| Copyright © 2005 ArkamaniNewCush Page All rights reserved. |
© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005 أركامانى صفحة كوش الجديدة |
قراءة في كتاب
"علم الأحياء ومعنى الحياة"
لمؤلفه دوبجانسكي
سعيد الكحل
بداية
أتقدم بالشكر
الخالص إلى
المشرفين على
موقع "أركماني"
على
المجهودات
العلمية
والمعرفية التي
يبذلونها في
سبيل تنوير
المواطن
العربي أساساً
بقائمة من
الأعمال
الغنية والمساهمات
المثمرة . كما
أحيي الأستاذ الوقور د. فاروق
محمد إبراهيم
النور على
إتحافه
للقارئ بهذه
المختارات
القيمة من
الكتب
المميزة. وأنا
إذ أقدم هذه
المساهمة المتواضعة
لا أدعي لنفسي
الإحاطة
بمعاني
الكتاب ولا
استجلاء
مضامينه
العلمية
والفلسفية،
بقدر ما هي
محاولة لا
تكاد تتحرر من
عدد من الإسقاطات
التى،
بالتأكيد،
لها أثر على
توجيه قراءتي
للكتاب
والتركيز على
مضامين دون
أخرى.
يكتسب
الكتاب
أهميته
الكبرى أساساً،
ليس من
الحقائق
العلمية التى
يمكن أن
يقدمها
باحث متخصص
في مجال علم
الأحياء، من
حجم دوبجانسكي،
بل بما يثيره
من قضايا
وإشكالات
فلسفية،
أرادها
المؤلف أن
تملأ ما
استعاره من
برتراند راسل
بـ "أرض غير
مملوكة تقع
بين الدين
والعلم، وهذه
الأرض غير
المملوكة هي
الفلسفة".
طبعاً ليس
فلسفة مثالية
أو متعالية،
بل فلسفة
مرتبطة
بالعلوم
ومنطلقة من
نتائجها، في سعي
من الكاتب إلى
بلورة نظرة
شمولية
وكونية تتاخم
الدين ولا
تصادمه، في
محاولة حثيثة
للإجابة عن
الأسئلة التى
ظلت تؤرق
الإنسان.
ويقرر الكاتب
أن تلك
الأسئلة
تستدعي العلم
والدين معاً.
على اعتبار أن لا
الدين وحده
ولا العلم
وحده بقادر
على صياغة
جواب يخلق
الطمأنينة في
نفس الإنسان
ويطفئ حرقة
السؤال. وهذا
واضح من قول
الكاتب "إن
علاقة
الفلسفة بعلم
الأحياء وعلم
الإنسان
واضحة
تماماً.
فالإنسان
يأمل في كبريائه
أن يكون
نصف إله. غير
أنه سيظل لقدر
كبير نوعاً
بيولوجياً. إن
ماضيه وكل
سابقيه بيولوجيون.
ولكي يعرف
الإنسان نفسه
فإن عليه أن
يعرف من أين
جاء وما الذى
قاده في هذا
الطريق. وأن
عليه لكي يخطط
مستقبله
بحسبانه
فرداً ونوعاً -
على الأخص -
أن يعرف حدوده
وقدراته. جزء
من هذه
المسائل بيولوجي
وعلمي،
والجزء الآخر ديني.
إنها باختصار
مسائل فلسفية
بالمعنى الذى
أشار إليه
برتراند راسل".
لذلك أعلن
الكاتب أن
هدفه من تأليف
كتابه هذا ليس
بحثاً في
الفلسفة
البيولوجية، بقدر
ما هو محاولة
للوقوف
والكشف عن
المدلولات
الفلسفية
للنتائج
العلمية في
مجال البيولوجيا
والأنثروبولوجية.
