أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السـودانية

Copyright © 2005 ArkamaniNewCush Page All rights reserved.

© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005  أركامانى صفحة كوش الجديدة 

 

 

 

 

 

 

 

السلفية الإسلامية الجديدة

أحمد موصلي

نقلاً عن الموسوعة الفلسفية العربية، المجلد الثاني، الصفحات 738- 743

رئيس التحرير د. معن زيادة

الناشر معهد الإنماء العربي 1988

 

 

 

 

 

 

 

 

السلفية الجديدة

الاصلاحية هي حركة سياسية جديدة ومذهب فكري معاصر، تهدف إلى إعادة إحياء بعث الحضارة الإسلامية والعالم الإسلامي. وتهدف الاصلاحية، كحركة سياسية، إلى تخليص العالم الإسلامي من المستعمرين وإلى توحيد العالم الإسلامي تحت راية الخلافة. أما مذهبها الفكري فيتمثل في الدعوة إلى اعتبار القرآن الكريم والسنة والسلف الصالح أسس النهضة الجديدة وفي رفض السلطة الدينية لما أنتج في العصر الوسيط. رؤيتها أنه لا تعارض بين الدين والعقل، والدين والعلوم الحديثة. لذلك تتقبل صحة العديد من الفلسفات الغربية  والعلوم الحديثة في محاولتها لتجديد وتنشيط الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي. وأهم رواد هذه الحركة هم جمال الدين الأفغاني 1839- 1897، ومحمد عبده 1849- 1905، ومحمد إقبال 1875- 1938، وعلى شريعتي 1933- 1977.

 

(1) المبادئ الفلسفية

يؤكد المصلحون على أن وجود القوانين الطبيعية والأخلاقية في الطبيعة حقيقية ويمكن البرهنة عليها بالعقل. يقول على شريعتي، مثلاً، انه على غرار الماركسية التى تساوي ما بين القوانين الأخلاقية والعادات الاجتماعية وتنسبها إلى المادية الجدلية (الاجتماعية والاقتصادية) فإن الإسلام يرجع القوانين الأخلاقية إلى طبيعة الإنسان الأولية (Shari'ati 1980: 80).

 

هذا يعني أنه يمكن التوصل إليها عن طريق العقل. يصر جمال الدين الأفغاني، مثلاً، على وجود قوة باعثة في الإنسان تدفعه إلى الارتفاع فوق مستوى الحسية أو الغريزة من أجل تحسين حياته. وهذا لا يحدث عن طريق الفطرة ولكن أساساً عن طريق التوصل إلى تلك الفنون والمهارات التى حصلت عليها الحضارات الأخرى. وبالأخص، يجب على المسلمين البحث عن التقدم الذى يظهر في دراسة العلم لأن الأسس الدينية والأخلاقية القوية تتطلب علاوة على الدين، معرفة وثيقة بالعلوم الأخرى (الأفغاني 1957: 60- 61).

 

يوافق المصلحون على أن الدين فطري أكثر منه اختياري، لكنهم يفهمون العقل والدين على أنهما في تناغم. يرى عبده، مثلاً، أن المسلمين قد أجمعوا على أن مسائل الدين لا يمكن الاعتقاد بها إلا عن طريق العقل كمعرفة وجود الله وقدرته على إرسال الرسل. كما أجمع المسلمون على أن الدين يقدم مبادئ عليا لا تفهم بسهولة، إلا أن الدين لا يقدم مبادئ معارضة للعقل. فيمكن للإنسان البرهنة، مثلاً، على وجود الله، إلا أن الإنسان لا يمكنه التوصل إلى جوهر الله. ويعود هذا إلى عدم قدرة الإنسان حتى على فهم نفسه.

