أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السـودانية

Copyright © 2005 ArkamaniNewCush Page All rights reserved.

© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005  أركامانى صفحة كوش الجديدة 

 

 

 

 

 

 

معنى الحياة ؟!

تعليق على كتاب الكاتب الروسي ثيودوثيس دوبجانسكي

(2)

الفصل الثاني

د. عمر القراي

 

 

 

 

آلهة الفجوات

يعتقد دوبجانسكي، ان الكثيرين من المتدينيين، لا يفرحون لاكتشافات العلم، في مختلف المجالات، خاصة حين يشرح ما كان يعتبر من أسرار الطبيعة، التي لا يعلمها إلا الله ... وهم يرون في انحسار هذه الأسرار، تهديداً لأمان معتقداتهم الدينية. ولهذا لا بدَّ ان يجدوا فجوات في المعرفة العلمية، حتى يدخلوا منها الفعل الإلهي، ويبررون بذلك كافة معتقداتهم، التى لا تقوم إلا على أساس القدرة المطلقة للإله، والعجز الإنساني... من هنا، سمى هذا الفصل : آلهة الفجوات !!

 

ولقد ميّز الكاتب، بين مجموعتين : المتدينون الذين يبحثون عن آلهة الفجوات، والعلماء الذين يظنون ان العلم المادي احصى كل شئ، وقام بتفسير كل شئ، ومن ثم، لم يعد هناك مجال للتدخل الإلهي، أو حتى الوجود الإلهي، الذى لايرون فيه إلا (مرتعاَ للغموض والمعجزات) ... وبين هؤلاء، وأولئك، قلة من العلماء، يرون رغم علمهم المادي الغزير، ضرورة اعتبار الجانب الإلهي، الذى بغيره لا تكتمل الصورة... وكمثال للعلماء المؤمنين، يتحدث دوبجانسكي، عن نيوتن، فيقول : "لقد تمكن نيوتن من تفسير حركة الكواكب حول الشمس بقوانين فيزيائية لكنه كان مع ذلك يعتقد بأن الدوران اليومي للكواكب لا يمكن اشتقاقه من الجاذبية وانما يحتاج لقوة إلهية لإحداثه" ... أما العلماء غير المؤمنين، فيضرب لهم المثل بـ لاباس، فيقول "سأل الإمبراطور نابليون الكوزمولوجي والرياضي لاباس عن سبب غياب اسم الله من مؤلفه الشهير عن ميكانيكا الأجرام السماوية. وربما قصد الإمبراطور المزاح بذلك السؤال ولكن لاباس أجاب بكل جدية بأنه لم يكن محتاجاً لفرضية الله في عمله". وبناء على ذلك، كما يؤكد الكاتب، إعتقد الكثيرون، انه اذا لم تكن هنالك حاجة لله في شئون السماء، فالحاجة إليه، في شئون الأرض، تكون أقل. وكتبت مؤلفات عديدة، عن أفول فرضية الله، وعن موت الإله، وعن عدم الحاجة الى الله، في كافة المجالات العلمية، والواقعية الحياتية.

 

لقد فسر العلماء، الذين رفضوا الدين - فيما يحدثنا الكاتب - نشأته بالبدائية، وطفولة البشرية، حيث كان الإنسان يعتقد ان لكل شئ روح، فنشأت عبادة الأرواح والطوطم ... ولقد ضرب المثل بعالم الأنثروبولوجيا تايلور، كما لخص هذا الاتجاه، بعبارات لـ مالينونسكي (1931) "بمجرد ان أحكّم الإنسان قبضته على البيئة باستخدام الأدوات وبمجرد ان ظهرت اللغة فقد صارت هنالك معرفة ذات طبيعة علمية ولا يمكن لأي ثقافة ان تبقى لو كانت فنونها وحرفها وأسلحتها واقتصادها مؤسسة على مفاهيم ومذاهب خفية وغير تجريبية"

