مجلة الأنثروبولوجيا العدد الثاني/ فبراير 2002
THE POLITICAL SYSTEM OF THE NUER
Ivans Pritchard
النظام السياسي للنوير في جنوب السودان
إيفانز برتشارد
ترجمة أسامة عبدالرحمن النور
الآن وقد أثبتت سنوات الإنقاذ عقم الممارسة "الثورية السياسوإسلاموية" التى وضعت خطة عمل لهندسة اجتماعية على نطاق واسع أفضت إلى تأسيس حكم استبدادي ثيوقراطي هو الثاني من نوعه في السودان. إن المحاولة الإنقاذية لإعادة تشكيل المجتمع السوداني مثلت مشروعاً ضخماً سبب إزعاجاً شديداً للكثيرين من المفكرين السياسيين السودانيين مما دفع بأهل الإنقاذ السياسوإسلامويين الطوباويين إلى أن يصموا آذانهم على مدى سنوات عن العديد من الشكاوى، وأن يقمعوا بشدة كل رأى معارض غير معقول كان أم معقول مستمسكين بقول فلاديمير إيلتش لينين "لا يمكنك أن تصنع عجة بدون أن تكسر بيضاً".
بعد أن بذلوا ما في جعلتهم من طاقات لتكسير كل البيض تكشفت لهم حقيقة أنهم مهما كسروا من بيض فإن الدجاج يبيض بخصوبة عالية. أدركوا فشل مشروعهم الطوباوي الأحادي فولوا يتحدثون عن "التنوع" و"التعدد" الاثني والثقافي والديني، وسمحوا لأجهزة إعلامهم الابتعاد عن "ساحات الفداء" توجهاً إعلامياً أوحدا ببث برامج ذات مغزى ونعنى هي الأكثر إخصاباً لمشروع الأمة السودانية. لكنهم في الحين نفسه يسعون إلى إفراغ شعارات التنوع والتعدد بتحويلها إلى شعارات محكومة بما يسمونه "ثوابت الإنقاذ"، ومن ثم يجوز القول بأن تبنيهم لمبدأ "التنوع والتعدد" لا يبدو أكثر من مجرد تكتيك سياسي قصير الأجل.
التنوع والتعدد الاثني والثقافي والديني جسده اليسار السوداني منذ بروزه على الساحة السودانية في نهاية الأربعينيات وطوره ليتبلور في مقولة "الوحدة في التنوع". وقد رفض التيار الإسلاموي منذ ظهوره على مسرح الحياة السياسية السودانية الاعتراف بحقيقة التنوع والتعدد بدعوته إلى فرض هيمنة "ثقافة مركزية" تنفي الآخر. لكن شاءت الإنقاذ أم أبت، فإن مسار التاريخ لا بدَّ وأن يفضى إلى سيادة قيم العقلانية وانتصار "الروح الإنسانية" التى تقيم الفرد لا بدينه أو لونه ولا بانتمائه العرقي أو هويته الثقافية وإنما بإسهامه في جعل السودان مجتمعاً مكتفياً، مانحاً لكافة مواطنيه السعرات الحرارية الضرورية، كافلاً استمرارية التثاقف بين كافة أعراقه أمة واحد إثراءً للتراث الإنساني.
