أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السـودانية

Copyright © 2005 ArkamaniNewCush Page All rights reserved.

© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005  أركامانى صفحة كوش الجديدة 

 

 

 

 

معنى الحياة ؟!

تعليق على كتاب الكاتب ثيودوثيس دوبجانسكي

الفصل الثالث

(3)

التطور والتجاوز

 د. عمر القراي

 

 

 

 

بدأ الكاتب، هذا الفصل، بالحديث عن كلمة التطور، ومدلولاتها.. وكيف انها اصبحت شائعة،واستشهد بعبارة سوروكين 1937 الذى أكد ان التطور قد اصبح "المقولة السائدة للادراك العقلي " اذ ان "النظرة الى الاشياء من منطلق اصولها وتناميها وتطورها هى رؤيتنا لكل شئ من الدين الى البورصة. لقد تجذر هذا المنظور في عقولنا وأضحى على درجة من العمق بحيث لا يستطيع الكثيرون منا ان يتصوروا أي مدخل لا تاريخي أو لا تطوري او لا تناموي لدراسة أية ظاهرة ".. وبالرغم من شيوع الكلمة، وكثرة استعمالها، الا ان الكاتب يرى انه "ليس هناك تعريف عام مقبول لكلمة التطور"!!.. ولكنه يعدل قليلاً، في التعريف الشائع، الذي يقول ان التطور هو "التغير المتواصل أي المستدام"، ليصبح في حالة التطور البيولوجي "التغير المتواصل عبر اجيال متعاقبة".. ينقل لنا الكاتب تعريف هكسلي 1955 الذى يقول "التطور عملية ذاتية الدفع وذاتية التحول وذاتية التجاوز، محددة الاتجاه زمنياً ولذلك فهو غير قابل للالغاء، ويولد فى مساره ابداعاً متجدداً وتنوعاً متزايداً وتنظيماً معقداً ومستوى أعلى للوعي وفاعلية عقلية واعية  متصاعدة" ولكنه لا يوافق على هذا التعريف، وذلك لأن حالات "الركود التطوري تبين ان التطور ليس ذاتي الدفع، التطور أساساً صيرورة تلمس، وهو صيرورة توجيهية في المرتبة الثانية فقط، وأحياناً يكون التطور تقهقرياً بدلاً من ان يكون تقدمياً،الانشطار التطوري "زيادة التنوع" يتكرر بدرجة التركيز التطوري نفسها "التغيير داخل المجموعة نفسها" وقد نشأ الوعي والوعي بالذات، حسبما نعلم، في خط تطوري واحد هو الذى يقود الى الإنسان".. 

 

حدثنا الكاتب بعد ذلك، عن ان قصة الخلق، التى جاءت في سفر التكوين، في الكتاب المقدس. وذكر انها لو اخذت وحدها، يمكن ان تفسر، وقد فسرت بالفعل، على اساس غير تطوري للطبيعة وللكون وللإنسان .. وقد سادت هذه الرؤية، غير التطورية، حتى تحطمت تحت تأثير الاكتشافات العلمية، في عصر ما بعد النهضة. ومع ان الكتاب المقدس - في رأي دوبجانسكي - لم ينكر كل تغيير، الا انه يرى ان تقرير الاسقف أوشر، بان الكون قد بدأ سنة 4004 ق.م، أوحى بانه لم يكن من الممكن للكون أن يتغير منذ بدء الخليقة. على انه يبدو ان الكاتب، يعتبر رفض التطور من تفسيرات الكتاب المقدس، وليس من أصله، ولذلك يقول "تعد المسيحية من أكثر الأديان العظمى وعياً بالتاريخ، وهى بهذا المعنى تطورية. إنها تؤكد أن تاريخ البشرية والعالم ليس مجرد وهم وليس شراً لا خلاص منه. فالتاريخ هو مركبة الخلق. لقد كانت للعالم بداية وستكون له نهاية. وقد وقع حدث محوري في لحظة معينة من التاريخ إذ اتخذ الله هيئة إنسانية وعاش بين الناس. لذا فان الإنسان يتموضع في مركز المعنى في التاريخ. وبكلمات تيليش 1963 فان التاريخ يتأكد في نداء الوعي الباطني المسيحي بطريقة تجعل الاجابة عن الاسئلة التى توحيها التباسات الحياة في بعدها التاريخي تكمن في رمز "مملكة الله" ولا يعني هذا بالضرورة عقيدة التطور التقدمي صوب حالة من الكمال، وفي الواقع فإن المسيحية ورثت عن اليهودية مبدأ السقوط المأساوي للإنسان من حالة كمال بدئي.