 

إن أهم ما تحدث عنه  الكاتب، في هذا الفصل، هو الاشكالية التى صاحبت التفسير العلمي، لظاهرة نمو الكائن الحي، وتخلقه، وهل هو  تعاقبي أم خلقي ... ومع ان الموضوع، يتعلق بالكائن الحي عموماً، إلا ان التعقيد البالغ، قد ظهر في تناول هؤلاء العلماء والفلاسفة للإنسان بصفة خاصة ... في هذا الصدد، يتعرض الكاتب، الى ثلاثة تيارات أساسية :

 

1- التيار الذى يعتبر الإنسان مثل الآلة، ويعزي التغيرات فيه الى علاقات رياضية ميكانيكية، ويمثله - فيما نقل لنا الكاتب - الفيلسوف ديكارت.

2- التيار الحيوي، وهو يعزي التغيرات الى طاقة حيوية، سماها بعض العلماء "التيلوس"، تدفع بالجسد في مراحل النمو والتغيير.

3- التيار التطوري، ويمثله دارون، ومن وافقه من العلماء. ثم ما حدث فيما بعد، من تعمق في هذا الاتجاه، نتيجة ابحاث علوم الوراثة.

 

يرى الكاتب، ان ديكارت رغم اختزاله لتكون الإنسان، وتطوره، في عمليات هندسية، ورياضية، لا يرى ان الإنسان آلة فقط، بل يصر على انه آلة لديها روح !! وينقل عن ديكارت قوله "لا أقبل ولا أرغب مبدأ آخر في الطبيعة سوى الهندسة والرياضيات المجردة لأن كل ظواهر الحياة يمكن ان تُفسر عن طريقها ويتم إثباتها بها. الأجسام الحية آلات وكذلك جسم الإنسان لكن الإنسان ليس آلة وحسب ان له روح ليست آلية" ... انما ما دفع ديكارت للتنازل عن هذه المادية، وقبول الثنائية، هو حسب رأي الكاتب، تعبير الإنسان عن رأيه بالكلام، والذى يقتضي صورة من التفكير المعقد الذى لا تستطيعه الآلة. فقد ذكر الكاتب، ان ديكارت (1637) قد تخيل آلة تنطق بالكلمات، ثم ذكر ان هذه الآلة لا يمكن ان "تنظم كلماتها بطرق مختلفة بحيث ترد رداً مناسباً على كل ما يقال في وجودها بالطريقة التى يستطيعها أدنى البشر". بعد قرن من ديكارت، جاء علماء مثل لا متري (1748)، ودوهولباخ (1770)، هلفيتيس (1772)، لا يرون أي ضرورة لاقحام موضوع الروح، ويؤكدون ان الإنسان آلة معقدة، وليس شيئاً سوى ذلك.

 

على ان اتجاه الآلية بشقيه، أخذ يواجه بتحد، منذ ان اكتشف أحد تلاميذ العالم لـ يوونهوك، ويدعى هام، الحيوانات المنوية في 1677، وصحب ذلك الرأي بالتخليق المسبق ... اذ ساد الاعتقاد وسط العلماء، بان الإنسان موجود بصورة مصغرة، في الحيوان المنوي !!  إلا ان وولف أوضح عامي 1759 و1786 الغياب التام، لما يشبه أجزاء الجسد البالغ، في الأجنة المبكرة للحيوانات، أو بذور النباتات. وحين سئل عن سبب النمو، أجاب بأنه توجد قوة حيوية، هى التى توجه التنامي المتعاقب للجنين، وتصون البدن البالغ فيما بعد. وهكذا حلت النظرية الحيوية، محل النظرية الآلية، وأيدها معظم علماء القرن الثامن عشر، أمثال هنتر، وستاهل، وبيشات. ولقد تطورت النظرية الحيوية، نتيجة بحوث كثيرة، فقد قام فونبيير 1837 بتطوير نظرية الطبقات الجرثومية، في الحيوانات. وبفضل أصحاب مبدأ الخلية، شيلدن 1838، وشوان 1839، فقد أصبح وصف عملية النمو دقيقاً ... وصاغ هيكال 1866، قانون النشؤ الاحيائي، الذى يقول بأن تنامي الفرد، هو استعادة قصيرة للتنامي التطوري، أي للتاريخ النوعي للمجموعة، التى ينتمي إليها ذلك الفرد. وقام هارتويق 1879، وفول 1879، بوصف ولوج الحيوان المنوي للبويضة، والتحام نواتيهما. ثم قامت مجموعة من العلماء، في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، بتحليل سلوك الكروموسومات، ودورها في انقسام الخلية، وفي نضج الخلايا الجنسية، وفي عمليتي التخصيب، وانقسام البويضة المخصبة.

