| Copyright © 2005 ArkamaniNewCush Page All rights reserved. |
© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005 أركامانى صفحة كوش الجديدة |
دوبجانسكي : علم الأحياء ومعنى الحياة - 7
الفصل السادس
التركيب التيلاري
الإنسان هو الكائن الوحيد من بين المليونين أو أكثر من الأنواع التى تعيش على الأرض الآن الذي يتخبر الهم الشاغل، المصير. الإنسان يحتاج إلى إيمان، إلى أمل، إلى هدف يعيش لأجله ويمنح الكرامة لوجوده. إنه يجد نفسه في هذا العالم دون اختياره، ويود على الأقل أن يتجنب المعاناة المفرطة وأن يستمتع بالبهجة التى قد تكون في متناول يديه. انه يرغب في أن يتخبر الجمال ويعيشه، وأن يتحاشى القبح، وهو يتوق فوق كل شيء للحب والانتماء للآخرين؛ انه يريد أن يكسب احترامه لنفسه ويحافظ عليه، وأن يكسب احترام وتقدير الآخرين إن أمكن. وهو مستعد لأن يتنازل عن ملذاته وأن يتقبل المحنة والألم في سبيل كسب هذا الاحترام واحترام الذات.
كل هذا ضروري، لكن هل يكفي هذا لكي يجعل للحياة معنى! انه يكفي لبعض الناس العاديين. لكن آخرين، ربما بلا معقولية، يطلبون أكثر. لو أن الإنسانية لا معنى لها فلا يمكن أن يكون لحياتي الشخصية معنى. لا بدَّ إذن، من أن أكتشف أملاً للإنسانية في تطورها التاريخي. وهدف حياتي لا يمكن إلا أن يكون جزءاً من هدف الإنسانية الكبير. فوق ذلك فإنه لمما لا يدركه العقل أن يكون للإنسانية معني إن لم يكن للكون معنى. الإنسان متشابك في الإنسانية والإنسانية في الحياة في كوكب الأرض، والأرض في الكون. والكون الذي تؤلف الإنسانية جزءاً منه لا بدَّ أن يكون له معنى. وقد عبر توينبي (1956) عن ذلك بالتعبير الرشيق التالي : "لا تستطيع الروح الإنسانية التى تكمن في كل منا أن تكف عن البحث عن تفسير للكون الذي نجد أنفسنا فيه. وهي تلح على أن تمنح رؤيتنا الكونية أهمية للكون دون أن تجعله متمركزاً حول الذات. قد يكون التوفيق بين هاتين الضرورتين مستحيلاً في المنطق. لكن الروح الإنسانية لا تقبل التخلي عن البحث عن تفسير اللغز حتى بين فكي المنطق؛ ويبدو أن العهد الجديد الذي أوحت به الأديان العليا يبيح التوفيق في إيحائه بأن معني الحياة والوجود والواقع هو الحب".
لقد كانت طقوس الخصب والجذل الأولي بالحياة كافية لأن تعطي مظهراً للهدف من حياة الناس البدائيين. وقد خلف تطور الإنسان تلك المرحلة من الطفولة الروحية السعيدة بعيداً في أغوار الماضي. لا بدَّ للإنسان الحديث من أن يرقى ببصره فوق الجذل البيولوجي بالبقاء والتناسل. ولا يكفي أي شيء دون التركيب الديني لتلبية حاجة الإنسان تلك. هذا التركيب لن يكون مجرد إحياء لأحد الأديان القائمة، ولا يحتاج لأن يكون ديناً جديداً. وهو يمكن أن يقوم في كنف أحد أديان العالم الكبرى، أو عليها كلها مجتمعة. إن تربيتي وتعليمي تجعلاني أتحيز للمسيحية إطاراً لهذا التركيب. لكنني أفهم أولئك الذين يفضلون إطاراً يقوم على دين آخر. المهم أن يكون الناتج تركيباً حقيقياً. يجب أن يشمل التركيب العلم، لكنه لا يمكن أن يكون علماً صرفاً، وبهذا المعنى فهو لا يمكن أن يكون "علمياً". يجب أن يشمل التركيب الفن وعلم الجمال، لكنه لا يمكن أن يكون جمالياً وحسب. المذهب الذي يكون في تناقض صارخ مع الكشوفات العلمية المؤكدة لا يمكن أن يكون صحيحاً، لكن المذهب الذي ينسجم معها يمكن أن يكون مع ذلك خاطئاً. العلم يكشف الموجود، والإنسان يتوق لاكتشاف ما ينبغي وجوده. التركيب يجب أن يتسم بالإشباع الجمالي، لكن لا بدَّ من أن تكون له صفة الإقناع العقلاني.
