|
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية |
|
مجلة الآثار السودانية/ العدد الأول/ أغسطس 2001
خزان أسوان الأول وإنقاذ آثار النوبة الشمالية
لم يتبدل الوضع حتى في السنوات الأخيرة للقرن التاسع عشر، عندما بدء في عام 1899 في بناء خزان أسوان في الشلال (الجندل الأول)، والذي كان سيرفع منسوب النيل في البحيرة الناشئة إلى 107 متر. هكذا غطت المياه جزءاً من النوبة السفلى يبلغ طوله حوالي المئتى كيلومتر (حتى جرف حسين).
حقيقة أنه بفترة قصيرة سابقة، قام بدج في عام 1897 برحلته الأولى إلى السودان Budge,1907 إلا أن مذكراته لم تتعد ملاحظات عابر سبيل قد تكون ذات فائدة لمن يهتم بالوضع في البلاد في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر. والباب المكرس لآثار نبته لا يحمل الكثير حيث يورد بدج آراء وتقييمات الرحالة الذين شاهدوا تلك الآثار فيما قبل، وإلى حد بعيد يفرض على القارئ الاكتفاء بما يورده من وصف سطحي في الأساس .فقط المتخصص المهتم بدراسة أو ترميم أي من المعابد أو الأهرام يمكنه أن يجد في كتاب بدج تفاصيل متفرقة غير متوفرة في مصادر أخرى .إن مجمل المادة التوضيحية، باستثناء صور فوتوغرافية قليلة، مأخوذة من أعمال أخرى، في الأساس من أطلس لبسيوس. كشف بدج في جبل البركل عن واحد من الأهرام، إلا أن الحفر أجرى بطريقة غير مجربة وكذلك التقرير الذى كتب عن العمل. عندما اصطدم بالمياه الجوفية أوقف العمل.
خلال رحلته الثانية في عام 1898 قام بدج بزيارة مروى، وخلال رحلته الثالثة في عام 1903 زار سوبا، وودبانقا، والنقعة، والمصورات الصفراء وغيرها. عندها كشف عن بعض الأهرام بهدف توفير إمكانية " مشاهدة الرحالة لها." حفرياته هذه هي الأخرى غير ذات أهمية مثلها مثل حفرياته التي أجراها في نبته. يعطى بدج وصفاً لأهرام الجبانتين الشمالية والجنوبية في مروى. وإذا كان لهذا الوصف أهمية قبل نشر تقرير بعثة ريزنر، من حيث كونه يمثل إضافة إلى أعمال لبسيوس، فانه حالياً شأنه شأن أعمال بدج الأخرى يمثل أهمية تدوينية لا أكثر.
فقط عندما اتخذ القرار بتعلية خزان أسوان إلى سبعة أمتار أخرى، وهو ما كان يعنى إغراق وادي النيل حتى كورسكو، بدأت مصلحة الآثار المصرية، التي كان يترأسها حينها ج.ماسبيرو، في إجراء المسح المنتظم للنوبة الشمالية . بدأت أعمال التشييد في عام .1907 في عامي 1904-1905 أجرى ماسبيرو رحلتين تخصصيتين للتعرف على الآثار في المنطقة المهددة بالغرق .في الرحلة الأولى وصل حتى أبوسمبل، وفي الثانية حتى المحرقة .رافقه أ .فايجل الذى عُين مفتشاً أولاً لمصلحة الآثار المصرية. في عام 1906 كُلف فايجل بإجراء مسح شامل للمنطقة المهددة وذلك بهدف تحديد تكلفة أعمال صيانة الآثار والإشارة إلى المواقع المستقبلية للتنقيب.