بعد أن أفضى المشروع السياسوإسلاموي الطوباوي إلى المآسي التى تعيشها الأمة السودانية جراء حرب أهلية تمثل بلورة لكامل المشروع، ومن فقر مدقع يحيق بالمواطن، ومن فقدان كامل للسيادة الوطنية على جزء من السودان باتفاقية رسمية مع يوغندا، ومن اعتراف غير معلن بانسلاخ حلايب عن جسم السودان، ومن انعدام للاستقرار الأمني في الغرب الأقصى، ومن...ومن...أفلا يحق لدعاة السودانوية المؤمنين "بالوحدة في التنوع" التغني بالعودة إلى الخرطوم "المركز" مع محجوب شريف:
غنى
يا خرطوم وغنى
شدي
أوتار المغنى
ضوى
من جبهة شهيدك
أمسياتك
واطمئني
ونحن
يا ست الحبايب
من
ثمارك
في
دروب الليل
نهارك
وقبل
ما يطول
انتظارك
نحن
جينا
وديل أنحنا القالوا فتنا
وقالوا
للناس
انتهينا
جينا زى ما كنا حضنك يحتوينا
ظل دعاة السودانوية في السودان عمومه دوماً ينطلقون من مفهوم "التثاقف" رافضين جملة وتفصيلاً أطروحات التيار السياسوإسلاموي وغيره من التيارات التفكيكية في الشمال الداعين إلى فرض هيمنة عنصر أوحد من مجمل عناصر المركب الثقافي والديني المكون للأمة السودانية. وفي الآن نفسه ظل دعاة السودانوية رافضين للتيار الانفصالي في الجنوب. وبما أن مفهوم "التثاقف" يستبعد جملة وتفصيلا مبدأ غالبية سائدة بمواجهة أقليات طالما أن إقرار مثل هذا المبدأ يفضى بالضرورة إلى تفكيك السودان وعرقلة بناء مشروع الأمة السودانية الواحدة، فإنه لا بدَّ من بلورة الظواهر التى نشأت وتنشأ عن الاحتكاك المباشر والمتواصل بين عناصر الكل المركب للثقافات السودانية والجماعات الحاملة لتلك الثقافات. من ثم يجئ الجهد في ترجمة هذا البحث الذى، كتبه إيفانز برتشارد في عام ... عن النسق السياسي، للنوير ليصب في خانة الجهد المبذول من قبل العديد من الكتاب والفنانين والمفكرين والسياسيين الساعين إلى بلورة وتأطير مفهوم "التثاقف" أداة للعمل من أجل هزيمة المشروع السياسوإسلاموي الطوباوي ومن أجل طرح مشروع بديل يدعو لانفتاح كافة الثقافات السودانية دونما انغلاق وبلا انسداد فكرى في دائرة ما يسمى "بالثقافة المركزية". علينا أن نستوعب بعضنا البعض وأن نغوص جميعنا كل منا في أعماق ذهنية الآخر عن طريق معرفة مكونات الآخر الثقافية وإدراكها بدلاً عن التقوقع في زنزانة النظرة الشوفينية المنغلقة التى تتوهم في أن تجعل عنصراً بعينه من عناصر المركب الثقافي السوداني المتنوع مركزاً للكون الذى يتوجب على الآخر، الهامشي، أن يعرفه ويدركه!!
أكتب باختصار عن النوير لأنني سبق أن سجلت جزءاً معتبراً من ملاحظاتي عن دستورهم السياسي وكل ذلك على وشك أن يصدر كتاباً. الملاحظات تلك، على كلٍ، تم تضمينها هذا المجلد (الأنظمة السياسية الأفريقية) بسبب أنَّ دستور النوير يقدم نموذجاً لشرق أفريقيا ولأنه يطلعنا على نمط سياسي خاص للغاية.
للكشف عن حالة فقدان الحكومة لديهم يجب علينا بداية أن نلقى نظرة موجزة لإيكولوجية الناس: سبل كسب معاشهم، توزيعهم، وعلاقة هاتين بمحيطهم. يمارس النوير تربية الأبقار والزراعة. ويقومون أيضاً بصيد الأسماك، واصطياد الحيوانات، ويجمعون الفواكه والجذور البرية. إلا أن الأبقار، خلافاً لموارد طعامهم الأخرى، تقتنى أكثر من مجرد أهمية غذائية، إنها بلا شك ذات قيمة أعلى في نظرهم من أي شئ آخر. من ثم، رغم أنهم يمتلكون اقتصادا مختلطاً، فإن النوير عاطفياً هم رعاة في الأساس.
