أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

Copyright © 2005 ArkamaniNewCush Page All rights reserved.

© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005  أركامانى صفحة كوش الجديدة 

دوبجانسكي : علم الأحياء ومعنى الحياة - 4

 

الفصل الثالث

التطور والتجاوز

 

أشار الراحل ا. ل. كروبر Kroeber، الذى كان عميداً لعلم الإنسان الأمريكي لعدة سنوات، إلى أن كلمة التطور صارت كلمة "منزلية" شائعة. وبالتأكيد لم تكن تساور كروبر أية أوهام على أن لدى أغلبية "أرباب البيوت"، حتى في أكثر البلاد تمدناً، أشد الأفكار غموضاً عن ماهية التطور.  مع ذلك كما أشار سوروكين Sorokin1937 فقد صار التطور "المقولة السائدة للإدراك العقلي".  و"النظرة إلى الأشياء من منطلق أصولها وتناميها وتطورها هي رؤيتنا لكل شئ من الدين إلى البورصة. لقد تجذر هذا المنظور في عقولنا وأضحى على درجة من العمق بحيث لا يستطيع الكثيرون منا أن يتصوروا أي مدخل لا تاريخي أو لا تطوري أو لا تناموي لدراسة أية ظاهرة".

 

تشير كلمة "التطور" لدى معظم الناس إلى النظرية البيولوجية التى اقترحها شارلس داروين. لقد درس التطور البيولوجي الكثيرون ممن سبقوا داروين، لكن داروين هو الذى حشد جملة من الأدلة الغامرة لدعم نظريته. غير أن التطور ينطبق على مجالات أوسع بكثير من التطور البيولوجي. فقد تم الاعتراف أو على الأقل النقاش في تطور المجموعة الشمسية والكرة الأرضية والمجتمعات البشرية قبل التطور البيولوجي. ليس هنالك تعريف عام مقبول لكلمة التطور. إن تعبير "التغير المتواصل أي المستدام" يقارب المعنى أكثر من غيره في الوقت الراهن. يمكن تعديل هذا المفهوم في حالة التطور البيولوجي إلى "التغير المتواصل عبر أجيال متتابعة"، وذلك لتمييز تنامي المجموعة "فايلوجينى"، أي تاريخ النوع أو الأنواع عن تنامي الفرد "أونتوجيني". اقترح هكسلى Huxeley 1955 تعريفاً أكثر تفصيلاً، وفي تقديره أكثر تعميماً، للتطور"التطور عملية ذاتية الدفع وذاتية التحول وذاتية التجاوز، محددة الاتجاه زمنياً ولذلك فهو غير قابل للإلغاء، ويولد في مساره إبداعاً متجدداً وتنوعاً متزايدًاً وتنظيماً معقداً ومستوىً أعلى للوعي وفاعلية عقلية واعية متصاعدة". هذا التعريف لا يكفي، لسوء الحظ، للتطور البيولوجي وحده. فحالات الركود التطوري تبين أن التطور ليس ذاتي الدفع؛ التطور أساساً صيرورة تلمس، وهو صيرورة توجيهية في المرتبة الثانية فقط؛ وأحياناً يكون التطور تقهقرياً بدلاً من أن يكون تقدمياً؛ الإنشطار التطوري "زيادة التنوع" يتكرر بدرجة التركيز التطوري نفسها "التغيير داخل المجموعة نفسها"؛ وقد نشأ الوعي والوعي بالذات، حسبما نعلم، في خط تطوري واحد هو الذى يقود إلى الإنسان.

 

يكاد الإنكار التام لحدوث التطور يكون مستحيلاً، على الرغم من أن بارمنيدس Parmenides كان يؤمن بأن التغيير ليس سوى خداع للحواس. وعلى أية حال فحتى لو كان هنالك واقع أبدي علوي لا يتغير، فالسؤال وارد حول مدى التغيرات التى أوهمتنا حواسنا بحدوثها. وقد قامت كل الشعوب حتى البدائية تماماً، بتأليف أساطير للخلق تحكي أصول العالم والجنس البشري. وغالباً ما تكسو هذه الأساطير مشاعر وجدانية رائعة تنبع، كما تقول بعض النظريات، من أشد أغوار النفس البشرية عمقا Long 1963. تحكي أساطير الخلق أفعال الشخصيات المقدسة التى نتج عنها عالم اليوم. وقد حدثت هذه الأفعال البطولية والأحداث العاصفة أساساً في بدايات العالم. وبمجرد اكتمال تلك الأحداث فإن العالم يتم تصويره في حالة ثابتة نسبياً ولا تقبل التغيير.

