| Copyright © 2005 ArkamaniNewCush Page All rights reserved. |
© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005 أركامانى صفحة كوش الجديدة |
دوبجانسكي : علم الأحياء ومعنى الحياة -6
الفصل
الخامس
البحث عن
معنى الحياة
عرَّف
أرسطو
الإنسان بأنه
حيوان
اجتماعي. وبالطبع
فالإنسان ليس
الحيوان
الاجتماعي
الوحيد. هنالك
حيوانات أخرى
كثيرة، من
بينها من هو
أكثر
اجتماعية،
ببعض
المقاييس، من
الإنسان. فقد
وصل تقسيم
العمل بين
أعضاء
مجتمعات
الأرضة والنمل
والنحل
الاجتماعي
والزنبور حداً
أبعد مما في
المجتمعات
الإنسانية.
يصنف معظم أفراد
هذه الحشرات
"عمالاً"
لأنها فقدت الوظيفة الأساسية للتوالد؛ أو أنها
عقيمة أو إن شئت
محيرة، ليست
ذكراً ولا
أنثى، وإن
كانت من الناحية
التشريحية
إناث غير
مكتملة
التكوين أو،
كما
في حالة
الأرضة،
ذكوراً وإناث
معاً. وقد فوض
التوالد
لطائفه
متخصصة من
الأفراد، ذكوراً
وإناث مخصبات.
ويطلق اسم
"الملكات"
المضل على الإناث
المخصبات
التى لا تقود
ولا تحكم.
إن
اجتماعية
الإنسان من
نوع خاص جداً
كما أدرك
أرسطو بوضوح.
لقد أوحت كلمة
اجتماعي
بالحياة في
دول المدن؛
فالإنسان إذن
"حيوان سياسي". وبينما
تعتمد
اجتماعية
الإنسان على
الوعي بالذات
والاتصالات
الرمزية فإن
اجتماعية الحيوانات
ليست إلا
غرائز موروثة.
والوحدة
الأساسية في
التنظيم
الاجتماعي
للإنسان هي
العائلة النووية
التى تتشكل
بارتباط الأم
والأب والأطفال.
هذه الأسرة
النووية تمثل
عمومية ثقافية
بشريه على
الرغم من
التنوع الذى
لا حد له في
العلاقات
العرفية بين
الأفراد في
الثقافات المختلفة.
إن
تحديد مكان
وكيفية نشأة
العائلة
النووية خلال
التاريخ
التطوري
للنوع
الإنساني أمر
يخضع للحدس
والتخمين. فهي
لا توجد
بشكلها الإنساني
لدى الرئيسات
غير
الإنسانية
التى تبدي مع
ذلك تنوعاً
مدهشاً في
التنظيم
الاجتماعي. وقد
كان سلوك
الرئيسات
ووظيفتها
التناسلية وممارساتها
لتربية
الأطفال مواضيع
لدراسات
بارعة شديدة
الاتساع. وقد
دلت هذه
الدراسات على
أن حجم
المجموعة
الاجتماعية يتراوح
من 2
إلى
5
في
القردة
العليا
الشبيهة
بالإنسان ومن
13
إلى
185 في
بعض القرود
الأفريقية.
تميل
المجموعات التى
تعيش وتتغذى
على الأرض لأن
تكون
أكبر حجماً من
تلك التى تعيش
بين الأشجار
وفروعها.
تتكون الزمرة
عادة من عدد
معتبر من
الإناث
البالغات
جنسياً ومن
واحد إلى عدة ذكور
بالغين إضافة
لبعض الصغار
الذين لم يبلغوا
مرحلة النضج
الجنسي. وتكون
بعض الإناث البالغات
في حالة
استقبال جنسي
والأخريات
بين حبلى
ومرضع. وفيما
عدا الرضع
الذين تتم
رعايتهم فإن
جميع الأفراد
الآخرين
يبحثون عن
الطعام بأنفسهم.
وليس هنالك
تعاون للحصول
على الطعام بين
الأفراد في
معظم
الأنواع،
ويكون
التعاون محدوداً
جداً إن
وجد. لكن هنالك
تعاون فيما
يخص الحماية
المتبادلة.
