أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة منهجية

 

 

 

 

 

 

 

 

في الوقت الذى تنمحي فيه حملة إنقاذ آثار النوبة في الستينيات من الذاكرة قد يبدو من الأهمية بمكان أن تصبح النتائج الباهرة التى حققتها بالنسبة لدراسة التاريخ الثقافي للسودان القديم متوفرة للطلاب الدارسين للآثار والتاريخ والأنثروبولوجيا، ولجمهور أوسع من السودانيين، وللقراء العرب عموماً. وقد ارتأيت أن أخصص هذا العدد الأول من أركامانى لتاريخ الاستكشاف والتنقيب الآثارى السابق بدءاً من رحالة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حتى بداية حملة إنقاذ آثار النوبة في الستينيات من القرن المنصرم، بحيث تتناول الأعداد اللاحقة نتائج الأعمال الجارية بعد أن يكون القارئ قد ألمَّ بالنتائج السابقة بما يمكنه من رؤية التعديلات الحديثة في إعادة تركيب التاريخ الثقافي للسودان القديم. 

 

تفرض علينا الصورة التى رسمها المؤرخون وعلماء الآثار الأوائل للتاريخ الثقافي لكوش بذل محاولة لإبراز بعض نقاط الضعف التى ميزت إعادة التركيب التاريخي تلك. كانت الدراسات الميدانية لآثار الثقافة المادية لكوش قد بدأت على أيدي علماء تخصصوا أصلاً في الدراسات المصرية القديمة وكان هدفهم في الأساس هو استكشاف الامتدادات الجنوبية للثقافة المصرية الفرعونية. قادت هذه الحقيقة إلى إعادة تركيب تاريخ كوش من وجهة نظر ظلت أسيرة للعلاقة بين مصر وكوش. هكذا تبلورت صورة انبنت على أساس فرضيات تستبعد إمكانية وجود نوع من التواصل في عملية التغير الثقافي المحلي في كوش. ولازالت مثل تلك الفرضيات تجد صدىً في الكثير من الكتابات المتخصصة وغير المتخصصة، بل والمؤسف أنها لازالت قابعة في أساس الطرح النظري لكتبنا المدرسية الخاصة بتاريخ السودان القديم. وفق تلك الفرضيَّات فان كل تغير ثقافي، سلبياً كان أم ايجابياً، يتم تفسيره بوصفه نتاجاً لهجرات سلالية وافدة إلى كوش بحيث يبدو مجمل مسار التغير الثقافي بمثابة حلقات غير مترابطة. وفق تلك الفرضيات حل المهاجرون المصريون الوافدون من جنوب مصر في فترة العصر ما قبل الأسري ليؤسسوا مركباً ثقافياً أطلق عليه اسم المجموعة الأولى A-Group وهو ما يعنى أن هذا المركب الثقافي لا يشكل نتاجاً للثقافة الحجرية الحديثة المحلية. وترى تلك الفرضية أنه في الوقت الذى أخذت فيه مصر تحرز تطوراً ثقافياً واضحاً أدى إلى الانتقال إلى عصرها الأسري وتأسيس المملكة المبكرة، ظلت ثقافة المجموعة الأولى في الأطراف الشمالية لكوش متخلفة عن مواكبة التطور في الشمال محتفظة بمظاهر ثقافية مميزة لتطور الثقافة المصرية ما قبل الأسرية.

 

وفي القرون الأخيرة للألفية الرابعة قبل الميلاد ظهر في الأطراف الشمالية لكوش مركب ثقافي جديد نال تسمية المجموعة  الثانية  B-Group ذلك بفعل وصول هجرات سلالية وافدة من  الجنوب. وبالرغم من اختلاف هذا المركب الثقافي الجديد عن سابقه فإن التشابه بينهما لا يمكن نفيه. يتلخص الاختلاف في الانحطاط الذى شهدته الثقافة وفي الفقر المدقع لمقابر المجموعة الثانية من حيث المرفقات الجنائزية.

