| Copyright © 2005 ArkamaniNewCush Page All rights reserved. |
© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005 أركامانى صفحة كوش الجديدة |
|
دوبجانسكي : علم الأحياء ومعنى الحياة - 2 |
الفصل الأول
الحركة الإنسانية والجنس البشرى
يعلن دستويفسكى على لسان ايفان كارامازوف : "ما هو غريب، وما هو مدهش، ليس هو أن الله موجود حقاً، وإنما مصدر الدهشة، هو ولوج مثل هذه الفكرة، فكرة ضرورة الإله، في رأس حيوان متوحش شرير مثل الإنسان؛ كم هى مقدسة، وكم هى مثيرة للمشاعر، وكم هى حكيمة، وأية كرامة عظمى تضفيها على الإنسان". لكن الواقع أشد روعة حتى مما عرفه دستويفسكى. فقد نشأ الجنس البشرى، الهومو- سابينز (الإنسان العاقل)*، من أسلاف لم يكونوا بشراً، ولم يكونوا عقلاء بالطريقة التى يمكن أن يكون عليها الإنسان. لقد صعد الإنسان إلى حالته الراهنة من حاله أكثر وحشيةً، وإن لم تك بالضرورة أشد فساداً، لكنها بكماء ولا عقلانية، ولم يك داروين** موفقاً حينما أطلق على أحد كتابيه العظيمين اسم "هبوط" الإنسان بدلاً من "صعود" الإنسان. فقد كانت فكرة ضرورة الإله والأفكار الأخرى التى كرم بها الإنسان غريبة على أسلافنا البعيدين لقد نشأوا ونموا وتملكوا الفكر الإنساني الخلاق خلال صعود الجنس البشري المضني الطويل من حالة الحيوانية إلى الإنسانية.
تملك الكائنات غير البشرية "حكمة البدن"؛ لكن الإنسان يملك فوق ذلك حكمة الإنسانية. حكمة البدن هي قدرة الكائن الحي على الاستجابة للتغيرات البيئية بطريقه تزيد احتمالات بقائه وتوالده للحد الأقصى. هنالك مثلاً نسبة تركيز معينة للأملاح في الدم ضرورية للحياة ؛ فإذا ما زاد مقدارها فإن الفائض يتم التخلص منه في البول؛ وإذا ما انخفض تناول الملح فإن كميته في البول تنخفض. تنحصر مثل هذه التفاعلات "الحكيمة" للبدن على البيئات التى تعرف عليها النوع مراراً خلال تاريخه التطوري؛ وقد نشأت هذه "الحكمة" الكامنة بفعل الاصطفاء الطبيعي.
أما مكانة حكمة الإنسانية في مخطط الأشياء فإنها تستدعي اهتماماً خاصاً، فالإنسانية، وفقاً لتيليش (1963) "تفترض أن غاية الثقافة هى تحقيق الإمكانيات الكامنة في الإنسان بوصفه حامل الروح"، و"يمكن تمييز الحكمة عن معرفة الطبيعة بقدرتها على أن تظهر نفسها بعد تفلج الذات والموضوع". الحكمة الإنسانية ثمرة الوعي بالذات : الإنسان يستطيع أن يتجاوز نفسه وان يراها موضوعاً بين الموضوعات الأخرى، لقد وصل إلى مرتبة الإنسان بالمعنى الوجودي، وصارت لديه تجربه وإحساس غامر بالحرية، بالقدرة على تدبير الأفعال وتخطيطها، وعلى تنفيذ خططه أو تعليقها، إن أراد، واكتسب الإنسان بالحرية معرفة الخير والشر. هذه المعرفة عبء ثقيل، أمانة بُرأت منها الكائنات الأخرى. وتقود الحرية الإنسان لأن يسأل ما أشار إليه برنتون (1953) بالأسئلة الكبرى التى لا يقدر أي حيوان آخر أن يسألها: هل لحياتي وحياة الناس الآخرين معنى؟ هل للكون الذى رميت فيه بغير اختياري أي معنى؟ ليست هنالك إجابات نهائية على هذه الأسئلة الكبرى، وربما لن تكون لها إجابات أبداً، لو كنا نبحث عن قناعات موضوعيه دقيقه ومؤكدة. مع ذلك فنحن ملزمون بالبحث عن إجابة ما، لأن قدرة الإنسان على البحث عن معنى وجوده وعن معنى الكون هي أعظم أمجاد إنسانية الجنس البشري.