على وجه
الخصوص فإن
الذكور
الأقوياء
يتخذون مواقع
دفاعية عند
تعرض الزمرة
للخطر، خصوصاً
خطر
الحيوانات المفترسة
مثل القطط
الكبيرة.
هنالك
اختلاف في
وجهات النظر
حول مدى
الاقتتال
الذى يتم بين
أفراد الزمرة.
فقد يكون
هنالك قتال
شرس بين ذكور
القرد
الأفريقي
المحبوسين
الذين يذودون
عن الإناث
اللائي
يستميلونهم
في حديقة
الحيوان. أما على
الطبيعة فإن
المشاهدات
تكشف عن وضع
مختلف تماماً.
فهنالك نظام
صارم بعض
الشيء
للسيطرة والطاعة بين
أعضاء
الفرقة، وهذا
النظام يتم تأسيسه
والحفاظ عليه
عادة
بالتهديد
الطقوسي لا
بالاقتتال
الفعلي. ويتم
في بعض
الأنواع استبعاد
الأفراد
الضعفاء من
الذكور
البالغين
الذين يشكلون
فرقاً من
"العزاب"
يتسكعون قرب الزمرة
انتظاراً
لفرصتهم. ومع أنه
تتوفر فرص
أكثر للذكور
السائدين
لمضاجعة
المستقبلات
من الإناث،
إلا أنه ليس
صحيحاً أن
الزمرة تنتسب
كلها إلى ذكر
واحد. العكس
هو الصحيح لأنه
يوجد دائماً عدد من
الذكور
النشطين، كما
يسود في بعض
الأنواع قدر
كبير من
الحرية الجنسية.
الفرق الأهم
في السلوك
الجنسي بين
الإنسان
وأقاربه يقع
في مضمار آخر.
فالأنثى في كل
الرئيسات عدا
الإنسان تكون
مستقبلة
جنسياً خلال
فترات محددة
من الدورة
النزوية فقط.
أما أنثى الإنسان
البالغ جنسياً
فهي دائمة
الاستقبال.
ومع
أن قله فقط من
إناث القرود
في الفرقة تكون
في الدورة
النزوية في أي
وقت ما، فإن
واحدة إلى
بضعة إناث يكن
دائماً على تلك
الحالة. وهكذا
يتوفر للذكور
النشطين
جنسياً الوصول
باستمرار إلى
إناث
مستقبلات،
لكنهن إناث
مختلفات. ذلك
يجعل أُحادية
الارتباط
وأبوية
الرعاية بعيدتا
الاحتمال.
حقيقة كما
أسلفنا فإن
ذكور القرود
يتولون حماية
الصغار وبقية
أفراد الفرقة.
وعلى الأقل في
بعض الأنواع
فإن الذكور يتسامحون في أحسن
حالاتهم مع الصغار،
كما يأخذ
أولئك حذرهم
من آبائهم
وأعمامهم. أما
في الإنسان
فإن
استمرارية
تلقى الإناث
تساعد على
تقليل حدة
المنافسة بين
الذكور وتجعل
العلاقة
الأُحادية
ممكنة.
تفرض
استطالة أمد
عجز الطفولة
الإنسانية عبئاً
أكبر بكثير
على الأمهات
بالمقارنة مع
الأمد القصير
لطفولة
القردة
والنسانيس
الأكثر خفة
ورشاقة.
فغالباً ما
تكون أنثى
الإنسان
عاجزة عن جلب
الطعام
لنفسها ولصغارها
بعد الوضع.
يصدق ذلك أكثر
حينما يعتمد
توفير الطعام
على الصيد
بدلاً عن جمع
الثمار
والحشرات
والحيوانات
الصغيرة
الأخرى القريبة
من المعسكر.
ويفرض هذا
الوضع على
الذكر الإنساني
القيام بمهمة
توفير
مستلزمات
العائلة.
ووفقاً
لعبارة هوكيت
وآشر السلسة
التى سبقت الإشارة إليها
فإن "كل ذلك
يؤدى إلى تأنيث
الآباء".
العائلة
أقدم
المؤسسات
الاجتماعية
الإنسانية
وأكثرها
دواماً. وهى
ثابتة لا
بمعنى أنها لا
تتغير،
فالاختلافات
في تركيب
الأسرة لا حصر
لها، وإنما
لأنها ربما
تبقى على هذا
الشكل أو ذاك
مؤسسه قاعدية
للإنسان ما بقى
النوع
الإنساني. كان
هنالك جدل
كثير حول الأهمية
النسبية لكل
من المحددات
الوراثية والثقافية
للدافع
الجنسي
والتنظيم
الأسرى للإنسان.
