أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

مجلة الأنثروبولوجيا العدد الأول/ أغسطس 2001

 

 

 

 

 

THE ORIGIN OF THE FUNG

extracted from: Crawford O.G.S. "The Fung Kingdom of Sennar"

 

إشكالية أصل الفونج

و.ج. كراوفورد

ترجمة د. أسامة عبدالرحمن النور والراحل د. محمد عثمان على

 

 

 

 

 

 

 

 

تركز المناهج الدراسية المتحيزة المعتمدة حالياً في النظام التعليمي على تاريخ السودان بدءاً من عام 1504 ذلك أن ما سبقه، على حد تعبير فيلسوف الحركة السياسوإسلاموية البروفسور حسن مكي، ما هو إلا ثقافة تيه وضلال! تاريخنا التليد الذى تناولته مجلة أركامانى وستظل دءوبة على إجلائه خير ما نرد به على حسن مكي وغيره من واضعي المناهج التعليمية المشوهة.

لن نتناول هنا تاريخ مملكة الفونج المسماة انطلاقا من الجماعات الاثنية التى أسستها، أو سلطنة سنار من اسم حاضرتها، أو السلطنة الزرقاء كما سماها عرب البدو من العبدلاب. التاريخ السياسي لهذه المملكة معروف ذلك لأنه يشكل بداية لتاريخ السودان وفق المناهج التعليمية التى لم تفض إلا لبناء شخصية منفصمة أوصلت أمتنا السودانية إلى محنتها الحالية. تعترف المناهج بعظمة مملكة الفونج لكنها تصمت في خجل عن هُويَّة الفونج، وإذا تعرضت لهم اعتمدت إرجاع نسبهم إلى الأمويين.. تلك الفرية الكبرى التى صاغها الفقيه القادم من آسيا الوسطى- السمرقندي.

لتجاوز المسكوت عنه في تاريخنا ارتأت أركامانى أن تقدم هنا ملخصاً للفصل الخاص بأصل الفونج في كتاب كراوفورد "مملكة الفونج السنارية"، حيث يتناول الفصل الفرضيات المختلفة بشأن أصلهم وهويتهم عسى أن يساعد ذلك في إجلاء الأمور وإنهاء حالة الفصام التى تجعل من الأبيض أسوداً. ونأمل أن يرى كتاب كراوفورد كاملاً النور بالعربية بمجرد الانتهاء من العمل فيه وهو ما تعكف عليه أركامانى في الوقت الراهن.

