| Copyright © 2005 ArkamaniNewCush Page All rights reserved. |
© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005 أركامانى صفحة كوش الجديدة |
|
دوبجانسكي : علم الأحياء ومعنى الحياة - 3 |
الفصل
الثاني
عن آلهة
الفجوات
ينبغي
أن تكون تجربة
تعلم حقيقة
جديدة مثيرة ومبهجة، وهى عادة
كذلك
لكن هنالك
استثناءات
غريبة ربما
اعتاد معظم
معلمي الأحياء
أن يجدوا قلة
من تلاميذهم
ينزعجون لشرح
بعض ما كانوا
يعتبرونه في
عداد "أسرار" الطبيعة وتفسيره، إن
هؤلاء
التلاميذ
يرون في انحسار
هذه الأسرار
تهديداً لأمان
معتقداتهم. لا بدَّ
لهؤلاء
التلاميذ من
وجود فجوات
بين الأحداث
الطبيعية تأوي
التدخل الإلهي،
بالمقابل فإن
الأشكال
الفجة للدعاية المضادة للدين
في روسيا وغيرها
تزعم أن العلم قام
بتفسير كل شيء
تقريباً، ومن ثم
لم يعد هنالك
مجال للتدخل والوجود
الإلهي الذى
لا يرون فيه
إلا مرتعاً للغموض
والمعجزات.
لقد
تمكن نيوتن
Newton
من تفسير
حركة الكواكب
حول الشمس
بقوانين فيزيائية
لكنه كان مع
ذلك
يعتقد بأن
"الدوران
اليومي
للكواكب لا
يمكن اشتقاقه
من الجاذبية
وإنما يحتاج
لقوه إلهية
لإحداثه". بعد قرن
من ذلك الزمان
سأل
الإمبراطور
نابليون الكوزمولوجى
والرياضي
لابلاس Laplace
عن سبب
غياب اسم الله
في مؤلفه
الشهير عن ميكانيكا
الأجرام
السماوية. ربما
قصد الإمبراطور
المزاح بذلك
السؤال، لكن
لابلاس أجاب
بكل جديه بأنه "لم يكن
محتاجاً
لفرضية الله"
في عمله. وقد اعتقد
الكثيرون
بأنه،
ذلك ما لم
يقله لابلاس، إذا
لم تكن هنالك
حاجه لله في
شئون
السماء، فالحاجة
إليه في
الشئون
الأرضية
تكون أقل. ونشرت
مقالات وكتب
لا حصر لها
بلغات كثيرة عن
الأفول
المضطرد
لجدوى "فرضية" الله في
التفسير
العلمي
للعالم المحسوس. ويعتبر مؤلف
هوايت
White "حرب
العلم
والدين
1895" مرجعاً
كلاسيكياً في
هذا الموضوع.
وقد
أعلنت
المحكمة
الثورية
الفرنسية
التى قضت بموت
العالم
لافوزيير
Lavoisier
أن
الجمهورية
ليست بحاجة
إلى العلماء. "ولو أن
كل شيء في
العالم
تقريباً صار معلوماً
ومفهوماً
فربما لا يكون
هذا الرأي غير
المستنير بعيداً عن
الصواب، ويصبح
البحث العلمي
حينئذ مدعاة
للضجر ولا
يكون وجود
العلماء
مجموعةً مهنيةً ضرورياً. لكن هذا
بعيد عن الحقيقة
تماماً لأن مشروع
العلم لا يزال
في مراحله
الابتدائية وفي
واقع الأمر
فإنه لم يتم
إلا الفهم
الجزئي لبعض
ظواهر
الطبيعة ولا
يزال المجال
الذى ينتظر
التفسير
العلمي أكبر
من ذلك بكثير. إن
المجهول هو الذى
يلهم العلماء
للجد في طلب
العلم حقاً. لكن بعض
الناس يجدون
متعه في فجوات
معرفتنا
بالطبيعة لسبب
مغاير، إذ يؤمل
هؤلاء الناس
في أن تدوم
هذه الفجوات،
وفى أن يصبح
غير المعروف
غير قابل
للمعرفة، ثم
يفترض،
بالتواء عجيب
في المنطق، أن
يبقى المجهول مجالا
للتدخل
الإلهي. إن كل
الاحتمالات
التاريخية ضد
استمرارية
"آلهة الفجوات" في
الاحتماء
بها لكن ما من
شيء يمكن أن يؤدي
إلى إقناع مثل
تلك العقول
التى ترفض
قبول شهادة
التجربة التاريخية.
