أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

Copyright © 2005 ArkamaniNewCush Page All rights reserved.

© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005  أركامانى صفحة كوش الجديدة 

دوبجانسكي : علم الأحياء ومعنى الحياة - 5

 

الفصل الرابع

الوعي بالذات والوعي بالموت

 

ليست هنالك إفادة عن الخاصة المميزة لطبيعة الحياة الإنسانية أكثر بلاغة ودقة في الوقت نفسه من تعبير دستويفسكى : "الإنسان بحاجة إلى الذي يتعذر فهمه ولا يسبر غوره وإلى اللانهائي بقدر حاجته إلى الكوكب الصغير الذي يعيش فيه". ويقدم قاردنر مورفي (Gardner Murphy 1958) صياغة أقرب إلى البيولوجيا وإن كانت سلبية : "يتملك الجهاز العصبي الإنساني توقاً وأشواقاً عميقة غريبة لأشياء ليست لحماً ولا شراباً، لا تشبع الحاجة للأوكسجين ولا الجنس، وهي ليست حاجات مادية وليست من المتطلبات البينة لبدن الإنسان". ما هو "غريب" حول هذه الاحتياجات هو أصلها في التطور البيولوجي. فنحن نعرف أن التطور منفعي؛ التغيرات التطورية تجيء استجابة لتحديات البيئة، ويوظفها الاصطفاء الطبيعي لصالح استمرارية النوع الذي تتواجد فيه. وتعمل التغيرات التى يتم اصطفاءها للمحافظة على تكيف الكائن ولترقية تكيفه لبيئاته، أي لزيادة قدرته على البقاء والتوالد في تلك البيئات. لكن لا يبدو أن هذا التوق "للمطلق والذي يتعذر فهمه ولا يسبر غوره" يؤدي إلى ترقية التكيف؛ انه يحد في واقع الأمر من فرص بقاء حامليه، خصوصاً أولئك الذين يكون التعبير عنه لديهم أشد. ومع ذلك فمن المؤكد أن كمون هذه الشهوات منغرس بيولوجياً ووراثياً في الطبيعة الإنسانية. الدليل على ذلك أن هذه الشهوات توجد فقط في الإنسان؛ ولا يستطيع أذكى الحيوانات أن يتخيل المطلق وهو بالتالي لا يستطيع أن يتوق إليه. 

 

لقد أشرنا من قبل إلى أن خصالاً غير مفيدة وربما ضارة يمكن أن تترسخ تطورياً لو كانت جزءاً من أجهزة عضوية مفيدة تكيفياً في كليتها. يصعب أن يتصور المرء مثلا  شيئاً منافياً للطبيعة البيولوجية من مخاطر المخاض وآلامه لدى الإنسان. لكن هذه الخصال غير التكيفية الفظيعة  تشكل جزءاً من المركب الذي يشمل أيضاً خصالاً مثل القامة المنتصبة، والأدمغة والرؤوس الكبيرة، والطفولة الطويلة التى يكتسب الأطفال خلالها التراث الثقافي للمجموعات التى ينتمون إليها، والتنظيم الأسرى الخ. يدعو هذا التعقيد إلى الحذر في محاولة الوصول إلى تفسيرات تطورية. إن افتراض وجود قيمة بيولوجية تكيفية لكل خصلة بمفردها وبمعزل عن بقية أجزاء النسق الحي مفهوم خاطئ. علينا أن نتذكر أن الذي يحيا أو يموت، يتوالد أو تنقطع ذريته هو الفرد الحي، لا الأجزاء المنفصلة من الجسم ولا الجينات المنعزلة. يمكن بالطبع أن يقرر أداء جهاز أو وظيفة بعينها مصير الفرد في ظروف معينة. غير أن القيمة التكيفية والصلاحية الداروينية لطائفة من الأفراد يقررها توازن المزايا والمثالب، القوة والضعف، القدرة والعجز.