أرض النوير أكثر ملاءمة لتربية المواشي منها للزراعة: إنها مسطحة، طينية، منطقة سافانا، جافة وجرداء أثناء موسم الجفاف ومغمورة ومغطاة بالحشائش الطويلة أثناء موسم الأمطار. تسقط الأمطار الغزيرة وتفيض الأنهار على ضفافها بدءاً من يونيو حتى ديسمبر. ومن ديسمبر حتى يونيو تشح الأمطار وينخفض منسوب الأنهار. تتألف السنة بالتالي من فصلين لهما امتداد زمني متساوٍ. هذه الثنائية الفصلية، مع الاهتمامات الرعوية، تؤثر بعيداً على العلاقات السياسية.
خلال فصل الأمطار يعيش النوير في قرى مرتفعة على ظهر هضاب صغيرة مدورة و تلال أو منقطة على امتدادات أرض غير شديدة الانحدار، وينشغلون بزراعة الدخن والذرة. الأرض التى تعترض بين قرية وأخرى، تكون مغمورة لستة أشهر، ومن ثم فهي ليست صالحة للإقامة ولا للزراعة ولا للرعي. أية مسافة من خمسة إلى عشرين ميلاً يمكن أن تفصل بين القرى المتجاورة، بينما تفصل المسافات الأكبر أقساماً من القبيلة الواحدة وتفصل قبيلة عن قبيلة.
في نهاية موسم الأمطار، يحرق الناس الحشائش لتوفير مرعى جديد ويغادرون قراهم للإقامة في معسكرات صغيرة. عندما يصبح الجفاف شديداً، تتركز مساكن تلك المعسكرات الوسطية حول مصادر المياه الدائمة. ورغم أن تلك التحركات تتم أساساً من أجل الأبقار، فإنها تمكن النوير أيضاً من صيد الأسماك، وهو ما يكاد يستحيل من مواقع القرى، وأن، ولو بدرجة أقل، يمارسوا اصطياد الحيوانات وجمع الفواكه والجذور البرية. وعندما تهطل الأمطار مجدداً، يعودون إلى قراهم، إذ تتوفر حماية للأبقار وتسمح الأرض المرتفعة بممارسة الزراعة.
توزيع النوير تحتمه الظروف الطبيعية ونمط الحياة الذى وضعنا خطوطه العامة. خلال موسم الأمطار، تنفصل القرى، لكنها لا تكون منعزلة بحال من الأحوال، من جيرتها بامتدادات مغمورة من الحشائش، وبالتالي تؤلف الجماعات المحلية وحدات مختلفة للغاية. خلال موسم الجفاف، يتمركز الناس من قرى مختلفة في المنطقة نفسها حول مصادر المياه الدائمة ويقتسمون معسكرات مشتركة. من جانب ثانٍ، قد تذهب عائلات قرية إلى معسكر وعائلات إلى معسكر آخر، رغم أن الغالبية تؤلف جماعة محلية على امتداد السنة.
نادراً ما يتوفر للنوير فائض طعام في بداية موسم الأمطار وعادة ما يكون غير كافٍ لسد احتياجاتهم. بالطبع، يمكن القول بأنهم عادة على حافة العوز وأنهم يواجهون المجاعة الحادة من حين لآخر بعد مرور بضع سنوات قليلة. في تلك الظروف، يكون مفهوماً وجود قدر عالٍ من المشاركة في الطعام في القرية نفسها، بخاصة وسط أعضاء المساكن والقرى المتجاورة. رغم أنه في أي وقت قد يكون لبعض الأعضاء أبقار ومحاصيل أكثر من آخرين، وتلك ممتلكاتهم الخاصة، فإن الناس يأكلون في مساكن بعضهم البعض في الاحتفالات وفي الوجبات اليومية، ويتم اقتسام الطعام بصورة أو بأخرى، إلى الدرجة التى يمكن للمرء فيها الحديث عن وجود مخزون مشترك. يكون الطعام متوفراً بكثرة من نهاية سبتمبر حتى منتصف ديسمبر في السنة العادية، وأنه خلال تلك الأشهر يتم إقامة الاحتفالات والرقصات وما إلى ذلك.