 

إن قصة الخلق في سفر التكوين إذا ما أخذت وحدها يمكن أن تفسر، وقد فسرت فعلاً أساساً لرؤية "لا تطورية" للطبيعة والكون والإنسان. وقد سادت هذه الرؤية اللا تطورية حتى تحطمت تحت تأثير الاكتشافات العلمية في العصر التالي للنهضة. حقاً لم ينكر كل تغيير، لكن التاريخ المفترض القريب جدا لبداية العالم، سنة 4004 ق.م. وفقاً لتقديرات الأسقف اوشر، أوحي بأنه لم يكن متاحاً للعالم أن يتغير كثيراً منذ بداية الخلق. ومن هنا جاءت الكلمات الاكليركية : "ما كان هو الذى سيكون، وما يقضي به العرف هو الذى سيتم؛ وليس هنالك جديد تحت الشمس".

 

تفترض روايات أخرى للخلق تكراراً أبدياً لخلق العالم وتحلله. تتضمن بشكل ما الرؤيتين التطورية واللا تطورية للعالم. وتُعد كونيات فيشنو بورانا Vishnu Purana مثلاً جيداً لهذه الروايات. فالكون يتكرر على دورات تبلغ الواحدة منها 4320000 بليون سنة بالضبط، وهذا رقم مهول حتى بالنسبة لحوالي خمسة عشر بليون سنة هي التقدير الراهن لعمر الكون. وتتخلل هذه الدورات الكبرى دورات صغرى مداها 432000 سنة تخضع لتغيرات جذرية من بداية خلق (كرتا يوقا) إلى نهايته المدمرة (عهد كالي الذى نتوسطه الآن). كان الفيثاغوريون أيضاً مغرمين بالنظريات الدورية التي اختلف طول دوراتها (إنوس ماقنوس) من 5552 إلى 100020 سنة. وكان نيتشة من أشد دعاة الإيمان حماسة بالتكرار الأبدي؛ وجدت النظريات الدورانية للتاريخ حظوة لدى كل من دانيلفسكي وشبنقلر وإلى حد ما سوروكين.

 

تُعد المسيحية من أكثر الأديان العظمى وعياً بالتاريخ، وهى بهذا المعنى تطورية. إنها تؤكد أن تاريخ البشرية والعالم ليس مجرد وهم وليس شراً لا خلاص منه. فالتاريخ هو مركبة الخلق. لقد كانت للعالم بداية وستكون له نهاية. وقد وقع حدث محوري في لحظة معينة من التاريخ إذ  اتخذ الله هيئة إنسانية وعاش بين الناس. لذا فإن الإنسان يتموضع في مركز المعنى في التاريخ. وبكلمات تيليش (1963) فان التاريخ يتأكد في نداء الوعي الباطني المسيحي بطريقة تجعل الإجابة عن الأسئلة التي توحيها التباسات الحياة في بعدها التاريخي تكمن في رمز "مملكة الله". ولا يعني هذا بالضرورة عقيدة للتطور التقدمي صوب حالة من الكمال؛ وفي الواقع فإن المسيحية ورثت عن اليهودية مبدأ السقوط المأساوي للإنسان من حالة كمال بدئي.