 

لا يسع الأخصائي في علم الأحياء إلا أن يدهش للاهتمام الذي ناله علم النفس وللنتائج البائسة التى أحرزها هذا العلم في مجال دراسة فوارق القدرات العقلية بين الإنسان والحيوان وفهمها. وبالتأكيد لم يك ذلك لقصور النقص في الكلمات التى استخدمت لوصف خصال الإنسان المتفردة. إذ يقال أن الإنسان كائن يتميز بالعيش بالمنطق عوضاً عن الغريزة؛ الإنسان مدرك لنفسه واع بذاته؛ له عقل؛ له ذات (ايقو) وضمير (سيوبر ايقو)؛  قادر على التبصر والتجريد وتأليف الرموز والتفكير الرمزي واستخدام اللغة الرمزية. لكن التيار السائد في علم النفس الأكاديمي، الذي كان يتشكل في الولايات المتحدة من أنصار المذهب السلوكي لوقت قريب، يرفض هذه الكلمات والمفاهيم التى تستند إليها. تلك الكلمات محكوم عليها بأن تكون مبهمة بأكثر مما يلزم وغير دقيقة وغير مجدية كمفاهيم إجرائية  للبحث في علم النفس. وببساطة تغفل الكثير من كتب علم النفس التى صدرت مؤخراً ذكر هذه الكلمات الزلقة. لكن مهما يكن الأمر فان التظاهر بعدم وجود مشكلة فيما يتعلق بالفارق بين العقل الإنساني وبداءات العقل الموجودة في الحيوانات لا يقربنا من الوصول لحل المشكلة. وحينما يتخلى أولئك الذين يلحون على الاقتصار على استخدام أشد المناهج الآلية دقة في العلم، ذلك الذي يلقب أحيانا بالعلم "الصارم"، عن معالجة المشكلة، فإن مهمة حلها  يقع غيابياً على أنصار العلم "الرخو". 

 

يؤكد ثورب (1965) أن الايثولوجيا، علم دراسة سلوك الحيوان المقارن، "تقدم  أدلة مقنعة لا يتسع المجال لسردها هنا على أن شيئاً كالعقل الواعي لا بدَّ وأن يكون قد ظهر عدة مرات في التاريخ التطوري للمملكة الحيوانية". لكن ما هو هذا العقل الواعي، وما هي أوجه اختلاف العقل الإنساني الواعي عما يعتقد ثورب، وهو أحد أبرز الأيثولوجيين (علماء السلوك) الأحياء، أنه ظهر مراراً في التاريخ التطوري؟ اقتبسنا من قبل ما ارتآه شرينجتون بأن العقل "يفلت من الكيمياء والفيزياء "وأن" العلم الطبيعي ينكر العقل شيئاً خارجاً عن مدى رؤيته". ينبغي ألا تؤخذ هذه الإفادات بحسبانها إنكاراً لحقيقة العقل الذي يعرف شرينجتون أنه لا مفر منه. "أنا أشك إذن أنا موجود" حقيقة استحال الشك فيها حتى على ديكارت. ما قاله شرينجتون هو ببساطة أننا نتخبر العقل لكن لا نلاحظه ولذلك فإن معرفتنا به تجيء عن طريق التخبر لا الملاحظة. وقد طرح فسيولوجي آخر هو هريك (Herrick 1956) الفكرة نفسها بوضوح أكثر. أنه يساوى "العقل" بـ "الوعي". لا يمكن اختزال الوعي إلى كيمياء،" أو وصفه وصفاً علمياً وافياً بتفسير تام للآلية التى يستخدمها. "الوعي هو الوعي بالذات" ولا يستطيع أن يدركه إلا ذات الشخص المعني الذي لا يقدر على تمييزه إلا بالاستبطان. وهو مع ذلك ليس طرزاً من القوى الحيوية؛ وإنما هو ظاهرة تتعلق بالكائن الحي : الجسد يصنع العقل، لكن العقل ليس ناتجاً يصنعة الجسد كما تصنع المعدة العصارة المعدية. انه الجسد فاعلاً، نمط عمل مميز لجهاز جسماني من نوع خاص، تماماً كما يعتبر المشي نمطاً لعمل جهاز جسماني من نوع مختلف.

 

وقد كان بنفيلد Penfield وروبرتس Roberts، أخصائيا فسيولوجيا للدماغ وجراحته، أكثر تحديداً (1959): "إن تقديم تعريف وافي للعقل صعب اليوم تماماً كما في أي وقت مضى. الوعي هو إدراك، تفكير، تركيز انتباه، تخطيط فعل، تفسير تجربة حاضرة، إدراك حسي". هذه الكلمات وصفية، لكنها بالكاد تشكل تعريفاً مقنعاً.