 

في حوالي 2200 ق.م. تقريباً اجتاحت المنطقة نفسها موجات جديدة من الهجرات السلالية، ارتبطت هذه الهجرات بظهور مركب ثقافي صار يطلق عليه مصطلح المجموعة الثالثة C-Group، ويتميز هذا المركب الجديد عن سابقيه بطابعه الرعوي المتنقل. وقد عثر في مقابر هذه المجموعة على أدوات مصنوعة من النحاس والمرمر إلى جانب مصنوعات فخارية مجهزة على عجلة الفخاري وأخرى يدوية الصنع. هكذا افترض أن الأولى المصنوعة على عجلة الفخاري تمثل سلعة مستوردة في حين أن الثانية يدوية الصنع تمثل نتاجاً محلياً.

 

تذهب هذه الفرضيات إلى أبعد من ذلك فترى في حكام مملكة كرمة، الذين استغاث بهم حاكم الهكسوس أبيبى، نبلاء مصريين أقاموا مستعمرة تجارية لهم في كرمة، وفي حكام نبتة مهاجرين إلى كوش من مناطق أخرى جاءوا وهم يحملون معهم نظام حكمهم المتطور. ولازالت بعض الكتابات المتخصصة تصر على تأكيد أن مملكة نبتة-مروى ليست سوى نبت شيطاني غرسته السلطة المصرية الاستعمارية في كوش، وما ثقافة هذه المملكة وجهاز الدولة فيها، ونمطها الاجتماعي وديانتها إلا مجرد استعارة متوحشة للإنجازات الثقافية المصرية. بل وتجاوز الأمر إلى حد ادعاء بعض الكتابات بالقول: "ظهرت دولة ذوى البشرة السوداء التى يدير شئونها ملوك شبه زنوج، ومكونة من سكان زنوج وحاميين شبه متوحشين متمسكين ببقايا الحضارة المصرية... لعمري أنها ظاهرة غريبة في التاريخ". أما تحلل مملكة نبتة- مروى فإنه، في نظر تلك الكتابات إنما يعلل كنتاج لانحلال الإرث الثقافي المصري الخارجي من جانب، ولازدياد قوى الجماعات الاثنية الزنجية اللا-ثقافية وتأثيرها.

 

إن مثل هذه الفرضيات التى ظلت تهيمن على إعادة تركيب تاريخ كوش الثقافي لفترة امتدت حتى الستينات من القرن الماضي أصبحت الآن بفعل النتائج الجديدة بعد حملة إنقاذ آثار النوبة بعيدة عن الصواب. انطلقت الفرضيات المشار إليها من الناحية الأنثروبولوجية من رؤية اعتمدت على مبادئ ما يعرف في الدراسات الأنثروبولوجية بالاتجاه الانتشاري. يفترض دعاة هذا الاتجاه بأن الاتصال بين الشعوب المختلفة قد نتج عنه احتكاك ثقافي وانتشار لبعض السمات الثقافية أو كلها. وينطلق دعاة هذا التيار من الافتراض بأن عملية الانتشار تبدأ من مركز ثقافي محدد ثم تنتقل عبر الزمان إلى أجزاء العالم المختلفة. تعددت وجهات نظر دعاة هذا الاتجاه الانتشاري، وهو أمر لن نخوض في تفصيلاته هنا لكننا نحيل القارئ الذى يتطلع لمعرفة المزيد حول الموضوع إلى كتاب "الأنثروبولوجيا العامة: فروعها، واتجاهاتها، وطرق بحثها الذى قمت وزميلي د. أبوبكر يوسف شلابى بوضعه وصدر عن المركز القومي للأبحاث والدراسات العلمية، طرابلس 2001. يهمنا هنا تحديداً الاتجاه الانتشاري المعروف باسم المدرسة الشمسية أو المصرية والذي تأسس في بريطانيا على يد عالم التشريح إليوت سميث الذى كان مهتماً بالآثار المصرية بخاصة الهياكل البشرية. وكان سميث يعتقد بأن الثقافة الإنسانية نشأت وازدهرت في مصر القديمة منذ حوالي 5000 سنة قبل الميلاد. وعندما توفرت الظروف وبدأت الاتصالات بين الجماعات والشعوب انتقلت بعض مظاهر تلك الثقافة إلى بقية أنحاء العالم الأخرى. ويؤكد سميث في كتابه" هجرة الثقافة " أن مصر كانت مركزاً للثقافة ومنها انتقلت إلى عالم البحر الأبيض المتوسط، والشرق الأوسط، وأفريقيا، والهند، واندونيسيا، وعالم المحيط الهادي والأمريكتين. إليوت سميث هذا هو من قام بدراسة بقايا الهياكل التى تمَّ الكشف عنها في كوش من جانب البعثة الاستكشافية إلى قادها ريزنر. سميث إذن هو من درس ما صار يعرف " بالجماجم النوبية " التى شملت المبدعين للثقافات الكوشية الثمانية (المجموعات الأولى والثانية والثالثة، وكرمة، ونبتة، ومروى، والثقافة المجهولة، والمسيحية) التى تم الكشف عنها نتيجة أعمال البعثة الاستكشافية المذكورة.