فمن الواضح أن
الاثنين
مهمان. ربما
لا يتطرق لأحد
الشك في حقيقة
أن الدافع
الجنسي نتاج
آليات وظيفية
ترسخت
وراثياً. لكن
مظاهر هذا
الدافع
يكيفها
الإطار
الثقافي. ولا
يجوز افتراض
انتظام
الأساس
الوراثي
لجينات
الإنسان بسبب
انتشارها
الواسع في
النوع الإنساني.
على العكس
تماماً، فإن
التباين
الوراثي في
الأشكال
المفضلة
المختلفة لإشباع
الدافع الجنسي
وفى حدته
وتوقيته،
مألوف وهام.
ويحدد تعقيد
العادات
والعوامل
الاجتماعية-الثقافية الأخرى
السلوك الصريح
والقنوات
التى ينبغي أن
توجه إليها
الرغبات
الجنسية. وقد
نمى صرح هائل
من القواعد
السلوكية
والمحظورات
صار مفروضاً
على الدوافع
الفسيولوجية المكيفة
وراثياً. بعض
المجتمعات
أكثر إباحية
وبعضها أشد
تزمتاً في
القواعد التى
تضعها للتحكم
في علاقات الجنس
والأسرة
والنسل. ولم
يترك أي مجتمع
معلوم في
الماضي أو
الحاضر هذه
الأمور كلياً
لهوى الأفراد
وتقديرهم.
تتشابك
العوامل
الوراثية
والثقافية في
علاقات
الأب/الأم-الطفل
أيضاً. هنالك
احتمال كبير
بأن يكون
تركيز
الارتباط العاطفي
للأم بابنها أو أبنائها
متأصلاً في
الجينات، وإن
لم يكن هذا
الموضوع قد أوفى
حقه في
الدراسة من
الوجهة الوراثية.
ويحتمل أن
يصدق الشئ نفسه
على علاقات
الأب-الابن،
وان كانت
الجذور
الثقافية أقل
تعمقاً هنا،
كما أن علماء
الأنثروبولوجيا
أفاضوا في وصف
الحالات
المحددة
ثقافياً.
تصعب
تماماً
المبالغة في
أهمية عجز
الطفل الإنساني
واعتماده
الكلى على
الأم بالنسبة
لتنامي
الإنسان. فلا
بد لكي يبقى
النوع من
التعديل
والضبط
التطوري،
ولهذا
التعديل
والضبط أهميته
من الوجهتين
البيولوجية
والثقافية. وكما أشار وادنجتون
(1960)
فإن للطفل سعة وراثية ليكون "متلقياً للسلطة" وليكون "كائنا أخلاقياً". ولم تزود
العملية التطورية الإنسان بمبادئ وقيم أخلاقية
محددة، لكنها
هيأت أطفاله
وأعدتهم لاستيعاب
مثل هذه
المبادئ
والقيم من
الأبوين ومن
الأقارب
وغيرهم من ذوى
السلطان. يجعل
هذا من اليسر بمكان انتقال
الأخلاق
والقيم التى
يتم تطويرها
ثقافياً ويجري
توارثها جيلاً
بعد جيل.
طرح
بعض علماء
الأحياء،
ومنهم من صار
من دعاة
المذهب "الإنساني"،
فكرة مفادها
أن الأخلاق تم
تشكيلها
وتثبيتها بحسبانها
دوافع غريزية
وراثية عن طريق
الاصطفاء
الطبيعي. لكن
الذى حدث
فعلاً أكثر إثارة
ومدعاة
للاهتمام. ما
يتم ترسيخه
بالتكيف
البيولوجي
ليس طبيعة المبادئ
الأخلاقية
ومحتواها وإنما
القدرة على
الصيرورة
الأخلاقية.
أما طبيعة المبادئ
الأخلاقية
ومحتواها فتجيء
من التطور
الثقافي البيولوجي.
وربما أمكن أن
نقول بتعبير
فرويد أن الذى
يورث هو
القدرة على
تكوين ذات
عليا
(سيوبر
ايقو) لا نوع
الذات العليا
التى تتكون.