 

ليس صدفة إذن أن فكرة التقدم نمت وترعرعت في الخلفية الثقافية المسيحية ـ اليهودية، على الرغم من الإطار العلماني، لا الإطار الديني الذى نشأت فيه Bury 1932. وقد اعتقد الموسوعيون أن "الكتلة الكلية للجنس البشري تتحرك ببطء دائما إلي الأمام". وقد ارتأى فولتير ان الإنسان يتقدم من "البساطة البربرية الخرقاء" إلى "تهذيب زماننا". ثم ظهرت أول نظرية ناضجة لتقدم الجنس البشري التطوري في نهاية عصر الأنوار، تلك هي نظرية كوندورسيه. إنها ترنيمة لتفاؤل طليق نُظمت في ظلال الموت. وقادت الأفكار التطورية لهيردر Herder، وكانت  ،Kantوفخت Fichte على أساس فلسفي مختلف إلى نسق هيجل الذى ينظر فيه إلى التاريخ بحسبانه التجلي المضطرد للروح. ويضع ماركس الإنتاج والاقتصاد محل الروح ليصل إلى بديل لمملكة الله اسمه الاشتراكية والشيوعية. وقد اكتشف ماركس "تطور" مجتمعه تقريباً في الوقت نفسه الذى نشر فيه داروين روايته  للتطور البيولوجي. وكان ماركس ثاقب الذهن للدرجة التى جعلته يكتشف في داروين زميلاً تطورياً، وهو انتماء رغب عنه داروين. ولم يمض وقت طويل قبل أن يشرع سبنسر وتايلور ومورغان وآخرون في تأسيس علم الإنسان الاجتماعي القائم على مقدمات داروينية صريحة.

 

وقد ظهرت نظريات التطور الكوني والأرضي اللا عضوي قبل نظريات التطور العضوي بقدر من الوقت. فقد تقدم كانت (1755) في سنه اليافعة قبل أن يصبح أمير الفلاسفة، بنظرية السديم الأولي. ارتأى كانت Kant أن قوى الجاذبية النيوتونية أدت إلى تجميع مادة الكون المبعثرة أصلاً وتكثيفها في الشمس والكواكب. وتصور لابلاس في عامي 1796 و1808 أن الشمس الأولية  كانت كرة غازية في حالة دوران سريع. وقد انفصلت أجزاء من تلك الكرة الغازية وتكثفت بفعل قوى الطرد المركزي القوية فشكلت الكواكب والأقمار. وطور ليل* في القرن التاسع عشر مبدأ التساوق الذى تقدم به  كل من بفون Buffon وهتون Hutton في القرن الثامن عشر، وجعله  أساساً لدراسة التغيرات الجيولوجية للأرض. وقد الهم ليل داروين وعضده، بعد أن تشكك بادئ الأمر في نظرية التطور البيولوجي.

 

لكن النظريات الكونية الحديثة جديدة عهد تماماً. إنها نتاج تقدم الفيزياء وعلم الفلك في القرن العشرين. وهى تتلخص في نظريتين تبدوان مختلفتين ومتناقضتين، على الأقل بالنسبة لغير المتخصص. ولا يبدو الحسم النهائي لهاتين النظريتين ممكناً الآن، ويمنح ذلك دراسة الكونيات  إثارة شديدة في الوقت الراهن.  فقد طور بوندي  Bondi وقولد Gold وخصوصاً هويل Hoyle نظرية حالة الثبات. إن الافتراض الأساسي لهذه النظرية هو أن المادة الجديدة تنشأ باستمرار في الكون المتمدد. وأن هنالك تناسب بين وتائر تمدد الكون وخلق المادة الجديدة، ويؤدي ذلك لأن  تكون كثافة المادة في الكون في حالة ثبات تقريباً كل الوقت. وهكذا فإن المجرات الجديدة يتم تكونها باستمرار. أما النظرية الأخرى فإنها تفترض أن الكون نشأ قبل حوالي خمسة إلى عشرة بليون سنة، من حالة انضغاط بلغت فيها كثافة المادة والإشعاع مائة مليون ضعف كثافة الماء. كانت البداية انفجاراً مهولاً (ومن هنا جاء اسم نظرية "الانفجار الكبير" التى ارتبطت خصوصاً مع النظرية التي اقترحها قاماو Gamow). وقد بدأت ذرات العناصر الكيمائية تتكون خلال الدقائق الخمسة الأولي بعد الانفجار الكبير حينما بلغت درجة الحرارة حوالي بليون درجة مئوية؛ ويُعزى التوفر النسبي للعناصر في الكون الآن لهذه العملية التى يقدر أنها استمرت لمدة خمسة وعشرين دقيقة فقط. وتفترض نظريات حالة الثبات على النقيض من ذلك أن العناصر الأثقل من الهيدروجين والهليوم يتم "طبخها" باستمرار داخل النجوم الساخنة جداً.