يمتلك النوير تقنية غير معقدة. تفتقد بلادهم الحديد والحجر كما أن أعداد الأشجار وتنوعاتها محدودة، وهى غير ملائمة لأغراض أخرى غير المباني. هذا الشح في المواد الخام، جنباً إلى جنب مع الإمداد المحدود بالطعام، يقوى الصلات الاجتماعية، ويقرب أهل القرية أو المعسكر أكثر، بمعنى أخلاقي، طالما أنهم كنتيجة شديدو الاعتماد المتبادل و يكون نشاط الرعي واصطياد الحيوانات وصيد الأسماك، وبدرجة أقل النشاطات الزراعية، بالضرورة عملاً جماعياً. يتجلى ذلك بوضوح تام في فصل الجفاف، عندما ترعى أبقار العديد من العائلات وهى مقيدة في زريبة مشتركة وتقاد قطيعاً واحداً إلى أرض المرعى.
بالتالي، فإنه بمعنى ضيق تمثل العائلة المنزلية الوحدة الاقتصادية، وتشكل الجماعات المحلية الأكبر، مباشرة أو غير مباشرة، مجموعات تعاونية مندمجة للحفاظ على الوجود، وتشاركيات تمتلك مصادر طبيعية وتشترك في استغلالها. تكون الوظائف التعاونية أكثر مباشرة وبروزاً في المجموعات المحلية الصغيرة أكثر منها في المجموعات الأكبر، لكن الوظيفة الجماعية للحصول على الاحتياجات الضرورية للحياة من المصادر ذاتها تكون إلى درجة ما مشتركة لكافة الجماعات المحلية من العائلة المنزلية حتى القبيلة.
تتألف تلك الجماعات المحلية من العائلة أُحادية الزواج المرتبطة بكوخ مفرد، تحتل العائلة مسكناً واحداً، القرية الصغيرة، والقرية، والمعسكر، والمنطقة، والأقسام القبلية ذات الأحجام المختلفة، والقبيلة، والناس، والمجتمع الدولي تلك تمثل حدود الأفق الاجتماعي للنوير. تعد العائلة، والعائلة المنزلية، والقرية الصغيرة جماعات منزلية أكثر منها سياسية، ولا نناقشها بمزيد من التفصيل.
يتحتم توزيع تلك الجماعات المحلية إلى حد بعيد بالظروف الطبيعية، بخاصة بوجود الأرض التى تبقى أكثر ارتفاعا من منسوب الفيضان خلال موسم الأمطار، ومن المياه الدائمة التى تعاند الجفاف. في كل قرية، يتحدد عدد السكان وترتيب المساكن بطبيعة الموقع. عندما ترتفع المساكن فوق تل منعزل تكون متزاحمة بعضها بالآخر؛ وعندما تصطف على امتداد قمة جبل أو تل، تكون أكثر تباعداً بعضها عن الآخر؛ وعندما تنتشر على امتداد متسع من الأرض المرتفعة، يمكن أن تفصل بين القرية الصغيرة والأخرى عدة مئات من الياردات. في العديد من القرى الكبيرة، تتجمع المساكن في مجموعات، أو قرى صغيرة، يكون سكانها في العادة أقارب أقربين وزوجاتهم. ليس ممكناً سوى إعطاء إشارة تقريبية لعدد سكان قرية، لكن يمكن القول أنه يتراوح من 50 إلى عدة مئات نسمة.