ويلزم تذكير
الذين
يستنتجون من ذلك
أن الأساس
البيولوجي
للذات العليا
ليس مهماً،
بالمدى
الواسع للتباين
بين
المتلهفين
على تلقى
السلطة والمتمردين
عليها، وبأن
قدراً من هذا
التباين يمكن
أن يكون
وراثياً.
لقد
اكتسبت
الأبوة
بالنسبة
للإنسان،
افتراضاً في
المراحل
الباكرة
لتطور
الإنسانية، معنىً
لم يكن ممكناً
لحيوان أن
يمنحه لها. يجيء
هذا المعنى من
اكتساب
الإنسان
للوعي بالذات
وبالموت. فالأب
صار يعي
بزواله ووقتيته.
ومن المحتمل
أن يعيش
الأطفال
والأحفاد
وأبناء
الأحفاد
حينما لا يكون
الأب حياً. وللإنسان
أمل، ربما
توهم، أنه
سيبقى بشكل ما
في ذريته.
وتبدو الحياة
التى يكرسها
الفرد لأسرته
ولذريته ذات
معنى؛ وهو
يمكن أن
يتخبره بأن
يقبض على جزء
دقيق ويسير
جداً من ذلك
الخلود الذى يصبو
إليه ولا
يستطيع
تحقيقه
منفرداً.
وتعد رموز الخصوبة من أقدم الأدلة على يقظة الإنسان الروحية. ووفقا لهوكس و ولى
(1963)
"استمدت
الدوافع
الدينية
للعصر الحجري
قديمه وحديثه
أقوى عناصر
تماسكها
وأكثرها
تحديداً من
الرغبة
المشتركة في
الخصب. وقد
لوحظ أنه على
الرغم من
التداخل
والارتباط
الشديد
للدين في
العصر
الحجري
القديم مع
الطقوس
الطوطمية
الأرواحية
وسحر الصيد،
فإن أكثر
مواضيع تلك
الطقوس
تطويراً
وأشدها وضوحاً
تماثيل
الأم-الآلهة
وأعضاء
الذكورة المنقوشة.
ولا تزال
لهذين
الرمزين
السيادة المطلقة
في الآثار
الثقافية
الأولية للعصر
الحجري
الحديث*...
ومهما كانت
الشكوك، فلا
شيء يمكن أن
يزعزع
الشهادة
الصامتة للمئات
فوق المئات من
الدُمى
الطينية
والعظمية
والحجرية
الصغيرة
للآلهة الأم.
قد
تبدو هذه
التماثيل
الفينوسية
العتيقة ببطونها
الحبلى
وأردافها
المبالغ في
ضخامتها سخيفة
ومنافية
لمزاجنا
العصري. لكن
مع ذلك فإن
طقوس الخصب
المتقنة
الإخفاء لا
تزال باقيه. ولا
تزال الرموز
المتعلقة
بعضو الذكورة
بارزه في
أدياننا
البدائي منها
والمتقدم.
ويرمز إلى
الإله سيفا في
الديانة الهندوسية
بذكر وفرج
منقوشين
بطريقه
اصطلاحية. وقد
قام الفيلسوف
الروسي
رازانوف
Rozanow بمحاولة
ملفتة للنظر
لتفسير
النكاح
والتناسل
البشري
بحسبانهما
طقوساً شبه
دينيه. وطرق قودينف (Goodenough 1965)
أفكاراً مشابهة.
يمكن
بمعنى أوسع أن
نقول أن
أشكالاً حديثه
لطقوس الخصب
تمنح معنىً
لوجود ملايين
غفيرة من
الناس الأحياء.
فالإنسان
يسعى للإشباع
الجنسي، ثم
الارتباط
الأسرى، ويكد
لتحقيق أمن ذريته
ورفاهيتها.
ويشكل هذا
المسعى خططاً
للحياة ترسخت
في دوافعنا
الغريزية المؤسسة
وراثياً بحيث صار
الجميع
تقريباً
يسلمون
ببداهتها
وقلة صغيره
فقط تساورها
حولها الشكوك.
