|
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية |
|
مجلة الآثار السودانية/ العدد الأول/ أغسطس 2001
البحث الآثارى إلى الجنوب من الجندل الثالث
في الأعوام 1911-1914 أجرت البعثة الممولة من قبل السير ولكام حفرياتها في الجزء الجنوبي من الجزيرة، في جبل مويَّة (بين النيلين الأزرق والأبيض على بعد ثلاثين كيلومتر إلى الغرب من سنار القديمة). كما أشرنا مراراً فإن الجنوب الكوشي، بما في ذلك "جزيرة مروى" يكاد يكون غير مدروس من الناحية الآثارية، وأجريت الدراسات المنتظمة فقط في بعض الأماكن المتفرقة، من بينها العاصمة. من هنا أهمية الأعمال التى أجريت في جبل مويَّة، وهو الأبعد من بين المواقع فيما يبدو إلى الجنوب. إلا أن ما تم إخضاعه للحفر لا يتعدى 20 % من مساحة الموقع. الإقامة هنا تم تأسيسها في حوالي القرن العاشر ق.م. وامتدت إلى ستمائة عام تقريباً. يرجع تاريخ ازدهاره إلى القرن السابع ق.م.، وبداية انهياره إلى منتصف القرن السادس ق.م.
في الاستعراض القصير، الذى احتوى على عرض للمراحل الأساسية لتاريخ كوش، يعترض أديسون على نظرية ريزنر عن الأصل الليبي للأسرة النبتية، ويشير بصفة خاصة إلى أن ما تم الكشف عنه في مدافن الكرو مما سُمىَّ برؤوس الأسهم " الليبية " هي أكثر شبهاً بما تم الكشف عنه في جبل مويَّة (حيث لم يكن هناك وجود لأي ليبيين بالطبع)، منها برؤوس الأسهم الليبية الحقيقية. إن تلك الحقيقة ذات أهمية حيوية بالنسبة لجذور المملكة النبتية، التى ارتبطت بعلاقات تجارية مباشرة مع جبل مويَّة وهو ما تشير إليه المكتشفات في الطبقات العليا للموقع. هكذا فإنه يتوفر لنا تصور إن لم يكن عن حدود نبته السياسية فعلى الأقل عن مدى امتداد علاقاتها الاقتصادية وتأثيراتها الثقافية. للأسف لم يتم تحديد الأسباب التى أدت إلى ذبول الموقع. يفترض أديسون أن ذلك قد يعود، احتمالاً، إلى شح الأرض مع التزايد السكاني أو إلى هجرات قبلية دورية وهو ما يشير إليه الفخار. لكنه يترك هذه الإشكالية مفتوحة رهناً بنتائج الدراسات الآثارية للعصر الحجري الحديث في شمال أفريقيا.
وبنهاية عمل هذه البعثة جرت دراسة موقع إقامة آخر في أبى قيلي والجبانة التابعة له والذي يرجع تاريخه للعصر المروى المتأخر. ويقع الموقع في الضفة الشرقية للنيل على مبعدة 4-3 كيلومتر إلى الجنوب من سنار (حوالي 275 إلى الجنوب من الخرطوم). يقوم الموقع في رابية وكان مأهولاً من القرن الثاني- الأول ق.م. حتى القرن الثالث- منتصف الرابع الميلادي. الهام هو أن بعض المكتشفات- رؤوس أسهم حديدية ، وفخار- شديدة الشبه بما تم الكشف عنه في مقابر كارانوج التى يرجع تاريخها للفترة نفسها. من ثمَّ يمكن الحديث عن وجود درجة من الوحدة الثقافية ميزت مجمل المساحة الواسعة للمملكة المروية.
عند بدء أعمال التشييد مجدداً في خزان سنار في عام 1921 التى كانت قد انقطعت نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى، تم الكشف في الضفة الشرقية للنيل الأزرق عن جبانة من العصر المروى. للأسف فإن مصلحة الآثار السودانية لم تعلم بذلك إلا بعد انقضاء عامين أو ثلاثة, عندما بدأت بعض المواد من المقابر المنبوشة في الظهور في متحف الخرطوم. بعض المكتشفات تفرقت في الأيدي، وبعضها فقد في سفينة غارقة في الطريق إلى انجلترا. وكان أديسون قد نشر في حينها تقارير عن تلك المكتشفات Addison,1950.