وفقاً
لدوركهايم
(1915) "تشترك كل
المعتقدات
الدينية، المعقد
منها
وغير المعقد، في خاصة
مميزة:
أنها تفترض
تصنيف كل الأشياء
التي يفكر
فيها الناس، الواقعي منها
والمثالي، إلى
فئتين
متعارضتين : الاعتيادي
والمقدس. لا
يعني هذا تماماً
أن الاعتيادي
هو مجال القوى
الطبيعية والمقدس
هو مجال القوى
الغيبية". مثل هذا التصنيف
يكون بلا معنى
للإنسان
البدائي، الذى
يرى مظاهر
القوى التى نعدها
توهمية أو غيبية في
كل مكان. وقد
رأى تايلور وغيره
من رواد علم
الإنسان
الثقافي أن
الأرواحية* هي
أصل الدين،
ويفترض أن
الإنسان
البدائي لا
يميز بين
القوى
المادية
والروحية،
وبالنسبة إليه
فإن
الحيوانات
والنباتات
والصخور والأنهار، وكذلك
الطقس، لا الناس
الآخرين
وحدهم،
لهم أرواح
واردة بوسعها
أن تفيد
الإنسان أو أن
تلحق به
الأذى.
تتفق
هذه التأملات
عن أصل الدين
تماماً مع المذاهب
الفلسفية
لكومت وسبنسر
اللذان
افترضا وجود ثلاثة مراحل
للتنامي
الفكري للجنس
البشرى من الدين
إلى
العلم، مروراً بالميتافيزيقا
لكن الدراسات
اللاحقة
عدت هذا
التبسيط مفرطاً فقد أكد
مالينوفسكى
وآخرون
1931)) ، أن
للأفكار
الدينية
والعلمية
وظائف مختلفة
في حياة الناس
الاجتماعية،
وقد أكد
مالينوفسكى
أنه "بمجرد أن أحكم
الإنسان
قبضته على
البيئة
باستخدام الأدوات، وبمجرد أن
ظهرت اللغة،
فقد صارت هنالك
معرفة ذات
طبيعة علمية، ولا
يمكن لأية ثقافة أن تبقى
لو كانت فنونها
وحرفها
وأسلحتها
واقتصادها
مؤسسة على
مفاهيم
ومذاهب خفيه
وغير تجريبية". إن
الأرواحية تنتسب
إلى السحر وأن
وظيفة السحر
مختلفة لكنها
مكملة
”للعلم ”
البدائي.
وتُعد معرفة
الإنسان ناقصة؛
الكثير منها
يعتمد على الحظ والمصادفة وقوى
غير مفهومة
يحاول الإنسان، كما
يقول
مالينوفسكى،
أن يتحكم في
تلك القوى
بواسطة السحر... "السحر
يستخدم كشيء إضافي
لأدوات
الإنسان
وقوته،
للتحكم في
الصدفة
ولاصطياد
الحظ".
وقد توصل
الكُتاب ذو المنحى
التحليلي
النفسي إلى
مفاهيم مختلفة
أيضاً، بالنسبة
لفرويد
Freud
فإن
الإله ليس فقط
فرضية لا
ضرورة لها
وإنما هو فكره
توهمية ناتجة
عن النزاعات التى لم يتم
حسمها في
الطفولة، أما
يونق
Jung فكان
على النقيض من
ذلك،
يعتقد بأن هنالك لا وعى
جماعي للنوع
الإنساني يقبع
خلف تجربة كل
فرد،
يعبر عن نفسه
في صور رمزية
(انظر
مورو
1955
وكاردنكر
1963 Kardiner).
كما أن ديكارت
تحرى قبل
ثلاثة قرون من
زماننا هذا
العمق الكامل
لانطباق
المعرفة
العلمية على فهم
الطبيعة وكان
الحل
الديكارتى
ثنائية جذرية العالم
آلة: "لا أقبل
ولا أرغب مبدأ آخر في
الطبيعة سوى الهندسة والرياضيات
المجردة، لأن
كل ظواهر
الحياة يمكن
أن تفسر عن
طريقها، ويتم
إثباتها بها"
الأجسام الحية
آلات، وكذلك
جسم الإنسان لكن
الإنسان ليس
آلة وحسب؛ إن له روح
ليست آلية. ما هي
الأدلة التى
دفعت ديكارت
لتقديم هذا
التنازل
للثنائية؟ الإنسان
يعبر عن
أفكاره
بالكلام؛ وقد تخيل
ديكارت
(1637) تخيلاً
تنبئياً بصنع
آلة تنطق
بالكلمات ثم حاجج
بأن هذه الآلة
لا يمكن أن "تنظم
كلماتها بطرق
مختلفة بحيث
ترد رداً
مناسباً على كل
ما يقال في وجودها
بالطريقة التى
يستطيعها أدنى بني
البشر".