ومع أن الجذور
البيولوجية
لهذا الجهد
والمسعى
الإنساني لا يتطرق
إليها الشك،
إلا أنه يتخذ
على المستوى الإنساني
الإتقان
والزخرف
الثقافي
العفوي للرمزية
والأسطورة
والتصوف
والشعر والفن.
وتحظى الأمومة
بالتقدير
وربما
التقديس لدى
معظم الناس.
وقد صارت
المادونا
والطفل رموزاً
مقدسة للمسيحية.
ولا نحتاج
للذهاب بعيداً
لنرى هنا الآلهة
الأم التى
استعادت
وقارها
القديم؛ فالتعلق
العاطفي
العميق برمز
الأمومة بين
تماماً.
لا
يتفرد
الإنسان
بالتأكيد
بخاصة كونه يسعى
لا للجماع مع
قرينه وحسب
وإنما
للتعاون معه
في تربية
النسل أيضاً.
هذا التعاون
مفهوم ومتوقع
تماماً من
الناحية
البيولوجية.
وقد تطور بصورة
مستقلة في
المجموعات
الحيوانية
المختلفة
التى ظهر
فيها. ففي
الكثير من
أنواع الطيور
لا يكون
الأبوان
أُحاديا
العلاقة وحسب
وإنما
يتعاونان على
تغذية
النسل
وحمايته. ألا
يكون في ذلك
تفسيراً
للتعلق
الشديد للكثيرين
بمراقبة
الطيور؟ حتى
تضحية
الأبوين بالنفس
لصالح النسل
ليس أمراً
نادراً
تماماً؛ فالأب
في بعض الطيور
والثدييات
يضع نفسه في موقع
الخطر ليدرأ
عن صغاره أذى
العدو
المهاجم. أما
مسألة تطابق
هذا السلوك
الإيثارى
موضوعياً مع
السلوك
الإيثارى
للإنسان
فموضوعه
مختلف. لقد مال كثير من المراقبين لتلك المطابقة؛ لكن
من المشكوك
فيه تماماً أن
يوجد الإيثار
الإنساني - حب
الخير - حينما
لا تكون هنالك
قدرة على
التمييز بين
خيارات بديلة
وعلى اتخاذ
القرار الحر باختيار
أحدها. من
الناحية الأخرى
فالرعاية
الأبوية ليست
بالتأكيد
مقصورة على
الإنسان. لكن
هذا الدافع
الغريزي ضعيف
نسبياً ولا يتدعم بالتوق
للانتساب
للآخرين إلا
لدى الإنسان وحده.
ولهذا السبب
فإن الإنسان
وحده هو الذى
يمكن أن يصاب
بخيبة الأمل
حينما يلقى
الأبوان
العقوق
والرفض بدلاً
من محبة الأبناء.
هل
يكفى إذن أن
يعيش الإنسان
ليحيا، يعيش
لينجب مزيداً
من الحياة،
حياة تصل
السلسلة إلى الأبد
كما يأمل؟ هذا
هو الجواب
الوحيد
المعقول
للسؤال عن
معنى الحياة
بالنسبة
للكثيرين، فسلسلة
الحياة
الأبدية هي
النوع الوحيد
من الخلود
الذى يمكنهم
الاعتقاد به.
ولو أمكن
لحيوان أن
يسأل عن معنى
الحياة لكان
الجواب
الوحيد هو أن
الحياة نفسها
هي معنى
الحياة. لكن
هل يكفي هذا
الجواب
بالنسبة
للإنسان؟ لا بدَّ
وأن يكون
الحيوان الذى
يفطن لهذا
السؤال في
المكان الأول
إنساناً.
لقد رأى كامو
في لمحة شديدة
الفراسة
"إنني أعرف أن
لشيء في هذا
العالم معنى
هو الإنسان،
لأنه الكائن الوحيد
الذى يطلب أن
يكون له معنى". هنا تكمن قوة
الفكرة
الأزلية وضعفها..
إن الحياة غاية
في ذاتها. هذه
الفكرة تبقى
على الحياة، فهل
يمكنها أيضاً
أن تشبع
عقلاً
أسبغت عليه
نعمة أو نقمة
الوعي بالذات
وبالموت؟ هل
لا بدَّ من العثور
على معنى
للحياة
الإنسانية في
شيء يتجاوزها
ويعلو عليها،
إن كان العثور
على هذا المعنى
ممكناً؟
كان على الإنسان دائماً أن يكدح ويناضل للحفاظ على حياته قبل أن يسأل عن السبب الذى
يعيش لأجله. يعجز
الذين يعيشون
منا في رغد
وأمن نسبى أن
يدركوا أن
مهمة البقاء
على قيد
الحياة كانت
ولا زالت
تستغرق كل الوقت
لأناس كثيرين.