يقع الموقع على مبعدة من قرية الني. عندما زاره أديسون كانت أغلبية المقابر قد نبشت، ولم يتم النجاح لا في تحديد مركب المقابر ولا الأحجام الفعلية لحفرة الدفن والتي غالباً ما كانت بيضاوية واستخدمت لدفن أكثر من جثمان. من بين المواد التى وصلت إلى متحف الخرطوم كانت هناك أواني من البرنز تظهر مؤثرات إغريقية، وفخار ومصنوعات من المرمر وأدوات للزينة. الكثير منها يظهر تماثلاً مع مواد تمَّ العثور عليها في النوبة الشمالية. من هنا يمكن الاستنتاج بأنه إما أن تكون التجارة قد ربطت بين طرفي مملكة مروى أو أن تكون هناك تحركات للقبائل من الجنوب إلى الشمال. العديد من الأواني تتماثل مع أواني ترجع إلى جبل مويَّة.
يشير الثراء الذى ميز المقابر، احتمالاً، إلى نشوء إقامة بحجم كبير ومزدهرة في جنوب البلاد لا تقل عن مواقع الإقامة في فرس وكارانوج في الشمال، وقد يكون هناك مركز إداري كما هو الحال في الموقعين الشماليين. بالتالي من المحتمل أن تكون حدود كوش امتدت أبعد إلى الجنوب ذلك أنه يصعب تصور نشوء موقع بهذا الحجم في أقصى نقطة في الحدود. للأسف، إذا استثنينا تقارير أديسون التى ذكرناها والعرض المختصر للغاية الذى كتبه قبل فترة قصيرة د. ديكسون Dixon,1964 فإن هذه المكتشفات المثيرة لا تزال غير منشورة.
في بداية عام 1913 بدأت العمل في السودان بعثة العلماء الأمريكيين بقيادة ريزنر، واستمر نشاطها على ما يربو على العشرة أعوام لتجسد عصرا للبحث الآثارى في السودان. لقد قدم ريزنر ورفاقه لعملية إعادة تركيب تاريخ نبتة ومروى أكثر من أية بعثة أخرى. وتميزت أعمالهم بأنهم كانوا حريصين على اقتسام نجاحاتهم، ولو أن ذلك كان في البداية من خلال تقارير متقطعة، لكنهم نجحوا بسرعة في نشر التقارير الكاملة.
كان ريزنر محقاً، عندما كتب في مقدمة التقرير الكامل عن نتائج الحفريات في كرمة Reisner,1923 أن النوبة الشمالية تمثل من الناحية الآثارية "كتاباً مغلقاً"، وأن كل ما فعله كل من ماكيفر ووولى وجارستانج رغم أهميته، ما كان كافياً للتوصل إلى استنتاجات معممة مقنعة. كل المعلومات عن الماضي الغابر لهذه المنطقة محدودة فقط في المعطيات المستقاة من النصوص المصرية، بخاصة أخبار الإداريين المصريين عن رحلاتهم إلى الجنوب وكذلك المعلومات الواردة في الحوليات الملكية بدءاً من حجر باليرمو.