 

وبينما كانت البحوث جارية في الخلية، كانت أيضاً نظريات تفسير سلوك الحيوان، وتطوره، وأثر البيئة عليه، مستمرة ... وظهرت نظرية دارون، كأوضح تفسير لتنامي الحيوان وتطوره، ولكن الكاتب لا يناقش النظرية في هذا  الفصل، ولهذا نؤخر تعليقنا عليه. المهم هو ان تطور علم الوراثة، باكتشاف قوانين مندل 1865، وبداية اهتمام العلماء بها عام 1900، مثل قفزة كبيرة، دفعت لتطور مذهل في علم الأجنة، اختفى معه التركيز على النظرية الحيوية أو النظرية الآلية وحلت محلهما نظرية الوراثة.

 

لقد كشف علم الوراثة، ان هناك طواقم من الجينات، تضم معلومات أو أوامر، تحدد مسار النمو ... وهى موضوعة في الجينات على صورة شفرة. ولقد وضع واطسون - كريك، فرضية، اثبتتها الحقائق التى اكتشفت، بعد بحثهما، فالجينات المختلفة، تماثل الكلمات أو الفقرات DNA وهى ان الوراثة شفرة منقوشة في سلسلة جزئي الحمض النووي منقوص الأكسجين في كتاب يحوي السيرة الكاملة، للكائن الحي، والتى يمكن قراءاتها بمجرد اكتشاف الشفرة التي كتبت بها سطورها DNA "انها تعاقبات مختلفة لأربع نويات، هي الحروف الوراثية الأربعة، ويتم نسخ الرسائل الوراثية، في الكروموسوم حيث تتم ترجمتها الى تعاقب الأحماض الأمينية التى تتشكل منها جزئيات البروتينات. والبروتينات منها لبنات بناء الجسم ومنها الأنزيمات وهى المحفزات التى تقوم بعمليتي الهدم والبناء"

 

إن اختصار الكشوفات الحديثة لعلم الوراثة، للموضوع، في شفرات كيمائية، يرجعنا - حسب رأي الكاتب- الى فرضية الآلية، التى دعا لها ديكارت، مرة أخرى ... وذلك لأن هذه التفاعلات الكيمائية، إنما هى عمليات ميكانيكية تتم في مادة غير عضوية، لا علاقة لها بفرضية الحيوية، التى يرى الكاتب انها لم تثبت مطلقاً، في كل الكشوف العلمية. على ان هنالك علماء حيويون، لا يذكرون كلمة الحيوية، وان تبنوا نظرتها العامة، ويرى الكاتب انه لا بدً من الاستماع لبعض حججهم، ومن هؤلاء سينوت 1955 فقد قال أن "النسق المنظم الذى تضبطه رقابة أنشطته يوحي بوجود شئ بداخله تنحو هذه الأنشطة للتوافق معه، معيار، مستوى، هدف أو غاية ما يمكن ان يسميه الفيلسوف تيلوس كامن في مجمل الكتلة الحية".

