|
|
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية |
مجلة الأنثروبولوجيا العدد الأول/ أغسطس 2001
SUDANESE NATIONAL CRISIS: an anthropological perspective
رؤية أنثروبولوجية لأزمة الســــودان الماثلة
أسامة عبدالرحمن النور
1999/11/25
تبذل في هذه الورقة محاولة لتتبع جذور الأزمة الحالية التي يمر بها السودان والتي تكاد تعصف بوحدته أرضاً وشعباً. و كان د. أسامة عبد الرحمن النور قد قدم هذه الورقة في الملتقى الثقافي الذى يقيمه دورياً المركز القومي للبحوث والدراسات القومي في طرابلس وذلك في إطار تفعيل المبادرة الليبية التي تمخض عنها إعلان طرابلس في أغسطس 1999. وكان من نتائج المحاضرة تشكيل لجنة تمهيدية للفاعليات الشعبية بالجماهيرية والدعوة إلى ملتقى جماهيري تحت شعار "الوحدة في التنوع" قدمت فيه أوراق عمل من قبل الأكادبمببن والباحثين والمثقفين السودانيين المتواجدين في الجماهيرية دعماً للسلام في السودان انعقد بقاعة الشعب في طرابلس في الفترة 25-26 نوفمبر1999 بحضور السادة سفراء مصر و يوغندا و اريتريا و السودان و أمين عام دول الساحل والصحراء والأخ سليمان الشحومى أمين الاتصال الخارجي بمؤتمر الشعب العام وما يزيد عن الألف من المواطنين السودانيين المتواجدين بالجماهيرية العظمى، وقد أصدر الملتقى بياناً ختامياً دعماً للمبادرة الليبية التي أصبحت لاحقاً الأساس القاعدي للمبادرة الليبية المصرية المشتركة.
السياسة الاستعمارية البريطانية في السودان
في عام 1955 بدأ ما صار يعرف بتمرد الجنوب وهو التمرد الذى أصبح بداية لحرب الجنوب الأولى التي استمرت مشتعلة من حينها حتى عام 1972، وكان الصادق المهدي قد قدم، في محاضرة ألقاها في كمبالا ، قراءة لما أسماه حرب الجنوب مفترضاً أن أسبابها تكمن في السياسة الاستعمارية البريطانية. الحقيقة أنه لابدَّ من الاتفاق مع الصادق المهدي في افتراضه، ففي عام 1919 وبعد اندلاع الثورة في مصر قام البريطانيون بإضعاف الدور المصري وتقليصه في إدارة السودان وأصبحوا أكثر تشدداً في سياستهم الجديدة التي تبنوها بدءاً من عام 1920 باسم سياسة الجنوب التي دعت فيها الإدارة الاستعمارية إلى ضرورة الفصل بين تطور شمال السودان عن جنوبه بما يؤدى إلى استبعاد إمكانية وصول عملية التمثل الكامل بين الشطرين وعرقلة انتشار المد الوطني، وهكذا بدأ تشجيع فرض اللغة الإنجليزية لغةً رسمية في الجنوب والاهتمام بالعادات والتقاليد المحلية الجنوبية، وفي هذا الإطار كتب ولسون كاش معبراً عن انزعاجه :"..تمثل الحكومة مرفقاً عادلاً ومناسباً لكل من المسلمين والوثنيين على حد سواء، وتتبنى في الجوانب الدينية موقفاً غير منحاز بشكل صارم، ولا يشكل النشاط التبشيري جزءاً من عمل الحكومة وإنما يقع عبئه على الإرساليات وحدها، وهى التي تحدد إذا ما كان أولئك الجنوبيون الوثنيون سيتركون للوقوع في قبضة الدين الإسلامي أم يمكن كسبهم للمسيحية".