استمرت الحفريات في كرمة على مدى ثلاثة أعوام (بدءاً من1913 حتى بداية 1916)، ورغم أن الاستنتاجات التى توصل إليها ريزنر على أساس المادة التى اكتشفها كانت خاطئة، فإن الآثار التى كشف عنها القناع كانت عالية الأهمية بحيث سمحت فيما بعد بتغطية فصل كامل من فصول تاريخ كوش. الآن وفي الوقت الذى تتعرض فيه استنتاجات ريزنر لإعادة تقييم نقدي فإننا نعرف أنه اكتشف لا مستعمرة تجارية مصرية ولا مدافن نبلاء مصريين تزعموا هذه المستعمرة الواقعة في الطرق التجارية الجنوبية حامية لها، وإنما جبانة لزعماء محليين هم الأسلاف المبكرين للأسرة الكوشية الذين حكموا قبائل محلية أصيلة امتلكت ثقافتها المحلية الخاصة التى كانت على درجة عالية من التطور. صحيح أن ريزنر حدد بوضوح المدافن المسماة مدافن- شاتى (أي التى يرافق فيها الرقيق أسيادهم إلى عالمهم الآخر قسراً- أركامانى)، وطريقة وضع الجثمان غير المصرية، والطقوس الجنائزية، لكنه مع كل ذلك ظل ريزنر أسيراً لنظريته الخاطئة، وتوصل إلى استنتاجات غير صحيحة، محاولاً لوى عنق الوقائع وتطويعها لتلائم فرضياته. هكذا فإن هذه المدافن بالقرابين البشرية المحتواة فيها، وبانعدام التوابيت فيها، وبوضع الجثمان بدلاً على عنقريب وما إلى ذلك فسرها ريزنر كبقايا من عصر أقدم وكتأثير للعادات الأفريقية على المستعمرين المصريين.
حالياً فإن كل المواد الهائلة التى جمعها ريزنر، والتي وصفها بدقة ونشرها تحتاج إلى إعادة نظر. تساعد تلك المواد كما سنوضح لاحقاً في الكشف عن الجذور المحلية لثقافة نبتة ومروى.
أعطت الجبانة المروية غير الكبيرة الموجودة في كرمة آثاراً محدودة للغاية. المثير في تلك المكتشفات أنها مطابقة تماماً لما تم الكشف عنه في كارانوج: نفس أسلوب المصنوعات من الزجاج وتقنيتها، ونفس رؤوس الأسهم الحديدية. بعض المفارقات الطفيفة يمكن تفسيرها بالظروف المحلية: فكرمة تقع على بعد ما يزيد عن 350 كيلومتر إلى الجنوب من كارانوج. بالتالي يجوز الحديث عن وحدة الثقافة في القرنين الميلاديين الثالث والرابع وفقاً لتقدير ريزنر.
التنقيب في البركل والكرو ونورى
في شتاء 15/1916 قام ريزنر بنفسه، بعد الدراسات الأولية في 12/1913، بالدراسة الشاملة لمعابد جبل البركل. نُشر التقرير عن النتائج التى تمَّ التوصل إليها خلال أعوام قبل تنظيف المعابد قام ريزنر بدراسة 25من الغرف الجنائزية في الأهرام الملكية الواقعة عند "الجبل النظيف". اتضح أنها جميعها كانت قد تعرضت للنهب في القدم، باستثناء واحدة ترك فيها اللصوص، نتيجة التعجل أو لسبب آخر، بعض المجوهرات ومنتجات فنية يرجع تاريخها للقرن الأول ق.م. من ثمَّ اهتم الآثاريون بتنظيف معبد آمون الكبير الواقع فيما بين النهر وجبل البركل. أحاطت بالمعبد من جهة الجبل مبان أخرى. إلى الجنوب وجدت بعض المعابد الأخرى بما فيها المعبد الذى شيده أسبالتا ورممه سنكامانسكن. المعبد الأقدم من بينها يعود تاريخه إلى القرن الخامس عشر ق.م. في حين شيد الأخير من بينها في العصر المروى. فيما يتعلق بمعبد آمون الهائل والذي بدء في تشييده منذ الأسرة الثامنة عشرة فإنه تعرض لإعادة البناء أكثر من خمس مرات ليتخذ في نهاية المطاف أسلوباً وتخطيطاً مروياً كلياً.
عثر في المعابد وبالقرب منها على العديد من التماثيل للملوك الكوشيين- بيَّا، وتهارقا، وتانوت آمون (تالتاماني)، وأسبالتا، ونتاكامانى وغيرهم، وأيضاً، وهو الأهم، نقوش يرجع تاريخ أقدمها إلى عصر حكم الأسرة الثامنة عشرة. من بين تلك النقوش، على سبيل المثال مسلة تحتمس الثالث، التى تكمل حولياته، ومسلة الأمير خاليوت، ما يمكن عده من بين أهم المصادر التاريخية.