كما بينا، تنفصل القرى عن بعضها بعدة أميال من السافانا. مجموعة قرى واقعة في محيط يسمح بنشوء اتصالات مباشرة نطلق عليها "منطقة أو مركز district". ليست هذه مجموعة سياسية، ذلك أنه يمكن تعريفها فقط في علاقتها بكل قرية، طالما أن نفس القرى يمكن تضمينها في أكثر من منطقة واحدة؛ ولا نعد جماعة محلية مجموعة سياسية إلا إذا تحدث الناس عن أنفسهم بوصفهم جماعة بمواجهة جماعات أخرى من النوع نفسه وعدوا كذلك من قبل الآخرين. برغم ذلك تنحو المنطقة للتطابق مع فرع من الدرجة الثالثة لقبيلة وشبكة الارتباطات الاجتماعية هي التى تعطى الفرع الكثير من تماسكه. الناس من المنطقة نفسها عادة ما يقتسمون معسكرات مشتركة في موسم الجفاف ويحضرون احتفالات الزواج والمناسبات الأخرى بينهم. يتزاوجون فيما بينهم ومن ثم ينشئون فيما بينهم علاقات مصاهرة ونسب والتي تتمحور حول نواة أبوية النسب، كما سنرى لاحقاً.
تتجمع القرى، الوحدات السياسية لأرض النوير، في أقسام أو فروع قبلية. هناك بعض القبائل الصغيرة جداً إلى الغرب من النيل والتي تؤلف قرى متجاورة فقط. في القبائل الأكبر إلى الغرب من النيل وفي قبائل شرق النيل كلها، نجد أن الإقليم القبلي ينقسم إلى عدد من المناطق التى تفصل بينها أراضى غير مأهولة، والتي تعترض بين أقرب مواقع إقامة لقبائل متماسة أيضاً.
بما أن النوير بأجمعهم يغادرون قراهم إلى معسكر بالقرب من الماء، فإن لهم توزيع ثانٍ في موسم الجفاف. عندما يعسكرون على ضفاف نهر، فإن تلك المعسكرات في حالات يلي بعضها الآخر بعد كل عدة أميال، لكنهم عندما يعسكرون حول أحواض داخلية، فإن مسافة عشرين إلى ثلاثين ميلاً تفصل بين معسكر والذي يليه. المبدأ الإقليمي لبنية النوير السياسية يتم تعديله بفعل الهجرات الموسمية. الناس الذين يؤلفون جماعات قروية منفصلة في فصل الأمطار يمكن أن يتحدوا في معسكر مشترك خلال موسم الجفاف. بالمثل، الناس الذين هم من القرية نفسها يمكن أن ينضموا إلى معسكرات مختلفة. أيضاً، عادة ما يكون ضرورة، في القبائل الأكبر، لأعضاء قرية اجتياز أراضى واسعة في البلاد، مأهولة بجماعات قروية أخرى، وصولاً إلى الماء، ويمكن أن يقع معسكرهم قريباً من قرى أخرى. لتجنب الفقدان الكلى لقطعانهم بفعل طاعون الماشية أو بسبب كارثة أخرى، فإن النوير يقومون بتوزيع القطعان في معسكرات متعددة.