إذ كان واضحاً
في قوله "وحيث
أنني متخصص في
علم الأحياء
لا في الفلسفة
أو علم
الإنسان فإن
المهمة التى
نصبت نفسي
للاضطلاع بها
تبدو طموحة
جداً. إنني
أود فحص بعض
المدلولات
الفلسفية
لبعض النتائج
والنظريات
البيولوجية
والأنثروبولوجية.
إن هذا الكتيب
الصغير لا
يقصد منه أن
يكون بحثاً في
الفلسفة
البيولوجية
أو البيولوجيا
الفلسفية. إنه
يتكون من
مقالات عن بعض
جوانب العلم التى
كانت مؤثرة في
صياغة رؤيتي
الكونية
الخاصة". وعلى
الرغم من كون
المؤلف يتبرأ
من أي ادعاء "إصدار
تأملات في
دنيا الفلسفة
والدين"، على
اعتبار ذلك من
شأنه أن "يحط
من السمعة
المهنية
للأخصائي
العلمي" -
وكيف له أن
يفرّط في
الرصيد العلمي
والرمزي الذى
جعله لا يخفي
فخره بتتلمذه
على عمالقة في
عالم الفكر
والمعرفة
بقوله "كنت
محظوظاً إذ
كان من بين
معلمي
وأساتذتي، في
روسيا،
الأساتذة
كوسكيفتش
وفرنادسكى
وفيما بعد
فليبشنكو، ثم
مورقان في
أمريكا. وقد
انتفعت
كثيراً من
مناقشاتي
ومناظراتي مع
أصدقائي
وزملائي،
اوبولنسكى
واوبنوفلنسكى
وليفيت في
روسيا؛ ودن،
وميرسكى،
وسمبسون،
وماير في
أمريكا؛
وبيرش في كل
من أمريكا
والبرازيل واستراليا"
-
على الرغم من
كون الكاتب لا
يدعي إصدار
تأملات في
الدين
والفلسفة، فإنه
على امتداد
فصول الكتاب
نجده يخرق
التزامه ذاك ويصدر
فعلاً تأملات،
وإن ظل يحتاط
من المغامرة
بالخوض في تلك
التى قد لا
تسندها
الحقائق
العلمية. إنه
يحرص على
استثمار
النتائج
العلمية في
مجال البيولوجيا
والأنثروبولوجيا
في تكوين نظرة
شمولية للكون،
أي صياغة
إجابات أكثر
انسجاماً مع
العلم، وأكثر
عمقاً حتى
تلتقي مع الدين
في الإجابة
على "الهم
الشاغل" الذى
يعده تيليش
جوهر الدين
بأشد معانيه
اتساعاً وشمولاً
كما تدل هذه
العبارة "الدين
هو الجانب الذى
يمثل العمق في
مجمل روح
الإنسان".
ويوضح الكاتب
المقصود من الهمّ
الشاغل ومن العمق
كالتالي : "ماذا
تعني استعارة
العمق؟ أنها
تعني أن
الجانب
الديني يشير
إلى ما هو
نهائي وغير محدود
وتام في حياة
الإنسان
الروحية.
الدين بأوسع
المعاني
الجوهرية
للكلمة، هو
الهم الشاغل،
ويتجلى
المصير في كل
الوظائف
الخلاقة للروح
الإنسانية".
إن هذا العمق
لا يصله
العالم إلا
إذا تمكن من
بلورة رؤية
فلسفية قائمة
على الحقائق
العلمية ومتجاوزة
لها نحو
النظرة
الكونية إلى
تطور الكائن
الحي
وارتقائه
ومصيره. هنا
تلتقي مثل هذه
الفلسفة مع
الدين في
تقديم إجابات
تلامس الحياة
الروحية
للإنسان وتريحه
من الهمّ
الشاغل. طبعاً
المؤلف بقدر
ما يتعالى على
الفلسفة،
بقدر ما ينغمس
في حقلها. لهذا
جاء الكتاب
يوفق بين
نتائج العلوم
البيولوجية
والأنثروبولوجية
وطموحات
الفلسفة في
الكونية
وغاية الدين
في تحقيق
انسجام الحياة
الروحية
للإنسان.