واكب إقرار سياسة الجنوب سّن إجراءات محددة: ففي عام 1921 تم إعفاء حكام المديريات الجنوبية البريطانيين (بحر الغزال والاستوائية وأعالي النيل) من حضور الاجتماعات السنوية التي تعقد في الخرطوم لحكام مديريات السودان المختلفة، وسمح لهم بدلاً عن ذلك أن يقيموا صلات مباشرة مع نظرائهم في كينيا و يوغندا. وفي عام 1922 صدر قانون الجوازات و الإجازات الذى حدد دخول الأجانب إلى السودان، وقانون المناطق المقفولة الذى حدد سفر السودانيين الشماليين إلى الجنوب بطريقة تربط التصديق بذلك بمزاج السلطة المخولة. نص قانون المناطق المقفولة، الذى تم توضيحه لاحقاً بصورة جلية في عام 1930 من قبل السكرتير الإداري بتوجيه من الحاكم العام على أن: "سياسة الحكومة في جنوب السودان تهدف إلى بناء مجموعة وحدات قبلية أو اثنية مستقلة بتركيب وتنظيم قائم على المعتقدات والعادات والتقاليد المحلية إلى المدى الذى تتطلبه احتياجات العدالة والمساواة وقيام حكومة محترمة. إن حكومة السودان ستشجع، بقدر ما أمكن، التجار اليونانيين والسوريين أكثر من الجلابة (التجار السودانيين الشماليين). السماح للمجموعة الأخيرة يجب أن يقرر دون مجاملة، ولكن بشكل تدرجي، وفقط لأفضل الجلابة الذين ترتبط مصالحهم بشكل واضح بالعمل التجاري ويلتزمون بالطرق التجارية المشروعة، ومن المهم جداً تحديد تجارتهم في المدن أو الطرق المعبدة، ويجب بذل الجهد لجعل اللغة الإنجليزية وسيلة الاتصال الرئيسة وسط السكان واستبعاد اللغة العربية كلياً".
هكذا أصبح للسلطات المفوضة الحق بمنح إذن السماح بمزاولة العمل التجاري في الجنوب بحكم القانون، ولها مطلق الحرية في رفض الإذن أو تجديده بعد انتهاء صلاحيته دونما تحديد للأسباب، وفي الحالات المماثلة لها الحق في إلغاء أي إذن دون إخطار وعلى المستفيد إنهاء أعماله في المنطقة المحددة في الإذن خلال وقت تحدده السلطات المختصة. وقد حاول الموظفون الاستعماريون تبرير منع السودانيين من أبناء الشمال الجغرافي مزاولة النشاط التجاري في الجنوب بالادعاء، كما عبر عن ذلك هندرسون، بأن: "الشمالي بالنسبة للإداري البريطاني أما تاجر أو تاجر رقيق، فحتى منتصف العشرينات كان البقارة مستمرين في جمع الرقيق في مناطق جنوب النهر ليبيعونهم في أسواق الشمال البعيدة، بالإضافة إلى صيد الأفيال والزراف ونهب الماشية، وعندما يعملون في التجارة البسيطة كانوا، في الغالب، يخدعون أبناء القبائل النيلية البدائية ويغشونهم ويتعاملون معهم بطريقة مزيفة. فالتاجر الجلابي كان في رأى البريطانيين شخصاً غير مرغوب فيه في الجنوب لأنه يثرى على حساب القرويين ويبيع سلعاً تافهة بأرباح عالية وينشر الأمراض الجنسية، وكان دائماً يقوم بالاحتيال على الجنوبيين، ويهدد الآن بالمضاربة تماماً كما كان يفعل الهنود في شرق أفريقيا عن طريق احتكار تجارة القطاعي والزراعة التجارية".
واضح بما لا يدع المجال للشك أن قانون المناطق المقفولة هدف إلى تلجيم عملية التثاقف بين شطري البلاد، غض النظر عن التبريرات التي يسوقها الإداريون البريطانيون الذين غادروا جزيرتهم البعيدة للإشراف على عملية استنزاف شعوب قارتنا الأفريقية.
وفي عام 1946 قدمت الإدارة الاستعمارية البريطانية مشروعاً بديلاً يستبعد سياسة الجنوب ليحل محلها سياسة يتم من خلالها بقاء سكان الجنوب الجغرافي للسودان في إطار سودان موحد على أن تتم تهيئتهم عبر الإدارة غير المباشرة والتعليم والتنمية الاقتصادية "ليقفوا أنداداً للشماليين" في المستقبل، ومن ثم جاء انعقاد مؤتمر جوبا في يونيو1947 ليُعلن بأن يكون الشمال والجنوب دولة واحدة على أساس الحكم الذاتي لجنوب السودان. وفي ديسمبر 1948 تم عقد أول اجتماع للجمعية التشريعية التي ضمت عشرة نواب منتخبين مباشرة عن المدن وعضوية اثنين وأربعين تم تعيينهم عن المناطق الريفية للشطر الشمالي واثني عشر عضواً من الشطر الجنوبي، وعين الحاكم العام عشر نواب، وتم اختيار مجلس تنفيذي من اثني عشر عضو سبعة منهم من البريطانيين.