     أصل الفونج

     فرضية الأصل الأموي

     الرواية الإرترية

     نوبا وهمج وعنج

     فرضية الأصل الشلكاوى

     الفرضية البورناوية

     تعقيب أركامانى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أصل الفونج

تمثل قضية أصل الفونج أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ السودان. يقول الطبيب بروس:"في العام 1504 وصلت أمة سوداء، غير معروفة سابقاً، وتسكن الضفة الغربية لبحر أبيض على خط عرض 13º تقريباً، بأعداد كبيرة من الزوارق الخفيفة إلى مناطق العرب وهزموا ود عجيب في معركة دارت رحاها بالقرب من هربجى، وأجبروه على الاستسلام الذى كان على العرب بموجبه دفع جزية لهم نصف محصولهم لهم بداية، ونصف محصولهم في كل حول يلي ذلك.. سمح للعرب طبقاً لهذا الشرط الاحتفاظ بممتلكاتهم السابقة دون مساس بها، وسمح لودعجيب بالاحتفاظ بوضعه وكرامته بحيث يكون دائماً مستعداً لاستخدام جبروته لمصلحة المنتصرين في حالة إذا ما رفض أي من العرب الأباعد دفع الجزية. وأصبح ود عجيب بالتالي القائم مقام المنتصرين. هذا الجنس المنتصر يعرف في بلاده باسم الشلك".  ولا يوضح لنا بروس المصدر الذى استقى منه معلوماته تلك، لكنني أعتقد بأنه يمكن التكهن بقدر من الثقة أن بروس أخذها عن احمد سيد القوم وفق ما يشير إليه الفصل التاسع من كتاب بروس نفسه. إن شلك أعالي النيل الأزرق، كما يقول بروس، سكان أصليبون للمنطقة، وهم الفونج الذين قدموا من المنطقة نفسها مثلهم مثل الشنقالة الذين طردوا العرب الذين يقودهم وعجيب (أي القول بأنهم من النيل الأبيض). إن فازوغلو وجوبا (المقصود بجوبا منطقة في الحبشة- أركامانى) هما منطقتا الفونج. ملك سنار من الجانب الآخر هو من الشنقالة (الاسم المحدد هو الشلك). يعيش أولئك الشلك في ثلاث جزر كبيرة [حددها آركل بالجزيرة أبا، وجزيرة مصران، وجزيرة بيللى] في النيل الأبيض. أعدادهم كبيرة قادمة أساساً من تلك الجزر التى تبعد رحلة يوم واحد من العيس (الكوة بالنيل الأبيض)، وآخرون من أعالي النيل. تقع مدنهم على الضفة الغربية للنيل وهى مدن كثيرة العدد. بين أعالي النيل الأزرق والنيل الأبيض هناك نوع آخر من النوبا وهؤلاء هم النوبا الأصليين وبلاد الذهب. أولئك السود الآخرون قدموا من جوبا، والنوبا، وفازوغلو. وتقع جوبا والنوبا باتجاه حدود كورا في المنطقة المنخفضة الحارة في جنوب شرقي الإقليم.

 

الآن يجب أن نلاحظ أن بروس يفيد بأن الشلك العامة أو قوات الملك وثنيون في غالبيتهم حتى الآن (أى في ظل دولة الفونج الإسلامية-أركامانى) ولهم قساوستهم. إنهم يعبدون شجرة وغيرها ويسميهم بروس العامة تمييزاً لهم عن الملك الذى يسميه أيضاً شلكاوى. من هم أولئك الشلك العامة؟ اذا رجعنا إلى الرواية لوجدنا أنهم ليسوا سوى القوات المتواجدة في قرى النوبا المحيطة بسنار" والذين يعبدون شجرة وكذلك حجراً ويبدو أن "لكهنتهم نفوذ كبير عليهم". "إنهم  إما أن تم شراؤهم أو أخذهم بالقوة من فازوغلو والمناطق الواقعة إلى الجنوب منها في جبل ديرى وتجلا " وهى آخر المناطق في الضفة الغربية للنيل الأبيض. لكننا نعلم من وثائق الفونج أن تلك القوات قد تم وضعها حول سنار من قبل بادى الثاني 1644-1680 الذى أسرهم خلال حملته التى شنها على الشلك في النيل الأبيض. تتماثل إفادة بروس عن قرى النوبا مع ما ورد في وثائق الفونج وتؤكد كل رواية على الأخرى. لكنني أعتقد بأن بروس خلط بين روايتين شعبيتين مختلفتين تتعلق الأولى بأصل قوات النوبا، والثانية بالحكام الفونج. وقد تصدى بروس نفسه للكشف عن الاختلاف بين الروايتين. وتقدم إفادته دليلاً على أن الحكام الفونج جاءوا إلى سنار ليس مباشرة من النيل الأبيض لكن من منطقة أعالي النيل الأزرق. ويذكر بروس أن أحمد سيد القوم، وهو من عائلة الحكام الفونج، كان من مواليد قرية في فازوغلو وأشرف على تعليمه سحرة (كجور) في فازوغلو، والذين كانوا، مثلهم مثل احمد نفسه، من المتحدثين بالعربية لغة ثانية مكتسبة، ويقال أنهم قدموا قديماً من جبل ديرى وتجلا. بالتالي فان بروس نفسه يناقض روايته عن الغزوة الشلكاوية بالمراكب الخفيفة، ذلك أنه اذا كان موطن الفونج في منطقة أعالي النيل الأزرق لما أصبحت الغزوة ممكنة. لا أسعى إلى التشكك في حقيقة غزو شلكاوى بالمراكب الخفيفة ولكن الاعتراف بأن عمارة دنقس، الأول من ملوك الفونج، لم يجئ بمركب خفيف. سنعود للشلك لاحقاً، حالياً نتناول وجهة نظر سودانية محلية حول أصل الفونج.