فالدين ليس
مجاله كشف
الحقائق
الكونية،
بدليل أن
الاكتشافات
العلمية جاءت
مناقضة لما هو
مثلاً في سفر
التكوين.
ويقدم الكاتب
مثالا
كالتالي : "إن قصة
الخلق في سفر
التكوين إذا
ما أخذت وحدها
يمكن أن تفسر،
وقد فسرت
فعلاً أساساً
لرؤية لا تطورية
للطبيعة
والكون
والإنسان. وقد
سادت هذه الرؤية
اللا تطورية
حتى تحطمت تحت
تأثير
الاكتشافات
العلمية في
العصر التالي
للنهضة. حقاً
لم ينكر كل
تغيير، لكن
التاريخ
المفترض
القريب جداً
لبداية
العالم، سنة 4004 ق.م. وفقاً
لتقديرات
الأسقف اوشر،
أوحى بأنه لم
يكن متاحاً
للعالم أن
يتغير كثيراً
منذ بداية
الخلق. ومن
هنا جاءت
الكلمات
الاكليركية : "ما
كان هو الذى
سيكون، وما
يقضي به العرف
هو الذى سيتم؛
وليس هنالك
جديد تحت
الشمس". وهذا حال العلم
أيضاً الذى ليس
بمقدوره
تقديم إجابات
كافية عن
الأسئلة العميقة
التى تؤرق
الإنسان
وتشكل الهمّ
الشاغل له من
مثل ما مصير
الإنسان ؟
لماذا خُلق ؟.
لذلك يقرر
الكاتب أن "العلميين
ليسوا أكثر
تأهيلاً،
وآمل أن لا يكونوا
أقل تأهيلاً
من غير
العلميين،
للتفكير في
تلك الأسئلة والإجابة
عنها نجد أنه
من السذاجة
بمكان الاعتقاد
بإمكانية
اشتقاق رؤية
كونية
متماسكة من
العلم وحده،
أو بأن ما
يمكن أن
نتعلمه عن التطور
يمنحنا
القدرة على
تقديم إجابات
قاطعة لتلك
الأسئلة
الكبيرة". فالعلم،
في أحسن الأحوال،
كما قال
بارزون الذى،
في نظر الكاتب،
"لا يمكن
اتهامه
بالتحيز
للعلم".. "يجعل
الناس يتفقون
بشأن إفادات
دون أن يحثوا
على الاقتناع
بها". ومن ثم
يستنتج
الكاتب قصور
المعرفة
العلمية في
الإجابة عن
الأسئلة
الكبرى التى
يطرحها
الإنسان : "من
الواضح
تماماً أن
المعرفة
العلمية
وحدها ليست
كافيه
للإنسان كي يعرف
نفسه وربما
كان هذا أساس
سخرية
تولستوى
بالعلم. فبالنسبة
له لم يكن
العلم ذا صلة
بالمصير،
والمصير هو
الشيء الوحيد
الذى كان
يهمه. لكن
تولستوى
تمادى في
احتجاجه. ففي زمان
تولستوى وفى
زماننا على
نحو أشد
إلحاحاً، تفتقد معرفة
الذات شيئاً
جد متصل
بالحالة
الراهنة إذا
ما اختار أن
يتجاهل ما
يمكن أن يعرفه
عن نفسه من
العلم. كل ذلك
يقودنا إلى
نتيجة بسيطة وواضحة
تماماً: فكما
إننا لا يمكن
أن نشتق رؤية
كونية من
العلم،
فإننا لا
يمكن أن نصل
إليها بدون
العلم". طبعاً
يتميز العلم
عن الفلسفة من
حيث كونه لا
يسعى إلى
النظرة
الشمولية
والكونية،
بحكم طبيعة
الموضوعات التى
يدرسها، وهى
موضوعات
جزئية وخاصة،
بينما
الفلسفة تهتم
بالإنسان في
كليته ومن حيث
هو إنسان. إلا
أن الفلسفة
تظل مع ذلك
مرتبطة
بالعلم ولا
يمكن أن تنفصل
عنه.