لكن
من الواضح أن
هذه
الثنائية الديكارتية
ليست مقنعة،
لهذا لم تثبت ولم ير
لامترى (1748)، ودي
هولباش (1770)، وهلفيتس (1772)،
سبباً بعد قرن من
ديكارت
لأن ينسبوا
للإنسان شيئاً
اسمه الروح. وبالنسبة
لهم فالإنسان
يمكن فهمه
بحسبانه آلة مثله
مثل أي حيوان
آخر،
لا يختلف
كثيراً في
تركيبه إلا من
حيث أن هذا
التركيب يبيح
له إنجاز
العمليات
الذهنية
المعقدة.
إن العالم الحديث ليعجب لشجاعة أو بالأحرى طيش ”فلاسفة” عصر الأنوار هؤلاء الذين قاموا بإطلاق مثل هذه التأكيدات الجارفة استناداً إلى أدلة تبدو بائسة بالمقارنة مع المعلومات التى توفرت لنا فيما بعد، والتي لا زالت تبدو ملتبسة قابلة لشتى التفسيرات. وربما كانت الحيوية لا الآلية هي الفرضية التى كانت تناسب حالة علم الأحياء في القرن الثامن عشر إذا ما استعدنا تلك الحالة اليوم.
فلننظر
لتوضيح ذلك
إلي مسألة
واحدة، هي
مسألة تنامي
الجنين فقد
اكتشف "هام" تلميذ
الرائد
المايكروسكوبى
ليفنهوك Leeuwenhoek،
السبيرمات (الحيوانات المنوية)
البشرية
الذكرية سنة 1678. وفى سنة
1694 أضاف
مايكروسكوبى
آخر اكتشافاً
زائفاً أجمله
مع الاكتشاف الحقيقي
فتهيأ له انه رأى
في رأس
الحيوان
المنوي
الذكرى شكلا
مصغراً جداً
لإنسان "هومنكيولس"، ثم قام
بنشر رسم
تخيلي لذلك
الاكتشاف
المزعوم.
جعل
ذلك الاكتشاف
مسألة تنامي
الجنين بسيطة
على نحو خادع.
فلو أن البدن
مشكل على نحو
مسبق في
الخلايا
الجنسية، فان
التنامي لا
يتطلب سوى زيادة حجم
الجنين حتى يصل
مرحلة البلوغ،
هكذا حلت
مسألة تشكيل
جسد جديد حلاً سحرياً. لكن هذا الحل يخفى صعوبة بالغة :
فمن أين يأتي الجيل التالي والأجيال
التى
تليه؟ لذا جاءت
نظرية
التقوقر embottlement بحل جذري
لهذا اللغز:
الهومونكيول
يحتوى على سبيرمات
صغيرة،
والسبيرمات
الصغيرة تحتوى
على سبيرمات
أصغر وهكذا دواليك،
كل البشر
كانوا مشكلين
مسبقاً في الرجل
الأول (أو في المرأة
الأولى لو
كانت الهومنكيولات
مودعة في
البويضات) ولو أن
أحداً حاول
تقدير حجم
أصغر
الهومونكيولات، فلا بدَّ أن
التواضع حال
دون قيامه بنشر
نتيجة تلك
الأبحاث هذا هو أصل نظرية التخليق المسبق
preformati.