في غربي بلاد النوير، حيث القبائل عموماً أصغر من قبائل شرق النيل، هناك دوماً وفرة في المياه والمرعى، ومن الممكن، من ثم، للجماعات القروية في موسم الأمطار أن تحافظ على عزلة نسبية في موسم الجفاف. لكن حيث، كما هو الحال في قبيلة لوو- على سبيل المثال، تفرض ندرة المياه والمرعى المزيد من التحرك الفاعل وتركيز أكبر، فإن الناس الموزعين على مساحات متسعة يمكن أن يؤسسوا اتصالا اجتماعيا أكثر بين بعضهم البعض مما هو عليه الوضع في أرض النوير الغربية. تنكسر عزلة الجماعات المحلية واستقلالها بفعل الضرورة الاقتصادية مما يؤدى بالتالي إلى ازدياد حجم المجموعة السياسية. هذه الحقيقة لا بدَّ من النظر إليها في علاقتها بحقيقة أخرى وهى أنه إلى الشرق من النيل تسمح امتدادات واسعة من الأرض المستوية تمركز محلى أكبر في الأمطار منه في الضفة الغربية للنيل. فضلاً عن التمركز الفصلي يوفر تفسيراً، رغم عدم اكتماله تماماً، لموضع الحدود القبلية، طالما أن المحتم لها ليس هو توزيع القرى فحسب، بل أيضاً الاتجاه الذى ينقلب إليه الناس في ترحالهم إلى مراعى موسم الجفاف. بالتالي فإن قبائل وادي الزراف يتراجعون إلى نهر الزراف ومن ثم لا يقتسمون المعسكرات مع قبيلة لوو، ويقيم ذلك الجزء من قبيلة لوو الذى يرتحل إلى الشرق والشمال الشرقي معسكراتهم على نهر نياندينج وفي أعالي البيبور ولا يقتسمون مياههم ومرعاهم مع قبائل جيكانى، الذين يرتحلون إلى أعالي نهر السوباط وأسفل البيبور. أكثر من ذلك، فإن بعض قبائل النوير الكبرى قادرة على المحافظة على درجة من وحدة القبيلة بدون أجهزة حكومية وهو ما يمكن أن يرجع إلى الهجرة الموسمية، طالما أنه، كما أسلفنا القول، يفرض على الأقسام المحلية المختلفة بفعل قسوة المنطقة إلى الدخول في صلة متبادلة وإلى تطوير بعض سلوكيات الصبر وإلى الاعتراف بالمصالح المشتركة.
بالمثل، فرع قبلي هو تفلق متميز، ليس فقط لكون قراه تحتل جزءاً جيد التحديد من منطقة القبيلة، بل كذلك من حيث أنه يمتلك مراعيه الفريدة في موسم الجفاف. الناس من فرع واحد يتحركون في اتجاه واحد والناس من فرع مجاور يتحركون في اتجاه مخالف. تمركزات فصل الجفاف أبداً لا تكون على أسس قبلية، لكنها لفروع من القبيلة، ولا تكون كثافة السكان عالية في أي منطقة أو أية مرحلة.
مجمل سكان النوير حوالي 300.000 نسمة. لا أدرى المساحة الكلية بالأميال لبلادهم، لكن إلى الشرق من النيل، حيث يوجد بالتقريب 180.000 من النوير، يقال أنهم يقطنون 26.000 ميل مربع، مع كثافة سكانية متدنية تبلغ سبع في كل ميل مربع. وليست الكثافة السكانية بأحسن حالاً إلى الغرب من النيل. لا توجد في أي مكان من بلاد النوير درجة عالية من التمركز المحلى.
رغم أن تحرك موسم الجفاف ينتج المزيد من العلاقات المتبادلة بين أفراد الفروع القبلية المختلفة أكثر مما يلاحظ في موسم الأمطار فإن التوزيع قد يقودنا لأن نتوقع أن تكون تلك العلاقات فردية في الأساس أو، عندما تتعلق بمجموعات، فإنها تكون في إطار جماعات محلية صغيرة، وليس الفروع القبلية الأكبر، تصل إلى حالة ترابط. يمكن أن يكون هذا، احتمالا، أحد الأسباب المؤدية إلى انعدام التعقيد البنيوي وإلى التنوع الكبير في أشكال العلاقات الاجتماعية وسط النوير. خارج المجموعات القرابية الصغيرة وجماعات القرى والمعسكرات، لا وجود لمركبات للتعاون الاقتصادي وليس هناك ارتباطات طقوسية منظمة. باستثناء المغامرات العسكرية الموسمية، فإن الحياة المشتركية النشطة محصورة في تفلقات قبلية صغيرة.