إذن لن
يفاجئنا
الكاتب إذا
وجدناه يضع
توليفة بين
الحقائق
العلمية في
مجال
البيولوجيا
والأنثروبولوجيا،
وبين
التعاليم
الدينية
بغاية خلق
الطمأنينة
داخل الإنسان من
خلال تحقيق
المعرفة
بالذات
وبالمصير. من
هنا لا يعمل
دوبجانسكي
على إلغاء
الدين وتعطيل
دوره، بل يعيد
للدين حيويته.
لهذا نجده
يتصدى لكل
الآراء أو
المحاولات التى
تستهجن الدين
أو
الميتافيزيقا
عموماً. وحجته
في ذلك أن "الإلحاح
على البحث عن
أجوبة لمثل
هذه الأسئلة الميتافيزيقية
جزء من
المعدات
النفسية
للنوع
الإنساني".
ومن ثم تظل
الحاجة إلى
الميتافيزيقا/الدين،
لا يمكن أبداً
تدميرها. إن
الحاجة إلى
الميتافيزيقا
هى حاجة
طبيعية وليس
ترفيهية. لذا
اعتبر الكاتب
أن الدعوة إلى
التخلي عن الميتافيزيقا
هى حماقة
بتعبير
برنتون الذى
كتب يقول "بأن
الميتافيزيقا
دافع أو شهوة
إنسانية، وان
دعوة الناس
للتخلي عن
الميتافيزيقا
حماقة،
كدعوتهم
للتخلي عن
العلاقات
الجنسية
تماماً. هنالك
بالتأكيد بعض
الناس الذين
يستطيعون
اعتزال
الميتافيزيقا،
كما أن هنالك
الذين
يستطيعون
اعتزال
ممارسة الجنس
أيضاً، لكن
هؤلاء هم
الاستثناء،
وكما أن الذين
يكبحون
الدافع
الجنسي
يحرفونه إلى
مسالك أخرى
غير مجديه،
كذلك يفعل
الذين يكبحون
الميتافيزيقا".
والكاتب يسعى
لإعادة
الاعتبار
لدور الميتافيزيقا
في إشباع
الحاجات
النفسية
للإنسان. أي
تقديم إجابات
مطمئنة عن
الأسئلة
الكبرى التى
يواجهها بطرح
أسئلة جوهرية "والتى
لا يقدر أي
حيوان آخر أن يسألها:
هل لحياتي
وحياة الناس
الآخرين
معنى؟ هل
للكون الذى رميت
فيه بغير
اختياري أي
معنى؟". لهذا
يقرر الكاتب "ليست
هنالك إجابات
نهائية على
هذه الأسئلة الكبرى،
وربما لن تكون
لها إجابات
أبداً، لو كنا
نبحث عن
قناعات
موضوعيه
دقيقه ومؤكدة.
مع ذلك فنحن
ملزمون
بالبحث عن
إجابة ما، لأن
قدرة الإنسان
على البحث عن
معنى وجوده
وعن معنى
الكون هى أعظم
أمجاد
إنسانية
الجنس البشري".
وهذه الخدمة
لا يقدمها
العلم، وإنما
الدين. حتى لا
يعيش الإنسان
أية غربة في
الدين، جاءت
محاولة
الكاتب توظيف
الحقائق العلمية
لتغذية
الميتافيزيقا
وتمكينها من
مادة معرفية
تخلق
الانسجام بين
العلم والدين،
وتُذهب الشعور
بالغربة عن
الإنسان إذا
ما اقتحم عالم
الدين/الميتافيزيقا.