 

ما توفر الآن من مواد الثقافة المادية لا يدعم بحال من الأحوال الفرضيات المعتمدة على مبدأ الانتشار الثقافي لتفسير التاريخ الثقافي لكوش. فالاختلافات السلالية بين حملة الثقافات الكوشية المختلفة حتى عندما يدعى بأنها مؤكدة تجريبياً، فإنها تشكل في الغالب اختلافات بيولوجية  أكثر منها ثقافية. إن مثل تلك التعميمات التى توصلت إليها الفرضيات السائدة السابقة أصبحت متخلفة علمياً ولا تجد دعماً في الأنثروبولوجيا المعاصرة. لقد تم استنتاج مثل تلك التعميمات انطلاقا من معايير مورفولوجية  أكثر منها معايير كمية. وقد أشار عالم الأنثروبولوجيا الهندي موخيريا الذى قام بدراسة بقايا الهياكل التى تم الكشف عنها في جبل مويَّة إلى أن هذا المنهج في البحث الأنثروبولوجي خاطئ وذاتي، وأنه إذا ما تم استخدامه في ذات لحظة العمل الميداني غالباً ما يثبت طابعه الحدسي الكلي.

 

إننا حتى لو اعترفنا بحسن نية الأنثروبولوجيين الأوائل الذين قاموا بدراسة بقايا هياكل الكوشيين تظل العناصر والمعايير التى شكلت مؤشراتهم الأساسية لتحديد الانتماء السلالي، قد تعرضت للكثير من التعديل والتبديل خلال الخمسين سنة الماضية التى أعقبت دراساتهم. إضافة إلى ذلك فان إحساسنا بأن أولئك الأنثروبولوجيين قد انطلقوا من قناعتهم المُسبقة بمبادئ الانتشار الثقافي كفرضية بحثية له ما يبرره ويدفعنا للتشكك في مدى موضوعية النتائج التى توصلوا لها. قد يحق لنا اعتمادا على الدراسات الميدانية والمختبرية التى أجريت مؤخراً القول بأن سميث والذين اقتفوا أثره من الباحثين تمكنوا من اكتشاف الاختلافات في التركيب السلالي لحملة الثقافات الكوشية بالتحديد لكونهم انطلقوا من فرضية وجودها المسبق وذلك لعدم تقبلهم إمكانية وجود تغير ثقافي بدون أن يكون ذلك مصحوباً بتبدل سكاني. ما قد يقف شاهداً على مثل هذه النظرة ما كتبه فيرث: "إن نسبة الامتزاج الكبير من الدم الأسود الذى يتضح من دراسة بقايا هياكل حملة المجموعة الأولى قد شكل ولا شك عائقاً أمام التطور الثقافي". من الممكن تفسير ظهور مثل تلك الفرضيَّات بالإهمال الواضح للمتطلبات العلمية التى تطرحها مناهج البحث الأنثروبولوجي المعاصرة. فقد وجد عالم التشريح بطراوي نفسه مضطرًا، نتيجة بحث لاحق وتحليل أكثر تتابعًا للمواد ذاتها التى قام بدراستها هو وسميث في وقت سابق، إلى تعديل استنتاجاتهما السابقة الخاصة بالمظهر الزنجي للغاية للبقايا العظمية لحملة ثقافة المجموعة المجهولة. وقد قام موخيريا وآخرون بإجراء أبحاث مختبرية واسعة لما سمي بمجموعة "الجماجم النوبية" المشار إليها سابقاًً، بهدف مقارنتها مع الجماجم التى تم العثور عليها في جبل مويَّة. وقد توصلوا إلى استنتاج مفاده أن سمات الجماجم المسماة النوبية تكاد تكون واحدة ولا اختلاف بينها. النتيجة نفسها توصل إليها مؤخرًا كارل هيلمان، وسيمون، واسماعيل الحاكم، وفيصل الشيخ في دراستهم حول قياسات الرأس لبعض الكوشيين القدماء وبعض سكان جبال النوبة الحاليين إذ ثبت لهم عدم وجود اختلافات بين مجموعة الجماجم النوبية التى  سبقت دراستها كما  ثبت  أن قياسات الرأس بالنسبة لمجموعة جماجم كرمة تتطابق تمامًا مع قياسات الرأس لسكان جبال النوبة الحاليين. عموماً فإن كافة الفرضيات التى أشرنا إليها لا تستجيب لمتطلبات البحث الأنثروبولوجي المعاصر بخاصة بعد أن وفرت أعمال الاستكشاف والتنقيب الآثارى في أقاليم السودان المختلفة مادة لا بأس بها تمكن من مراجعة إعادة التركيب السابقة لتاريخ كوش الثقافي.