 

فالإسلام هو دين التوحيد، والعقل هو أحد مساعديه (محمد عبده 1981: 19- 20). فالدين عند محمد عبده هو أقوى عوامل الأخلاق وأعظم أركان القوة الإنسانية. كما أنه يؤثر في عامة الناس أكثر من تأثير العقل. والأكثر أهمية من هذا، فإن العقل هو مصدر معرفة الدين ومصدر استعماله. إلا أنه عند التوصل إلى الاعتقاد عن طريق العقل، يجب إتباع الرسول (صلعم). ومثل هذا، يقول محمد إقبال انه مع أن الدين يبدأ في الشعور، فإنه لا ينظر إلى نفسه كموضوع للشعور فقط ويتخطاه إلى علم ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا) . فالدين ليس مسألة جزئية كمجرد شعور أو عمل، بل هو تعبير عن الإنسان ككل. ففي الإسلام لا تنفصل أو تتعارض المثل مع الحقائق ويعرف الإسلام على أنه التفسير المنطقي المفهوم والمثالي والروحي للكون المتناغم مع الحقيقة ومع الألوهية.

 

ويرى المصلحون التوحيد بصورة ايجابية. فالتوحيد هو نقطة الانطلاق التى تبحث عن التحقيق الذاتي. فهم لا يرون التوحيد على أنه وسيلة الرفض والتعارض ولكنه، كما يقول محمد إقبال، هو قوة عاملة لتحقيق المساواة والتضامن والحرية، فالدولة عنده ليست أكثر من تحقيق المبادئ الثلاثة من المساواة والتضامن والحرية في تنظيم معين (Iqbal 1960: 145- 155) أما عند شريعتي فيعني التوحيد رؤية الكون كله كعضو واحد حي ذي ذكاء وإرادة وهدف وشعور (Shari'ati 1979: 83).

 

ولم يسمح إقبال وشريعتي فقط بالفلسفة، بل شجعا على دراستها والبحث فيها، يقول إقبال أن طريقة التوصل إلى الحقيقة تكمن في ايجاد أسلوب بحث يؤدي إلى اكتشاف الحقيقة. فيقول مثلاً، ان فلسفة أفلاطون أكثر تعقيداً من فلسفة ديكارت، إلا أن فلسفة ديكارت كانت أكثر نفعاً. فيدعي إقبال، مثلاً، ان ولادة الإسلام كانت حركة ضد الفكر الكلاسيكي وان الفلاسفة المسلمين لم يتفهموا حقيقة الإسلام ودرسوه في ضوء الفكر الإغريقي. وهذا كذلك لأن الإسلام يتطلب في حقيقته استعمال الحواس والعقل لفهم العالم، إلا أن الفلاسفة أنكروا الحواس.

 

وعلاوة على هذا، يشجع الإسلام على استعمال الطرق التجريبية في التوصل إلى المعرفة، إلا أن العلوم هى جزئية وغير قادرة على التوصل إلى المعرفة الكاملة. وعليه، فإن مفهوم الميكانيكية الحديثة، مثلاً، هو غير كاف لتحليل أو لدراسة الحياة، إلا أن إقبال يصر على أن العلم والدين يهدفان إلى الحقيقة بالرغم من أساليبهما تختلف. فرفضه موجه إلى المادية والفلسفة التأملية لا إلى كل عمل روحي أو فكري.

 

وفي الحقيقة، فإن المفكرين المسلمين المصلحين فهموا الفلسفة أساساً من منظور العلم الحديث؛ فعندما يقول محمد عبده أنه لا يمكن للإسلام أن يناقض العقل، فإنه يعني أنه لا يمكن أن يناقض العلم الحديث. فهو يؤمن أن ميدان العقل ليس التأمل الفلسفي ولكنه العمل في الحقل العلمي. فبالرغم من إمكانية الجمع ما بين العقل والوحي فإن هؤلاء المفكرين الذين حاولوا التنسيق ما بين الدلائل الفلسفية والوحي في وجود الله وجوهره قد تمادوا في هذا العمل لأن تأملاتهم لا تخضع للبرهنة.