إن أهمية
الدين، ليست
في تقديم
إجابات محددة
عن الأسئلة التى
تواجه
الإنسان، إذ
لا بدَّ من
الاستعانة
بالحقائق
العلمية.
وكذلك هو حال
العلم "انه من
السذاجة
بمكان
الاعتقاد
بإمكانية اشتقاق
رؤية كونية متماسكة
من العلم
وحده، أو بأن
ما يمكن أن
نتعلمه عن
التطور
يمنحنا
القدرة على
تقديم إجابات قاطعة
لتلك الأسئلة
الكبيرة". ومن
ثم تنشأ
الحاجة إلى
الفلسفة التى
تُبقي على
العلم وعلى
الدين ولا
تنحاز لأحدهما
ضد الآخر. إن
الكاتب بقدر
ما يستميت في
الدفاع عن
النظريات العلمية،
وخاصة نظرية
التطور والارتقاء،
بقدر ما يصر
على التنبيه
إلى خطورة
محاكمة
النتائج
العلمية على
ضوء التعاليم
الدينية.
فالدين ليس
علماً
والتعاليم
الدينية ليست
نظريات علمية،
بدليل أن "العالم
الفسيح الذى
اكتشفه
كوبرنيق،
وكبلر،
وقاليليو،
ونيوتن نفسه
مختلفاً تماماً
عن عالم
القدماء
والمفكرين
القروسطيين
المريح. لقد
انزل الإنسان
والأرض من
مركز الكون
إلى ذرة تافهة
من الغبار
الضائع في الفضاء
الكوني. هكذا
سلبت يقينيات
العالم القروسطي
المريح من
الإنسان". إن
الكاتب يثير
قضية غاية في
الأهمية، وهى
أن كل محاولة
لإقحام الدين
في العلم
تنتهي بالفشل.
وإذا كان
الغرب اتعظ
مما سلف من
أحداث خلال القرون
الوسطى حيث
كانت
التعاليم
الدينية هى
المهيمنة على
نظرة الناس
إلى أنفسهم
وإلى الكون، والتى
سيتحرر منها
الإنسان
الغربي بفضل
نضاله وأبحاثه
واكتشافاته
العلمية، فإن
العالم
الإسلامي لم
يبرح المناخ
القروسطي من
حيث هيمنة
الدين على العقل
والفكر. أي لا
زال الدين
يُوظَّف
لتحديد قواعد
العقل والتفكير
وحدودهما،
بحيث يُنصب
الفقيه نفسه
رقيباً على
العالم
والمفكر
والمبدع
ويقيم
أعمالهم فيشرعنها
أو يبدِّعها.
من ذلك مثلاً أن
ابن باز، مفتي
السعودية،
كان يقول
بأن الأرض
مسطحة، إذ خصص كتيباً
صغيراً يظهر فيه
بأن الأرض
مسطحة. وبسبب
هيمنة فتاوى
بن باز على
الدولة
السعودية، ظلت
هذه الأخيرة الدولة
الوحيدة التى
لم تشر فيها
الإذاعة
والتلفزيون
إلى نزول الإنسان
على سطح القمر.
فالخبر لا
يتلاءم مع
الإيمان
الحقيقي. ونفس
الرأي قال به
عالم سعودي
آخر ابن
عثيمين الذى
قال بدوران
الشمس حول
الأرض وليس
العكس، مدعياً
أن دليل دوران
الشمس على الأرض
موجود في
القرآن. ومن
ثم أفتى بأن
كل من قال عكس
هذا فهو كافر
لأنه يكذب
بالقرآن. وعلينا
أن نتصور
المصير
المشئوم
للعلماء
والمفكرين في
حالة كانت
لمثل هؤلاء
الفقهاء سلطة
القرار. ألم
يشرعن من
سبقوهم قتل الكافر"
و المرتد؟ علينا
أن نقر خطورة
مثل هذه الرؤى
والفتاوى،
ليس على
المفكرين
والعلماء فقط،
بل على
المجتمع
برمته. فقد
امتدت يد
الاغتيال إلى
كثر من
المفكرين كما
نجا من قبضتها
آخرون،
ولازالت أفواج
من المثقفين
تفر بجلودها
خارج أوطانها
طلباً للأمن
والآمان،
فيما آخرون
تتربص بهم
الدوائر.