 

أما عالم فسيولوجيا الأعصاب البارز السير جون اكلز (John Eccles1965)  فقد أثار سؤالاً شائكاً في محاضرته بمناسبة ذكرى أ. س. ادنجتون. كانت نقطة بدء المحاضرة "أننا نعتبره أمراً مؤكداً أن ذاتي الواعية تعتمد اعتماداً متفرداً على دماغي أنا لا على أدمغة أخرى... ينشأ هنا سؤالان : ما هي طبيعة هذه الذات المتخبرة تخبراً واعياً؟ وكيف صارت منتسبة لدماغ معين بهذه الطريقة المتفردة؟" إن تفرد الذات هذا لا يمكن أن يستمد كلياً من الطاقم الوراثي للفرد، لأن كلاً من التوائم المتطابقة المتشاركة في الطواقم الوراثية الابتدائية يتخبر ذاته الواعية بصورة متميزة عن توأمه. من الناحية الأخرى فمع أن التأثيرات البيئية والتجارب الشخصية لحياة بكاملها قد تحور الخصائص المميزة للفرد، ألا انها لا تحول دون تواصل ذاكرته واستمراريتها حتى بدايات يقظتها عند الطفولة.

 

يقتبس السير جون اكلز باستحسان بعد ذلك التأمل القديم الذي قال به ح.س.جننقز السابق باحتمال وجود عدد محدود من الذوات المتربصة للالتصاق بـ "قوام" خليتين جنسيتين متحدتين، ويخلص إلى "أننا نصل إلى المفهوم الديني للروح التى خلقها الله خلقاً خاصاً". لكن يبدو لي من ذلك أننا نستطيع أن نرى أساساً لفعل إلهي في تكوين الذات الإنسانية كما في أي حدث طبيعي آخر. إن التنوع الراهن للذوات جزء متناهي الصغر من الذوات المحتملة، لأن عدد الناس الذين عاشوا أو يحتمل أن يعيشوا في هذا الكون جزء صغير متناهي في صغره إذا ما قورن بقدرة التكاثر الجنسي على توليد أنماط جديدة من الطواقم الجينية المتفردة. كما وأنه واضح أيضاً أن أي إنسان آخر سيشعر، بغض النظر عن جيناته، أنه مختلف عنى حتى لو كان ممكنا تصور حدوث تطابق تام في تجربتنا الحياتية. ذلك لأن الاتصال الذي لا انقطاع فيه لتجاربي، الذي أتذكره منها والذي أكون نسيته، المستمد من ظروف حياتي، المتكيف بطاقمي الوراثي، هو الذي يجعل منى شخصاً متفرداً لا يتكرر، متميزاً عن أي شخص آخر موجود الآن أو عاش في الماضي أو يحتمل أن يوجد في المستقبل.

 

لم يعط الكتاب ذوو المنحى التحليلي- النفسي إلا اهتماماً قليلاً للأصل التطوري للنفس البشرية، وان كانت هنالك استثناءات مميزة. يستمد فرويد العضو الأول من الثلاثي  الكلاسيكي الـ هذا-الـ أنا- الـ أنا العليا من الدوافع الملحة لطبيعة الإنسان الحيوانية المحددة بيولوجياً، بينما يعتبر العضوان التاليان من أصل إنساني متميز. وبصيغة فرويد البليغة "يحل الأنا حيث كان الهو". ويقدم مناكر ومناكر (1965) رؤية بيولوجية أشد تماسكاً : "كان محتماً حينما تطور الوعي باعتباره التعبير الأرقى لتطور التحكم العصبي أن تطورت معه قاعدته التوحيدية. فلم يكن ممكناً للإنسان أن يتخبر الوعي والإدراك دون أن تتطور لدية طريقة لتنظيم وتوحيد وتنسيق الإدراكات المختلفة"، وإلا أصبح في حالة من الفوضى النفسية. هذا المنظم هو الأنا، الذي هو "القدرة النفسية التى تنظم الوعي وتقوم بتوحيده وتهيئ الشخص بدنياً وعقلياً للأداء الوظيفي، وتجعل التفكير والسلوك التكيفي ممكناً".

 

يؤكد الوجوديون أن الإنسان والإنسان وحده هو الذي "يوجد" حقاً. هذا "الوجود" هو الذي يميز الإنسان عن سائر أشكال الحياة الأخرى. وربما أن  الوجوديين ساروا على الطريق الصحيح بغية تعريف التفرد البيولوجي النفسي الأساسي للإنسان. لكن يصعب البرهان الصارم على وجود بعض عناصر الإدراك أو غيابها في الحيوانات الأخرى لأن الإنسان يتخبر على وجه الدقة وعيه وإدراكه الذاتي فقط. لكن صياغة فروم (1964)، على ما فيها من نقص، هي الأشد اقناعاً للمتخصص البيولوجي وبكلماته : "يمتلك الإنسان ذكاء مثل الحيوانات الأخرى، يبيح له استخدام العمليات العقلية بطريقة تمكنه من تحقيق أهداف عملية مباشرة؛ لكنه يمتلك إضافة لذلك خاصة  عقلية أخرى يفقدها الحيوان. إنه مدرك لذاته، واع بتاريخه وبمستقبلة الذي هو الموت؛ انه عليم بضآلته وبعجزه؛ وهو يدرك الآخرين كآخرين- كأصدقاء أو أعداء أو غرباء. يتجاوز الإنسان كل الحياة الأخرى لأنه حياته تدرك ذاتها للمرة الأولى في تاريخها. الإنسان كائن في الطبيعة يخضع لإملاءاتها وصد فها، لكنه يتجاوزها لأنه  يفقد تلك الغفلة التى يكون الحيوان بسببها جزءاً مندمجاً في الطبيعة- واحداً منها".