 

إلا أن العلم، من ناحية أخرى، يمكن البرهنة عليه؛ ولهذا، يقول محمد عبده انه يمكن الجمع ما بين العقل والوحي، فالعلم مساو للعقل. ويرفض محمد عبده فكرة القدرة الإنسانية على التوصل إلى جوهر الله ويتبع الحجج التقليدية لعلم الكلام عن جوهر الله وصفاته. وهكذا، فإن رسالة التوحيد ما هى إلا رسالة مبسطة لمقالات علماء العصور الوسطى عن علم الكلام. فشرح محمد عبده هو تقليدي ما عدا في نقطتين : أولاً، رفضه الخوض في خصومات كتابات القرون الوسطى (مثلا، هل صفات الله جزءاً من جوهر أم لا؟). وثانياً، قوله ان الإسلام والعقل لا يتناقضان. أما النقطة الأولى فقد تكلم فيها الإمام الغزالي الذى يقول في تهافت الفلاسفة ان هذا النوع من النقاش عقيم لأن الإنسان لا يمكنه معرفة ما إذا كانت صفات الله جزءاً من جوهره. أما النقطة الثانية فهى مقولة الفلاسفة الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد والمتكلمين مثل الأشعري والباقلاني. وعليه فما قام به محمد عبده وغيره من المفكرين المعاصرين هو إعادة هذه الفكرة كموضع مهم في الدوائر الفكرية على أنه اجتهاد. إلا أنه ليس هناك خطأ في هذا العمل. كما يجعل الأفغاني العلم المعيار النهائي ليس فقط عند غموض القرآن الكريم ولكن أيضاً عند معارضة القرآن للعلم. فبما أن القرآن الكريم يعطي مبادئ عامة فيجب عليها أن لا تعارض مبادئ العقل وانجازات العلوم. فالتفسير أو التأويل أو إعادة التفسير والتأويل هى الطريقة المثلى لحل التناقض ما بين العلوم والشريعة (الأفغاني، ص. 440-441).

 

ويؤدي تأكيد العلماء المسلمين المعاصرين على أهمية العلم في صحة تفسير الوحي إلى رفض المفاهيم التقليدية والفلسفية والفقهية وتفسيرات علماء الكلام وإلى تقبل فلسفات وتفسيرات جديدة قائمة أساساً على العلوم الحديثة. وبطريقة أخرى، تقوي أقوالهم أعمال القادة والمفكرين العلمانيين في محاولتهم لتشييد مجتمع قائم على العلوم الحديثة. فقد أدت نظرية المصلحين إلى النظر في المفاهيم الدينية والفلسفية بحثاً عن شرعيتها في العلوم الحديثة. إلا أن هذه العلوم، على افتراض صحتها المطلقة والدائمة هى غير قادرة على تزويدنا بعلم ما وراء الطبيعة والأخلاقيات. وعلاوة على هذا، ومن منطلق إسلامي، فالله تعإلى ليس بجسد أو في جسد، ولهذا فلا فرق في تفسير آية الضوء على انها بمعنى كلية وجوده أو اطلاق وجوده. فإن المبادئ الأخلاقية التى تتطلب وجوب طاعة الله، مثلاً، لا تتغير؛ كما انها ليس لها أي تأثير على الفهم الميتافيزيقي لوجود الله. فإذا ما سافر الضوء في جزئيات أو في خطوط مستقيمة، فليس لهذا علاقة بجوهر الله وصفاته أو القوانين الأخلاقية. ففي الإسلام، الله ليس كمثله شئ ووجوده ليس مقيداً بحد زماني أو مكاني.

 

وعليه، وبما أن العلوم الحديثة تقوم بدور تأسيسي في نظر المصلحين في علم الكلام، فإن فكرهم قائم جزئياً على أساس غير ثابت وغير أمين.