  

يخلص الكاتب، الى ان هناك طريقتين، لدراسة العالم الحي، بما فيه الإنسان "الطريقة الأولى هى المنهج الاختزالي أي الديكارتي. يتم في هذه الطريقة فحص مكونات الجسم الحي وتحليلها، وهى في النهاية المواد الكيماوية التى تبنى منها الأجسام بشكل عام، فاننا نحصل من هذا المنهج على تفسيرات من نوع الكائن الآلة ... المنهج الثاني هو الدارويني انه ينطبق الى حد كبير على علم الأحياء، ولكنه ليس مقصوراً عليه. اننا نسأل كيف بنيت الكائنات الحية وصارت بالطريقة التى هى عليها، وبهذا المنهج فان الحياة والكائنات الحية يمكن ان تصبح مفهومة على ضوء أصولها، وتناميها التطوري أي في ضوء التطور" ... على ان الكاتب لا يرى تناقضاً بين هذين المنهجين، بل هو يراهما مكملان لبعضهما، كل ما هناك ان الباحث يحتاج للتفسير الديكارتي، كلما اقترب من المستوى الكيمائي، ويحتاج الى التفسير الدارويني، كلما اقترب من المستوى الكلي، للكائن الحي، وتفاعله مع البيئة.

 

غير ان ايماننا بالتطور الكلي للكائن الحي، أو بالعمليات الكيمائية التى تحدث داخل الخلية، لا يكفي ليفسر لنا من أين تجئ مادة النمو، ولماذا يتم بهذه الصورة بالذات، في مختلف الكائنات الحيّة، وأنواعها. يقول الكاتب "لننظر الى هذه المعجزة اليومية التى لا تدهش أحداً مجئ حياة إنسانية جديدة. تزن البويضة الإنسانية جزءاً واحداً من عشرين مليون جزء من الأوقية. الشخص البالغ يزن خمسين مليون ضعف وزن البويضة. من أين تجئ مادة هذا النمو؟ من الواضح انها تستمد من البيئة من الطعام الذى يستهلك ويستوعب. الإنسان حرفياً خليط من البقالات المحولة. لكن هذا الخليط حي، يحس البهجة والمعاناة، ويمتلك الوعي بالذات ويقدر على أفعال تتراوح من الحنان الى الفروسية ومن البطولة الى الأنانية. إن الفكرة بأن خليط البقالات - مهما تحول - يمكن أن يأتي بهذه الأفعال صدمت البعض بحسباها محض هراء"*.

 

يقترح الكاتب، كمخرج يوفق بين كون الإنسان مجموعة بقول، وان له في نفس الوقت مشاعر "ان وصف الإنسان بكونه خليطاً من البقالات المحولة صحيح وواقعي، لحدود معينة. ان حدود هذا الوصف تضعها طبيعته الاختزالية. ما نحتاج إليه هو النظير التركيبي. الإنسان يتكون بالتاكيد من جزيئيات وذرات لكنه لا ينشأ بالالتقاء لتلك الجزيئات والذرات. الحقيقة التى ينبغي ألا تغيب عن أعيننا أبداً هي ان كل كائن حي من أي نوع من الأنواع الموجودة الآن قد تحدر سلالياً مباشرة من أحد أشكال الحياة الابتدائية التى يقدر انها نشات قبل أكثر من بليوني عام".. واضح للكاتب ان التقاء الجزئيات، والذرات بصورة عشوائية، لا يمكن ان ينتج عنه تلقائياً إنسان، مما يجعل الجمع بين نظرية التطور، والنظرية الآلية، لا يكفي وحده، لتفسير لغز الحياة.

