أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

مجلة الآثار السودانية/ العدد الأول/ أغسطس 2001

 

علم الآثار والنوبة - 2

 

المسح الآثارى الثاني

مدَّ التوسيع الثاني لسد أسوان الأصلي مياه النيل المحجوزة صعوداً مع النيل حتى الحدود السودانية، وجعل من الضرورة وجوب القيام بمسح آثاري ثان للنوبة في الفترة بين 1929 و 1934. كانت هذه العملية التى أشرف عليها كل من ايمرى وكيروان، مشابهة لسابقتها في كل من مناهجها ونتائجها. مرة ثانية كان التشديد على البقايا الجنائزية، حيث تمت دراسة 76 جبانة وحوالي 2400 مقبرة فردية.

 

إضافة إلى العمل في الجبانات فقد أجرى تنقيب مكثف لقلعة المملكتين الوسطى والحديثة في كوبان ولمواقع المجموعة الثالثة والمدن المروية في وادي العرب. كان الإنجاز الباهر الحقيقي (غير المتوقع تماماً) للمسح هو اكتشاف الجبانات الملكية الكبرى للمجموعة المجهولة ودراستها في بلانا وقسطل. إن التقرير المنشور عن هذين الموقعين  Emery يشكل بوحدة كتلة أكبر قدراً من التقرير المعد بشأن 74 موقعاً آخر تحرت عنهم البعثة. على سبيل المصادفة شكلت هذه التقارير حسنة التنظيم وجيدة التوضيح الدفعة المنهجية الرئيسة للمسح الآثارى الثاني مقارنة بسابقه.

 

كذلك كان جزءاً من حملة الإنقاذ للأعوام 1929-1934 العمل الذى قام به شتايندورف في عنيبة، ومسح البقايا المسيحية الذى نفذه مونير دى فيلارد. قام شتايندورف بأكثر دراسة مكتملة حتى الآن لبقايا المجموعتين الأولى والثالثة، في حين قام دى فيلارد بإجراء مسح ممحص، نصي وآثاري، للمواد الخاصة بالنوبة المسيحية، وهو مسح نتجت عنه المجلدات الأربعة المعنونة النوبة القروسطية. تمكن دى فيلارد من تركيب تاريخ متماسك للنوبة المسيحية من المصادر الوثائقية، إلا أن تركيبه للمادة الآثارية الذى وعد به لم يتحقق. بالرغم من أن أجزاءه التحليلية والتفسيرية ذات طبيعة مبدئية فإن كتاب النوبة القروسطية بصرف النظر عن ذلك يظل الجسم الأساسي لأية دراسة لعلم آثار النوبة في القرون الوسطى.

 

بعثات أخرى

غرق النوبة السفلى، مدموجاً بكساد اقتصادي عالمي، استجلب خفضاً متنبأ به في النشاط الآثارى في الثلاثينات. توقفت أعمال بعثة هارفارد-بوسطن في عام 1932، مع أن البعثة لم يتم تجميدها رسمياً إلا بعد سنوات لاحقة. ومع ذلك نشط جريفيث حفريات بعثة أكسفورد في عام 1929 والتي تواصلت بعد وفاته بإشراف كيروان. وبحوالي نهاية العقد أعلنت جمعية استكشاف مصر، صاحبة الباع الطويل في واجهة العمل الميداني في مصر، أول دخول لها في العمل الميداني بالنوبة بالشروع في إجراء الحفر في منطقة عبري- دلقو النهرية. توقف العمل خلال الحرب العلمية الثانية ليستأنف سيره في الفترة 1947-1950.