لقد بين تيليش (1953) دور العلم في التركيب الديني بوضوح يثير الإعجاب : "بالطبع لا يمكن لـ اللاهوت أن يستند على النظريات العلمية. لكن لا بدَّ لـ اللاهوت من أن ينسب فهمه للإنسان لفهم الطبيعة الكونية، لأن الإنسان جزء من الطبيعة والإفادات عن الطبيعة تتضمن كل الإفادات عنه. حتى لو تمكن علماء اللاهوت من تفادي الأسئلة عن علاقة الإنسان بالطبيعة وبالكون، فسيظل الناس في كل زمان ومكان يسألون هذه الأسئلة في كثير من الأحيان بإلحاح وجودي الطابع وبداعي الأمانة المعرفية. ويمكن أن يصبح عدم توفر تلك الإجابات حجر عثرة لحياة الإنسان الدينية بأسرها".
لا يكفي فهم الإنسان لنفسه لإشباع نهمه لمعنى الحياة، بل لا بدَّ من فهم الطبيعة بأسرها، الحية وغير الحية، بعلاقاتها المتداخلة. فالإنسان الذي قد يكون الطليعة الروحية للطبيعة ورأس رمحها ليس مع ذلك إلا جزءاً يسيراً منها. وهو قادم جديد تماماً على العالم إذا ما نظرنا إليه بمقياس زمني كوني. لقد ظهرت بدايات الإنسان - بأقصى التقديرات - قبل حوالي مليوني سنه، بينما ظهرت الحياة في الأرض قبل حوالي بليوني سنه. ويقدر عمر الكون من خمسة إلى عشرة مليون سنه. فإذا ما اعتبرنا الإنسان على نحو ما كائناً فوق الطبيعة، فهو بالتأكيد لم يبرز من أحشائها التى تشكل بداخلها إلا مؤخراً.
الحياة أقدم بكثير جداً من الإنسان، والكون أقدم بكثير من الحياة. ذلك يشير إلى شرط ضروري لا بدَّ لأي تركيب من تلبيته ليكون مقبولاً. لا بدَّ لهذا التركيب من أن يصور الإنسان والحياة والكون لا في حالة ثبات وإنما في حالة تغيير، أجزاء من صيرورة واحدة متصلة، عالم واحد لا ثلاثة عوالم ساكنة منفصلة. الفرضية الأساسية للتركيب تتطلب النظر إلى الكون وكل ما فيه نتاجاً ناشئاً لعملية التطور. التركيب يجب أن يكون تركيباً تطورياً.
إن قبول هذا المبدأ ليس بالأمر الهين لبعض الناس. الإنسان يتوق عادة للاستقرار ويرتاب في التغيير. ومع أن الناس يرون التغيير يحل في كل شئ حولهم لكنهم مع ذلك يودون الاعتقاد بأن هنالك شئ أساسي، تصميم عام للأشياء يبقي ثابتاً إلى الأبد، لا يتغير. فالاستقرار يوحي بالأمن، بينما التغيير قابل لأن يجلب معه المخاطر والإجهاد وفقد الأمان.
إن العلماء دون غيرهم ليسوا فقط مروضين على التغيير وإنما يرحبون به، أو هكذا يفترض. العلم معرفة تراكمية، فأرسطو لم يكن يعرف الكثير من أشياء مألوفة لكل التلاميذ الآن. ونحن نأمل بالطبع أن يعرف العلماء اللاحقون أكثر مما نعرف، وأن يفهموا الأشياء أفضل من فهمنا لها. لكن العلماء بشر، ولا يستطيع بعضهم مغالبة الشعور الخفي بالامتعاض حينما يثبت بطلان بعض أفكارهم.