اعتقادنا أن إدراك السياسة الاستعمارية البريطانية في السودان، كما هو الحال في بقية المستعمرات البريطانية، وإقرار سياسة الجنوب في عام 1920 ومن ثم الارتداد عنها وإحلال سياسة الحكم الذاتي في عام 1946 بدلاً عنها، لابدَّ ألا يكون بمعزل عن التطور الذى شهدته الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية، إذ من المعروف أن ذلك الفرع المعرفي كان قد حقق طفرة كبيرة في الفترة 1860-1880 بظهور مؤلفات المدرسة التطورية الرائدة مثل حق الأم لباخوفن، والمجتمع البدائي لتايلور، ونظم القرابة والمجتمع القديم لمورغان، وخلال سنوات قليلة بدأ الانقلاب على أسس الاثنوغرافيا أو ما صار يعرف في بريطانيا بالأنثروبولوجيا الكلاسيكية. في تلك الفترة بالذات، كما هو معروف، بدأ الاستعمار أيضاً.
قد لا يعنى مثل هذا التوافق الذى وددنا الإشارة إليه شيئاً في البداية، إلا أن ثمة مبادئ توحي بأن مثل هذا التوافق ما كان محض صدفة، ذلك أنه مما لاشك فيه أن ثمة توافق قد نشأ في تلك المرحلة بين الأيدولوجيا الاستعمارية والتوجهات الأيديولوجية لهذه الأنثروبولوجيا الناشئة، بمعنى أن هؤلاء المنظرين الأنثروبولوجيين كانوا بمعنى آخر بوعي أو بدونه منظرين للاستعمار، سواء ماين أو تايلور أو ليبوك، الاستثناء الوحيد هو مورغان الذى اختلف عنهم لا من حيث موقفه من التمدن بل من مجمل النظام البورجوازي كما تبلور في القرن التاسع عشر. أصبحت الأنثروبولوجيا الناشئة ممارسة جديدة، تماماً كالاستعمار العلمي، ولا معنى لها إلا من داخل الاستعمار العلمي، غرضها هو إما وصف شروط الوجود البدائي للشعوب المستعمَرة في المرحلة السابقة على وصول الاستعمار بحيث تقدم وصفاً لنمط هذا الوجود قبل أن يصار إلى القضاء عليه، أو أنها ستتناول وصف هذا الوجود كما خلقه الاستعمار، هكذا نجد ليبوك يكتب: "إن لدراسة الحياة البدائيَّة أهمية خاصة بالنسبة لنا نحن الإنجليز مواطني إمبراطورية واسعة لها مستعمراتها في كل ناحية من أنحاء العالم والتي يشكل أبناؤها مختلف درجات المدنية."
ومن ثم ينقل ليبوك عن هونتر قوله: "لقد قمنا بدراسة شعوب الأراضي المنخفضة بشكل لم يقم به أي منتصر، وبشكل لم تدرس أو تفهم فيه قبيلة خاضعة للسيطرة ، فنحن نعرف تاريخهم وحاجاتهم وعاداتهم ونقاط ضعفهم بل وأحكامهم المسبقة، وهذه المعرفة الخاصة قد أتاحت لنا توفير قاعدة للإرشادات السياسية التي يمكن ترجمتها بالحذر الإداري والإصلاح اللازم في حينه". هكذا ستحاول الأنثروبولوجيا، بوصفها أحد موجودات الاستعمار، القيام بواجبات عملية، ثم عليها أن تستعمل كل مواردها وأن تتحول إلى أنثروبولوجيا تطبيقية في خدمة الشعوب، وفي كل الأحوال فان لحظة يقين الغرب من ذاته هي أيضاً لحظة يقين الممارسة الأنثروبولوجية من ذاتها، إنها لحظة الضمير الاثني الصادق.
الواقع أن الأنثروبولوجيا لم تصبح علماً مستقلاً إلا حين بدأت مرحلة الأبحاث الميدانية، وتفترض ممارسة الأبحاث الميدانيَّة وجود الاستعمار، لكن استطاعت الأبحاث الميدانية أن توجد مسافة بينها وبين الاستعمار وأن تسهم في تحويل الأيدولوجيا الاستعمارية ولو بدرجة نسبية. لاشك في أن دور الأنثروبولوجيا في الرؤية الاستعمارية للعالم من قبل الدول-المركز لم يتعد الدور الذى تقوم به كل بُنية فوقية، فالاستعمار ليس توسعاً وسيطرة اقتصادية، إنه سيطرة واثنية مركزية ثقافية ذلك أنه يفترض الإيمان بثقافة واحدة، وهو ما عبر عنه جاك بيرك بالقول " لقد فرضت الإمبريالية على العالم طريقة وعى في الوقت الذى كانت تفرض فيه شكل الإدارة.