تعطى أعمال إعادة البناء والتعديلات اللاحقة في المعابد، وكذلك الأشياء الصغيرة التى وجدت بداخلها وبالقرب منها، مادة للحكم على التحولات والتقلبات السياسية الجارية في كوش على مدى ألفي سنة تقريباً. ورجع ريزنر مجدداً بعد فترة قصيرة 18/1919 إلى معابد جبل البركل حيث بدأ في التنقيب في جبانات كوش الملكية الواقعة بالقرب من نبتة: نورى و الكرو. أثبتت المواد إلى كشف عنها عالم الآثار الأمريكي أهميتها البالغة. فقد مكنته تلك المواد من القيام، للمرة الأولى، بوضع جدول كرونولوجي مطلق لتاريخ كوش في عصر مملكة نبتة. في المقام الأول وبمساعدة المواد المكتشفة التى تحمل أسماء الملوك، تمَّ التعرف على أهرام الجبانتين. بالطبع لم يتعرف ريزنر على أسماء المدفونين في كل الاثنين وخمسين أهراما التى نقب فيها، لكن التى بقيت بدون أسماء هي الأقلية.
لتأريخ المقابر استخدم ريزنر معطيات نقوش جبل البركل إلى جانب نصوص أخرى تم اكتشافها في مصر ولجأ إلى الأساليب الآتية:
- قارن أشكال الأهرام وأساليب تشييدها.
- أخضع التماثيل الجنائزية (الشوابتى)، والأواني من المرمر، والمسلات، وغيرها من التى وجدت في الأهرام أو بالقرب منها إلى التحليل التيبولوجي.
- كذلك حلل تيبولوجياً موضوعات القرابين بما في ذلك الفخار وكل الألواح الممكنة سواء التى عليها نقوش أو التى بدون نقوش، والأسلحة وغيرها.
- مقارنة التموضع النسبي للأهرام.
في ذلك انطلق ريزنر من الافتراض بأن أفضل الحرفيين والفنانين أسهموا في بناء الأهرام وفي إعداد المصنوعات التى وجدت فيها محافظين على تقاليد الفنانين المصريين للأسرة الخامسة والعشرين. مع ذلك كانت تظهر من وقت لآخر أساليب عمل جديدة وبعض الثغرات في الشكل والأسلوب. في هرم كل ملك وجدت مصنوعات تشير إلى تداخل أجيال لتؤلف مجموعة واحدة. بهذه الطريقة وجد ريزنر نفسه مضطراً لدراسة نظام تواتر المجموعات على أساس المصنوعات المختلفة وتعاقبها، وأشكال تبدل تقنية بناء الأهرام، وكذلك مواقعها من حيث علاقات بعضها بالآخر، مع ملاحظة أن الأكثر تميزاً من حيث الموقع هي التى شيدت في وقت أسبق. ونشر ريزنر تأملاته بصورة مقتضبة في مقال بمجلة الآثار المصرية (1923) وقدم في نهايته جدولاً يوضح تواتر تعاقب فترات حكم ملوك نبتة والسنوات النسبيَّة لحكمهم. وقد استفاد تلامذته لاحقاً من منهجه وأضافوا إلى ملاحظاته واستنتاجاته ودققوها، بخاصة جدوله الكرونولوجى. وظلت الاستنتاجات الأساسية بدون تعديلات جذرية ولم تفقد صلاحيتها إلى اليوم قاعدة لتشييد كرونولوجية كوش في القرون الثامن – السادس ق.م. وللوصف الشامل لجبانات كوش الملكية.