 

إذن فالوعي بالذات هو أحد أهم خصائص النوع الإنساني الجوهرية، وربما كان أهمها. وهو إبداع تطوري؛ فلم يكن النوع البيولوجي الذي انحدر منة الإنسان يملك سوى بدايات الوعي بالذات، أو ربما كان يفقدها تماماً. وقد جلب الوعي بالذات في قافلته رفقة كئيبة - الخوف والقلق والوعي بالموت. وقد صاغ مناكر ومناكر (1965) ذلك كالتالي : "كان القلق-أو فلنقل الخوف -  في العالم الحيواني الذي جئنا منه يخدم وظيفة البقاء على قيد الحياة، وهو يمثل إنذاراً بالخطر المحدق الذي يتم التفاعل معه بكامل معدات البقاء الأتوماتية الغريزية المتوفرة للفرد. يطرح التطور الإنساني مسألة جديدة هنا، وان كانت مدفوعة بالحاجة نفسها للبقاء. إذ من الواضح أنه لا بدَّ لهذا الإنجاز التطوري العظيم، الإدراك، من أن  يضيف بعداً خاصا للخوف".

 

إن الإنسان مثقل بالوعي بالموت. فقد انبثق كائن يعرف أنة سيموت من أسلاف لم يعرفوا ذلك. وإن  الرؤية من منظور تطوري تدل  على أن الوعي بالذات أولي والوعي بالموت ثانوي؛ الوعي بالموت هو الثمرة المرة لصعود الإنسان إلى مراقي الوعي ولتطور الأنا الفاعل فيه. لقد تنامى الوعي بالذات تكيفاً ضروري الجانب؛ أما الوعي بالموت فلا يبدو أن الجانب التكيفي بين فيه بل أنه ربما كان ضاراً من الوجهة البيولوجية. لكن ظهورهما يدعم وجهة نظر المؤرخ اريك كاهلر (Erick Kahler 1964) الذي كتب : "لا يغيب عن بالنا إذا ما ألقينا نظرة عامة على مجرى التاريخ، والتطور حقيقة  أن نلاحظ التوسع التدريجي للمجال الوجودي، ولبعض الأحداث التى تشكل فواصل، أو نقاط تحول برغم امتدادها لفترات طويلة، لأن محور وجودها ينتقل من مستوى إلى آخر، من مستوي أدنى محدود المدى إلى مستوى أعلي رحب المدى. وقد كان الانتقال التطوري من مستوى الوجود الحيواني إلى الوجود الإنساني أحد هذه الفواصل".

 

وتكمن الأهمية التطورية التكيفية للوعي بالذات في الدور الذي يقوم به في تنظيم وتوحيد قدرات الإنسان البدنية والعقلية التى يقوم عن طريقها بالتحكم في بيئته. وكما كتب هالويل (1961) "كان أهم ما حدث في البعد النفسي لتطور عائلة الإنسان تنامي بنية الشخصية الإنسانية التى صار للوعي بالذات المستند إلى  الأنا (الإيقو)، أهمية محورية بها. و كما أشار رو (1963) فإن هذه البنية تشكل مركباً يضم التفكير الرمزي، والاتصال، واللغة الرمزية، والذكاء، والتفكير المنطقي؛ كما يضم بطريقة غير مباشرة استخدام  الآلات وصنعها، والثقافة" (رو 1963).