 

وهكذا فإن أصل المادة التطوري إما أن يكون قد حدث في الماضي البعيد جداً أو أنه صيرورة تجري تحت شروط وظروف معينة في الوقت الراهن. من الناحية الأخرى فبينما كانت النجوم تعتبر رمزاً للثبات ولزمن لا نهاية له، فقد صار الآن مؤكداً بشكل أن النجوم تخضع للتغيرات التطورية. زيادة على ذلك، إذا ما اعتمدنا هذه النظريات على الأقل، فإن مجرى هذه التغيرات يمكن التنبؤ به تماماً. فمن المتوقع أن يزداد توهج شمسنا توهجاً شديداً بسبب زيادة في حجمها مرتبطة بانخفاض في درجة حرارة سطحها. وستبلغ الشمس في ذروة تمددها مائتين إلى ثلاثمائة ضعف حجمها الراهن. وسيعقب هذا التمدد انكماش، لكن ليس إلى ما دون حجمها الراهن، تصحبه زيادة كبيرة في درجة الحرارة. في ذلك الوقت يقترب "الوقودالنووي من مرحلة النفاد ويتوقف في النهاية إنتاج الطاقة.

 

التطور البيولوجي هو العنصر الوسيط في الثلاثي التطوري - الكوني والبيولوجي والإنساني. وقد تمت الإشارة إلى أن اكتشاف التطور البيولوجي كان لاحقاً للتطورات الأخرى. كان داروين هو المكتشف الحقيقي، وإن سبقه آخرون لهم إسهامات هامة كان لامارك** أبرزهم وأكثرهم إثارة للجدل. إن تحديد تلك الإسهامات ودراستها شئ ممتع، لكن القول بأن داروين لم يقم إلا بفرز أفكار استعارها من سابقيه كما يقول البعض الآن ليس صحيحاً. فقد ثبتت نظرية داروين بصورة جيدة لاختبار الزمن. إن النظرية الحديثة بعيدة جداً بالطبع عن التطابق مع نظرية داروين التى انقضى عليها أكثر من قرن، لكن هنالك استمرارية فكرية لم تنقطع بينهما. النظرية الجديدة تسمي "البيولوجية" أو "التركيبية" لأنها تمثل تداخلاً وتركيباً للاكتشافات من كل العلوم البيولوجية تقريباً. هذا إبداع في حد ذاته لأن علماء الوراثة والتصنيف والإحاثة والأجنة وغيرهم كانوا يقومون بصياغة النظريات التى كانت تبدو لهم متفقة مع مادتهم الخاصة دون أن يمنحوا للعلوم المجاورة لهم اعتباراً كافياً.

 

إن جوهر النظرية البيولوجية بسيط تماماً، وستتم مناقشته في إطار مختلف في الفصل السادس. ولا نحتاج لأكثر من تخطيط مقتضب هنا. الفرضية الأساسية هي أن التطور يتألف بشكل رئيس من استجابة النوع البيولوجي لتحديات بيئاته. الحياة عموماً حالة غير محتملة للمادة؛ إنها إنجاز  دال على البراعة تحقق ضد كل المصاعب واحتمالات الفناء طريق الصعود التطوري البطئ. وكان على الحياة لكيلا تضع البيئات غير المواتية حداً لوجودها أن تحافظ على تكيفها للبيئات المحيطة بها وأن تحسن منه طوال الوقت. تشكل البيئات المتغيرة أقصى التحديات، وذلك لأنه من غير المحتمل تماماً أن يكون الطاقم الوراثي الذى تشكل استجابة لتحديات البيئة القديمة مناسباً  للبيئات الجديدة بالمصادفة وبالقدر نفسه.