 

يذكر دوبجانسكي، ان نظريات التطور الكوني اللاعضوي، ظهرت قبل نظريات التطور العضوي الحيوي. ويقف عند بدايات كتابة كانط 1755 في نظرية السديم الاولى، وما كتبه لابلاس 1796و1808 عن ان الشمس الأولية، كانت كرة من الغاز الملتهب، وقد انفصلت أجزاء من هذه الكرة بفعل قوى الطرد المركزي، فشكلت الكواكب والأقمار .. وخلص الى ان النظريات الحديثة، يمكن ان تلخص في نظريتين : نظرية الثبات، وروادها بوندي وقولد وهويل، ونظرية الانفجار الكبير التى ارتبطت لحد كبير بـ قاماو. أما فحوى نظرية الثبات، فهو ان الكون في حالة اتساع، وتمدد، وخلق مادة جديدة، يهدف لجعل كثافة المادة في الكون في حالة ثبات تقريباً كل الوقت. ولهذا فان مجرات عديدة، تتكون كل يوم، كلما نفدت طاقة نجوم قديمة، حتى يستمر هذا الثبات للكثافة الكونية. أما نظرية الانفجار الكبير، فانها تفترض ان الكون نشأ قبل حوالي عشرة الى خمسة عشر بليون سنة، وكانت البداية انفجار كبير بلغت حرارته بليون درجة مئوية. ومع ان مركز الانفجار ظل ملتهباً، وتكونت منه الشمس، الا ان الأطراف بردت وتكونت من ذلك الكواكب والأقمار.  

 

بعد هذا الايجاز، ينتقل الكاتب الى التطور البيولوجي، ويعتبره التطور الوسيط، في ثلاثي التطور، وهو: الكوني البيولوجي، الإنساني. ويعتبر داروين - رغم انه مسبوق بآخرين - المكتشف الحقيقي للتطور، لثبات نظريته في وجه الزمن. على انه يخبرنا بان النظرية الحديثة للتطور، لا تتطابق مع نظرية داروين، وإن اتفقت معها فكرياً .. وذلك لأنها استفادت من اكتشافات العلم الحديث، خاصة علوم الوراثة،والاجنة، وغيرها.. فأصبحت أكفأ من نظرية داروين، في الدلالة على التطور، والمقدرة على وصفه، وربطه بشتى العلوم التى تؤثر على حياة الكائن الحي.

 

يلخص لنا الكاتب نظرية التطور، بصورة يسميها مقتضبة، على وعد ان يعود إليها، في اطار مختلف، في الفصل السادس. يرى الكاتب ان الفرضية الأساسية في النظرية، هى ان التطور يحدث بشكل رئيس، من استجابة النوع البيولوجي لتحديات بيئته. وفي هذا الاطار، تمثل البيئات المتغيرة، أقصى التحديات، لأن الطاقم الوراثي الذى تشكل استجابة لتحديات البيئة القديمة، ليس متوقع ان ينسجم تلقائياً، مع البيئة الجديدة. لقد تصور داروين ان الاصطفاء (الاختيار) الطبيعي، هو الطريقة التى تستجيب بها الكائنات الحيّة، لتحديات البيئة. لكن الفهم الجديد الناتج عن علم البيولوجيا الجديد، يقرر ان المادة الخام للتطور، هى الجينات المغايرة، التى تنتج عن الطفرات الوراثية. ان الخاصية المذهلة للطفر الوراثي، هى غموض عملية توأمه. الطفرات تظهر، بغض النظر عن كونها أو انها يمكن ان تكون مفيدة، في مقابل ظهور الطفرة المناسبة، في وقت ومكان الحاجة لها. في الحقيقة معظم الطفرات ضارة. ان الطفور وحده، دون ان يضبط بالاصطفاء الطبيعي، لا يقود الا الى التدهور، والاضمحلال والانقراض. حتى يشرح لنا الكاتب العلاقة بين الاصطفاء (الاختيار) الطبيعي، والطفرات الوراثية، يشبه الاصطفاء (الاختيار) الطبيعي بالمنخل، لأنه يحجز الطفرات القليلة المفيدة، ويدع الضارة الكثيرة تمر. لكنه يعتقد ان هذا التشبيه مضلل، لأنه يغفل الجنس وتفاعل الجينات. وذلك لأن الممارسة الجنسية، ينتج عنها توالد توليفات، من الأطقم الوراثية، المتغايرة، المتجددة، التى تنشأ أصلاً كطفرات. هذا التوليف، أهم بكثير من مجرد دمج الوحدات المستقلة، واعادة دمجها.. اذ ان التواءم، غالباً ما يعتمد، لا على الطفرة في حد ذاتها، وانما على النسق الوراثي، الذى توجد فيه. فالطفرة التى تكون مفيدة، في توليفة جينية معينة، قد تكون ضارة في سواها. بناء على هذا، يعتبر الكاتب، ان مثال المنخل، ليكون صحيحاً، يجب ان يكون منخلنا غير عادي، يبقي الحبيبات أو يلفظها، لا على أساس حجمها فقط، بل يأخذ في الاعتبار، خصائص كل الحبيبات الأخرى الموجودة. نحن، اذن، لا نحتاج الى منخل، وانما جهاز اتصال الكتروني دقيق (سبراني)، ينقل للكائن الحي، معلومات عن حالة البيئة. هذا الجهاز، أيضاً، يجعل التغيرات التطورية الآتية، متسقة مع السابقة "لذلك يحتوي الطاقم الوراثي للنوع الحي على سجل لبيئاته السابقة وعلى بصمة بيئته الراهنة. اذن فالهبة الوراثية التى تنتج ليست موزايكو من الجينات التى تحتفظ كل منها بتاثيرها المستقل، بل هي نسق متكامل، لا يتأهل للبقاء ان لم تتوافق أجزاؤه مع بعضها البعض".