فالجوع لم يكن
بعيداً جداً أبداً،
والأمراض
والكوارث من
كل الأنواع
تتعقب الناس.
الذين خبروا
الحياة تحت
ظروف كهذه يعرفون
أن دافع
البقاء يكون
كثيفاً بلا تردد
ولا انقطاع،
لكنه مع ذلك
لا يحل كلياً محل
السؤال عن
المعنى وراء
كل ذلك
العناء.
اقتفى
كثير من علماء
الإنسان أثر
تايلور وفريزر
بالقول أن
الإنسان
اخترع السحر
خلال نضاله
لكي يبقى على
قيد الحياة،
وأنه من السحر
نشأت الأديان.
ولا يشترك كل
دارسي هذه
المواضيع مع
هذا الرأي، إذ
يفترض
الكثيرون
وجود منشأ مستقل
لكل من السحر
والدين. الدين
هو ما يفعله الإنسان
بهمه الشاغل،
بمصيره، أما
السحر فنفعي.
لقد رغب
الإنسان في
مراودة قوى
الطبيعة التى
أعيته ولم
يفهمها، في
السيطرة
عليها وتطويعها
لإرادته. وصف
مالينوفسكى
هذه الوظيفة
النفعية
للسحر، وقد
اقتبسنا ذلك
من قبل. لكن
المعتقدات
السحرية تعلق
بكل الأديان
تقريباً،
البدائي منها
والمتقدم. ولا
نحتاج للدخول
هنا حلبة
الجدال
لنقرر إن كانت الأسحار مجديه
أحياناً. ولا يلزم أن
نكون في عداد
الغيبيين
للتسليم بأن
الأسحار قد
تحقق ضرباً من
الأعاجيب لمن
يؤمنون بها.
يشدد
قود (Goode
1955)
محقاً على أننا :
يصدق الشيء نفسه
على جانب المسألة
الذى يشغل
عالم الأحياء
التطوري. لقد
تنامت لدى
الإنسان سعة،
حاجة في واقع
الأمر، لأن يكون
له دين؛ فما
ترى كان
ممكناً أن
تكون الدوافع
أو الوظائف
التى منحت
قدرة اصطفائية
وصلاحية
تطورية
لأولئك الذين
تمت تلبية هذه
الحاجة لديهم؟ هذه مسألة
لا طائل
وراءها، حتى
لو كان قود
محقا في أن
"أديان
الإنسان
الفطري ستظل مجهولة
لكل العلماء
الاجتماعيين
إلى الأبد، برغم أن
الكثيرين من
العلماء -
الشعراء
سيثابرون على
الاقتناع
بأنهم ألهموا
تلك المعاني".
لا
يمنح السحر
تبصراً في
معنى الحياة
مهما بلغت
درجه الإيمان
والتعلق به.
وسواء كان
السحر مفيداً
للبقاء أم لا
فهو لا يفيد
في معرفة ما
نعيش لأجله.
الأديان هي التى
توفر الأجوبة
على تلك
الأسئلة، أما
مصداقية تلك
الأجوبة فهي
بالطبع مسألة
أخرى. لقد وجد
الإنسان في العالم
بمشيئة الله،
ومعنى وجوده
هو أن يعبد
الله. والله
أو الآلهة، مهما
كان تصورها في
الأديان
المختلفة،
أزلية لا
تموت. أما
الإنسان فهو
واع بوقتيته
وتشظيه**. ويصف
هارتشون
الدين بأنه
"قبول
الإنسان لتشظيه".
ويتغلب
الإنسان على
تشظيه
ووقتيته بأن
يكون جزءاً من
الحياة
الأزلية
الجليلة، على
الأقل في
خياله.