تؤرخ أقدم المدافن في الكرو بمنتصف القرن التاسع ق.م. وتشبه إلى حد بعض مدافن كرمة. جثمان المتوفى يسجى على عنقريب دون أن يتعرض للتحنيط. من ثم يهال على المدفن كوم ترابي ضخم. على مدى القرنين اللاحقين تعرض شكل المقبرة إلى تغيرات جذرية، فتحولت بداية إلى مسطبة ومن ثمَّ إلى هرم. في أقدم مدافن هذه الجبانة تم دفن ستة أجيال هم أسلاف مؤسس الأسرة الخامسة والعشرين بيَّا، وكذلك والده كاشتا. للأسف فإن كل المقابر كانت قد تعرضت لنهب شامل في القدم بحيث أصبح مستحيلاً تحديد أسماء المدفونين فيها. من بين الأشياء التى بقيت كان هنالك العديد من القطع الذهبية.
مع ظهور الأهرام تبدأ في السيادة طقوس الدفن المصرية، بما في ذلك التحنيط، رغم أن الجثمان ظل يسجى على عنقريب. النقوش على التماثيل الجنائزية ساعدت في التعرف على أسماء أولئك المدفونين في تلك الأهرام- ملوك وملكات الأسرة الخامسة والعشرين، بدءاً من بيَّا وزوجاته. تمَّ العثور على كميات كبيرة من المصنوعات الفنية بما في ذلك حلى ذهبية.
فاقت أهرام في نورى نظائرها في الكرو حجماً. كان تهارقا هو أول من شيد هرماً لنفسه في نورى وسبب ذلك في الغالب عدم توفر موقع ملائم في جبانة أسلافه. استخدمت جبانة نورى على مدى ثلاثة قرون ونصف- من 690 حتى 337 ق.م.، أي حتى بعد أن نقلت العاصمة إلى مروى. إجمالاً تم تنظيف 18 مقبرة لملوك و 54 مقبرة خاصة بملكات. خلال ذلك تم تحديد العديد من الأسماء غير المعروفة سابقاً، وكذلك تتابع حكم العديد من الملوك. وأعطت هذه الجبانة الكثير من الآثار التى تسمح بالحكم على العلاقات التجارية والصلات الثقافية لنبتة ومروى، وأيضاً على تطور ثقافاتهما الأصيلة. للأسف لا زالت بعض النقوش التى تم الكشف عنها تنتظر النشر.
في عام 1920 وبعد الانتهاء من التنقيب في معبد آمون بالبركل شرع ريزنر في دراسة الجبانات الثلاث في مروى (البجراوية) الجنوبية والشمالية والغربية، والتي عاصرت أقدمها مدافن الكرو. استخدمت الجبانة الغربية حتى العصر المروى المتأخر، ومن ثمَّ فإنها تكون قد استخدمت على مدى ألفية كاملة. خصصت هذه الجبانة لأعضاء الأسرة الملكية الأقل شأناً. في وقت متزامن مع الجبانة الغربية أنشأت الجبانة الجنوبية حيث استمر الدفن فيها حتى الربع الأخير من القرن الثالث ق.م. (آخر المقبورين فيها الملكين أركاكامانى وأمنيسلو، والملكة بارتارى). وعندما لم تتبق مواقع جيدة نشأت إلى الشمال منها الجبانة الجديدة الشمالية التى استخدمت حتى نهاية مملكة مروى. هنا يمكن تتبع، مع مرور الوقت وضعف الصلات بمصر، العودة المجددة إلى عادات الدفن القديمة بما في ذلك دفن العبيد الذين كان عليهم مرافقة سيدهم للوقوف على خدمته في العالم الآخر. وتسمح الكميات الهائلة من منتجات الفن المنظور بدراسة تطور الثقافة المحلية على مدى قرون كثيرة. منتجات الحرفيين ليست هامة فحسب لتحديد التواريخ وإنما تعطى إمكانية تحديد طبيعة الصلات بعالم البحر الأبيض المتوسط وكذلك مستوى تأثير الأخير على أداء فناني مروى الذين حققوا قدراً عالياً من المهارة، بخاصة في تجهيز مختلف أنواع الحلي.