 

فرضية الأصل الأموى

هناك رواية تقليدية واحدة ترجع أصل الفونج إلى بنى أميَّة والحجاز. يقال بأن شخصاً ما باسم سليمان [يقال بأنه إبن عبدالله بن عبدالحكم الذى عاش في القرن الميلادي الثامن] استقر أولاً في مكان يسمى عروسة وانتقل منها إلى جارا في أرض الجالا، وحين وجد أن الناس هناك يعادون الإسلام رحل إلى تافا الخاضعة لمك كرن الواقعة على بعد 40 ميلاً إلى الجنوب من الكرمك، وقام بتدريس القرآن هناك، واتخذه المك مستشاراً له في مكان شيخ العبدلاب الذى انتقل قبل مجئ سليمان بوقت قصير، وتزوج سليمان بنت المك وأنجب منها أبناء من بينهم عمارة دنقس. وأصبح الأبناء حكاماً في مناطق مختلفة من السودان. وتقول رواية أخرى أن أولئك الأبناء قد مروا جنوباً على حافة المرتفعات الإثيوبية وعبروا إلى النيل الأبيض.

 

وفي رواية ثالثة فان تيفا، وقام، وميتوبارا وردت كأسماء لأماكن في الحبشة مرَّ بها الأبناء في رحلتهم من اريتريا إلى السودان. يشير الاسم الثاني منها إلى قوز فامى و دبة فامى شمال شرقى الرنك، في حين أن ميتوبارا يمكن أن تكون قرية ماتبار الواردة في عمل كايو بين جبل كلجو وتلال الانقسنا في الطريق منها إلى النيل عند الروصيرص. هنالك مكان آخر، جبل ماتبارا، هكذا ورَّد ذكره في خريطة خوجلين، حالياً جبل ماكبارة على بعد عشرين ميلاً جنوبي القلابات في الزاوية الحدودية الحادة. مقاربة أخرى محتملة مع مدر بحر "منطقة البحر" التى هي اسم لمقاطعة اريترية كانت مديرية بارانجاش. إلا أن مكوك ابولدوجو وماجاجا لديهم تقليد جارى في تحداراتهم بأنهم دينكا وأنهم جاءوا من الغرب من تيفا و قام التى يقولون بأنها جبال في الغرب. تلك الروايات يبدو أنها تشير بقوة إلى النيل الأبيض بوصفه الموطن الأصلي للناس الذين يسمون فونج الجبال، لكن بما أن الفونج أنفسهم لم يجيئوا إلى تلك الجبال إلا مؤخراً، احتمالا بعد الغزو التركي، فان الروايات التى لا تعتمد على أسس راسخة قد لا يكون لها تأثير على إشكالية أصل الفونج.

 

الرواية التى حكاها مك قيلي نايل تسمى سليمان إبن خالد وتأخذه إلى دنقلا حيث تزوج بنت الملك الذى كان اسمه تيوجهاوال. وأصبح عمارة ثمرة هذه الزيجة ملكاً على العنج. ومن ثمَّ تصبح الرواية مختلطة حيث يقال بأن العنج تعرضوا للهزيمة من قبل جيش الفونج واحتموا أولاً بسنار ومن ثم في جبل تورتاسى (بالقرب من قيلى) وتنتهي الرواية كالتالي: "حين وصل الفونج إلى السودان كانوا بيضاً مثل الإنجليز لكنهم بزواجهم من النساء المحليات أصبحوا سوداً. تزوج ملوك الفونج في قيلي بنساء من البرتا الهمج والانقسنا وغيرهن ".

 

أما رواية البجة (البشارين الابراهيماب) فتحكى بأن أبناء مروان بن الحكم وصلوا إلى الحبشة من الجزيرة العربية وتقدموا ليهزموا عبدلاب رفاعة، وكان ذلك في عهد أناكو وكادابوب. لاحقاً انتفض الهمج وقتلوا أبناء مروان واقتسموا الأرض مع العبدلاب. وكان البطاحين والشكرية تحت سلطانهم. وتقع رفاعة في الضفة المواجهة لأربجى وبالتالي تكون هذه الإفادة هي الثانية عن المعركة التى ذكرها بروس.