الأديان عكس ذلك، عادة ما تعتز بثباتها وعدم قابليتها للتغيير. يقال أن الأديان هى المرساة الكبرى، رمز الاستقرار. مع ذلك يكتب توينبي (1956) :"لا بدَّ للشيء الدائم الشامل من أن يترجم دائما وفي كل مكان بلغة الأشياء المؤقتة والمحلية ليكون في متناول أناس معينين في ظرف معين ومكان معين". لا يتعارض تطور الدين إذن مع امتلاكه لحقائق أبدية وشاملة. لكن مظهر التعارض ينشأ من العجز عن التمييز بين ما هو أبدي وشامل وما هو مجرد إضافات وقتية تراكمت تاريخياً. هنالك موقف موازي في عالم الفن وعلم الجمال. إننا نعجب برسوم إنسان العصر الحجري القديم في الكهوف التى عاش فيها. فالجمال الذي قدره على الأقل بعض الأفراد في فجر التطور الحضاري هو الجمال نفسه الذي نقدره نحن اليوم. هذا لا يحول دون تطور الإحساس الفني والجمالي. فلا الرسوم الملونة في كهوف ألتاميرا ولاسو أغنتنا عن لوحات مايكل أنجلو وبيكاسو ولا العكس. ويؤكد مالرو (1960) أن "كل أشكال الفن التى تجسد جانباً من المبهم الذي لا يسبر غوره تشترك جميعها في الإيحاء بوجود عالم آخر، ليس جهنمياً أو إلهياً بالضرورة، ولا مجرد عالم ما بعد القبر، لكنه عالم فوق الحقيقي، يوجد هنا والآن، متشابهاً للجميع، بدرجات متفاوتة، "الحقيقي ليس إلا مظهراً، وثمة شئ آخر يوجد، ليس مجرد مظهر ولا يحمل دائماً اسم الإله".
ان تأكيد حقيقة الوقت والتاريخ هو جوهر المبدأ التطوري. وإذا لم يحدث التطور فإن الوقت لا يعتد به، والتاريخ "حكاية يرويها أبله، ملأى بالضجيج والغضب، لا تدل على أي شئ". وإن الذين يودون أن يؤمنوا مع ذلك بأن العالم والطبيعة البشرية ثابتين بطبعهما يركنون إلى حيل فكرية مثل أساطير العودة الأبدية والنظريات الدورية للتاريخ. وأكثر هذه الحيل حذقاً نظرية أفلاطون للمثل التى عاشت أكثر من ألفي عام. الأشياء التى نشاهدها وفقا لتلك النظرية ليست سوى ظلال المثل الكاملة، المتقنة، الأبدية التى لا تتغير؛ الظلال تتحول هنا وهناك، أما المثل فإنها تبقي ساكنة إلى الأبد في صفاء.
قلنا فيما سبق أن المسيحية في الأساس تطوريه. أنها تؤكد أن معني التاريخ يكمن في التدرج من الخلق إلى الخلاص إلى الملكوت. وكما يبين فرانسكوير (1960) تبياناً مقنعاً في كتابه العميق، فإن الأدباء والمفكرين المسيحيين الأوائل لم يتمسكوا دائماً بتلك الأفكار التى نصفها الآن بالأصولية. غير أن الذين تولوا الأمر بعدهم تأثروا بتوق رعيتهم للأمن والاستقرار. وهكذا تم التوصل إلى وفاق يقوم على فرضية أن الخلق اكتمل خلال بضعة أيام قبل حوالي خمسة آلاف من السنين؛ ولا يجري ما يؤبه له الآن. لقد مُنحنا أرضاً دافئة مريحة تجري حولها الشمس والقمر والنجوم لبهجة الإنسان وراحته، وأوجد فيها الحيوان والنبات لغذائه، وأحياناً لابتلائه. أما التغيرات التى تحدث فمعظمها دورية، ترمز لها أوجه القمر وتعاقب الفصول وموت النبات وعودته للنماء. ويجئ ملكوت السماء فجأة بلا توقع. وهو لا يكون تتويجاً لكدح الإنسان التاريخي ليلاقي ربه، وإنما هو رحمة عفوية من عند الله، تماماً كما كان الخلاص من قبل.
وتسير المحافظة الدينية في يسر جنباً إلى جنب مع المحافظة السياسية. فالابتكار مدعاة للريبة : ما كان مناسباً لآبائنا يناسبنا نحن أيضاً. العادات والقوانين والدساتير القديمة مناسبة لأنها قديمة؛ فهي مأمونة دلت التجربة على صلاحيتها. ويقتفي كل جيل أثر الذي سبقه؛ قد يجمع مالاً أكثر أو يعمر أرضاً أوسع، لكنه يترك النسيج الاجتماعي ونظم السلوك المقررة على ما هي عليه. يرتكب بعض الناس الخطايا مراراً، والكل يفعل حيناً، لكن الشعائر والطقوس المناسبة تكفر تلك السيئات وتعود عليهم بالغفران. فهنالك شعائر تبارك الميلاد والزواج والموت؛ وهكذا تسير الحياة إلى الأبد.
