده المنطقة من قبل. وتشمل الصناعات أيضاً مختلف أنواع قطع الزينة الذهبية والعاجية وغيرها من الأحجار الكريمة والمواد التى جاءت عن طريق التجارة التي انتعشت في هذا العهد. وتوسع المرَّويون في بناء المعا&#