 

ويبدو أن هناك رواية في وركَّت (بالقرب من قربين) تربط الفونج بالنيل الأبيض. يتحدث سكان وركَّت لغة غير عربية ويسمون أنفسهم بالهمج ويميزون أنفسهم عن الفونج الذين كان موطنهم الأصلي ستامسيتزى الواقع بين جبال نيماتى وتيفافان. كان معظم الزعماء في قراويط، الواقعة إلى الشمال من قلى، من الفونج الذين شكلوا السكان الأصليين للجبل. وكان السكان فخورون بأصلهم الفونجاوى وعدوا الهمج قوماً تابعين رغم أن المجموعتين تحدثتا اللغة نفسها. ورغم أن فونج قراويط تمازجوا مع الهمج فانهم ظلوا يظهرون ملامح مميزة تجعلهم إلى حد ما أشبه بأجمل الشلك. وهناك فونج أيضاً في جبلي قلى وسيلاق غالبيتهم من الفانا فانا ويدركون صلتهم بمك رونجا السابق. احتمالاً أن يكون كل أولئك الفونج قد هربوا جنوباً من أراضيهم مع بداية الغزو التركي (الذى كما هو معروف جعل الاسترقاق أحد أهدافه الرئيسة- أركامانى).

 

حالياً فان تلك الروايات تظهر اختلاطاً بيناً وعدم ترابط، إلا أن النقطة الأهم هى هل تلك الروايات تحدارات شفهية حقيقية أم أنها مجرد روايات منتزعة من سرد مكتوب أم أنها خليط من الاثنين؟ أعتقد أنها خليط من الاثنين. إن إدخال شخصيات من القرن الثامن على أحداث من القرن السادس عشر يمكن أن تكون بفعل الفقيه السمرقندى أو أي تأثير استعرابي آخر. لكنه من سليمان ولاحقاً تظهر الروايات قدراً من المصداقية. فالمحتوى هو من نوع الموضوعات المعتادة التى تحكى عن مغامر فقير يتزوج بنت الملك ليؤسس أسرة حاكمة. التفاصيل التى تذكر هي التى تمثل أهمية كبرى بالنسبة للرواة- يتذكر أبراهيماب أسفل نهر عطبرة، أو يختارون إن صح التعبير، من التاريخ المكتوب هزيمة جيرانهم العبدلاب, ويختار سكان الجبال الجنوبية الشرقية أحداث من تاريخهم القديم الذاتى- التجميعيون العرب للأنساب يمكن أن يتحملوا مسئولية إدخال الحكم ومروان، لكنه لم يهمهم شئ سوى تأسيس أو اختلاق أصل عربي، ويبدو مستبعداً أن يكونوا قد اختلقوا الأحداث الأخرى.

 

لنحاول النظر إلى المخطوطات المحلية وما تقوله حول الموضوع، وهو أمر أصبح ممكناً بفضل العمل الكبير الذى قام به ماكمايكل. أفضل تلك المخطوطات والتي يرجع تاريخها لمنتصف القرن السابع عشر تفيد بأن الأمريين هم أسرة سليمان بن عبدالملك بن مروان الأموي" يقال بأنهم حكموا السود في السودان وبلاد الهمج حتى أصبحوا في نهاية المطاف متماثلين معهم في كل الوجوه وأصبحوا يعرفون بالفونج. هرب سليمان من الجزيرة العربية إلى الحبشة ومنها إلى السودان حيث تزوج بنت الملك وولد منها ولدان هما داؤود وأنس، الذين تغير اسماهما بعد موته ليصبحا اودون وأونسه. من صلبهما جاء ملوك السودان كان الأول منهم هو عمارة في سنار".