 

نشاط أجنبي آخر محدود توالى في النوبة أثناء السنوات الباكرة التى أعقبت الحرب العالمية. جزئياً ملئ الفراغ ببعثات محلية من كلية غردون التذكارية (جامعة الخرطوم الحالية) ومصلحة الآثار السودانية. بدءاً من 1950 افتتحت مصلحة الآثار سلسلة من الحفريات السنوية المنظمة التى وضعت الأساس لمرحلة الإسهام النشط الذى قامت به المصلحة في حملة إنقاذ آثار النوبة بفعل تشييد السد العالي. في هذا الأثناء استعيد الاهتمام الخارجي تدريجياً. شرعت بعثة فرنسية في العمل بالقرب من وادي حلفا في 1953، وفي عام 1957 بدأ ما لا يقل عن ثلاث جماعات خارجية، من بريطانيا العظمى، وألمانيا، وإيطاليا تنقيباً عمليات تنقيب واسعة النطاق في السودان. عامان من بعد أرسى إعلان السد العالي حملة الإنقاذ الهائلة الثالثة في النوبة في ستين عام.

 

حملة السد العالي

المسحان الآثاريان الأول والثاني للنوبة تم تنفيذهما على التوالي من جانب مصلحة المساحة المصرية ومصلحة الآثار، باعتماد من وزارة المالية في كلا الحالتين. الاحتياجات التى خلقها السد العالي، على كل، كانت تفوق موارد أي من الحكومتين المصرية أو السودانية. في مثل هذه الظروف قررت منظمة الأمم المتحدة للتعليم والثقافة والعلوم (يونسكو) تبنى نداء يهيب بضمير العالم، أن يسهم بالموارد العلمية، والفكرية، والمالية في الحفاظ على آثار النوبة المهددة. فإذا لم تتماشى نتائج هذا المسعى في النهاية تماماً مع الوعد البراق الذى طرحه دعائيو اليونسكو، فإن إضافتهم تظل قائمة لسجل من الإنجاز لم يسبق له مثيل في التنقيب والحفظ على السواء.

 

متطلبات حملة السد العالي كانت مختلفة في عدة وجوه عما فرضته المشروعات السابقة المخططة للإنقاذ. ولأن خزان أسوان القديم كان يفرغ في جزء من كل عام، فإن المعابد الغارقة وصروحاً أخرى في النوبة السفلى كانت لا تزال مشاهدة أثناء أشهر الصيف، وما كان من الضرورة إعادة موضعتها. أما السد العالي من الجانب الآخر فإنه سيخلق بحيرة دائمة، وأي شئ ستغطيه مياهه سيفقد إلى الأبد. لقد كان ضرورياً بفعل ذلك أن يخطط لاقتلاع، ونقل، وإعادة تركيب لبعض خمسة وثلاثين معبد رئيس وعدد من صروح ضخمة على أرض أعلى ارتفاعا. إنقاذ أبى سمبل الذى لا يوجد شبيه له كان بالطبع هو الأشد سعاراً للخيال والأعظم تكلفة مادية بما لا حد له من هذه التعهدات، بيد أن عمل الحفاظ على ثلاثين أو نحو ذلك من المعابد ربما كلف، بتقدير إجمالي، ما يعادله أو أكثر.

 

هكذا كانت حملة السد العالي، خلافاً لما سبقها، مشروعاً للحفاظ على الآثار في المقام الأول، يقع تحديه الأكبر على عاتق المهندسين أكثر منه على عاتق علماء الآثار. رغم هذا كان حجم النشاط الآثارى هائلاً. استجابة لنداء اليونسكو كان هنالك "اندفاع ذهبي" بالفعل من قبل علماء الآثار إلى ضفاف النيل، أعلنت أكثر من أربعين بعثة حقها المدعى صعوداًً وانحداراً مع النهر (مع الاندفاع الأولى كانت هناك ادعاءات بل حتى تنافس ومنازعات بشأن التخوم). القوائم المعدة للبعثات مكتملة العدة والعتاد لا تستنفذ بأي حال من الأحوال قائمة الإسهامات لحملة إنقاذ آثار النوبة، ذلك أن عدة دول ومؤسسات أرسلت بالمثل بعثات فنية لتعين أعمال اليونسكو والحكومتين المصرية والسودانية. عموماً يجوز القول بأن مجمل الآثار التى درست منذ 1959 لا يتجاوز فحسب ما تمت دراسته في الفترات الأسبق، لكنه، احتمالا، أكبر بكثير مما كان يمكن دراسته في القرنين أو الثلاث القادمة بدون حافز السد العالي.