 

وبالرغم من اعتراضاتهم، يتقبل المفكرون المعاصرون الفكر الغربي الحديث القائم على العلوم عن طريق اخضاع تفسير القرآن الكريم والدين للعلوم وللاكتشافات العلمية. ومن هذا المنطلق، يجب رؤية اعتراضاتهم على فكر العصر الوسيط، فإنهم يخضعون الفلسفة القديمة وفلسفة العصر الوسيط وعلم الكلام إلى معايير العلوم التجريبية. فقد أحلوا فلسفة العلوم مكان الفلسفة التأملية التى اعتمد عليها مفكرو العصر الوسيط لشرح أفكارهم. إلا أنهم في الحقيقة قد أشادوا مقياساً غير ثابت لتفسير الوحي مما يعكس عدم قدرتهم على استيعاب مضمون العلوم، فهم لم يتمكنوا من معرفة ان العلم ذو طبيعة توفيقية (أو تقريبية)، فإن ما يمثل نظرية سليمة في أيامنا هذه يمكن ان يصبح نظرية خاطئة أو غير مفيدة. فإذا ما كانت نظرية العلم الحديث قائمة على نظرية الذرة Atom ربما تظهر في المستقبل نظرية أخرى؛ فهل من المعقول تغيير فهمنا للوحي كلما تغيرت العلوم؟ أي هل هناك فهم خاص للوحي؟ يقول إقبال، مثلاً، إن علينا إعادة كتابة علم الكلام الإسلامي على أساس معطيات العلوم الحديثة. فيعطي المثال الآتي : في القرآن الكريم آيات حيث أن الله يمثل بالضوء. وقد جرت العادة على تفسير هذه الآية على أنها الحضور الدائم Omnipresence، إلا أن إقبال يعتقد أنها تعني المطلق Omnipotence بسبب الاكتشافات الحديثة في الفيزياء. يقول أن الفيزياء أثبتت أن سرعة الضوء لا يمكن تجاوزها وهى مشاهدة بنفس الطريقة من كل الناظرين. وبما أن الضوء هو المنهج الأقرب إلى المطلق، فإن استعارة الضوء في القرآن الكريم يجب فهمها على أنها افتراض إطلاق وجود الله وليس كلية وجوده. ويصب نقد الأصولية للإصلاحية في هذا الموضوع بالتحديد. فبينما تعتبر الأصولية ان الفكر في العصر الوسيط كان غير نافع للإسلام يمتدح، سيد قطب مثلاً، جهود بعض المفكرين المعاصرين وعلى رأسهم محمد عبده ومحمد إقبال. وبالرغم من اعتراف سيد قطب، مثلاً، بعظمة أعمال محمد عبده ومحمد إقبال، فإنه يجعلهما هدفه في انتقاد الفكر الإسلامي الإصلاحي المعاصر، ويرى أن إقبال ومحمد عبده كانا ضحية دفاعهما عن الإسلام. والموضوع الأساسي الذى يتخذه سيد قطب لمهاجمة المفكرين هو اتخاذ العقل كمقياس للحقيقة عند محمد عبده واستعارة المبادئ والمفاهيم الغربية عند إقبال.

 

فيؤكد لنا محمد عبده، مثلما فعل الفلاسفة المسلمون في العصر الوسيط، على تناسق العقل والوحي، وأساس فكره يقوم على المقولة التالية : إن العقل قائم على الوحي ومدعوم به. كما انه يعتبر أن رسالة الرسل مكملة للعقل، وعليه فالإنسان قادر على اكتشاف، مثلاً، القوانين الأخلاقية بدون مساعدة الوحي. وعلاوة على هذا، فبينما يعزل سيد قطب العلوم عن الوحي، يعيد محمد عبده تفسير الكثير من الآيات القرآنية على ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة. فمشكلة محمد عبده، يقول سيد قطب، انه نظر إلى الوحي والعقل كمتساويين، لا أن الواحد منهما تابع للآخر. فدور الوحي عند محمد عبده ليس هو تصحيح وتوجيه المعرفة، أي أنه يساوي ما بين العقل والوحي متناسياً أن العقل المجرد لا يوجد في عالم الواقع بل في عالم الخيال والنظريات (سيد قطب، ص. 20- 23 و 63).