 

يطرح الكاتب، السؤال التالي : هل التطورات الكونية والبيولوجية والإنسانية صيرورات منفصلة أم انها أجزاء وفصول أو مراحل لتطور كوني واحد؟ وفي الاجابة عن السؤال، يقول "ببساطة شديدة فان الظواهر في المستويات غير العضوية، والعضوية، والإنسانية، تخضع لقوانين مختلفة خاصة بتلك المستويات. ليس ضرورياً ان نفترض عدم قابلية هذه القوانين للتعميم الاختزالي، لكنه ليس مجدياً ان نصف ظواهر المستوى الأعلى، بقوانين المستويات الأدنى". ولكن مع ذلك يرى الكاتب انه "من المؤكد ان هذه الأبعاد أو المستويات ليست منفصلة تماماً عن بعضها البعض، بل هناك على النقيض من ذلك علاقات تغذية استرجاعية بين الحي وغير الحي وبين الإنساني والحيواني. ومع ذلك فالأبعاد المختلفة تتميز بقوانينها ووتائرها المختلفة التى يستحسن فهمها وفحصها في الاطار الذى ينتمي اليه كل منها" ..  يستأنس الكاتب برأي أحد الماركسيين هو بريزنت 1963 الذى يقول "حيثما نشأ، فلا بد ان المجتمع الإنساني جاء من العالم الحيواني، وقد كان العمل، صيرورة الإنتاج، هى التى جعلت من الحيوان البشري إنساناً ".

 

بعد ذلك، يحدثنا الكاتب، عن كيف ان ظهور نوع جديد تماماً، يعتبر تجاوز في التطور، يختلف عن الصورة المألوفة.. ويفسر كلمة (التجاوز)، بانها تعني الذهاب الى أبعد من حدود الإمكانية التى كانت مستخدمة، ولا تعني التجاوز بالمعنى الفلسفي، والذى يعني التعالي أو السمو. ولشرح التجاوز يقول "لقد تجاوز التطور الكوني ذاته حينما أنتج الحياة. ومع ان العمليات الفيزيائية والكيمائية التى تجري في الأجسام الحية لا تختلف اختلافاً جوهرياً عن تلك التى تجري في الطبيعة العضوية، فان أنماط هذه العمليات تختلف في الطبيعة العضوية عن غير العضوية. لقد تجاوز التطور غير العضوي حدود الأنماط الفيزيائية والكيمائية السابقة حين انبثقت عنه الحياة. بالمعنى نفسه فقد تجاوز التطور البيولوجي نفسه حين انبثق عنه الإنسان".