 

يستحيل هنا أن نفعل شيئاً أكثر من تعداد البعثات المختلفة التى عملت في النوبة المصرية والسودانية في السنوات العشر الأخيرة. تقارير تلك البعثات المنشورة قد بدأت في الظهور لتوها وسوف تمضى سنوات قبل أن يكون ممكناً لنا قياس الإسهامات الكاملة لها في دراسة التاريخ النوبي. نظراً لقاعدة المعطيات المعتبرة التى وفرها العمل السابق، على كل ليس مدهشاً أن الحملة الآثارية الحالية لم تدر، وما كان بمقدورها أن تدر نتائج بالقدر نفسه الذى أتيح للمسحين السابقين. إن قانون تناقص القلة يكون فاعلاً بالقدر نفسه في علم الآثار كما هو عليه الحال في ميادين أخرى للاجتهاد. وفرت حملة السد العالي بعض المعلومات التى كانت لازالت مفقودة للصورة النوبية، لكن إنجازها الأساسي كونها ألقت المزيد من الضوء على كل جزء من الصورة بشكل مفهوم. الإضافات الأكثر جذرية التى قدمتها حملة السد العالي تتعلق بالفترات التى تشكل بداية التاريخ النوبي ونهايته (ما قبل التاريخ والقرون الوسطى) والتي كان قد تمَّ تجاهلها بقسط كبير في المسحين السابقين.

 

ورغم أن اليونسكو فعَّلت الدعاية وجمعت معظم المال لحملة إنقاذ آثار النوبة، فإن التنظيم والإدارة الفعلية لهذا العمل المعقد ترك للحكومتين المعنيتين. على نحو مختلف جرى تطوير إستراتيجيات مختلفة في الحالتين. قسمت الحكومة المصرية النوبة السفلى إلى حصص جغرافية متساوية الأحجام تقريباً، وأذنت للبعثات أن تلتقط وتختار من بينها على أساس من يصل أولاً يعمل أولاً. كانت كل بعثة بطبيعة الحال مسئولة دراسة كل شئ هام في المنطقة التى وقع اختيارها لها. أما إغراء إمتيازات التنقيب اللاحقة في جبانات المدن القديمة الغنية في مصر السفلى فقد أكدَّ أنه حتى حصص النوبة الأقل وعداً ما كانت بحاجة إلى طالبين. نظراً للعمل المكثف الذى أجرى آنفاً من خلال أعمال المسح السابقة، والدمار الذى تعرضت له المواقع بفعل الغرق السابق، فقد كانت الحاجة في معظم النوبة المصرية لإجراء دراسة تفصيلية لبعض المواقع المختارة أكثر من استكشاف عام اختلف الموقف في النوبة السودانية عنه في مصر في جانبين. أولاً، ما كانت هناك أعمال مسح سابقة بحيث توفر قاعدة لمعطيات مقارنة بأي طريقة كما كان الحال بالنسبة لمصر. ثانياً، ما كان باستطاعة مصلحة الآثار السودانية أن تعرض للمشاركين في الحملة النوبية آفاق مواقع غنية بالملتقطات اللاحقة في أجزاء أخرى بالقطر. لذلك قررت مصلحة الآثار أن تأذن للبعثات الأجنبية التي تحصلت على امتياز بالتنقيب بحصر أنفسهم في مواقع يتم اختيارها من قبل البعثات نفسها، على أن تنظم كل بعثة في الوقت نفسه من مواردها الذاتية مسحاً مماثلاً لأعمال المسح السابقة في النوبة المصرية. أغراض هذا المسح كانت، أولاً، الكشف عن والتعرف على أية بقايا جديرة بالتنقيب من قبل بعثات أجنبية، وثانياً، قيام البعثات بأي تنقيب إضافي حتى ولو كان غير مضمن في مخططها.