 

إن الاصطفاء الطبيعي هو الطريقة التى تستجيب بها الكائنات الحية لتحديات البيئة. هذا ما تصوره داروين بوضوح، لكن الفهم الجديد للاصطفاء الطبيعي ناتج عن البيولوجيا الجديدة. فخامات التطور هي الأشكال المغايرة التى تنشأ عن طريق الطفرات الوراثية. الخاصة المذهلة لعملية الطفور هي التباسه التكيفي. الطفرات تنشأ بغض النظر عن فائدتها أو عن احتمال أن تصبح مفيدة، عوضاً عن ظهورها وقت الضرورة وحيث تتم الحاجة لها. ومعظم الطفرات في الحقيقة ضارة. الطفور بمفرده ودون ضبط الاصطفاء الطبيعي لا يقود إلا إلى التدهور والاضمحلال والانقراض.

 

كثيراً ما شُبه الاصطفاء الطبيعي بالمنخل لأنه يبقي الطفرات القليلة المفيدة ويدع الطفرات الضارة الكثيرة تمر. لكن هذا التشبيه مضلل للغاية. إنه يغفل الجنس وتفاعل الجينات. إن التوالد الجنسي يبدع دوماً توليفات من الأطقم الوراثية المتغايرة المتجددة التى نشأت أصلاً كطفرات. هذا التوليف أهم بكثير جداً من مجرد خلط الوحدات المستقلة وإعادة خلطها؛ إذ غالباً ما يعتمد التكيف لا على الطفرة في حد ذاتها وإنما على النسق الوراثي الذى توجد فيه. فالطفرة التى تكون مفيدة في توليفة جينية معينة قد تكون ضارة في توليفات أخرى.

 

علينا لكي نجعل التشبيه بالمنخل صحيحاً أن نتصور "منخلاً" من نوع غير اعتيادي. يتم تصميم هذا المنخل بطريقة تمكنه من تسريب أو إبقاء الحبيبات المنفردة لا على أساس حجمها وحدها وإنما بالأخذ في الحسبان خصائص كل الحبيبات الأخرى الموجودة. ما يكون لدينا في هذه الحالة ليس منخلاً وإنما أداة ضبط سبراني تنقل للكائن الحي "معلومات" عن حالة البيئة. هذه الأداة أيضاً تجعل التغيرات التطورية الآتية متسقة مع السابقة. لذلك يحتوي الطاقم الوراثي للنوع الحي على سجل لبيئاته السابقة وعلى بصمة بيئته الراهنة. إذن فالهبة الوراثية التى تنتج ليست "موزايكو" من الجينات التى تحتفظ كل منها بتأثيرها المستقل؛ بل هى نسق متكامل، لا يتأهل للبقاء إن لم تتوافق أجزاؤه مع بعضها البعض.

 

من الغريب جداً أن فكرة كون الإنسان والعالم الذى يعيش فيه نتاج التنامي التطوري تبدو مخزية لبعض الناس "تحط" من قدرهم. لكنها في الواقع وعلى النقيض من ذلك شرط أساس للإنسانية بمفهوم تيليش 2) لأنه لكي تكون للإنسان إمكانيات قابلة للتحقيق فلا بدَّ من أن تكون لديه قابلية التطور في المكان الأول. لا بدَّ للإنسان، فردياً وجماعياً، أن يكون صيرورة متحولة لا حالة ثابتة. لا بدَّ للكون أن يكون تكويناً. وبكلمات تيلار دي شاردن (1964) "إننا نرى بوضوح أكثر مع كل زيادة في معرفتنا أننا مشاركون، جميعنا، في صيرورة التكونن الذى يبلغ ذروته بتمركز الكون حول الإنسان والذي يعتمد عليه بشكل ما التحقق النهائي لذواتنا - بل سعادتنا الأبدية".