 

وكما هو الحال مع محمد عبده، لا يوفر سيد قطب محمد إقبال من النقد. إلا أنه يبرر انحرافات محمد إقبال لأسباب اجتماعية وسياسية، فقد عاش إقبال في بيئة من التيه الفكري. وعندما أراد أن يخلص المسلمين من الضياع الفكري في العقل والفكر الإسلامي وان يواجه الفكر الغربي في مذاهبه التجريبية والموضوعية حاول أن يظهر الأسس التجريبية في الفكر الإسلامي. وفي كلام آخر، حاول أن يؤسس الفكر الإسلامي على أسس الفكر الغربي الحديث إلا انه مخطئاً في محاولاته لصهر المفهوم الإسلامي في نماذج فلسفية مشتقة من الهيجلية والعقلانية المثالية وغيرها.

 

يقول إقبال في كتابه تجديد الفكر الديني في الإسلام أن النفس المطلقة Absolute Ego هي الواقع الكامل Whole Reality، فمن هذه النفس المطلقة تنشأ النفوس الإنسانية، فالنفس المطلقة تُدعى الله وهو اسم علم لها مما يؤكد فردية هذه النفس. وفي كتابه أسرار النفس، وهو كتاب كتب أصلاً في الفارسية، يقول إقبال أن العالم نشأ في النفس المطلقة (الله) وان استمرار حياة الأفراد تتوقف على هذه النفس. ويعبر عن رأيه أن الحياة تنشأ عن وجود الرغبات وإخراج هذه الرغبات إلى حيز الوجود. إلا أن هذه المحاولة للتركيز على النفس الفردية، يقول سيد قطب، أدت إلى المبالغة؛ فقد فسر إقبال بعض الآيات القرآنية بطريقة تأباها طبيعتهم ومخالفة للمفهوم الإسلامي من أجل البرهنة على أن الموت لا ينتهي بعقاب أو ثواب نهائي. فرأي إقبال، مثلاً، إن الجنة والنار ما هما إلا حالات states وليستا بمكانين. فالنار هي التحقق المؤلم لفشل الإنسان كإنسان، وهى، أي النار، طريقة تصحيحية ربما تؤدي إلى تقليل عدم حساسية النفس بما تنفحه الرحمة الإلهية. فليس عند محمد إقبال ما يشبه كاللعنة المؤبدة أو العقاب الدائم في الإسلام، كما أن الجنة هي السعادة بالنصر على قوى التشتت.

 

المبادئ السياسية

وبما أن المصلحين المسلمين لم يرفضوا الغرب كله ولكن بعض فلاسفته، فإنهم قد ثبتوا وقبلوا العديد من النظريات السياسية الغربية، كمبدأ الجمهورية. ولهذا السبب لم يحاول المصلحون أن يقدموا نظرية سياسية جديدة، لأنهم اعتقدوا أنها توجد في مكان آخر، وكل ما هنالك هو نقلها إلى البيئة الإسلامية. وهذا لا يعني أنهم لا يقدمون مبادئ سياسية ولكنه يعني أن تعاليمهم لم تصبح نظرية سياسية متكاملة وجديدة. فان فكرهم السياسي ذو طبيعة مجزأة أعلنت وقدمت من أجل أهداف سياسية مباشرة. بالإضافة إلى ذلك، وبالرغم من أن المصلحين هاجموا التقليديين فإنهم لا يرفضون التقاليد بحد ذاتها. فبسبب فهمهم أن الطريقة المثلى للتوصل إلى النهضة جائزة عن طريق دمج التقاليد الإسلامية والغربية، فإنهم ركزوا جهودهم على التنسيق ما بين الدين والعلوم؛ فاحترامهم للتاريخ كان عظيماً مما أدى إلى التعلم وقبول العديد من فوائد الغرب والإسلام.