 

مسح النوبة السودانية، الذى نظم في بداية عام 1960 بعون من اليونسكو، استكشف في نهاية المطاف الإمتداد الكامل لوادي النيل بين الحدود المصرية ومدخل الخزان المقترح (حوالي 100 ميل) مفضياً إلى اكتشاف ما يزيد عن الألف موقع وإلى إجراء التنقيب في أكثر من ثلثها. في بداية المسح، وفي حالات قليلة قبله، أخذت حوالي 18 امتيازا بعثات أجنبية. ورغم أن منطقة الامتيازات غطت أقل من ربع المساحة الكلية المهددة بالغرق في النوبة السودانية، فإنها شملت معظم مواقع الصروح والكثير من الجبانات الكبرى. إضافة إلى ذلك كانت هناك أعمال مسح غير التى نفذتها مصلحة الآثار السودانية. قامت مجموعة اسكندينافية باستكشاف شامل لجزء واحد من النوبة السودانية، ونقبت في الآن نفسه كل المواقع الأساسيَّة في ذلك الجزء. أعمال مسح أخرى متخصصة لكل المنطقة كرست لتسجيل النقوش والرسوم الصخرية ولدراسة بقايا العصر الحجري.

 

بسبب مركزه الفريد تجاه ما تبقى من مسئولية، كان ضرورياً لمسح النوبة السودانية أن يظل لصيق الملامسة بعمل البعثات الأخرى، ويدعمه حيثما دعت الضرورة. تمَّ الاحتفاظ على مدى سنوات في وادي حلفا بسجل مركزي سجلت فيه نتائج عمل كل بعثة أثناء سيرها. في عمله الخاص ارتأى المسح الذى أجرته مصلحة الآثار التركيز على تلك الفترات وتلك الأنواع من البقايا التى لم تجد التفاتاً من قبل البعثات الأخرى، مؤكداً بذلك أنه في ختام الحملة النوبية سيتم تجميع الأجزاء المختلفة في نسق ما من الكل الموصول.

 

الحاضر والمستقبل

بينما كان السد العالي يسدل الستار على كتاب النوبة، كان يفتح في الوقت نفسه فصلاً جديداً في دراسة آثار النوبة العليا. عبر مشاركتهم في حملة الإنقاذ أخذ علماء آثار كثر أول نظرة لهم على الأراضي الفاتنة إلى الجنوب من الشلال الثاني، يحمل الكثيرون منهم الآن إمتيازات تنقيب في أجزاء أخرى من السودان. المدن المروية في المصورات ومروى، العاصمة القروسطية القديمة دنقلا، معابد صلب وصادنقا وقلعة صاي العظيمة، أخضعت كلها للتنقيب في الأعوام في السنوات التى أعقبت السد العالي، وبعثات أخرى منظور قدومها إلى النوبة العليا. إن الاهتمام بهذه المنطقة التى تمَّ تجاهلها لوقت طويل يمكن أن يتضاعف فقط حينما يضحى وعدها الآثارى أكثر شهرة وعندما يزول البديل المتمثل في العمل في النوبة السفلى. قارئ هذا الكتاب يجب لذلك أن يكون مهيئاً لإضافات مهمة للقصة في أي وقت.

 

إجمالاً يحق لعلماء الآثار أن ينظروا القهقرى لإنجازهم في النوبة بفخر كبير. السجل الذى تمكنوا من الكشف عنه في ثلاثة أرباع قرن لهو بطرق كثيرة أكثر إكتمالاً من الذى قدمه التاريخ المدون في عام 1900. غير أنه لا تزال هناك فجوات هائلة. الاستطلاع المنهجي، ومن ثمَّ المعرفة المنظمة، ما انفكت محصورة في تلك المساحات التى دمرت بفعل سدود أسوان المتعاقبة- النوبة السفلى وبطن الحجر. البينة الدالة على الإقامة في هذه المنطقة بالرغم من اتساعها وتفصيلها فإنها لا زالت غير مكتملة. فصول بأكملها- ما يسمى بالمجموعة الثانية، فترة نبتة، وبالقدر نفسه الفترة القروسطية الأخيرة- يبدو أنها مفقودة.