لكن طوفان الكشوفات العلمية أدى إلى تقويض أسس كل تلك الاتجاهات المحافظة. كانت الضربة الموجعة الأولي إثبات أن الأرض تدور حول الشمس، لا العكس. جاء بعد ذلك إثبات أن عمر العالم يقاس لا بآلاف السنين وإنما بآلاف الملايين. كان ممكناً أن يتم التوفيق بين هذه الحقائق وأن تتعايش مع النسق الساكن للعالم وجوهره الذي لا يتبدل. لكن إدراك حقيقة أن الخلق عملية مستمرة وليس حدثاً ينتمي إلى الماضي البعيد كانت فاجعة. التغيير والتطور ليسا وهماً ولا استثناءً مؤسفاً لقاعدة الاستقرار؛ انهما بالعكس، مزاج الطبيعة الذي يسري في كيانها. ولم ينشأ العداء لنظرية داروين لمجرد كونه أبان قرابة الإنسان للحيوانات الدنيا وتحدره منها. لقد كان لهذا العداء مصدر آخر أكثر عمقاً. فلو أن الطبيعة والكائنات الحية كلها تتغير وتتحسن خلال التطور، فإنه لا يعقل أن يكون أي نظام تقليدي مقدساً لا يقبل التغيير. وقد وصف تيلار دي شاردن الاختمار الفكري الذي جلبه المذهب التطوري في مقالة كتبها سنة 1920 ولم تنشر إلا بعد أربعين عاماً من ذلك التاريخ كالتالي: "انه لمشهد درامي طريف، أن يكون الجنس البشري منقسماً إلى معسكرين متعارضين، أحدهما ينظر إلى الأفق معلناً بكل إيمانه الجديد : نحن نتحرك، والآخر يقرر في عناد، دون أن يتزحزح من موقعه : لا شئ يتغير. نحن لا نتحرك أبداً".
وقد تداول كثير من المفكرين في الدلالات الأخلاقية والأيديولوجية والفلسفية للتطور. يكفي أن نذكر من بريطانيا، سبنسر وت.هكسلي ووادنجتون؛ ومن الولايات المتحدة، جون ديوي وسمبسون؛ ومن ألمانيا، هيكل وهارتمان ورنش؛ ومن فرنسا بيرقسون. لكن كان على المتنبئ الملهم تيلار دي شاردن، عالم الاحاثة اليسوعي الفرنسي، أن ينسب التطور إلى مصير الإنسان، وأن يخطط تركيباً تخطيطياً يكون التطور بمقتضاه "نوراً يضئ كل الحقائق".
وقد تراوحت الاستجابة لأعمال تيلار من الثناء الحماسي إلى النقد اللاذع الفظ. فالعلماء يرتابون في رجال الدين الذين يتطفلون على العلم، تماماً كما يرتاب رجال الدين في العلماء الذين يقحمون أنفسهم في أمور الدين. لكن تيلار كان عالماً ورجل دين في الوقت نفسه. ويساوي بعض أتباعه الغيورين إسهامه بإسهام دارون من حيث الأهمية، لكن يصعب ذلك، لأن التركيب التيلاري ليست له قوة الإثبات العلمي. إلا أن عظمته يمكن أن يدركها حتى أولئك الذين يختلفون معه في الرأي. ان كتابات تيلار تنتمي في واقع الأمر إلى طبقة قائمة بذاتها؛ ويلزم لفهم محتوى تلك الكتابات إدراك حقيقة تفردها.
كان تيلار مسيحياً متصوفاً صادف أن كان في الوقت نفسه عالماً، وكانت له أيضاً ملكة التصوير الشاعري. وكان تيلار يعي أنه إنما يكتب "رؤاه الأساسية" و"قناعات لا تخضع للبرهان العلمي الدقيق". على الرغم من ذلك فقد كتب في أعظم مؤلفاته، "ظاهرة الإنسان" الذي كتب في الأعوام 1938 و1940 ونشر بالفرنسية سنة 1955 وترجم إلى الإنجليزية سنة 1959 أن الذي كتبه هو "معالجة بسيطة علمية بحتة". (ما لم يذكر خلاف ذلك فكل مقتبسات تيلار التالية من هذا الكتاب). وقد جعل ذلك الزعم تيلار فريسة سهلة للنقاد الذين أوضحوا أن كتابه ينحرف عن الأسلوب المتبع عادة في الرسائل العلمية. يصعب مع ذلك وصف آراء تيلار بأنها "مسيحية صوفية مشتقة صورياً من المبادئ التطورية "(سمبسون 1965). وستقع فكرة إمكانية اشتقاق المسيحية من المبادئ التطورية أو من أية كشوفات علمية أخرى وقع الهول ولا شك على تيلار. ما حاول تيلار عمله كان شيئاً مختلفاً تماماً، انه بالتحديد خلق نظرة عامة متماسكة تتضمن عقيدته المسيحية ومعرفته العلمية كلتيهما.