وقد
نازل أنصار نظرية
التخليق
المتعاقب
epigenesis دعاة
التخليق
المسبق. أوضح
هؤلاء خلو
الخلايا
الجنسية من
الهومونكيولات، وهذه حقيقة، كما
أكدوا أن الجسد
يتنامى من
مادة غير
مخلقة، وهذه
الحقيقة لا
تخلو من
مبالغة. فقد
أوضح ولف
Wolff في
عامي
1759 و1786 الغياب
التام لما
يشبه أجزاء
الجسد البالغ
في الأجنة
المبكرة
للحيوانات أو
في بذور
النباتات. ما
هي إذن، أسباب
التخليق؟ لم
تكن إجابة ولف
مقنعة. من
السهل أن نسخر، بمزية
الحكمة
البعدية، من مفاهيم
أسلافنا
الخاطئة، فقد
ارتأى ولف
وآخرون وجود
قوه حيوية
via essentials توجه
التنامي
الجنيني
وتصون حياة البدن
البالغ فيما
بعد. وقد
كان الكثيرون
من علماء
الأحياء في
القرن الثامن
عشر حيويون،
أمثال ولف وجون هنتر
John Hunter
وستاهل
Stahl
وبشات
Bichat
لكن في
الوقت نفسه، عكفت
على طريق
الوصول إلى
صورة على قدر
من الوضوح
للتنامي
الجنيني، أجيال
متتابعة من
علماء الأجنة
بأدواتهم
التشريحية
ومايكروسكوباتهم
المضطردة التحسين، وثابروا على وضع الرسوم
التوضيحية
الدقيقة لوصف
طريقة تكوين
النماذج
الجنينية
الممثلة
للمجموعات
الحيوانية
والنباتية
المختلفة،
ابتداءً
بالبويضة
المخصبة، مروراً
بمختلف مراحل
دورة الحياة،
وانتهاءً بمولد
الأجيال
الجديدة.
قام فون
بيير
Von Baer
1828-1837 بتطوير
نظرية
الطبقات
الجرثومية في
الحيوانات وجعل
أصحاب مبدأ
الخلية شليدن
Schleiden
1838 وشوان
Schwann
1839 وصف
التنامي
دقيقاً وسهلاً
وصاغ هيكل
Haeckel 1866
قانون النشوء
الإحيائي
الذى يقول بأن
تنامي الفرد
ontogeny هو
استعادة
قصيرة
للتنامي
التطوري، أي،
التاريخ
النوعي
phylogony
للمجموعة
التي ينتمي
إليها ذلك
الفرد، وقد
صارت هذه
النظرية
نموذجاً
نظرياً من حيث أنها احتوت
على حقيقة
جزئية فقط،
لكنها قامت
بدور هام جداً إذ حفزت
اهتماماً
ونشاطاً
هائلاً بين
الباحثين أدى
إلى تطوير علم
الأجنة.
قام
هرتويق
Hartwig 1879
وفول
Fol 1879 بوصف ولوج
الحيوان
المنوي
للبويضة
والتحام نواتيهما. ثم قامت
كوكبة نابغة
من العلماء في
نهاية القرن
التاسع عشر وبداية
القرن العشرين بتحليل سلوك الكروموسومات ودورها في انقسام الخلية
(الميتوزى)،
وفى نضج الخلايا الجنسية
(الميوزى)
وفى عمليتي التخصيب وانقسام البويضات المخصبة.
صادف
أن تزامن هذا
مع إعادة
اكتشاف
قوانين الوراثة
التى نشرها
مندل Mendel
سنة
1865 لكن تم
تجاهلها حتى سنة
1955، ثم حلت حقبة النمو
السريع لعلم
الوراثة الذى
يدرس أحد فروعه كيفية
تحقيق الهبة
الوراثية للفرد
خلال تناميه الفردي
(الأونتولوجى). هنا
ذاب واختفى
التغاير القديم
بين نظريتي
التخليق
المسبق
والتخليق المتعاقب،
أو على
الأقل
تحول إلى
مسألة أخرى
ليست هنالك
هومونكيولات
في الخلايا
الجنسية وإنما
هنالك طواقم
جينات تضم،
إذا ما
استعرنا
تعابير علم
الضبط
(السبرانيه)،
"معلومات" أو "أوامر" للتنامي صارت
المسألة معرفة طريقة "تشفير" هذه
المعلومات
والأوامر في الجينات وقد
صيغت أول
الأمر فرضيات
لها نكهة
التخليق
المسبق، مثل
افتراض وجود
علاقة أُحادية بين
كل جينة، وكل جزء أو
"سمة" من سمات
الكائن
البالغ، أو بين
الجينة
والأنزيم
الذى يقوم
بالتشفير لإنتاجه
وكما نراها
الآن
فالمسألة
تبدو أقل تعقيداً. إن
فرضية واطسون -
كريك
(Watson-Crick)
التى
عززتها
الحقائق
تماماً، تقول أن
الوراثة شفرة
منقوشة في
سلسلة جزئ الحمض
النووي دنا
DNA، فالجينات
المختلفة
تماثل
الكلمات أو
الفقرات في
جمل على صفحة
مطبوعة. إنها
تعاقبات
مختلفة لأربع
نويات، هي
"الحروف الوراثية"
الأربعة ويتم "نسخ" الرسائل
الوراثية
المشفرة في
دنا
DNA الكروموسوم
إلى شفرة أخرى
في الحمض النووي
رنا
RNA، تحملها
من النواة إلى
الريبوسومات، حيث تتم
ترجمتها إلى تعاقب
الأحماض
الأمينية التى
تتشكل منها جزيئات
البروتينات. والبروتينات
منها لبنات
بناء الجسم
ومنها الأنزيمات، وهى
المحفزات
التى تقوم
بعمليتي الهدم
والبناء.