إن الإلحاح على البحث عن أجوبه لمثل هذه الأسئلة "الميتافيزيقية" جزء من المعدات النفسية للنوع الإنساني لقد كان برنتون (1953) على حق حينما كتب "بأن الميتافيزيقا دافع أو شهوة إنسانية، وان دعوة الناس للتخلي عن الميتافيزيقا حماقة، كدعوتهم للتخلي عن العلاقات الجنسية تماماً. هنالك بالتأكيد بعض الناس الذين يستطيعون اعتزال الميتافيزيقا، كما أن هنالك الذين يستطيعون اعتزال ممارسة الجنس أيضاً، لكن هؤلاء هم الاستثناء، وكما أن الذين يكبحون الدافع الجنسي يحرفونه إلى مسالك أخرى غير مجديه، كذلك يفعل الذين يكبحون الميتافيزيقا.
الكلمة الألمانية فلتانشاونجweltanschauung (عقيدة أو رؤية كونية)، والكلمة الروسية ميروفوزرينيا мировозрения (رؤية كونية) ليس لهما مقابل إنجليزي دقيق. الترجمة المعتادة world view (نظرة عالمية)، لا تفي بالمعنى الدقيق. النظرة العالمية، مثل المنظر من قمة جبل، قد تكون بديعة، وقد تبلغ حد الروعة، لكننا يمكن أن نعيش بدونها. لكن هنالك إلحاح أشد حول الـ weltanschauung ولا يبدو أننا يمكن أن نستغني عن شكل ما من الـ мировозрения. الكلمة اللاتينية credo صارت تستخدم بالإنجليزية على نحو مقارب من "الرؤية الكونية". يُعد هذا المعنى أكثر قرباً من "الهم الشاغل" الذى يعده تيليش جوهر الدين بأشد معانيه اتساعاً وشمولاً كما تدل هذه العبارة "الدين هو الجانب الذى يمثل العمق في مجمل روح الإنسان". ماذا تعني استعارة العمق؟ أنها تعني أن الجانب الديني يشير إلى ما هو نهائي وغير محدود وتام في حياة الإنسان الروحية. الدين بأوسع المعاني الجوهرية للكلمة، هو الهم الشاغل، ويتجلى المصير في كل الوظائف الخلاقة للروح الإنسانية (تيليش 1959).
إن اهتمام الإنسان بالمصير هو ما اعتبره ايفان كارامازوف غريباً جداً ورائعاً جداً. إن طبيعة الإنسان تدفعه لأن يسأل تلك الأسئلة الكبيرة التى يحاول كل إنسان تقديم إجابات لها حيناً ما، على الأقل بما يقنعه هو شخصياً. قد تكون إحدى الإجابات الممكنة أن هذه الأسئلة لا تقبل الإجابة، وان غلاة المغرورين والحمقى فقط هم الذين يزعمون الوصول إلى إجابات نهائية وقاطعة لها. لكن على كل جيل أن يحاول الوصول إلى إجابات تتوافق مع تجربته المميزة؛ وفى كل جيل فان الأشخاص الذين عاشوا تجارب مختلفة يحاولون، ليس عبثاً كما يرتجى، إدراك جوانب العالم التى خبروها من مواقعهم الخاصة.