 

السؤال الذى يطرح نفسه هنا هو هل التطورات الكونية والبيولوجية والإنسانية صيرورات منفصلة أم انها أجزاء وفصول أو مراحل لتطور كوني واحد. إن طرح هذا السؤال إنما هو طريقة أخرى لإثارة الأسئلة الكبرى عن كيفية نشأة الأجسام الحية من المادة غير الحية، وكيفية نبع نهر الوعي وسريانه، وإدراك الذات من الصيرورات الفسيولوجية المباشرة لدى أسلافنا الحيوانيين. تتضح صعوبة هذه الأسئلة من العبارة التالية لعالم بيولوجي بارز : "ما هو غامض تماماً يكتسب بعداً صوفياً لدى أناس كثيرين، أن تكون الحياة نشأت من مادة غير حية وأن يكون الجنس البشري بدأ مسيرته في ذلك الطريق الذى يبعده أكثر وأكثر من أصوله الحيوانية" (دوبوا Dubos 1962).  من المهم أن نحتاط هنا لحالتين من التبسيط المفرط، متعارضتين في الدلالة لكن متساويتين في التضليل. الأولي تفترض انقطاعاً تاماً في الاستمرارية التطورية بين الحياة واللا حياة وبين الإنسانية والحيوانية. والثانية تتغاضى عن الاختلاف بين التطورات الكونية والبيولوجية والإنسانية، فتفلت منها لذلك رؤية مصدر الإبداع. إن استخدام مفهوم مستويات وأبعاد الوجود الذى نماه الديالكتيكيون الماركسيون من ناحية وعالم اللاهوت العظيم بول تيليش من ناحية أخرى هو في تقديري الحل الأمثل لهذا الإشكال.

 

ببساطة شديدة فإن الظواهر في المستويات غير العضوية والعضوية والإنسانية تخضع لقوانين مختلفة خاصة بتلك المستويات. ليس ضرورياً أن نفترض عدم قابلية هذه القوانين للتعميم الاختزالي،  لكنه ليس مجدياً أن نصف ظواهر المستوى الأعلى بقوانين المستويات الأدنى.  يعبر أحد كبار كهنة الماركسية السوفيت، بريزنت Present  1963، عن ذلك بوضوح تام كما يلي : "حيثما نشأ، فلا بد أن المجتمع الإنساني جاء من العالم الحيواني، وقد كان العمل، صيرورة الإنتاج، هي التى جعلت من الحيوان البشري إنساناً. وعلى أي حال، فإن الذي نقل البشر من طريقة الحياة الحيوانية ومنح حياتهم الجديدة خصوصيتها صار جوهر  التاريخ وأساسه التالي. الشيء نفسه يصدق في دنيا الطبيعة الحية،  فإن الذي نقل الشكل الجديد لحركة المادة من ما ـ قبل  تاريخها  غير  الحي هو الذي صار بالضرورة جوهر الحياة وقاعدتها الأساسية".

 

ووفقا لتيليش (1963)، "لا يمكن تحقيق البعد العضوي ما لم يتحقق البعد اللا-عضوي، ويظل البعد الروحي احتمالاً كامناً ما لم يتحقق البعد العضوي. لقد تحققت كل هذه الإمكانيات في الإنسان كما نعرفه، لكن الطبيعة الخاصة بهذا العالم تحددها الأبعاد الروحية والتاريخية... إن البعد العضوي موجود أساساً في اللا-عضوي؛ ويعتمد ظهوره الفعلي على شروط تحددها البيولوجيا والكيمياء الحيوية". 

 

تقع التطورات غير العضوية والعضوية والإنسانية في أبعاد أو مستويات مختلفة  لتنامي الكون التطوري. من المؤكد أن هذه الأبعاد أو المستويات ليست منفصلة تماماً عن بعضها البعض؛ بل هنالك على النقيض من ذلك علاقات تغذية استرجاعية بين الحي وغير الحي وبين الإنساني والحيواني. مع ذلك فالأبعاد المختلفة تتميز بقوانينها ووتائرها المختلفة التى يستحسن فهمها وفحصها في الإطار الذي ينتمي إليه كل منها. إن التغيير في مستوى التطور العضوي أسرع من مثيله غير العضوي.  لكن التطور غير العضوي لا يتوقف بظهور الحياة؛  لأن التطور العضوي مركب فوق  التطور غير العضوي. والتطور البيولوجي للجنس البشري أبطأ من التطور الثقافي؛  فالتغيرات البيولوجية لم تتوقف حينما انبثقت الثقافة؛ التطور الثقافي مرك