حقا لم يؤد كل هذا إلى الاختزال الديكارتي لعلميّ الأجنة والوراثة في ميكانيكا وهندسة ورياضيات لكن من الناحية الأخرى فإنه لم يتم اكتشاف أي شئ يلزم، أو حتى يوحي، بافتراض وجود شكل ما لقوة حيوية. لقد تلاشى مذهب الحيوية في علمي الأجنة والوراثة تدريجياً؛ القوة الحيوية التى بدى وجودها أكيداً للرواد الدارسين للتنامي لم يعثر على أثر لوجودها في أي مكان. وقد قام دريسش Driesch 1867-1941، الذى ربما كان آخر علماء الأجنة البارزين الذى يعلن قناعته بمذهب الحيوية، بإجراء تجارب بارعة عن تنامي قنفذ البحر في نهاية القرن الماضي. تمتلك أجنة هذه الحيوانات قدرة مميزة على تجديد أعضائها المفقودة؛ فالخلايا المنفردة التى يتم عزلها منها تستطيع أن تتنامى إلى يرقات صغيرة جداً لكنها كاملة، ذلك كما نرى الآن، يسببه وجود طاقم كامل لجينات البويضة في كل خلية من خلايا قنفذ البحر، لكن دريسش كانت له فكرة أخرى فقد قدر أن أية آلة لا يمكن أن يتم تصميمها بحيث تقوم بصنع قطع الهيكل المفقودة. إذن فلا بدَّ لتنامي قنفد البحر من قوة تقوده استعار لها تعبير “انتلشى” من أرسطو. لكن ما هى الأنتلشى؟ رأى دريسش أن الأنتلشى لا تتموضع مكانيكياً أو تشريحياً؛ إنها ليست مادة خاصة وليست طاقة جديدة؛ إنها "العامل الغائي الأولي للطبيعة" لكن معظم البيولوجيين قدروا أنها مجرد كلمه لا تعنى أي شئ.
الوضع
في بقية فروع
علم الأحياء
مماثل لهذا المخطط
العام : الهضم، والتنفس، ومفعول
الهرمونات،
وتقلص
العضلات،
وتوصيل العصبونات،
وأخيرا بنية الدماغ
وتشغيله؛
كلها تطرح
مسائل لا حصر
لها قامت
أجيال متعاقبة من
البيولوجيين
بدراستها. لقد
انتصرت فرضية الآلية
في كل مجال
غيابياً، إذا
جاز التعبير. فما
من
صيرورة
(عملية)
بيولوجية تم
تحليلها
وفهمها إلا وتم
البرهان على
أنها تمثل
نمطاً من
المكونات
الفيزيائية
والكيميائية
التى كثيراً
ما تكون شديدة
التعقيد. إن هذا
التعقيد
الرائع، لا
وجود القوه
الحيوية
المبهمة، هو جوهر
المسألة
البيولوجية.
أما نزاع
الآلية / الحيوية، فقد
صار موضوعاً
ميتاً لقرابة نصف
قرن.