كان تقرير فايجل بمثابة الوصف الآثارى الأول للنوبة الشمالية الذى يستجيب لمتطلبات العلم Weigall,1907 مع أنه كان متسرعاً كما يعترف بذلك فايجل نفسه، مشيراً في مقدمته" التقرير الحالي لا يدعى الكمال .انه مجرد وصف مبدئي لآثار الماضي ومخلفاته، التي يتوجب دراستها لاحقاً ."جمع فايجل خلال رحلته التي دامت شهرين مادة هائلة. أعطى وصفاً موجزاً لمعابد النوبة الشماليَّة والرسوم التي تزينها، ووصف الحصون والجبانات البادية على السطح، وقام برسم شقوف الفخار التي تم الكشف عنها في المنطقة، كما أنه قام بنسخ النقوش الصخرية دون أن يدعى الدقة الباليوجرافية في ذلك. وقام بالتقاط كم هائل من الصور الفوتوغرافية. أصبح التقرير سبقاً لموجز تاريخ النوبة الشمالية من عصر المملكة القديمة حتى القرن السادس الميلادي، وكذلك وصفاً متخصصاً لمدافن المجموعة الثالثةC-Group التي لم تك قد عرفت بعد بذلك الاسم. أطلق فايجل على تلك المدافن تسمية pan-graves مدافن مماثلة كان قد تم الكشف عنها قبل فترة وجيزة من قبل فلندرز بيترى وميسوم في مصر العليا. لازال عمل فايجل محتفظاً بقيمته اليوم، إنه بحق أول استعراض منتظم لآثار المنطقة التي استخف بها حتى تلك الفترة. الكثير مما نسخه وصوره فايجل أصبح في الوقت الراهن بعيداً عن منال العلم.
خلال عدة سنوات لاحقة واصل د. ريزنر عمل فايجل- 1907/1908 -Reisner,1910 ومن ثم- مساعده س. فيرث Firth,1912. توجب دراسة وبقدر المستطاع التنقيب في كل المواقع الأثرية بين الشلال ووادي السبوع؛ في المناطق الأقل إثارة افترض الاكتفاء بالمسح أو بإجراء المجسات التجريبية. أجريت الأعمال بصورة محكمة، وهو أمر يعود الفضل فيه لريزنر- أحد مؤسسي المنهجية الحديثة في البحث الآثارى. تمت في السنة الأولى دراسة رقعة تمتد 50 كيلومتر على ضفتي النيل بين الشلال وتافا. هنا تم الكشف عن 58 جبانة، وحفر العديد منها ووصفت المقابر وصفاً دقيقاً. على أساس تحليل المادة المكتشفة- المواد الجنائزية، الفخار في المقام الأول، طرح ريزنر جدولاً كرونولوجياً لا زال، مع تعديلات طفيفة متفرقة، يستخدم حتى الآن لدراسة تاريخ النوبة الشمالية:
1. الفترة ما قبل الأسرية: المبكرة، والوسطى، والمتأخرة (كما هو الحال في مصر)
2. الفترة الأسرية المبكرة (الأسر من الأولى حتى الرابعة)، تقريباً ثقافة المجموعة الأولى A-Group
3. المملكة القديمة (الأسرتين الخامسة والسادسة)، تقريباً ثقافة المجموعة الثانية B-Group
4. المملكة الوسطى (الأسر من السابعة حتى السادسة عشرة)، تقريباً ثقافة المجموعة الثالثة C-Group
5. المملكة الحديثة (الأسر السابعة عشرة حتى العشرين)، ثقافة المجموعة الرابعة D-Group؛ لا تختلف مخلفاتها عن المملكة المصرية الحديثة.
6. الفترة المتأخرة (الأسر العشرين حتى الثلاثين).
7. الفترة البطلمية- الرومانية.
8. الفترة البيزنطية (تشمل ثقافة المجموعة المجهولة X-Group، أي النوباديين، الذين سميوا سابقاً البليميين).
9. الفترة القبطية.
مثل هذا التسلسل إلى فترات مفهوم. كما هو معروف، لا توجد في الأجزاء الشمالية للمنطقة ما بين الجندلين الأول والثاني، أي" الدوديكاسخيونس "الإقليم الثاني عشر لمصر الرومانية، فعلياً أية آثار للفترة النبتية المرَّوية، في حين تتمثل بصورة جيدة آثار عصر السيادة البطلمية والرومانية.
بعد الوصف المفصل للجبانات ولمدافن متفرقة يقدم ريزنر في الفصول الثلاثة الختامية موجزاً لملاحظاته: في الفصل الأول منها يتتبع أشكال المقابر، وفي الثاني-