 

إن الوعي بالموت ملازم للوعي بالذات، لكن بينما تخضع المعرفة في أخر المطاف للاستبطان والملاحظة الخارجية فإن الأول يقود لأشكال من السلوك تسهل ملاحظة نتائجها. أحد أشكال هذا السلوك دفن الموتى. إن النمل والنحل والحشرات الاجتماعية الأخرى تثابر على إزالة الموتى من بين أعضاء المستعمرة وبقايا الطعام والشرانق الفارغة وغير تلك البقايا من أعشاشها. لكن هذا السلوك يعد جزءاً من تنظيف الأعشاش، وهو إجراء صحي غريزي يختلف عن الدفن تماماً. وأن مزاعم وجود "مدافن" يأوي إليها الضعفاء والطاعنون في السن من تلك الحشرات مشكوك فيه، وهو على أية حال لا علاقة له  بالممارسة الطقوسية لدفن البشر للموتى من بني جنسهم.

 

وهنالك أدلة قاطعة على أن أفراد نوع الإنسان القديم نياندرثال كانوا يدفنون موتاهم. وفقا لهوكس وولي (1963) فإن وادي المغارة في فلسطين هو أقدم المدافن. وقد وجدت في هذا المدفن بضعة جثث مسجاة في قبور محفورة في قاع الكهف وضعت إلى جانبها قرابين من الطعام وأسلحة. كما وجدت جثة ليافع من نياندرثال أيضاً في قبر محفوف بالألواح في تشيك- تاش بـ تركستان، وضعت حول رأسه قرون لستة أغنام جبلية. كذلك اكتشفت بضعة قبور نياندرثالية في أوربا  توحي حالة بعضها إيحاء قوياً بالدفن "الطقوسي". وقد سجيت تلك الجثث في حالة أشبه بالنوم ودهنت بالمغرة الحديدية الحمراء، ووضعت إلى جانبها آلات حجرية وبقايا طعام. ويعتقد أن المغرة الحمراء استخدمت وهماً يعطي انطباعاً باحتفاظ الجسد بالدم واهب الحياة *.

 

أما بقايا إنسان بكين (بيثكانثروبوس = القرد الإنسان) الذي ينتمي إلى نوع الإنسان المنتصب القامة (هومو اركتس Homo erectus) الذي انحدر منه نوعنا الإنسان العاقل (هومو سابينز Homo sapiens) فيبدو أنها تحكي قصة لا للمدافن وإنما لولائم أكلة لحوم البشر. فقد وجدت سلسلة من الجماجم المفصولة عن أجسادها في كهف شوكوتين وقد هشمت قواعدها بطريقة توحي بتسهيل استخراج الدماغ. وقد لا يوحي هذا بأكثر من وجود مذاق قاسترونومي "رفيع". لكن من الناحية الأخرى فقد مارست بعض القبائل عمليات مماثلة في الأزمنة التاريخية بغرض السحر وتقديم القرابين. وقد ساد اعتقاد بأن الذي يأكل جسد المحارب، خاصة دماغه يكتسب قوته وبسالته وقدرته على الاحتمال.

 

أما مدافن العصور الحجرية القديم الأعلى (Upper Palaeolithic) والوسيط (Mesolithic) والحديث (Neolithic) فهى تتواجد على نحو متزايد. ومن الواضح أن الاهتمام بشأن الموتى قد شاع في فجر الإنسانية. انه أحد العموميات الثقافية لدى البشر. وهنالك تنوع شديد في التعبير عن هذا الاهتمام في الثقافات المختلفة، يتراوح من الخوف والرهبة تجاه أرواح الموتى إلى نشدان العون والحماية باستحضار تلك الأرواح. فقد يتم دفن الجثث في أرضية المساكن التى يأوي إليها أقارب الموتى، أو تدفن في مقابر خاصة على مبعدة من المساكن، أو توضع في كهوف طبيعية أو أضرحة خاصة. وقد يحرق الجثمان وتحفظ البقايا في أوعية خاصة أو تدفن أو تذرى للرياح أو تلقى في الماء. وقد تضمخ الجثث وتحنط وتتم المحافظة على مظهرها الخارجي باهتمام بالغ أو يلقى بها عمداً للحيوانات المفترسة والنسور الجارحة. ليست هنالك حاجة لاستعراض ذلك التنوع الهائل في الأعراف والطقوس والمواقف التى سجلها علماء الإنسان (الأنثروبولوجيا) في مختلف بقاع العالم. الحقيقة الرئيسة هي أن جميع الناس في كل مكان  يهتمون بموتاهم بطريقة أو أخرى، بينما لا يفعل أي حيوان شيئاً من هذا القبيل. إن الأرضة وبعض الحيوانات الأخرى تأكل جيف موتاها، لكن ذلك أقرب إلى الإجراء الصحي منه إلى الدفن. وتحمل إناث القرود والنسانيس جثث صغارها وأحيانا جيفهم المتحللة لبضعة أيام، بينما يبحث جرحاهم و