كانت حياتي مكرسة للبحث العلمي، وبخاصة علم الأحياء التطوري وإن العلميين ليسوا أكثر تأهيلاً، وآمل أن لا يكونوا أقل تأهيلاً من غير العلميين، للتفكير في تلك الأسئلة والإجابة عنها نجد أنه من السذاجة بمكان الاعتقاد بإمكانية اشتقاق رؤية كونية متماسكة من العلم وحده، أو بأن ما يمكن أن نتعلمه عن التطور يمنحنا القدرة على تقديم إجابات قاطعة لتلك الأسئلة الكبيرة. وقد صرف بعض المفكرين النظر في مثل هذه الادعاءات باحتقار معلن، وعلى سبيل المثال فقد كتب بارزون أن : "المهنة العلمية لا تشكل صفوة، لا فكرية ولا غيرها والمحتمل أن يكون "العلماء"، من مدرسي العلوم في المدارس الثانوية العليا وكذلك مديري مراكز البحث العلمي أشخاصاً متوسطي القدرات"، لكن حتى بارزون الذى لا يمكن اتهامه بالتحيز للعلم، يقر بأن العلم "يجعل الناس يتفقون بشأن إفادات دون أن يحثوا على الاقتناع بها، وهم يفعلون ذلك بطريقة يقتدى بها؛ أنهم يتفقون بمجرد أن يتفهموا. ويمكن أن توصف بعض هذه الإفادات التى ينتجها العلم بأنها، على الأقل، ذات علاقة بالأسئلة الكبرى، وينبغي أن لا نتجاهلها خلال تلمسنا بحثاً عن إجابات لها".
لم يمض وقت طويل على ذلك الزمن الذى كان كل فرد فيه تقريباً يعتقد بأن الأرض مسطحة، وأن الأمراض تسببها الأرواح الشريرة. الآن فإن الأفكار التى تجد قبولاً عاماً تختلف تماماً. الأرض كرة تدور في محورها حول نفسها وحول الشمس، والأمراض تسببها الطفيليات المتنوعة والأسباب البيولوجية الأخرى. وقد أثرت هذه الإفادات على اتجاهات الناس؛ فالكونيات التى يعتقد فيها المرء ليست عديمة العلاقة باهتمامه المصيري. كان العالم بالنسبة لـ نيوتون والذين تبعوه اختراعاً علوياً فخيماً، يعمل بلا خطأ، وفق قوانين دقيقه لا تتغير. وكان نيوتن يقبل أيضاً حسابات الأسقف اوشر Bishop Ussher الذى قدر أن العالم خلق سنة 4004 قبل ميلاد السيد المسيح. وقد ترتب على ذلك الاعتقاد أن الكون ليس قديماً جداً؛ أنه لم يتغير كثيراً منذ بدايته، ولا يتوقع أن يتغير كثيراً إلى يوم القيامة. كان نيوتن تلميذ الكتاب المقدس والكوزمولوجيا لذا لم يكن متاحاً للإنسان في عالم نيوتن لا القدرة الكافية ولا الوقت الكافي لتغيير مجرى الأحداث المقدرة سلفاً، عند بداية الكون.
ثم صار العالم الفسيح الذى اكتشفه كوبرنيق، وكبلر، وقاليليو، ونيوتن نفسه مختلفاً تماماً عن عالم القدماء والمفكرين القروسطيين المريح. لقد انزل الإنسان والأرض من مركز الكون إلى ذرة تافهة من الغبار الضائع في الفضاء الكوني. هكذا سلبت يقينيات العالم القروسطي المريح من الإنسان. وقد عبر باسكال تعبيراً مثيراً عن الوحدة التى أخذ يشعر بها الإنسان في الصمت الأبدي لتلك الفراغات المطلقة قبل وقت طويل من الوجوديين الحديثين الذين جعلوا من القلق والاستلاب أساساً لفلسفاتهم. لو أن الإنسان عمل بجد في ذلك العالم القديم فسيتمكن من معرفة الكثير عن طريقة بناء العالم وكيفية سيره، لكنه لا يمكن أن يأمل في تغييره، إلا فيما يتعلق بالتفاصيل الصغيرة. الإنسان إما يكون مباركاً أو ملعوناً، وهذا الخيار مقرر سلفاً بالنسبة لأتباع المذهب الكالفينى، قبل أن يولد الإنسان وذلك لا يبيح مجالا للإنسانية بمفهوم تيليش، إذ ليس للفرد إلا إمكانيات ضئيلة قابلة للتحقيق؛ ولا تكاد تتوفر فرصه للثقافة لإحداث التغيير أبداً.