البحث الآثارى في سمنة وأورونارتى
في24/1923 و 1929-1927 عملت البعثة المشتركة لجامعة هارفارد ومتحف بوسطن للفنون الجميلة بقيادة ريزنر عند الجندل الثاني في سمنة على ضفتي نهر النيل وأيضاً في جزيرة أورونارتى. كان لبداية العمل في دراسة التحصينات والقلاع المصرية في النوبة الشمالية التى شرعت هذه البعثة في إنجازها، أهمية كبيرة لإعادة تركيب تاريخ العلاقات بين مصر وكوش في العصر السابق لنشوء مملكة نبتة. بالنسبة لتاريخ كوش في الثلاثمائة وخمسين سنة اللاحقة لم تعط تلك الأعمال مادة تذكر خلافاً للأعمال في قلاع أخرى، على سبيل المثال في بوهين حيث تمَّ الكشف، كما في سمنة وكمة، عن آثار مثيرة للملكتين القديمة والوسطى. يشير معبد سمنة الذى شيده تهارقا من الطوب غير المحروق أمام المعبد القديم لتحتمس الثالث، إلى أن حكام نبتة التفتوا إلى أهمية تلك التحصينات الواقعة في الطريق الرئيس الذى يربط كوش بمصر.
إذا استثنينا أعمال ريزنر بعد الحرب العالمية الأولى، فإن البحث الآثارى في النوبة الشمالية وبخاصة في السودان كان محدوداً للغاية حتى نهاية العشرينات. في عام 1929 ارتباطاً بقرار رفع مستوى خزان أسوان إلى 122 متر مما ينتج عنه رفع منسوب المياه في البحيرة بين أسوان ووادي حلفا، بدأت مرحلة استكشافية جديدة استمرت حتى عام 1934. تم نشر نتائج تلك الأعمال في سلسلة تقارير شملت تحت عنوان "البعثة الآثارية للنوبة 1929-1934".
لم تجر في السودان في تلك الفترة ولا في السنوات التى تلت أية أعمال، ولذلك فإن المواد المكتشفة أضاءت فقط تاريخ الأطراف الشمالية لكوش. اشترك في الحفريات وفي وصف الآثار أبرز علماء الآثار والدراسات المصرية: بطراوى، وغوتيه، وجريفيث، وكيروان، ومونير دى فيلارد، وريدر، وشتيندورف، وايمرى، ويونكر. وقد تمَّ إصدار تسع عشرة مجلداً من هذه السلسلة في الفترة من 1929 حتى 1938. للأسف فإن العديد لازال غير منشور أو أنه وصف بصورة غير مكتملة في تقارير مبدئية.
بالطبع فإن تلك الأبحاث التى أجريت في جبهة واسعة، رغم أنها انحصرت في منطقة محدودة، سلطت الضوء على كل مراحل تاريخ البلاد بدءاً من العصر الحجري القديم، وكللت بالنجاح في الكشف عن آثار هامة: هكذا تمَّ على سبيل المثال في عامي 1931- 1932 الكشف عن مدافن الزعماء أو الملوك النوباديين في بلانا وقسطل، والتى ينتمى لما يسمى بالمجموعة المجهولة والتي اؤرخت بالعصر البيزنطي.
أماطت الحفريات التى أجراها ايمرى وكيروان بين وادى السبوع وأديندان عن عدد من الجبانات المروية، التى كانت كبيرة إلى حد ما في بعض الحالات، والتي أعطت مواد تسمح بالحكم على حجم التجمعات السكانية في المنطقة المعنية في عصر نبتة- مروى ومدى انتشار التأثير السياسي للملوك الكوشيين. للأسف فإن غالبية المدافن كانت قد تعرضت للنهب في القدم، وانحصرت المكتشفات فقط في الفخار، والحلي الصغيرة، وبعض اللوحات الجنائزية المتفرقة. وبعد أن قدم ايمرى نتائج تلك الأعمال في تقارير مبدئية موجزة، قام بالاشتراك مع كيروان بنشر تقرير أكثر شمولية قدما فيه وصفاً لمقابر الجبانة المروية في وادى السبوع ، وكورسكو، وأمادا، والديوان، وتوماس، وأبى سمبل وغيرها. ومع ثراء ما تم جمعه من مواد فإن ذلك ما كان كافياً للحكم على مستوى التفاوت الاجتماعي وسط السكان المحليين في عصر نبتة- مروى. شمل التقرير نبذة تاريخية قصيرة عن تاريخ النوبة الشمالية منذ العصر الأسرى المبكر حتى انهيار مملكة مروى. والحق وصف الموضوعات الأثرية بالخصائص التيبولوجية للمواد المختلفة (الفخار، والجعارين، والأختام، والتمائم وغيرها)، وأيضاً المقابر. أفرد فصل خاص لوصف قلعة كوبان والإقامة الملحقة بها. وبما أن القلعة قد هجرت بنهاية الأسرة العشرين فإنه لم يتم الكشف آثار للعصر اللاحق تقريباً حتى بداية العصر المسيحي، عندما استغلت القلعة مجدداً وأزيلت عنها الرمال جزئياً.