 

الرواية الإرترية

خلاصة تلك المناقشات يبدو وكأننا قد تخلصنا من فرضية بروس عن الأصل الشلكاوى ويمكن الحديث عن أصل غربي (النيل الأبيض) كبينة صالحة للموطن الأصلي لمؤلفيها لكنها غير صالحة لأصل الفونج. تشير الروايات الأخرى ، الشفهية والمكتوبة، إلى الشمال الشرقي. في العام 1522 كان مقر عمارة دنقس بلا شك في لامول التى تبعد ثمانية أيام من سنار، ويحتمل أنه جند قواته من سكان تلك المناطق. إلا أنَّ الرواية المحلية تلمح إلى أنه جاء في نهاية الأمر من مكان أبعد إلى الشمال. حالياً هناك في إرتريا روايات محددة لقبيلة تسمى الفونج. وقد سجل روسينى رواية محلية تقول بأنه عندما جاء ازجدى عند الهباب في حوالي 1500 كانت القبائل القاطنة في المنطقة هي البالو والفونج, وقد رحل الفونج عند وصوله وبقيت منهم في الوقت الراهن أسرة واحدة فقط. يجدر ملاحظة أن الحديث هذا عن الفونج كقبيلة وأضيفت لهم قبيلة أخرى هي البالو، ومن ثمَّ فإنهم يظهرون أناساً عاديين لا حكاماً على المملكة، وعاشوا في ترترا. القرية اللاحقة إلى الجنوب من قرية ازجدى هي قرية اندلال (انزلال).

 

في سيرة حياة مرقوريوس ذكر أن ملكة سبأ (المسماة ملكة الجنوب) لدى عودتها من زيارة قامت بها إلى سليمان إتبعت طريقاً مغايراً لطريق رحلة الذهاب ذلك أن عبيدها الفونج والتاكورير والبالو كانوا في حالة ثورة. يتضمن ذلك أن تلك القبائل احتلت جزءاً من الطريق المعتادة إلى فلسطين حين كتبت تلك الفقرة، وسيضع ذلك تلك القبائل على أو بالقرب من طريق الحج العادية عبر إرتريا (من سواكن عبر ماريا إلى كرن). ينطوي المرجع ولا شك على مفارقة تاريخية: فالقس المعنى (مرقوريوس) توفي في عام 1419 في حين نسب روسينى المخطوط إلى القرن الثامن عشر. ربط الفونج بقبيلتين أرتريين أخرتين يبدو أمراً في غير مكانه في القرن الثامن عشر عندما كان الفونج في وقتها معروفين جداً في الحبشة بوصفهم أسرة حاكمة في سنار، لكن ذلك يمكن أن يكون سليماً وصحيحاً في القرن الخامس عشر.

 

ويسجل روسينى رواية تقول بوجود معسكر للفونج في ريبالاف بالقرب من ريَّا في سهل آجرا حيث يمكن مشاهدة بقاياه بالقرب من قبة الشيخ إياسو. وكان المكان يسمى أتاتافي حيث حارب الفونج الالمادا الذين كانوا قد احتلوا المنطقة قل مجئ ازجادى.

 

ويتواتر الاسم الفونج في المنطقة نفسها. ففي شجرة نسب قبيلة المنسا إلى الجنوب من الهباب، فان الاسم الثالث كان اوالى الفنجاوى، الثالث تحدراً من منساى . هذا الاسم يرجع إلى الجيل الحادي والعشرين السابق لاحباماخل (بداية القرن العشرين) وسيقع بالتالي حوالي نهاية القرن الثالث عشر بزمن طويل سابق لتأسيس أسرة الفونج. وفي بركة على بعد ثلاثون ميلاً أسفل أغوردات يوجد خور باسم اديفونجاى. وعلى بعد أربعة أميال يقع دونجواز الذى يعد معسكراً صيفياً لزعماء بنى عامر، ولذلك يسمى داجا أو زاجا المعسكر ويقع في منطقة صالحة للزراعة بالقرب من بحيرتين. وقد يكون اسم عمارة دونقس مشتق من دونجواز. الاسم الثاني لا بدَّ أن يكون اثنيا أو طبوغرافياً ، ويوجد مثل هذا النوع من المطابقات في المنطقة.