لقد شاع
أن اكتشاف
داروين
للتطور
البيولوجي أكمل
عملية الحط من
شأن الإنسان
التى بدأ بها
كوبرنيق
وقاليليو. لكنني
لا
أكاد أتصور
حكما أكثر خطأ وأشد ظلماً من هذا.
إن النقطة المحورية
التى أكرس لها هذا الكتاب
هي إثبات أن العكس تماماً هو الصحيح. فالتطور
هو مصدر الأمل
للإنسان. حقاً لم
تستعد النظرية
التطورية
الحديثة للأرض مكانتها في مركز الكون. لكن
بينما
لا يتمركز
الكون حول
الأرض، فإن تمركز الكون حول الإنسان ممكن تماماً. إن الإنسان، هذا النتاج
الغامض
للتطور
الكوني هو بطل
الكون، وقد
يكون آخر
الأمر ملاحه. على أية حال، فالكون ليس ثابتاً وليس مكتملا، وهو قابل للتغيير. إن كل
ما في الكون
منغمس في
سريان التطور
وجريان
التغيير. لقد
نشأ المجتمع
الإنساني
والثقافة كما
نشأ العالم
الحي والكرة
الأرضية
والمجموعة
الشمسية حتى
الذرات "التى لا
تتجزأ" من
حالات سالفة مختلفة
تمام الاختلاف
عن حالاتها الراهنة،
علاوة على ذلك
فهذه
التغييرات
ليست كلها
تاريخاً
وأحداثاً ماضوية فالعالم لم
يتطور في
الماضي وحسب،
وإنما هو في حالة
تطور الآن ربما "لم يكن
العالم، وهو موطن
الجمال
والبهجة في
رؤية عصر
النهضة،
بحاجة إلى التغيير
وإنما
للمعانقة؛
وأهل العالم
المتحررين
من الإثم كانوا جديرين بالمحبة الصادقة بكل بساطة"
(دنهام1964).
لكن الرغبة في
التغيير كانت
سائدة في معظم
الأحيان فكما
جاء في الكتاب
المقدس :
وحيث أن العالم يتطور فمن الممكن أن يصبح بمرور الوقت مختلفاً عن حالته الراهنة. لذلك يمكن للإنسان أن يوجه هذا التغيير صوب ما يراه مرغوباً وخيراً وقد عبر عن ذلك توماس جيفرسون بالتفاؤل المميز لزمانه بقوله : "على الرغم من أنني لا أؤمن، مثل البعض المفعم بالحماسة، إن الحالة الإنسانية يمكن أن تبلغ درجه من الكمال ينتهي فيها الألم والشر من العالم، فإنني أعتقد أنها قابلة لتحسين كبير، خصوصاً في مجالات الحكم والسياسة؛ وإن انتشار المعرفة بين الناس هو أداة ذلك التحسين". وقد أرجع كل من ماركس ولينين الصدى في مأثوراتهم الشهيرة التى تقول بأننا ينبغي ألا نكتفي بتفسير العالم وإنما علينا تغييره. وليس صحيحاً، على وجه الخصوص، أن الطبيعة البشرية لا تتغير؛ فهذه الطبيعة ليست راسخة ثابتة لكنها صيرورة وإن إمكانيات تنامي الإنسان أبعد ما تكون عن النفاد، بيولوجياً وثقافياً إذ لا بدَّ للإنسان أن يتطور بوصفه حامل الروح والمصير. ويمكنا أن نقول مع نيتشه: "أن الإنسان شئ يمكن أن نتغلب عليه".