الحفريات في كوة والأطراف الشمالية لكوش
انحصرت أعمال التنقيب في السودان في تلك الفترة في منطقة الجندل الثاني- الرابع. ففي 31/1930 عملت بعثة جامعة أكسفورد بقيادة جريفيث، وبعد وفاته بقيادة كيروان في الأعوام 34/35/1936، في موقع كوة، جم أتون القديمة. هنا فيما وراء الجندل الثالث نشأ موقع للإقامة، واحتمالاً مدينة كانت في الغالب مركزاً إدارياً للمنطقة، إذا ما أخذنا بالحسبان الأهمية التى أولاها الفراعنة المصريين والملوك الكوشيين لها. تمَّ تأسيس الموقع من قبل أمنحتب الثالث أو إخناتون على الضفة اليمنى للنيل بمواجهة دنقلا الحالية بحوالي 10-12 كيلو متر إلى الجنوب منها. أقدم المعابد في كوة شيده توت- عنخ- آمون. فيما بعد نقش كل من رمسيس الثاني والثالث والرابع أسماءهم. المعبد الثاني في كوة شيده شاباكا وكرسه لإلهة مياه النيل أنوكيس. إلا أن الازدهار الفعلي لكوة يبدأ مع اعتلاء تهارقا إلى العرش والذي، وفق ما تشير اليه نقوشه والآثار المعمارية المكتشفة، قام هنا بنشاطات هائلة. شيد تهارقا معبد آمون الضخم الذى تشبه خريطته معبد صنم. كما أن تهارقا رمم المعبد الذى شيده توت- عنخ- آمون، وقام بزراعة البساتين في الموقع. وفيما بعد ترك العديد من ملوك نبتة ومروى بصماتهم في كوة (أمان-نيتى-ايركى، وأسبالتا، وماليناكن وآخرون). المبنى الضخم، المسمى حرفياً "القصر الشرقي" يعود تاريخه إلى العصر المروى، في الغالب القرنين الثاني- الأول ق.م. كما تم العثور في كوة على آثار تعود لعصر أغسطس. في الموسم الثاني للحفريات تم تنظيف عدد من المنازل أشارت إلى مراحل متعاقبة للإقامة. كل هذه الآثار المعمارية مع ما وجد فيها من موضوعات (في عدادها شقوف فخارية بخاصة اليونانية والرومانية) تمثل مركباً للمصادر هاماً، والذي يسمح بإعادة تركيب لحظات متقطعة من تاريخ نبتة ومروى، على سبيل المثال الأحداث التى ارتبطت بحملة بيترونى، وأيضاً تتبع العلاقات التجارية والثقافية لكوش في الألفية الأولى السابقة للميلاد.
إلا أن أكبر اكتشاف في كوة أنجزه علماء الآثار، حوليات تهارقا وأمان-نيتى-ايريكى، لا تقل مستوى عن النقوش التى تمَّ الكشف عنها في حينه بجبل البركل. أهمية الحفريات التى أجريت هنا كبيرة بخاصة لأن وصفها نشر بصورة رائعة من جانب ليمنج ماكادام بمشاركة كيروان وباستخدام المواد التى عثر عليها جريفيث. إلا أن البحث في كوة بعيداً عن أن يكون قد اكتمل.