في عام 1902 ظهر عمل سوسير "علم نفس الاستعمار" الذى حاول فيه إسناد سياسة التماثل الاستعمارية إلى مبادئ التطورية الخطية: "تقوم سياسة التماثل على حجج مغرية، إذ أظهر البدائيون مقاومة تجاه حسنات المدنية التي نحملها لهم، هكذا يقال لنا، وذلك يعود إلى أحكامهم المسبقة التي لا تسمح لهم بفهم الحسنات التي يمكنهم الاستفادة منها، والأحكام المُسبقة هذه باقية في حياتهم، وهى حصيلة وضعهم المتردي، حصيلة إيمانهم ولغتهم، فمن واجبنا أن نقضى إذاً على هذه المخلفات التي تعود إلى ماضي سحيق .. حتى نتمكن من تحقيق التماثل مع أعراق تختلف عن أعراقنا علينا أن نكون مقتنعين بقابلية تلك الأعراق للتماثل، أي علينا الاعتقاد بالوحدة التكوينية للطبيعة الإنسانية".
وعرَّف جيرولت، الذى انطلق من مواقف تطورية تنادى بالتماثل، التماثل باعتباره جعل الآخرين مشابهين له، ولكن التماثل عملية لا يمكن فرضها: "لأن البدائيين لا يريدون ذلك أولاً، ثم أنه لا مصلحة لنا في فرضه عليهم، ومن ثم فان فرض شكل وحيد ليس وارداً، إلا لأن لمؤسساتنا الأوربية قيمة العقيدة المطلقة التي يجب أن تنتصر مهما كانت الظروف، وبالتالي علينا أن نبرهن أولاً في العديد من الحالات على هذا التفوق".
وفي عام 1911 انعقد المؤتمر العالمي الأول للأعراق في لندن، وأبرزت إسهامات المشاركين مفهوماً جديداً تمثل في ما اصطلح على تسميته احتكاك الثقافات الذى مثلَّ محاولة لنفي فرضية تفوق الغرب تحت تأثير ما عُدَّ اكتشافاً لما في تعدد الثقافات من سحر وهو تعدد لابدَّ من الحفاظ عليه ما أمكن بإتباع سياسة أساسها احترام مؤسسات الشعوب الأصيلة، هكذا جاء إحلال مفهوم التثاقف بديلاً يحل محل التبشير الحامل للمدنية فكتب دوركايم في عام 1912: "إن لكلمة المدنية بالنسبة لنا قيمة واحدة، ولا نريد بأن نقر بأن بإمكانها أن تتطور على أسس اجتماعية وسياسية مخالفة لما لدينا، علينا أن نسلم أولاً بضرورة إقناع الآخرين سلفاً بهذه المواضيع الجديدة"، وفي اعتقاده أيضاً بخصوص التبشير الحامل للمدنية أن الحكام والإداريين والقضاة جميعهم قد انطلقوا من القناعة التي لانثنى وهى التفوق الأصلي والثقة اللا محدودة بقيمة المبادئ التي تواجه بمبادئ الآخرين والتي لا تخذلها التجربة أبداً، وأن المقاومة التي تواجههم لا تعزى إلى عدم اكتمال النظام، بل لعناد الشعوب الطفلة التي لم تدرك نوايا مربيها المُحسَّنة إليها". ومن ثم يستخلص دوركايم من ذلك ضرورة تكيف الاستعمار مع المؤسسات المحلية بإتباع سياسة بدائية متنورة تراعى الخصوصيات كافة.