ينسب إلى بيكاسو قوله أنه يمقت الطبيعة. وقد زعم تولستوى، وكذلك بعض الأشخاص الأقل بريقاً، أن كل نتائج العلم لا تهمهم. إن الولع والمقت انفعالات لا يمكن انتزاعها أو إيلاجها عسفاً. قد يمقت أحدنا الطبيعة أو يحتقر العلم، لكن يتعذر علينا تماماً أن نتجاهلهما، إن العلم في عالمنا الحديث ليس ملهاة لبعض الناذرين أنفسهم له، إنما هو في طريقه لأن يكون شأن كل شخص. بعض الناس لا يهتمون كثيراً بالمجرات البعيدة، أو البلدان الأجنبية، أو القبائل الغريبة جداً، أو حتى أولئك الجيران الذين لا يضطرون للتعامل معهم كثيراً أو عن كثب. لكن لامبالاة الإنسان بنفسه ليست شيئاً طبيعياً. البعض قد يختلق اللامبالاة لكن نادراً ما يحسها في أعماقه، حينما يخلو لنفسه. إن ذلك مفهوم تماماً بحسبانه نتاجاً للتطور البيولوجي لشخصية أسلافنا، إذ أن مبالاتهم بأنفسهم تزيد من احتمالات بقائهم. وقد تأصلت فينا مقولة مأثورة "أعرف نفسك" التى ظلت دوماً حافزاً للفكر الإنساني قبل صياغة تلك الكلمات بزمن طويل.
من
الواضح تماماً
أن المعرفة
العلمية
وحدها ليست
كافيه للإنسان
كي "يعرف نفسه"
وربما كان
هذا أساس سخرية تولستوى بالعلم.
فبالنسبة له لم يكن العلم ذا صله بالمصير، والمصير
هو الشيء
الوحيد الذى
كان يهمه. لكن تولستوى
تمادى
في احتجاجه.
ففي زمان تولستوى وفى زماننا على نحو أشد إلحاحاً،
تفتقد معرفة
الذات شيئاً جد
متصل بالحالة
الراهنة إذا
ما اختار أن
يتجاهل ما
يمكن أن يعرفه
عن نفسه من
العلم. كل
ذلك يقودنا
إلى نتيجة
بسيطة وواضحة
تماماً: فكما إننا لا يمكن أن نشتق رؤية كونية من العلم،
فإننا لا
يمكن أن نصل
إليها بدون
العلم.
إن بناء رؤية كونية وفحصها فحصاً نقدياً يقع تقليدياً في مجال الفلسفة. ومن المفهوم جداً أن يضيق الفلاسفة المحترفون بالهواة الذين يتطفلون على مجال تخصصهم ونادراً ما يتفوق العلماء الذين يتحولون إلى فلاسفة على غيرهم من الهواة المتطفلين. فمع أن نزعة التملك هذه ليست بلا مبرر، إلا أن الأمر لا يمكن حسمه بهذا اليسر. ما هي حقيقة الفلسفة؟ من بين التعريفات الكثيرة يثير تعريف برتراند رسل (1945) الانتباه "هنالك أرض غير مملوكة تقع بين الدين والعلم تتعرض للهجوم من الجانبين، وهذه الأرض غير المملوكة هي الفلسفة، وببريق أقل فإن الفلسفة تعرف باعتبارها "علم الكل" الذى يفحص نقدياً افتراضات كل العلوم الأخرى ويتأملها من خلال علاقاتها المتداخلة". وهنالك تعريفات أخرى ترى أن الفلسفة تعمل لبناء رؤية كونية متماسكة وفي إطار أي من هذه التعريفات فهنالك دور يقوم به العلماء، على الأقل على هامش الفلسفة. إنهم على أقل تقدير يمكن أن يعدوا من بين المتعهدين الذين يمدون الفلاسفة بالمواد الخام التى يحاولون صياغة معضلاتهم وحلها بها. وفيما عدا بعض الاستثناءات البارزة، فقد أخذت مدارس الفلسفة الطبيعية، خصوصاً في الولايات المتحدة وبريطانيا، إمداداتها أساساً من العلوم الطبيعية؛ خصوصاً مدرسة الفلسفة التحليلية الواسعة النفوذ المنهمكة في الرياضيات واللغويات ويبدو أن بعض مؤشرات التغيير قد أخذت تلوح في الآونة الأخيرة.