 

وعن نشأة الحياة، يقول دوبجانسكي "يقدر عمر الأرض بحوالي بليوني سنة أو أكثر. لقد نشأت الحياة أول مرة في ظروف بيئية مختلفة تماماً عن تلك القائمة الآن، ولا يمكن استعادة تركيب هذه الظروف صناعياً الآن الا بصعوبة بالغة. لقد تكون الغلاف الجوي حينما بردت الأرض بروداً يكفي لتكثف بخار الماء وتكوين المحيطات،من غازات مثل الهايدروجين والميثان والامونيا وثاني أكسيد الكربون مع كميات أقل من النتروجين والقليل من الاوكسجين السائب. وقد تمت دراسة التفاعلات التى يمكن حدوثها في مثل هذه الخلائط دراسة واسعة في المختبرات، دلت على احتمال تكوين الفورمالدهايد وحامض الخليك وحامض السكسنك وحوالي عشرة حوامض أمينية. هذه ومواد أخرى أشد تعقيداً ولا يتم تكوينها أساساً أو قطعياً الآن الا في الكائنات الحيّة، نشأت وتراكمت في محلول مياه المحيطات الخالية تماماً من الحياة، جاعلة منها نوعاً من "حساء" المركبات العضوية. وكان ممكناً لهذه المركبات وفقاً لـ بونامبيروما 1965 ان تشمل البيورينات أدنين وقوانين والسكر الريبوزي والسكر الريبوزي المنقوص الأوكسجين والنيوكلوسيدادينوسين. وهذه المركبات بالذات هامة على وجه خاص لانها من بين مكونات الحمضين النوويين دنا"DNA RNA و رنا

 

يرى العلماء، الذين نقل لنا الكاتب آراءهم، ان هذه المكونات الصغيرة، تجمعت في جزئيات كبيرة، تستطيع استنساخ ذاتها، مثل "الدنا". على ان الاستنساخ الذاتي، وحده، لا يعتبر دليلاً، على ان النسق الذى قام به، حياً. ولكنه مع ذلك، يعتبر من الشروط الضرورية للحياة. والسبب في ذلك، كما يحدثنا دوبجانسكي، "لا يعني الاستنساخ الذاتي فقط ان النسق يبتلع مادة معينة من بيئته (طعام) ويحولها الى شبيهه (توالد) وانما يعني أيضاً ان أي تغيرات يمكن ان تحدث عملية الاستنساخ الذاتي طفرات، يمكن ان تنعكس بمرور الوقت في الوتائر النسبية لتردد الأنساق التى تغيرت والتى لم تتغير (اصطفاء طبيعي). بكلمات أخرى فان بداية الاستنساخ الذاتي تفسح المجال للتطور البيولوجي. يمكن لهذا التطور ان يكون متصاعداً رغم انه ليس بالضرورة ان يكون كذلك. فتطور هذا النسق يمكن ان يتوقف بسبب انهاك البيئة أو لحدوث تغيرات تقلل من كفاءته (الانقراض). ويمكن لو ظهرت أنساق الاستنساخ الذاتي مراراً، يكون معظمها قد ضاع دون ان يترك خلفاً. الذى يهم هو ان نسقاً واحداً على الأقل بقى و (ورث الأرض) بان أصبح نقطة بدء التطور البيولوجي".

 

وبينما أرخ ظهور الحياة حدثاً ضارباً في القدم، نجد ان ظهور الإنسان يعتبر أمراً حديثاً، وعن ذلك يحدثنا الكاتب فيقول "عاش في شرق وسط أفريقيا والأجزاء الجنوبية منها خلال عصر البلايستوسين قبل مليون الى مليوني عام على الأقل نوعان من الاسترالبيتكوس (الإنسان القردي الجنوبي) وهو جنس بشري (هومنيد) من عائلة الإنسان .. وقد عاش في وقت لاحق في البليستوسين الأوسط عدة سلالات من الجنس الإنسان منتصب القامة (هومو إركتوس) المتفق على انه سلف الإنسان الحديث، الإنسان العاقل (هومو سابينز). وقد وجدت بقايا الإنسان منتصب القامة في جاوة والصين وأفريقيا وربما أوروبا ايضاً. وقد عاشت في عصر الثلج الأخير قبل حوالي مائة ألف سنة تقريباً فصائل إنسان نياندرثال الذى ينتمي الى نوع الهومو سباينز واحتل المساحة الممتدة من غرب أوروبا الى تركستان والعراق وفلسطين" وعن مدى تطور هذا الإنسان البدائي يحدثنا الكاتب قائلاً "وجدت أدوات حجرية خشنة مرتبطة ببقايا الاسترالبيتكوس في كل من شرق ووسط وجنوب أفريقيا. ويعد الكائن منتصب القامة الذى وجد في الصين أول من استخدم النار، كما دفن النياندرثاليون موتاهم".