 

إلا أنهم لم يوجدوا نظرية سياسية متكاملة، مثلاً، عن العدالة الاجتماعية أو التوحيد أو المبادئ السياسية كالتشريع والمساواة وغيرها. فقد صبت محاولاتهم على إحياء الجو الفكري في الأرض الإسلامية أولاً، وعلى الأمور السياسية، ثانياً. وبكلمة أخرى، فإن تعاليمهم السياسية هي نتيجة مزاجهم الفكري، وبسبب قبولهم لأفكار فلسفية غربية فانهم لم يتورعوا عن قبول النظم السياسية الغربية.

 

لقد حاول المصلحون المسلمون أن يشنوا حملة ذات هدفين : الهدف الأول هو إظهار الأسس التقدمية للإسلام من أجل البرهنة على أن الحرية والعدالة وازدهار الإنسانية هي في جوهر الإسلام. أما الهدف الثاني فهو الدعوة إلى إعادة تقويم أسباب الجمود في الأمة الإسلامية.

 

انصب اهتمام الأفغاني على إعادة بعث تعاليم السلف الصالح واستمراريته وتجديده وتغيره. فقد كان يهدف إلى إعادة المصير الحقيقي للأمة بعد تطورات مخيفة وغريبة. كان الأفغاني يعتقد أن الدمار السياسي للعالم الإسلامي سيؤدي إلى دمار حياته الفكرية التى ربطت الأمة ببعضها (Muhsin Mahdi: 105).  كما حاول الأفغاني والمصلحون الآخرون أن يقللوا من الواقع التقليدي والمحافظ عند رجال الدين (Hamid Enayat: 15). لهذا أكدت الحركة الإصلاحية على ضرورة كسر الواقع ورفض تعاليم العصور الوسطى وواقعيتها مما أدى إلى نقد الماضي والحاضر.

 

إلا أن الأفغاني قبل الخلافة حاول توحيد المسلمين تحت رايتها بالرغم من اعتقاده أن أفضل أنواع الحكومات هي الحكومة الجمهورية وذلك بسبب تخلف المسلمين وعدم قدرتهم على حكم أنفسهم. وعليه يدعو الأفغاني ومحمد عبده المسلمين إلى نبذ أي ارتباط بينهم ما عدا الدين، فإذا ما تمكن المسلمون من تخليص أنفسهم من مخالب المستعمرين وعادوا إلى دينهم القويم، فإنهم سيتمكنون من التقدم. فعلى المسلمين التزام الأخلاق والفضيلة ونبذ النفاق والتملق.

 

ويرى الأفغاني أن حركة التاريخ هي الصراع ما بين القديم والجديد، ما بين التقليد والتقدمية، وما بين الدين والمادية. ولقد قادته عقلانيته على رؤية الدين على أنه المكون الأساسي للأخلاق والحضارة الإنسانية. ولهذا، ليس سبب تأخر المسلمين هو الإسلام بل المسلمين أنفسهم. ولقد رأى الأفغاني أن عليه إعادة تقييم التاريخ، فعزى إرجاع الخلاف بين المسلمين الشيعة والسنة إلى خداع الملوك. ولذلك، أصر الأفغاني على توحيد شاه إيران والخليفة في اسطنبول، وهذا أدى بالأفغاني إلى فتح باب الاجتهاد. ويهدف هذا الاجتهاد إلى التوصل إلى حقيقة الإسلام وإلى رفض الحتمية.

 

ولقد اعتبر الأفغاني الإسلام كأساس التطور عند المسلمين. ولهذا، كان من واجب المسلمين العمل على تحقيق التقدم وتطويره. فلقد اتفق محمد عبده والأفغاني على أن الإسلام هو ضروري من أجل الإصلاح والتقدم. ولقد رأى الأفغاني أن دور الدين هو أساس زرع المجتمع الإسلامي والقوة الباعثة إلى البحث عن الأفضل.