 

يقول الكاتب "يبدو ان هناك مخرجاً واحداً من أزمتنا. لو أننا نستطيع إدخال الله  في نهاية العلم، فلا بدَّ وان يكون موجوداً هناك من البداية وعلى طول الطريق". وكما لا يرى الكاتب كيف سندخل الله في هذه المعادلة، فانه يصر في الوقت نفسه، على  رفض الفكرة الحيوية، ويعتبر التيلوس حلاً زائفاً، خاصة مع اصرار العلماء الحيويين، بأنه ليس مادة خاصة، ولا هو نوع من الطاقة !! ولكنه يفترض  ان التيلوس، مهما كان، فانه لن يؤثر على الكائن الحي، الا اذا تدنى للمستويات المادية والطبيعية. حتى يؤكد الكاتب هذا المعنى، ضرب مثل بظاهرة التخاطب من البعد، أو التوسط بين الأرواح، وهى ظواهر يعدها الناس غير مادية، ولكنه يرى انه مهما كانت القوة غير المعروفه، المسؤولة عن التخاطر، فلا بدَّ من ان تكون قادرة على التاثير في خلايا الملتقي العصبية، حتى يظهر تاثيرها عليه. لا بدَّ لهذا الشكل الجديد، من الطاقة، أو القوى، من إحداث تاثير فسيولوجي، أو كيموحيوي، في هذه الخلايا، تتم ترجمته فسيولوجياً، آخر الأمر، الى تلفظات، ورسائل منطوقة، أو مكتوبة، أو مرئية، أو متخيلة.

 

إن التساؤل عن أثر ما هو ليس مادي، على المادة، لا ينطلق من مسائل غامضة، مثل تحضير الأرواح، فحسب، وإنما يطرحه العلم أيضاً ... أذ يحدثنا الكاتب، بأن العالم الفسيولوجي الكبير، اكلز 1953 قد أكد على الصغر المتناهي لبعض البنيات البيولوجية، التى يتم فيها الاتصال بين العقل والمادة. وهى تمثل المشابك، التى تلتقي فيها أفرع الخلايا العصبية المختلفة، والتى يقدر وزنها من 12 الى 13 جرام. ورغم صغر حجمها، يمكن ان تؤدي الاثارة عبرها، الى اطلاق مئات الآلاف من العصبونات، في أقل من جزء من الألف من الثانية. وبعد ايراد هذه المعلومات يتساءل الكاتب "هل تخول لنا كفاءة هذه الآلية التضخمية الافتراض بأن قوة لا مادية يمكن ان تحدث تاثيراً قوياً في عمليات الجسم العيانية وحركاته؟

 

وفي النظر الى القضية من زاوية أخرى، يطرح الكاتب، اقتراح النظر في الافتراض القائل، بأن المادة تكمن فيها بدايات الحياة، والاحساس، والإرادة. ويحدثنا عن ان هذه الأفكار، التى يقول انها سميت أحياناً، وحدة الوجود، أو الحلولية، في الفلسفة القديمة والأديان، والتى تبناها فلاسفة محدثون، أمثال هوايتهيد، وهارتشون، وعلماء أحياء أمثال رنش، وتيلار، ديشاردن، وبيرش، ورايت، وغيرهم. يلخص لنا الكاتب رأي رنش 1960، على النحو التالي : "ليست هناك فجوات في الصعود التطوري للإنسان والحيوانات العليا من الدنيا لذلك ليس هناك أساس لانكار ان لكل الحيوانات بما في ذلك وحيدة الخلية أحاسيس ومشاعر نابعة منها ولا أساس لانكار الاحساس لدى النباتات. أما رايت 1964 فانه يقول "لا يستطيع عالم الأحياء الفيلسوف ان يتفادى مسألة علاقة العقل بالمادة" وذلك لأنه "لو كان العالم غير الحي خالياً من العقل تماماً، ولو انه مضى وقت لم يكن وجود الحياة فيه ممكناً كما هو واضح، فكيف ظهر العقل اذن ؟... ان انبثاق العقل من لا عقل بتاتاً ليس الا محض سحر ... يبدو ان المخرج المقنع الوحيد، ان يكون العقل عالمياً موجوداً لا في كل الكائنات الحية وخلاياها وحسب، وإنما في الجزيئات والذرات حتى في الجسيمات الأولية.