وأذكر هنا
واحدة من أخطر
المفارقات التى
تشرخ العقل
الفقهي
العربي، وهى
تلك التى كان
ضحيتها عبد
الصبور شاهين
الذى ألف
كتابه أبي
آدم في تقديم
أسانيد شرعية
تدعم نظرية
التطور
والارتقاء
الداروينية.
لكن في الوقت نفسه
كان عبد
الصبور شاهين بمرصاد
التكفير
لآخرين في
ميادين
معرفية مغايرة.
إن
الإشكال هنا
يكمن في عدم
التمييز بين
مجال العلوم
ومجال الدين،
الأمر الذى يدخل
الدين في
تعارض مع
النتائج التى
يتوصل إليها
العلم. إذ
نظراً لافتقار
الفقهاء إلى
المعلومات
الكافية
المستندة إلى
المعرفة
العلمية، فهم
يكتفون بفهم
العالم
وتفسير
ظواهره وفق السائد
من المعرفة
العامية.
ونتيجة لذلك،
ظل إلى حدود
نهاية القرن
التاسع عشر
الفقهاء
المغاربة
مثلا - وهذا حال
نظرائهم في
العالم
الإسلامي -
لا يختلفون في
تفسيرهم
للزلازل عن
عامة الناس،
إذ كانوا
يظنون أن ثوراً
عملاقاً يحمل
الأرض على قرن
واحد مدة من
الزمن، وحين
تحريك الأرض
جهة القرن
الآخر قصد
حملها عليه
تحدث الزلازل.
وهذا مثال من
الأمثلة
العديدة التى
تؤكد أن فهم
النصوص
القرآنية
يعكس المستوى
المعرفي
للفقيه. وفي
هذا الإطار
ذكر الأستاذ
عبد الله
العروي في
كتابه العرب
والفكر
التاريخي ما
يلي : "من أراد
أن يكون فكرة
على الثقافة
المغربية في
القرن الماضي (= 19)،
حتى في أعلى
تعبيرها،
عليه أن يرجع
إلى كتاب سلوة
الأنفاس
لصاحبه محمد
بن جعفر
الكتاني، الذى
طبع طبعة
حجرية بفاس
سنة 1899،
فسيرى فيه
العجب العجاب.
إن الكتاب مهم
ومفيد من
الوجهة
التاريخية،
ومؤلفه حافظ
وفقيه كانت له
مواقف مشرفة
دفاعاً عن
الوطن، لهذه
الأسباب
بالذات سيكون
حكمنا لا على
مؤلف واحد
وكتاب واحد بل
على مجتمع
وذهنية جماعية".
ويستمر
العروي ليقول
"سنختار، من بين
أحداث مماثلة
كثيرة، ثلاثة
أمثلة لها
علاقة بتصور
ذلك الجيل
للقوانين
الطبيعية.
1 ـ كان سكان
فاس وعلماؤها
يعتقدون
بوجود ديوان
مولاي إدريس
حيث يجتمع
الأولياء
أحياءً
وأمواتاً من
بقاع المغرب (على
الأقل) كل ليلة
في ضريح
مؤسِّس
المدينة،
للمذاكرة في
شؤون المسلمين..
وقد وطَّأ
المؤلف لهذه
النقطة في
مدخل الكتاب
عندما تكلم
بإسهاب عن
مشكلة
الزيارة
وآدابها
بقوله "لا
تبعد صحة وجود
النبي أو
الأولياء في
هذه المواسيم..
لأن النبي له
تعلق معنوي
ومرافقة
روحانية لأمته
في سائر
شؤونهم"..