هكذا نرى كيف أنه لا يمكن عزل الأنثروبولوجيا الوظيفية المستقبلية عن تطوير المفاهيم الاستعمارية، وهى عملية قد تمت مع مطلع القرن العشرين ومن داخل الأيدولوجيا التطورية بالذات انطلاقاً من الصعوبات التي واجهت الاستعمار. كان لابدَّ لمثل هذه الطروحات الأنثروبولوجية أن تدفع بالسلطات الاستعمارية، بفعل الصعوبات والاعتراضات والتمردات المستمرة، لأن تعيد النظر في سياسة الإدارة المباشرة بمساعدة الزعامات المحلية، وهكذا أخذت في التبلور فكرة الإدارة غير المباشرة مكان الإدارة المباشرة، وهو ما صار يعنى ليس الاعتراف بشرعية الزعامات المحلية التقليدية، بل الاعتراف بإرادة الإداريين البريطانيين في ترك الأمور الصغيرة للزعامات المحلية التقليدية (جمع الضرائب، وفض المنازعات وما إلى ذلك). كان تطبيق الإدارة غير المباشرة قد بدأ في نيجريا لأسباب محددة لن نخوض فيها هنا، على يد لوغارد الذى سجل لاحقاً خبرته في تطبيق تلك السياسة في كتابه المعنون "الانتداب المزدوج في أفريقيا البريطانية الاستوائية" الذى صدر عام 1922. أشار فردريك لوغارد إلى أنه اتبع هدفاً مزدوجاً تمثل في الإبقاء على الحكم الاستعماري وتطويره، ومن ثم إقامة علاقات جديدة بين المستعمر والشعوب المستعمَرة إلى جانب تطبيق سياسة فرق تسد. هكذا لم يكن لوغارد يسعى إلى تهيئة نيجريا للاستقلال بل أراد، حسب رأيه، أن يقوم بما يناسب المؤسسات البدائية، ومن ثم تمثلت الخطوة الأولى برأيه في إيجاد رجل صاحب تأثير وجعله زعيماً وإخضاع المزيد من القرى والأقاليم إلى سلطته، ثم جعله يفهم الكيفية التي يمد بها سيطرته وجعله يفهم معنى السلطة ومعنى المسئولية.
لا نعتقد بأنه يمكن إدراك أبعاد سياسة الجنوب في السودان في عام 1920 بمعزل عن التقرير الذى قدمه لوغارد إلى إدارة المستعمرات البريطانية بعنوان مذكرة سياسية جاء فيه: "من الواضح أنه يجب تطبيق هذه السياسة المشار إليها (يقصد الإدارة غير المباشرة) بشكل متفاوت خاصة بالنسبة للقبائل التي لا تعرف إطلاقا أية قيادات عليا، علينا أن نفهم هذا التنظيم القبلي وأن نعده إطاراً يمكن مستقبلا البناء على أساسه. من الأفضل دراسة القيم البدائية بعناية، خاصة تلك التي تؤثر في ذهنيتهم مع الأخذ بالحسبان إمكانية عدها عوامل مناسبة في إيجاد نظام لدارى يتناسب مع وضعية تلك القبائل". كما لا يجوز عزل إقرار سياسة الجنوب عن سياسة الإمبراطورية البريطانية في أفريقيا الشرقية حيث أخذ زملاء لوغارد في تطبيق الإدارة غير المباشرة، بخاصة كاميرون الذى عدَّ الأنثروبولوجيا جزءاً هاماً من عدة الإداري الثقافية.
هكذا يتضح أن مفهوم التثاقف صار مرتبطاً بالحقيقة الاستعمارية وبمحاولة المدرسة الوظيفية البريطانية لجعله مفهوماً مقبولاً، فالاستعمار بالنسبة للأنثروبولوجي الإداري ممارسة وسياسة لا بد من إتباعها، من ثم تولدت الأنثروبولوجيا التطبيقية من رغبة المدرسة الوظيفية في تطبيق عملها على السياسة الإدارية، ألم يكن مالينوفسكى أحد الذين ركزوا بشدة على القيمة التطبيقية للأنثروبولوجيا فكتب في عام 1922: "يمكن استخدام كل فرع معرفي، بتطبيقه أول الأمر في الإدارة العمليَّة، في المجال الخاص به، وثانياً بفتحه أفقاً أرحب في مجاله، يبيح لنا بناء نظرية أكثر تطابقاً مع الظاهرة قيد الدراسة. إن لدراسة القبائل المتوحشة والملونة قيمة عملية، فهى تعنى في المقام الأول بغايات الإدارة الاستعمارية والعلاقات بين الشعوب البيضاء والشعوب الملونة، كما يمكن للدراسات الاثنية، ثانياً، أن توسع نظرتنا حول الطبيعة الإنسانية، مما يبيح لنا بناء نظرية اجتماعية عينية تتناول مستقبل السلوك العلمي للأعمال الإنسانية".