 

يتفق دوبجانسكي مع هؤلاء العلماء، في ان إمكانية الحياة، كانت موجودة في العالم اللاعضوي. والدليل على ذلك انها ظهرت فيما بعد. وبالقدر نفسه، لا بدَّ ان إمكانية العقل، قد كانت موجودة، في مادة الخلايا الأولية الحية، لأننا نعرف ان كائنات عاقلة، نشأت فيما بعد ... وهو يوافق رايت في قوله "لو اننا لا نريد للعقل الإنساني ان يظهر بطريقة سحرية فلا بدَّ من ان يكون قد تنامى من عقل البويضة. وظاهرياً قبل ذلك، من جزيئات الحمض النووي دنا في نواتي البويضة والسائل المنوي اللذان يشكلان طاقمها الوراثي. لكنه أيضاً، يختلف مع هؤلاء العلماء،  فكون إمكانية  العقل، موجودة في البويضة، والسائل المنوي، لا يتبع منه بالضرورة، ان البويضة والسائل المنوي لها عقول. يقول دوبجانسكي "ان للحجر إمكانية ان يصبح تمثالاً لكن لا يتبع من ذلك ان هناك تمثالاً خبيئاً داخل كل حجر. لا بدَّ من التسليم بأن إمكانية الطفل موجودة، أو كانت موجودة، في والديه. لكن لنلاحظ انه حتى الطقم الوراثي لهذا الطفل المعين لم يتحقق إلا بعد ان توحدت هاتان الخليتان الجنسيتان. وحيث انه كانت للأبوين مئات البويضات وبلايين السبيرمات المنويات فقد كانت لهما أيضاً إمكانية انجاب أعداد لا حصر لها من الأطفال الآخرين. ولم تتقرر إمكانية الطواقم الوراثية التى تفوق الحصر إلا عند التخصيب... حتى بعد التخصيب فقد صار الجنين وليداً، وأصبح الوليد شخصاً، بالتدرج المنتظم، وبلا انقطاع في التنامي المتواصل الذى لا يتيح لنا مجالاً لتخيل ولوج عقل  أو روح فيه. ولا أرى هنالك جدوى من افتراض وجود عقول في البويضات والسبيرمات "المنويات"، مهما تناهت درجة تخفيف تلك العقول. كما وليس هنالك معنى للقول بان لفافات الطعام الموجودة في أرفف البقالات حية وانها تحتوي على جرثومة شخصي، على الرغم من ان بعض محتوياتها قد تصبح كذلك بعد ان يتم استيعابها في جسدي".

 

يذكر الكاتب، ان فكرة خلود الروح والعقل، مغرية لبعض المتصوفة، والمؤمنين بتناسخ الأرواح، ولكن لا مجال لها في العلم !! وفي تأكيد لذلك، يقول "ان المظاهر الخارجية على الأقل توحي بان العقول تنشأ وتتنامى ثم تختفي. فقد نشأ العقل الذى هو أنا على درجات، بدأ قبل حوالي ستة وستين عاماً، بوضوح من لا عقل بتاتاً، وإنما فقط من كروموسومات وسيتوبلازم ومواد غذائية لا عقل لها. قبل ذلك بسبعين سنة مثلاً لم يكن لهذا العقل أي وجود. ولو ان هذا محض سحر فهو سحر يملأ الدنيا. ومما لا شك فيه ان عقلي هذا سيختفي من الوجود بعد بضعة سنوات. البديل هو اقتفاء أثر أولئك الناس الذين يعتقدون بأن العقول لا تختفي وإنما يتم تخزينها في أماكن للنعيم المقيم أو اللعنة الأبدية المحتومة. غير أن هذا يصعب تصديقه وأصعب منه ان أصدق ان عقلي كان متربصاً في مكان ما خارج المسرح قبل سبعين سنة منتظراً دوره للولوج في الكر