2 ـ ثم يتعرض
المؤلف ضمن
ترجمة عبد
القادر
الفاسي إلى
مسألة
الزلزال.
فينكر أن سببه
هو حركة قرن
الثور الذى
يحمل الأرض،
لكنه يزكي
خلاصة مناقشة
السيوطي في
كتابه الصلصالة
في الزلزالة
من أن للأرض
عروقا هى التى
تسبب في
ارتعاشها
ويسوق في هذا
الميدان أحاديث
كثيرة لا
يستخرج منها
إلا أن الهدف
من الزلزال هو
إرهاب الخلق.
3 ـ ونجد
موقف المؤلف
من الحوادث
الطبيعية
ملخصاً بوضوح
عندما يتكلم
على نعلي
النبي إذ كان
بعض الأشراف
يدعي أنه
يحتفظ بهما.
ومنذ عهد
السلطان
إسماعيل
العلوي
والفقهاء يكثرون
البحوث في
الموضوع بين
مصدق ومتشكك.
وكان من بين
المتشككين
محمد بن عبد
السلام
القادري في نشر
المثاني،
اعتماداً على
حجج تاريخية..
فيرد الكتاني
على هذه
الانتقادات
بإيراد شهادة
علماء كبار.
أما في مسألة
العادة فيقول
"إن الله حرم
على الأرض أن
تأكل أجساد
الأنبياء
وهذه معجزة خص
بها نعل
أنبيائه،
فلماذا لا تصح
هذه المعجزة
في نعل النبي
أيضا؟" (ص32،
33).
من
هنا يمكن
القول مع
الأستاذ
العروي "نستخلص
من كل هذا
نظرة خاصة
للعلم
والمعرفة،
ملائمة
لنوعية حياة
العلماء التى
لم تتغير منذ
قرون، لكنها
غير ملائمة
لممارسة
الإنسان
المنتج في
مجتمعات
عديدة. حتى في
المجتمع
المغربي لم
يكن هؤلاء
العلماء أقل
ذكاء من أبناء
اليوم بل
كانوا يملكون
قدرة نادرة على
الاستنباط
والاستدلال،
إلا أنهم
كانوا يعملون
في نطاق فكري
محكم يحتم
عليهم منطقيا
قبول نتائج
تظهر لنا
سخافات"(ص
34).
وإذا
كان ما يبرر
للفقهاء
السابقين
تفسيراتهم
تلك، فإن
المؤسف جداً
هو وجود فقهاء
كثيرين في وقتنا
الحاضر،
يذيعون على
الأثير
والفضائيات
فتاوى ورؤى لا
تقل سذاجة
مثيلاتها لدى
الأقدمين. وما
تفسيرات
هؤلاء لكارثة
تسونامي
المترتبة عن
زلزال سومترا
إلا واحدة من
محاولات عقر العقل
ورفض العلم.
لقد قال هؤلاء
ان تسونامي
عقاب إلهي
للبشر. وهذا
تفسير لا
يستدعي أي جهد
عقلي، ولا
يختلف عن
التفسيرات التى
استعان بها
الإنسان
البدائي، ليس
في فهم
الظواهر
الطبيعية،
ولكن في
محاولة يائسة
للاحتماء
منها. وظلت
مثل هذه
الأجوبة تريح
الذهنيات
المسطحة
والعقول
الساذجة.
أمام
هذه الأمثلة
لا يبقى
أمامنا غير
الإقرار بأن
الدين يحتاج
إلى العلم
ويتوقف فهم
نصوصه على
النتائج التى
يحققها
العلماء. إذ
نجد على سبيل
المثال كثيراً
من الآيات
القرآنية
اضطر الفقهاء
إلى إعادة تفسيرها
وفق الحقائق
العلمية التى
لا تترك مجالاً
للشك أو
التأويل.