ما هي قبيلة النوير؟ أكثر سمة بادية بوضوح هي وحدة منطقتها وانغلاقها، ويلاحظ ذلك بصورة أكثر وضوحاً في فترة ما قبل الاستعمار مما هو عليه الأمر اليوم. يتفاوت عدد سكان القبيلة من بضع مئات وسط بعض القبائل الصغيرة إلى الغرب من النيل- إذا ما عدت تلك بالفعل قبائل، إذ أن القليل جداً من البحث قد أجرى في تلك المنطقة- ليبلغ عدة آلاف. يبلغ سكان معظم القبائل ما يزيد عن 5.000 نسمة والأعداد الأكبر 30.000 و 45.000 نسمة. كل قبيلة مكتفية ذاتياً من الناحيَّة الاقتصادية، لها مراعيها الخاصة، وإمدادات مياهها، وأحواض صيدها، والتي يجوز لأعضائها فقط الحق في استغلالها. وللقبيلة اسمها الذى يرمز إلى تفردها. لدى أفراد القبيلة إحساس بالوطنية: يفتخرون بانتمائهم لعضوية القبيلة ويعدونها أعلى من القبائل الأخرى. وسط كل قبيلة توجد عشيرة سائدة توفر إطاراً للقرابة يقوم على أساسه المركب السياسي. وتنظم كل قبيلة أيضاً بصورة مستقلة نظام التراتب العمري الخاص بها.
لا تختلف القبيلة عن أقسامها في أي من تلك الصفات المذكورة. التعريف غير المعقد يقول بأن القبيلة هي الجماعة الأكبر التى لا بدَّ وأن تحل الخلافات بين أعضائها بالتحكيم وأن عليها أن تتحد بمواجهة الجماعات الأخرى من النوع نفسه وضد الأجانب. في الحالتين الأخيرتين لا وجود لمجموعة سياسية أكبر من القبيلة وكل المجموعات السياسية الأصغر هي أقسام منها.
هناك قانون داخل القبيلة؛ هناك آلية لفض النزاعات والتزام أخلاقي لاحتوائها عاجلاً أم آجلاً. إذا قتل الشخص زميلاً له في القبيلة، يمكن منع أو حجب الضغينة بدفع أبقار. بين القبيلة والقبيلة ليست هناك وسائل للجمع بين الأطراف في النزاع ولا يقدم التعويض كما انه غير مطلوب. بالتالي إذا قتل فرد من قبيلة فرداً من قبيلة أخرى، فإن العقوبة يمكن أن تتخذ فقط شكل حرب قبلية. يجب ألا نفترض أنَّ العداءات داخل القبيلة يمكن حلها بيسر. هناك سيطرة معتبرة على الثارات داخل القرية، لكن كلما كبر حجم الجماعة المحلية كلما أصبحت التسوية أكثر صعوبة. عندما يدخل قسمان كبيران من القبيلة في عداوة، فإن فرص التحكيم الفوري والتسوية تكون نائية. تختلف قوة القانون باختلاف المسافة في البنية القبلية التى تفصل الأشخاص المعنيين. مع ذلك، طالما أن الإحساس بالجماعة يظل باقياً والعرف القانوني معترف به رسمياً داخل القبيلة، غض النظر عن التقلبات والتناقضات التى قد تظهر في العلاقات الفعلية بين أفراد القبيلة، فإنهم يظلون يعدون أنفسهم مجموعةً متحدة. من ثم إما أن يتم الإحساس بالعداوات وتسويتها، بالتالي الاحتفاظ بوحدة القبيلة، أو أنَّ العداوات تظل غير محسومة بحيث يفقد الناس الأمل والتطلع إلى التسوية وأخيراً يتوقفون عن الإحساس بأن عليهم تسويتها، بحيث تنحى القبيلة إلى التفلق لتظهر قبيلتان جديدتان.
كذلك علينا ألا نفترض أن الحدود السياسية للقبيلة هي حدود العلاقة الاجتماعية. يتحرك الناس بحريَّة في كل أرض النوير ولا يتحرش بهم إذ لم يرتكبوا جريمة دموية. يتزوجون، وبدرجة أقل، يتاجرون عبر الحد&