 

لا تقول الرواية في كلمات كثيرة أن ازجدى طرد الفونج من وادي انسيبا حيث وجدهم، لكن ذلك مضمن في الإفادة التى تشير إلى رحيل الفونج بوصول ازجدى. يمكن عد هذه الحادثة سبباً وراء تحرك عمارة دونقس إلى الجنوب، لكن كراوفورد يقول بأنه ليس ضرورياً لفرضيته الاهتمام بالرحيل إذ قد تكون هناك أسباب أخرى أدت اليه. عاش عمارة دونقس في عصر شهد عدم استقرار وتقلبات سياسية. أخذت الحبشة، الجارة الأقوى، في الاهتمام بالجنوب الشرقي حيث أرض محتليها المستقبليين حكام ادل (زيلع). ظلت الحدود الغربية مفتوحة إلى كل من بإمكانه حشد مئات الفرسان. لقد كانت المنطقة معبراً يمر بقبائل متوحشة ليصل إلى أراضى غنية لكنها مهجورة . ويحتمل أن عمارة دونقس قد شرع مع فرقة من الفرسان في نقش مستقبله في الجنوب وأقام مركزاً له في لامول. كان من بين قواده العسكريين واحد باسم أبوكامل والذي يمكن أن يكون سلفاً للكميلاب إلى الجنوب من طوكر. كان أبوكامل شريفاً مكياً وكان كميلاب عطبرة، وهم فرع من القبيلة نفسها، أشرافاً. مرة أخرى تتفق التواريخ، اذ أن كميَل السلف التقليدي للكميلاب ينتمي لنفس جيل عمارة دونقس، وتزوج عثمان حفيد عبدالله جماع فاطمة حفيدة أبوكامل (كميل).

 

نوبا وهمج وعنج

بوصول عمارة إلى الجنوب فانه غالباً ما واجه أناك (النوباويون) الهاربون من رماح العرب بعد تدمير سوبا (علينا أن نتذكر أن شيخ العبدلاب يقال بأنه جاء إلى السودان عندما ذهب والد عمارة إلى تافا). هذا الحدث الداوى لازالت ذكراه عالقة في أذهان أحفاد الهاربين والذين أصبح قسمهم الأعظم "وحاة سوبا بلد الجد والحبوبة"، حتى اليوم فان خراب سوبا يساق في السودان للتعبير عن الدمار الشامل. يحتمل أن عمارة كون فرقة فرسان منهم مستغلاً رغبتهم الطبيعية في الانتقام ممن دمر حاضرة مملكتهم وتقدم شمالاً على النيل الأزرق ليستعيد معهم منطقتهم المفقودة. بعد انتصاره الذى حققه في أربجى قرر تأسيس عاصمة مملكته الخاصة في سنار ذلك أن سوبا كانت قد دمرت دماراً شاملاً، بالإضافة إلى أن سنار كانت محمية من هجمات العرب. وكان عباديا، احتمالاً عبدالله جماع، مسئولاً عن خزائن الملك عندما زار روبينى سنار. وتحرك عمارة دونقس نفسه باستمرار من مكان إلى مكان ، وهى ممارسة شائعة في الأزمان السالفة التى انعدم فيها حكم القانون، إن أراد الاحتفاظ بسلطته على الزعماء الخاضعين له. إلا أن بينة روبينى تشير إلى لامول مقراً رئيساً لعمارة دونقس. إذا كانت لامول في القلابات فان اختيارها لا بدَّ وأن يكون موفقاً حيث أنها تسيطر على أهم طريقين تجاريين يدخلان إلى الحبشة من الغرب ويلتقيان عندها. إلى الجنوب الغربي من القلابات حزام ممتد من الأراضي الجبليَّة. لقد كانت منطقة حدودية نموذجية يصعب الوصول إليها أو السيطرة عليها، ملجأ طبيعياً للمنبوذين. حتى اليوم فان المكان لازال مجهولاًً بل أن القسم الحبشي (كوارا) غير موضح في الخرائط. القسم الجنوبى إلى الشمال الشرقي من فازوغلى هى الأرض المسماة بأرض الهمج, مركزها القوى في أبى رملة (التى فشل الملك دكين في احتلالها). هذه منطقة جانجار، وغالباً من هنا جند عمارة قواته المكونة من اللاجئين العنج والمواطنين االهمج. على مثل هذا المستودع للقوى البشرية اعتمد ملوك سنار في فرض سيادتهم إلى حين أن تم اكتشاف المستودع الثاني في كردفان. طالما تمركز حاكم الفونج أساساً في لامول مع وجود نواب له في سنار والمناطق الأخرى فقد ظل بمكنته التحكم في القوات، لكنه بمجرد أن انتقلت العاصمة إلى سنار، غالباً في عهد دكين ، فان تلك القوات، وقد تركت لنفسها، نالت قدراً من الاستقلال. يمكن أن تكون تلك هي الحقيقة الكامنة وراء عبارة الفونج في الجنوب، وأصل جواد الجانجار، وقوات لولو. شذرات بيَّنة تدعم هذه الفرضية هي مقولة الشكرية عن حرس الفرسان لملك سنار أبناء دونجور وريد، ودونجور هي مكان في منطقة جانجار في أعالي الدندر. يبدو أن مقولة الشكرية تتعلق بأحداث وقعت في بداية القرن السابع عشر.