هنالك
تصورات
مختلفة
لمشاركة
الناس في الحياة
الأزلية في
الأديان
المختلفة. ليس
هنالك وعد أو
وعيد بالجنة
أو النار في
التوراة، لكن عقيدة
بعث الموتى
ترسخت في
اليهودية في
الحقب
التالية
للإنجيل. وهذه
العقيدة واضحة
بجلاء في
المسيحية
والإسلام. وقد
صور المفهوم
الأصولي في
آلاف اللوحات
التى تبين
القضاء
الأخير في
الكنائس
المسيحية،
غالباً
بتفاصيل
مرعبة؛ كما
وصفت
بالقدر نفسه
من الاهتمام
بتفاصيلها
المرعبة في
ملحمة دانتى
الكلاسيكية.
ليس الموت سوى
وقفه عابرة في
مدرج الروح
الأبدي. ويحل
البعث في
النهاية محل
الموت، لا بعث
الروح فحسب
(فهى لا تموت
أبداً) وإنما
أيضاً بعث
الجسد الذى
يعيش أبداً
فيما بعد. لكن
الحياة
الأبدية
تتفرع تفرعاً
ثنائياً مفزعاً، ليس
فيها سوى
بديلين، أما
الثواب
والنعيم
الأبدي لصالح
الأعمال أو
عذاب النار
وغمها
لطالحها.
ترفض البوذية والهندوسية هذا النوع من الخلود كلياً. فالأرواح التى تتحرر من إسار
البدن عند الموت تتناسخ، هنا في الأرض، مرة تلو المرة، في أجساد أخرى. ويعتمد نصيب
التجسدات المتتابعة من النبل والانحطاط على الحسنات والسيئات التى تراكمت خلال
التجسد السابق. ولا يُعد تجوال الروح عبر التجسدات المتعاقبة شيئا طيباً أو
مرغوباً. العكس تماماً صحيح لأن غاية الترقي الروحي هى انتهاء غربة الروح واندماجها
في الذات الإلهية أو في جوهر براهما الكون الأصلي أو النيرفانا.
ويبدو
أن الفكر
الخلاق في
المسيحية
يتجه إلى نوع
من تمثيل
الوجهات
المتعارضة
المتعلقة
بالخلود.
فالإنسان
المعاصر يشمئز
من عسف التفرع
الثنائي بين
الجنة
والنار، السعيد
والشقي. ومن
الواضح أن
طهارة الحياة
الإنسانية أو
فسادها يشكل
سلسله متصلة،
لا تفرعاً
متعسفاً إلى طائفتين منفصلتين. يحاول تيليش
(1963)
حل هذا الأشكال كالتالي :
لقد
توصل الناس في
كل مجتمع
إنساني
معروف، وفى كل
حضارة سلفت
وأبقت سجلاً تاريخياً
يدل عليها إلى أنساق من
الأفكار
الدينية
يتعلق بمعنى
حياتهم والطريقة
المناسبة
لتوجيهها. ومع
أن الأنساق
الدينية
المختلفة
ليست
متشابهة، بل
تتعارض في بعض
النقاط
أحياناً، فهي
تؤدي وظيفة لا
غنىً عنها. الدين
يمكن الناس من
تحقيق السلام
مع أنفسهم ومع
العالم
الرهيب
الغامض الذى
أوجدتهم فيه قوى
أكبر منهم.
وقد كان الدين
عمومية
ثقافية شاملة
للنوع
الإنساني منذ
أقدم العصور لأن
رموزه
وأساطيره
وفلسفاته
وفرت الأجوبة
لمسائل
الوجود
الإنساني
التى تفوق حد
الوصف. ولأن الدين
يجيب على تلك
الأسئلة، أو
لأنه يبدو كذلك،
فقد صار أداة
التماسك
الاجتماعي.
كثيراً ما زعم أن الدين مفيد اجتماعياً حتى بيولوجياً لأنه يمنح إقراراً غيبيا للأخلاق؛ وأن هذه الوظيفة انتهت أو أنها حتماً إلى زوال بعد أن يتوقف الناس عن عدّ مثل هذا التصديق الغيبي ضرورياً. لكن الدين لم يتمكن من توفير هذا الإقرار إلا لكونه منح معنىً لأفعال الإنسان بأن أعطاها مرجعية في مصيره. فحياة الأفراد وربما المجتمعات التى ينتمون إليها، ينظر إليها بحسبانها جزءاً من مخطط