 

ربما جاز لنا أن نلخص تاريخ التنقيب الآثارى في النوبة بالقول بأن الدراسة الميدانية هنا، كما في أي مكان آخر من العالم، مرت بثلاثة أطوار، يمكن وصفها بارتياح "عشوائي" و"انتقائي" و"شمولي". الطور العشوائي يتميز بالسعي المشتت وغير العلمي بحثاً عن الموضوعات الفنية والكنوز الدفينة. لقد كان ذلك هو المصير المحزن للصروح القديمة في كل الأجزاء التى يمكن بلوغها من العالم؛ مثل هذه الأنشطة في النوبة قليلة من باب الرحمة. حتى القرن العشرين كانت المنطقة نائية قصية وغير مستقرة للغاية لتجذب أي أحد سوى أكثر عشاق التحف صلابة.

 

بدايات علم الآثار العلمي هلت بشائرها بإجراء التنقيب المتزايد انتظاماً ودقة في مواقع قليلة مختارة، عادة من قبل بعثات كبيرة مكتملة التجهيز والإعداد وعلى رأسها علماء مهنيون (ليسوا بالضرورة منقبين مدربين). إن المواقع التى نالت الانتباه في الطور "الانتقائي" للتنقيب كانت دائماً في أغلب الحالات هي الصروح الفنية والملكية الضخمة، فوق كل شئ المعابد، والقصور، والمدافن الملكية. مثل هذه البقايا تحفظ فقط بثقافة صفوة محدودة. إن التنقيب فيها يسهم بما لا يقاس في دراسة تاريخ الفن والتاريخ الأسرى، لكنه في الوقت نفسه يوثث صورة غير كاملة ومن جانب واحد للتطور الثقافي لشعب بأكمله.

 

يبدأ علم الآثار "الشمولية" عندما ينعطف الانتباه من بقايا الصروح الضخمة إلى الاهتمام بمواقع صغرى أقل إلهاباً للفكر، ويبذل جهد بعرض المنطقة لأخذ عينات لكل نوع من المواقع ولكل الفترات التاريخية. من مثل هذه القطع الصغيرة تتبلور صورة أشمل بالتدريج للثقافات والتواريخ الثقافية لكل الناس.

 

في أنحاء عديدة من العالم لم تصل بعد المرحلة الشمولية للبحث الآثارى. في قلة من الأنحاء جاءت تلك المرحلة في أعقاب استنزاف المواقع الصروحية تأسيساً على مبدأ ما لا يوجد أفضل منه faute de mieux . في الغالبية العظمى من الحالات حيث تطور علم الآثار الشمولي، فإنه قد فرض على كل على عالم الآثار بفعل متطلبات الإنقاذ. ربما سيدرك منقبوا المستقبل حقيقة ظهور علم آثار إنقاذي في الحقب التى تلت الحرب العالمية الثانية كواحد من أشد التطورات ثورية في تاريخ علمهم. في إطار الجيل الحالي أدى هذا المدخل الشمولي الحديث للتنقيب- الذى أضحى ضرورة بفعل الانفجار الكبير في نشاط البناء في سنوات ما بعد الحرب- إلى زيادات كمية، وأحياناً إلى مراجعات جذرية، في معرفتنا للتاريخ الثقافي في أنحاء كثيرة من العالم. إن استقصاء بعض المناطق الضخمة التى دمرتها السدود والخزانات قد اضطرنا لأن نفكر عن الثقافة والتاريخ، بعض المرات لأول حين، في تعابير فضفاضة بدلاً عن التفكير عنها بمصطلحات إقليمية واسعة بدلاً عن المصطلحات الأكثر تقليدية وضيقاً للموقع، والمدينة، والأسرة.