إن علاقة
الفلسفة بعلم
الأحياء وعلم الإنسان
واضحة تماماً.
فالإنسان
يأمل في
كبريائه أن
يكون
نصف إله. غير
أنه سيظل لقدر كبير نوعاً بيولوجياً. إن ماضيه
وكل سابقيه
بيولوجيون. ولكي يعرف
الإنسان نفسه
فإن عليه أن
يعرف من أين
جاء وما الذى
قاده في هذا
الطريق. وأن عليه لكي
يخطط مستقبله
بحسبانه فرداً
ونوعاً
-
على الأخص - أن يعرف حدوده وقدراته. جزء من
هذه المسائل
بيولوجي
وعلمي، والجزء الآخر
"ديني". إنها باختصار مسائل
فلسفية
بالمعنى الذى
أشار إليه
برتراند راسل، وحيث أنني
متخصص في علم
الأحياء لا في
الفلسفة أو
علم الإنسان
فإن المهمة
التى نصبت
نفسي
للاضطلاع بها
تبدو طموحة
جداً. إنني أود فحص بعض
المدلولات الفلسفية لبعض النتائج والنظريات البيولوجية والأنثروبولوجية. إن هذا
الكتيب
الصغير لا
يقصد منه أن
يكون بحثاً في
الفلسفة
البيولوجية
أو البيولوجيا
الفلسفية. إنه
يتكون من
مقالات عن بعض
جوانب العلم
التى
كانت مؤثرة في
صياغة رؤيتي
الكونية الخاصة. ليس هذا
القول
استباقاً واسترضاءً للنقاد المحتملين لهذه المقالات، وإنما هو فقط
لتفسير ما قد
يبدو تناولاً
عشوائياً
للموضوعات
التى تشملها أو
تغفلها الصفحات
التالية، وإنني
استسلم مع
بيرش
(1965)
إلى أنه:
هوامش وضعها الناشر
*للمزيد من الإطلاع على الإشكاليات المرتبطة بمسألة ظهور الإنسان العاقل (الحديث تشريحياً) يمكن الرجوع إلى : أسامة النور وأبوبكر شلابي، تاريخ الإنسان حتى ظهور المدنيات، الجا للنشر، فاليتا، مالطا 1995، الصفحات 233- 403.
** شارلس داروين 1882-1809. درس علم اللاهوت بكلية القديس في كمبردح. أقام علاقة حميمة مع أستاذه بالكلية الكاهن جون ستيفنس هنسلو أستاذ علم النبات. رشحه الأخير بعد التخرج لمنصب عالم طبيعيات ضمن بعثة علمية ستقوم برحلة حول العالم على ظهر السفينة بيجل. صعد داروين إلى السفينة وهو تطوري النزعة لكنه معتقداً بثبات الأنواع. لكنه منذ 1832 بدأ في التحول عن اعتقاده حيث سجل في دفتر يومياته في ذاك العام أن الثعبان بأوصاله الخلفية غير مكتملة النمو يشكل الطريق التى ربطت من خلاله الطبيعة السح