الأمر كذلك لا يجوز عد الأنثروبولوجيا التطبيقية مدرسة أعقبت الوظيفية أو أنها مدرسة تأسست إلى جانب التحليل الأكاديمي، بل أنها الوظيفية بقدر ما تعي نفسها علماً له طموحاته التطبيقية. الواقع أنه يجوز القول بأن معظم الأعمال الأنثروبولوجية التي تمت في تلك الفترة قد ارتبطت بهذا الاتجاه الجديد، هكذا وضع سيلجمان في عام 1932 بطلب من حكومة السودان الاستعمارية كتابه قبائل السودان النيلية الوثنية، كما كتب ايفانز برتشارد بطلب أيضاً من حكومة السودان كتاب النوير. ويجدر التنويه للإطراء الذى عبر عنه مالينوفسكى لقيام الأنثروبولوجيا التطبيقية في أفريقيا معلناً بذلك عن تأييده لسياسة الإدارة غير المباشرة ومبادئها العامة قائلاً: "إن النتيجة الحاسمة للخلاف بين الإدارة المباشرة والإدارة غير المباشرة هي إتاحة المجال لدراسة الصيرورات المختلفة التي يبلغ بها التأثير الأوربي قبيلة أصلية، إن الفارق الحقيقي بين الإدارة المباشرة والإدارة غير المباشرة يتمثل في افتراض الأولى امتلاكها القدرة على خلق نظام جديد وبضربة واحدة، وعلى تحويل الأفارقة إلى أوربيين مزيفين أو متمدنين مزيفين في سنوات قليلة. أما الإدارة غير المباشرة فهي عل يقين من استحالة تحقيق تحول سحري من هذا النوع والواقع أن كل تطور اجتماعي هو تطور بطئ تدريجي نابع من الداخل".
ما هي المستجدات التي أدت إلى التحول من سياسة الجنوب إلى سياسة الحكم الذاتي في السودان؟
في عام 1944 نشر هرسكوفيتز بحثه الهام عن الحكم الذاتي الوطني الذى وجه فيه نقداً لاذعاً للطروحات الاستعمارية مهاجماً بشدة سياسة الإدارة غير المباشرة الليبرالية والإمبريالية المتنورة التي دافعت عنها المدرسة الوظيفية. أشار هرسكوفيتز إلى أن المدرسة الوظيفية أبرزت وجود مؤسسات سياسية في المجتمعات كلها (مشيراً إلى عمل ايفانز برتشارد عن النوير وإلى كتاب النظم السياسية الأفريقية الذى أشرف عليه فورتس بالتعاون مع برتشارد)، إلا أن الوظيفيين لم يستنتجوا، في رأيه، من ذلك النتائج الممكنة كلها، فالمجتمعات الأفريقية قادرة على حكم ذاتها بذاتها طبقاً لتقاليدها السياسية الخاصة، ويقول بأنه "مهما كانت هذه الأنظمة السياسية، معقدة أو غير معقدة، مرتبطة بمجتمعات كبيرة أو صغيرة، فهي قادرة على ملئ وظائف الدولة كما تفهمها، أي قادرة على مراقبة علاقات الإنسان بنظرائه، وعلى تنظيم المعركة نحو السلطة وظيفياً".
يعود الفضل إلى هرسكوفيتز في اختراع مصطلح نسبية الثقافة الذى وجه ضربة للأنثروبولوجيا التطبيقية الاستعمارية. فمنذ عام 1925 اقترح الأنثروبولوجيون الأمريكيون من أمثال سابير، وبواس، وكرويبر تمييزاً بين ثقافات أصلية وثقافات غير أصلية تعيش الأولى منسجمة ومتوازنة في تطابق كلى مع ذاتها، على عكس الثانية التي تحيل الإنسان إلى حالة من الصدأ، كما تولد الكبت والاغتراب. ونجح هرسكوفيتز في كتابه الإنسان وأفعاله من تطوير هذا المفهوم الذى لم يكن سوى خطوط لدى زملائه الأمريكيين: "كيف يمكن إطلاق أحكام قيمية على هذه الثقافة أو تلك، أو على الثقافة البدائية بشكل عام طالما أن هذه الأحكام مبنية على التجربة، وطالما أن كل فرد يفسر التجربة بحدود تثاقفه الخاص".
هكذا فان هرسكوفيتز يقول بعدم وجود تجربة حسية كانت أم فنية أو دينية الخ. بذاتها طالما أن كل تجربة هي ن