 

لسوف يدرك القارئ أن أغلبية أعمال التنقيب التى أجريت في النوبة قبل 1960 تنتمي إلى المرحلة الثانية أو الانتقائية لتطور علم الآثار. يصدق هذا على وجه الخصوص بالنسبة لبعثة هارفارد- بوسطن، التى يشكل عملها إلى حد بعيد العمود الفقري لعلم آثار النوبة العليا إلى يومنا هذا. بالرغم من أن البعثة كانت تحمل امتيازاً للتنقيب يكاد يغطى شمال السودان بأكمله، وقد كانت نشطة في الميدان كل عام تقريباً من عام 1913 حتى 1932، فإن اهتماماتها انحصرت كلياً في القلاع والمعابد والجبانات الكبرى بالنوبة العليا. لذا فإنه لمدى بعيد كانت حفريات ست بعثات رئيسة أخرى دخلت الميدان خلال النصف الأول من القرن العشرين.

 

إذا كانت أعمال التنقيب في النوبة من النوع الانتقائي إلى حد بعيد، لا بدَّ من الاعتراف بأن هذه المنطقة كانت أيضاً بمعنى ما مهد علم الآثار الشمولي. وعلى نحو ما ذكر آنفاً، كان المسح الآثارى الأول (1907-1911) حملة الإنقاذ الأولى في العالم، وقد أرست المعيار للعديد من الحملات اللاحقة. إن اكتشاف ريزنر ووصفه المفصل "لثقافات" المجموعات الأولى والثالثة والمجهولة الذى وضعه في مدى أشهر قليلة من بدء الحملة، يقف مثالاً حياً للكيفية التى يمكن أن تضيف بها الدراسة الشمولية المزيد من المعلومات للصورة غير المكتملة التى تبرز من دراسة تحصر نفسها كلية في البقايا الصروحية.

 

بالرغم من النتائج المشكوك فيها المتحصل عليها من المسح الآثارى الأول، فإن المتابعة كانت ضعيفة نسبياًَ. حالما استكملت عملية الإنقاذ نكص علماء الآثار (بمن فيهم ريزنر نفسه) على أعقابهم متراجعين إلى ولعهم بالمواقع الصروحية، ولنصف القرن التالي كان برنامج التنقيب الشمولي الوحيد الذى طبق في النوبة هو ذلك الذى فرضته عملية توسعة سد أسوان (المسح الآثارى الثاني 1929-1934). التهديد الذى شكله السد العالي تمخض عنه بالطبع قدر كبير أكثر تنسيقاً من العمل منذ 1960، كما تمت ملاحظة ذلك آنفاً. جدير التأكيد على أنه إلى اليوم ما من مسح أو تنقيب شمولي أجرى بأي جزء من النوبة عدا تلك المساحات التى غمرت بفعل سدود أسوان المتعاقبة، والتي أغلقت حالياً أمام أية دراسة إضافية. هذه النقطة ذات أهمية جوهرية لاستيعاب بعض الفجوات في التاريخ الذى يلي.

 

بفعل ذلك بلغ علم الآثار النوبية المرحلة الشمولية فقط في النوبة السفلى وبطن الحجر. في كافة أرجاء المنطقة الشاسعة إلى الجنوب من جندل دال- القلب النابض القديم للحضارة النوبية- فإننا لم نتقدم أبعد من المرحلة الانتقائية. يمكننا لذلك أن نقدم صورة من التطور مكتملة منطقياً ومتزنة فقط لتلك الثقافات والمراحل الثقافية التى كانت ممثلة بصورة جيدة في الجزء الشمالي من النوبة. معالجتنا لثقافات النوبة العليا- بعضها من الأكثر أهمية في تاريخ القطر- يجب أن تكون في أغلب الأحيان خطوطاً عامة وتخمينية.

 

D.Dunham, Second Cataract Forts, vol.2. Uronarti, Shalfak. Mirgissa. Boston.

W.B.Emery, Preliminary Report of the Work of the Archaeological Survey of Nubia, 1929/30,- Annales du Service des antiquités de l’Egypte 30.

 

المسألة العرقية واللغوية


مجلة الآثارمجلة الأنثروبولوجيانصوص ملوك كوشمؤتمرات علميَّةعرض الكتب والدراساتما قبل تاريخ الصحراء الليبية

ملوك وملكات كوشالديانة الكوشيةالكتاب الكلاسيكيونتقنيات البحث الآثاريالثقافات الأفريقيةالببليوغرافياالصفحة الرئيسة