إنه ينتظر من كل طالب يؤدى المقرر التمهيدي لعلم الأحياء الآن أن يعرف أن الآلية نظرية علمية صحيحة وان الحيوية نظرية خاطئة. لكن ليس كل طالب، ولا حتى كل بروفيسور، يفهم هذا السبب بوضوح أن علم الأحياء بعيد جداً من تحقيق المشروع الديكارتى الذى يختزل كل الظواهر البيولوجية إلى كيمياء وفيزياء ورياضيات. ولا يتوقع ذلك دعاة هذا المذهب المستنيرين ذلك لأنه يكون بمثابة البرهنة على النفي المطلق؛ فهنالك أعداد مهولة من الكائنات الحية لها تركيبات ووظائف لا حصر لها ومن الممكن دائما تخيل قوة حيوية متربصة في مكان ما لم يصله البحث. إن مذهب الحيوية مرفوض لسبب آخر. فهنالك ما يشبه الإجماع على أن الحيوية لا نفع منها فرضيةً إجرائيةً للبحث في علم الأحياء. لقد فقدت جدواها حتى كمهماز لحث معارضيها لتبرير نظرياتهم. ما السبب إذن؟
كان التحدي أمام العلم حينما قام فوهلر Wohler بتركيب اليوريا سنة 1828، هو إثبات أن إحدى المواد التى لا يتم العثور عليها إلا داخل الكائنات الحية يمكن أن يتم تركيبها خارجها. أما الآن فإن تركيب مادة عضوية جديدة لا يعد خبراً، إلا لو كان لهذا المركب أهميه خاصة لسبب ما. إن إجراء تجارب علمية بيولوجية أو كيموحيوية بغرض الحصول على أدله إضافية تدحض الحيوية لم يعد إلا ضرباً من محاربة طواحين الهواء. لقد خطونا مؤخراً خطوات جبارة في مجالي البيولوجيا الجزيئية والكيمياء الحيوية. إن البيولوجيا الجزيئية ديكارتية الإيحاء، لكن هدفها الرئيس لم يعد اختبار نظرية الإنسان-الآلة. إن اكتشاف تركيب الحوامض النووية، وفك رموز الشفرة الوراثية، وكشف آلية تضاعف الجزيئات الحاملة للمعلومات الوراثية، تعد من أعظم إنجازات العلم الحديث. إنها مهمة لأنها تعيننا على فهم آلية الوراثة؛ لكننا لا نحتاج إليها لإقناع البيولوجيين بأن الجينات تؤدي وظيفتها لا باجتهاد قوه حيوية ما وإنما عن طريق المراسلات الكيميائية. لقد كان وجود بعض المراسلات الكيميائية أمراً مؤكداً تقريباً في نظر مورقان Morgan وجولد شميدت Goldshmidt وعلماء وراثة آخرين قبل بضعة عقود من حقبة الـ DNA. فقد كان أمراً صعباً جداً تصور فاعلية الجينات بدون توسط المراسلات الكيميائية.
إن القضايا العلمية لا يمكن حسم الخلاف حولها بالتصويت. وهرطقة الأقلية التى ترى في حالة علم الأحياء الراهن مادية فجة لا تستسيغها ينبغي الاستماع إليها بإنصاف. إنهم يرون إزاء الإنجازات الرائعة الراهنة للعلم الآلي أن البيولوجيا بحاجة إلى إعادة توجيه حيوي. وما يميز الوضع أكثر مما عداه أن دعاة المذهب الحيوي الحديثين يودون تفادى إطلاق صفة الحيوية عليهم. ونادراً ما وردت هذه الكلمة المنكرة في دفع سينوت Sinnott 1955; 1957 وحججه البليغة. الاقتباس التالي يعطينا صورة منصفة لقناعات سينوت البيولوجية الأساسية : "النسق المنظم، الذى تضبطه رقابة أنشطته، يوحي بوجود شئ بداخله تنحو هذه الأنشطة للتوافق معه، معيار، مستوى، هدف أو غاية، ما يمكن أن يسميه الفيلسوف تيلوس (Telos)، كامن في مجمل الكتلة الحية". إن سينوت، وهو عالم الأحياء البارز، على سجيته تماماً مع الحالة الراهنة لعلم الأحياء وتاريخه. لكن محاجته البيولوجية لا تختلف جوهرياً عن محاجة دريسش التى مضت عليها سنوات طويلة. يمكن اقتضاب حجج سينوت في تأكيدين : الأول: ان تنامي الكائن الحي موجه لغاية، وهذه الغاية هي بلوغ حالة النضج. الثاني : ان فسيولوجيا الكائن الحي وسلوكه موجهان لهدف أيضاً، وهذا الهدف هو استمرار الحياة.
من الممكن قبول حقائق سينوت، أما استنتاجاته فلا. مع أن بعض المتشددين يختلفون مع عبارة أن الأنساق المنظمة لها أهداف أو غايات، إلا انني لا أرى هنالك حاجه للمماحكة حول الكلمات. فالعمليات التى تجري داخل الجنين المتنامي لا يكون لها معنى إلا بعد معرفة ما ينشأ عن ذلك الجنين. وكل ما يؤديه الكائن الحي تقريباً، فيزيولوجياً وسلوكياً، يخدم استمرارية بقائه ومقاومته للفناء (انظر سمبسون Simpson