 

ولما كان بروز الإنسان من الحيوان، أمراً عظيماً، فقد رأى بعض العلماء فيه، تدخلاً إلهياً.. فقد ذكر الكاتب ان والاس، الذى شارك داروين في اكتشاف دور الاصطفاء الطبيعي في التطور، اعتقد ان عقل الإنسان بثته فيه قوى غيبية. واعتقد لاك 1975 الشئ نفسه، فقال "على المسيحي الذى يقبل مبدأ أصل الإنسان التطوري عن طريق الاصطفاء الطبيعي ان يتحفظ بشأن خصائص الإنسان الروحية ونوازع الخيروالشر فيه التى لم تنتج عن هذا التطور وانما هى ذات أصل غيبي". ومن النماذج البارزة في هذا الاتجاه، برونر 1952، والذى ينقل لنا الكاتب رأيه، في العبارة التالية "يتميز الهيومانوم - الإنسان - بشئ ما تفقده الحيوانات الأخرى تماماً، يعبر عن نفسه ذاتياً بالروح وموضوعياً بخلق الثقافة. انه بعد لا وجود له في البيولوجيا، قانون المعايير، القدرة على إدراك المعنى والحرية والمسؤولية".

 

واذا تجاوزنا التطور البيولوجي، فان التطور الفكري، يثير تساؤلات أكثر تعقيداً. يخبرنا الكاتب، ان العلماء قد لاحظوا ان الإنسان حيوان منتصب القامة، يسير على قدمين، ودماغه كبير، اذا ما قيس بنسبة جسده. ولاحظوا انه قادر على اللعب، وعلى التفكير المجرد، وعلى الضحك، وتاليف الرموز، واستخدامها، وتعلم اللغة، والتمييز بين الخير والشر، والشعور بالتقديس والتقوى. ولكن كيف، ومتى نشأت هذه القدرات، أثناء انحداره من أسلافه الحيوانيين؟ يعتقد الكاتب انه يستحيل علينا ان نقرر في ذلك. ثم يشير الى جدل العلماء، حول ما اذا كان اكتساب القامة المنتصبة، والمهارة اليدوية، سابقاً أو لاحقاً لاستخدام الآلات وصنعها. وكذلك يمكن ان تثار نفس الأسئلة، حول القدرة على التفكير الرمزي، وتاليف الرموز، والتوارث الثقافي. ورغم اعترافه بصعوبة هذه الأسئلة، الا ان الكاتب يقرر ان الناتج ينمو مع الأداة، والأداة تنمو مع الناتج. فالأيدي، التى تحررها القامة المنتصبة من المشي، تكون أقدر على تنمية براعة معالجة الأدوات. لكنه يرى في الوقت نفسه، ان القامة المنتصبة، ليست ضماناً لأن تستخدم الأطراف الأمامية في معالجة الأدوات. وضرب مثلاً بالكنجارو، الذى رغم انتصاب قامته، لا يستخدم أطرافه الأمامية التى لا يستخدمها للمشي، في معالجة الأدوات. وفي المقابل، هناك بعض القرود تستخدم أيديها في معالجة الأدوات، رغم عدم انتصاب قامتها. على ان الخلاصة، في كل الأحوال حسب راي الكاتب، هى ان اضطراد استخدام الأدوات، يمنح ميزة اصطفائية، لتطور المشي على قدمين، والعكس صحيح.

 

وفي مضمار التطور الفكري، يتعرض الكاتب للغة. ويقرر ان لغة الحيوان، تختلف من لغة الإنسان، رغم ان كليهما يخدمان وظيفة الاتصال. وفي توضيح الفرق، يعتمد على دراسات هوكيت 1959 وآشر 1964، وما قدماه من شرح، بان نداءات الحيوان، أو اشاراته تقصي بعضها البعض تبادلياً. بمعنى ان الحيوان قد  يستجيب لاحد المواقف، بواحدة أو أخرى من زخيرة نداءاته، أو قد يبقى صامتاً، بينما اللغة الإنسانية منتجة، بمعنى ان الإنسان يصدر ألفاظاً، لم يحدث ان صدرت عنه أو عن غيره، وهى مع ذلك مفهومة لمن يعرف تلك اللغة. والإنسان يستطيع ان يتحدث عن أشياء ليست في نطاق رؤيته، وعن الماضي، والمستقبل، وع