ولولا التقدم
العلمي لما
أدرك الفقهاء
ومعهم
المسلمون
المعاني الحقيقية
لتلك الآيات.
ومن ضمنها
قوله تعالى
]والأرض
بعد ذلك دحاها[ النازعات
: 30.
إذ فسرها
القرطبي
كالتالي : "أي
بسطها..
والعرب تقول :
دحوت الشيء
أدحوه دحوا :
إذا بسطته.
ويقال لعش
النعامة أدحي،
لأنه مبسوط
على وجه الأرض.
وأنشد المبرد
:
دحاها
فلما رآها
استوت **** على
الماء أرسى
عليها
الجبالا
طبعاً
هذا الفهم كان
مرتبطاً
بمستوى
المعرفة
السائدة حول
الأرض
والكواكب. إذ
لم يكن
المسلمون،
كغيرهم حينها،
يدركون أن
الأرض لها شكل
بيضاوي، فهي
ليست منبسطة.
لكن بعد أن
أثبت
الجغرافيون
والفلكيون
شكل الأرض،
أعاد
المسلمون
تفسير الآية
بما يفيد
كرويتها. ومن
هنا فسروا
كلمة دحاها
بمعنى دحرجها،
إذ الشيء الذى
يمكن دحرجته
هو الشيء
الكروي. وكذلك
الشأن
بالنسبة
للآية
الكريمة
]وأنزلنا
الحديد فيه
بأس شديد[ الحديد : 25،
إذ فسرها مثلا
القرطبي
كالتالي : "روى
عمر رضي الله
عنه أن رسول
الله صلى الله
عليه وسلم قال
: إن الله أنزل
أربع بركات من
السماء إلى
الأرض :
الحديد
والنار
والماء والملح".
وروى عكرمة عن
ابن عباس قال : "ثلاثة
أشياء نزلت مع
آدم عليه
السلام :
الحجر الأسود
وكان أشد
بياضاً من
الثلج وعصا
موسى وكانت من
آس الجنة،
طولها عشرة
أدرع مع طول
موسى، والحديد
أنزل معه
ثلاثة أشياء :
السندان والكلبتان
والميعقة وهي
المطرقة"،
ذكره
الماوردي.
وقال الثعلبي
: "قال ابن
عباس نزل آدم
من الجنة ومعه
من الحديد
خمسة أشياء من
آلة الحدادين
: السندان،
والكلبتان،
والميعقة،
والمطرقة،
والإبرة". أما
كلمة أنزلنا
فأعيد
تفسيرها بما
يتوافق
والحقائق
الفيزيائية
التي تؤكد أن
عنصر الحديد
ليس من
المكونات
الأصلية للأرض،
بل هو عنصر
دخيل سقط
عليها من
خارجها في شكل
نيازك وشهب.
إذن فالاجتهاد في فهم النصوص الدينية وتفسيرها بحاجة إلى سعة الفكر وغنى المعارف. وتلك أمور أثرت على فهم الفقهاء لمضامين النصوص القرآنية في العهود الأولى وهذه الحقيقة انتبه إليها ابن خلدون عندما تعرض لمنهج المفسرين الأوائل للقرآن الذين اعتمدوا النقل و الرواية والاستعانة في تفاسيرهم بالموروث من الفكر اليهودي الذى كان رائجاً في الجزيرة العربية آنذاك. لقد لاحظ ابن خلدون أن كتب هؤلاء المفسرين "تشمل على الغث والسمين والمقبول والمردود والسبب في ذلك - كما يقول - أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذ تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب". وإذن فلقد كان تعامل المفسرين الأوائل مع الموروث اليهودي على المستوى العامي نفسه الذى كان رائجاً بين اليهود في الجزيرة العربية آنذاك، أما التعامل مع الموروث نفسه على المستوى العالم فسيتم فيما بعد حينما "رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص" حسب عبارة ابن خلدون (ص 182-183 تكوين العقل العربي