 

ارتأيت أن أكرس العدد الأول من أركامانى لدراسة تاريخ تطور علم الآثار السودانية تمكيناً للقارئ من إدراك ما تم تنفيذه من أعمال للاستكشاف والتنقيب حتى بدايات حملة إنقاذ آثار النوبة التى انطلقت في الستينات من القرن المنصرم لإنقاذ المواقع الأثرية المهددة بالغرق تحت مياه بحيرة ناصر نتيجة تشييد خزان أسوان الثالث (السد العالي)، بحيث يتيسر للقارئ متابعة نتائج البحث الآثارى الجاري حالياً في السودان والتي ستهتم أركامانى بترجمتها من اللغات الأوربية في أعدادها اللاحقة. ويمثل البحث الذى كتبه البروفسور إيسيدور سافتش كاتسنلسون (باللغة الروسية) بعنوان "البحث الآثارى في النوبة الشمالية والسودان" والذي ضمنه كتابه "نبتة ومروى مملكتا السودان القديم " الصادر في عام 1970، عرضاً وافياً لتطور علم الآثار السودانية وما تم إنجازه في هذا الحقل حتى نهاية الستينات من القرن المنصرم، وذلك من وجهة نظره أستاذاً متخصصاً في تاريخ السودان القديم. كما تناول وليام آدمز الموضوع ذاته ولكن من وجهة نظر متخصص في علم الآثار السودانية وذلك في الفصل الثالث من كتابه "النوبة المعبر إلى أفريقيا". نسبة لأهمية البحثين فقد ارتأت أركامانى أن تستهل عددها الأول بترجمة هذين البحثين.

  

ونسبة للتضارب الملازم لتسمية السودان القديم سواء في المصادر أو المراجع الحديثة ارتأيت أن تكون نقطة البداية بحث، سبق نشره ضمن كتابي "أركامانى والسودان الجديد"، يتناول بالمناقشة إشكالية المسميات القديمة للسودان.

 

ثم وضعت في هذا العدد ملخصاً موجزاً لتاريخ السودان القديم بدءاً من العصر الحجري القديم (الباليوليتي) حتى العصر المسيحي. هدفي من كل ذلك تمليك القراء صورة متماسكة لتاريخ البحث الآثارى في السودان وما تمخض عنه من تركيب لتاريخه القديم. هكذا ستصدر الأعداد القادمة لتلقى الضوء على أعمال البحث والاستكشاف الآثارى الجارية في السودان وما أضافته من معطيات جديدة تسهم في إعادة تركيب تاريخ السودان الثقافي القديم.

 


مجلة الآثارمجلة الأنثروبولوجيانصوص ملوك كوشمؤتمرات علميَّةعرض الكتب والدراساتما قبل تاريخ الصحراء الليبية

ملوك وملكات كوشالديانة الكوشيةالكتاب الكلاسيكيونتقنيات البحث الآثاريالثقافات الأفريقيةالببليوغرافياالصفحة الرئيسة

م