 

لازالت منطقة فازوغلى تحتوى على بقايا أعداد من الإقطاعيات الممنوحة المستقلة، بمجرد الاعتراف بسيادة سنار. لازال مك فازوغلى نفسه يحتفظ بمنصبه في ظل حكومة السودان (الإشارة إلى الحكومة الاستعمارية البريطانية-المصرية) وتم تتويجه قبل فترة "بالطاقية". يلقب حاكم الفونج الحالي بالمانجل لكن يقال أنه لقب مستحدث. ولجبل قيلي الواقع على بعد سبعين ميلاً إلى الجنوب من الروصيرص تاريخ مثير يرتبط بعلاقات فونجاوية محددة، وهو اسم أقرب لكلمة نوبية تعنى" أحمر" فهل يكون الاسم أطلق من قبل نوبيين هاجروا جنوباً؟ التاريخ المبكر لقيلى غير واضح ومعروف فقط من التحدارات الشفهية التى تذكر شخصاً ما باسم جابار ملك فازوغلى والموجود اسمه في قائمة ملوك تلك المنطقة. كان مياس هو الملك الأول لقيلى، عم لعمارة دونقس وكان عرشه في ديسا بالقرب من الروصيرص إلى الشمال منها، وهو موقع سمي سابقاً أبومياس. وفي ديسا يوجد موقع قديم يقول الناس عنه أن اسمه كان سوبا ومياس. ويقول شاتوى أن الموقع مغطى بالفخار أكثر من أي موقع آخر شاهدته وأن هناك  ما يبدو أشبه بأرضية منزل مشيد بالطوب الأحمر. يرد الاسم مياس في أشجار النسب لكن دون علاقة برواية قيلى.

 

طبقاً لروايات قيلى فان مراكزهم الرئيسة تم تحويلها من ديسا إلى جبل رقريق على بعد ثمانين ميلاً إلى الجنوب بواسطة دورا ابن مياس، ومن هناك إلى قيلي القريبة (حيث هي الآن) بواسطة مياس ابن دورا.

 

وسط مثل أولئك الزعماء الإقطاعيين الصغار جند عمارة دونقس جيشه الذى تمكن به من إلحاق الهزيمة بالعرب العبدلاب وأسس مملكة الفونج في سنار. هذه هي بلاد الهمج وزراء الفونج. ويقال أن الأميريين، وهم أسلاف ملوك الفونج، كانوا قد حكموا السود في السودان وبلاد الهمج وأصبحوا أخيراً متماثلين معهم وعرفوا بالفونج. سيكون رائعاً أن ينجح المرء في إعطاء تعريف دقيق لمصطلح الهمج، إلا أن ذلك غير ممكن ذلك أن مراجعنا تعطى تعريفات مختلفة ولا يعرف سوى أنهم قدموا إلى سنار من الجنوب.

 

أولئك الهمج في منطقة فازوغلى كانوا في ال