يكون أقرب إلى الحقيقة، إذن، القول بأن تيلار رأى العلم على ضوء فراسته الروحية. ولعلَّ أفضل وصف لإنجاز تيلار يأتي من كلمات توينبي (1965)، ولم تكن لتلك الكلمات علاقة بأفكار تيلار التى لم تك معروفة لتوينبي حينئذ : "الحقيقة التى يدركها الوجدان تجد تعبيراً طبيعياً في الشعر، وتجد الحقيقة التى يدركها العقل تعبيراً طبيعياً في العلم... الرؤية الشاملة للوجدان في المستوى الشعري نبوءة، وهى في المستوى العلمي للعقل ميتافيزيقا". وقد كان تيلار متنبئاً ميتافيزيقياً، بالمعنى الخاص الذي استخدم فيه توينبي هذه الكلمات.
يعتقد بعض الناس أن العلم والشعر لا يمتزجان بأفضل من امتزاج الزيت والماء. على هؤلاء أن يوفروا على أنفسهم مشقة قراءة مؤلفات تيلار. لقد خاطب تيلار أولئك العازفين عن معايشة انفصام الشخصية الأيديولوجي. وسيجد الذين يبحثون عن تركيب مشبع جمالياً ومقنع عقلياً بديلاً لتلك الحياة الفكرية المجزأة في حاويات منفصلة عوناً وإلهاماً من تيلار. ليس غرضي هنا عرض المدى الكامل لأفكار تيلار وإنما استقصاء تركيبه من وجهة نظر علم الأحياء الحديث، وربما أقوم بطرح بعض التعديلات. ولو بدت تعليقاتي ناقدة في أحيان كثيرة فلا يسعني إلا أن أقول لبعض معجبي تيلار الذين قد لا يروق لهم ذلك النقد أنه لا شئ يمكن أن يضر بتركيب تيلار أكثر من تجميده في قانون ثابت. لقد تشكلت معظم أفكار تيلار البيولوجية في العشرينات من هذا القرن، وقد حدث الكثير الجديد في علم الأحياء منذ ذلك التاريخ. ولو أن بيولوجيته تقادم عهدها فذلك يصدق أكثر على داروين. ويجب ألا يغيب عن بالنا أن جدوى أي تركيب تكون دائماً مؤقتة، لأن بعض مكوناته على الأقل يصيبها التغيير. ولأن العلم والفن والفلسفة، كما نأمل، ستكون مختلفة عما هي عليه الآن. وسيكون على كل جيل أن يقوم بمهمة مراجعة التركيب وتجديده.
"تحجم عقول الناس عن إدراك أن للتطور اتجاه دقيق ومحور مميز". هذا هو الافتراض الأساسي للتركيب التيلارى. فالتطور الإنساني والبيولوجي والكوني ليس ببساطة دفاً ورفرفة ودوراناً سريعاً كثيفاً لا وجهة له. لكنه تقدمي، على الأقل في تياره العام. تطور الحياة مواصلة وامتداد لتطور المادة غير الحية، وتطور الإنسان مواصلة وامتداد للتطور البيولوجي؛ و "التركيب الكبير" الذي بشر به تيلار هو تكملة التطور الإنساني. فحياة الإنسان الفردية جزء أساسي من تطور الكون، ومصير الإنسان ومعناه وكرامته الفردية ليست سوى ذرات لمعنى الوجود بأسره.
يقصر بعض الكتاب استخدام كلمة "التطور" على التطور البيولوجي وحده. هذا الاستخدام يبدو اعتباطياً. لقد كان للكون تنامي تاريخي، كذلك الحياة، وكذلك البشرية. وقد تدرج هذا التنامي فبلغ تطور الحياة من مادة لا عضوية، وصعد بالحياة إلى الإنسان من أسلاف لم يكونوا بشراً. ومع أن التطور اللا عضوي يعزى لفعل عوامل تختلف عن أسباب التطور العضوي، كما أن للتطور الإنساني بدوره أسبابه الخاصة به، إلا أن الحياة أحدث عهداً من الكون، والإنسان أحدث عهداً من الحياة. وكما بينا في الفصل الثالث فإن ظهور الحياة وظهور الإنسان يمكن أن يعتبرا تجاوزات تطورية فتحت آفاقاً لاحتمال تطورات من نوع جديد. وحينما نت