 

وبالرغم من أن الإصلاحيين أرادوا مقاومة الغرب، إلا أنهم اعتقدوا انه يجب تقليده على انه نموذج التطور والتقدم. ولهذا، حاولوا شرح الإسلام من وجهة نظر المدنية. ولذلك عارض الاصلاحيون الحكم الاستبدادي، من حيث المبدأ واعتقدوا أن تطبيق القانون هو أساس الحكم كما رأوا انه يجب الوقوف ضد الحكومة الظالمة. فعلى الخليفة ان يتبع القانون ومشاورة المسلمين لأنه ليس أكثر من موظف يقوم بأعباء حماية وتطوير المسلمين، لأنه ليس لديه أي سلطة دينية بالمعنى التشريعي فليس لديه أي صفة كهنوتية.

 

وكذلك اعتقد هؤلاء بوجوب تحقيق وحدة الأمة وجعل الدين محور الأخلاق. وبما أن الإسلام هو دين ونظام عالمي، فإنه لا يحدد نظاماً سياسياً معيناً بل يدعو إلى التقدم. فالإسلام ليس سبب تأخر المسلمين، ويكمن السبب الحقيقي في سلوك المسلمين أنفسهم. أما محمد إقبال فكان لا يرى إمكانية تحقيق تغير أساسي في أوضاع العالم الإسلامي ما لم تكن نتيجة نهضة فكرية وسياسية.

 

أما على شريعتي فيرى أن الإسلام هو أول مدرسة فكرية اعتبرت الناس على أنهم الأساس والعامل المحدد لسير التاريخ. فالصراع بين قابيل وهابيل هو صراع بين طبقتين، طبقة التوحيد وطبقة الكفر. والحياة هي صراع بين أولئك الأفراد الذين يملكون الثروات ويملكون مصائرهم ويملكون حياة الآخرين وبين أولئك الذين لا يملكون مصائرهم.

 

فالتغيرات الاجتماعية ليست نتائج لأعمال فردية بل هي نتيجة التغير الكامل في المجتمع ككل. فكل القضايا الاجتماعية تتعلق بقضايا الناس. فعند القول إن الحكم لله فهذا يعني أن الحكم للناس وليس فقط لهؤلاء الأشخاص الذين يجعلون أنفسهم ممثلين عن الله. وعندما يقال إن الدين لله، فمعنى هذا أن الملك يخص الناس ككل. وعندما يقال إن الدين لله فمعنى هذا أن كل محتوى الدين وتركيبته هما للناس وليسا حكراً على مؤسسة معينة أو على رجال الدين.

 

فليس التوحيد مفهوماً ميتافيزيقياً فقط، بل هو أيضاً مفهوم سياسي وأخلاقي واقتصادي. فهو يمثل نظرة علمية توحيدية، فالإسلام يرفض التميز بجميع أنواعه، سواء على الصعيد القضائي أو الطبقي أو الاجتماعي أو السياسي أو العنصري أو القومي. فالتوحيد ينفي كل أنواع الشرك ويبحث عن حركة متناسقة نحو الوحدة.

 

وفي النهاية، فمفهوم التوحيد عند المصلحين لهو أكثر ملائمة من المفهوم التقليدي والأصولي. فبالرغم من انهم رفضوا مصداقية علم الكلام، فقد تقبلوا مبدأ الفلسفة (أي إطلاق في البحث عن الحقيقة). فقد تفهموا، على الأقل، أن المشاكل التى يعاني منها الفكر الإسلامي المعاصر ليست وجود الفلسفة وعلم الكلام، بل في غياب التنمية وفي التأخر والجمود الفكريين في العالم الإسلامي، فقد عزوا تأخير المسلمين إلى إهمال التحديث في الفكر والعلم. إلا أن مشكلتهم الأساسية أنهم لم يتمكنوا من تقديم نظريات جديدة ومتكاملة واكتفوا بتعليقات عامة لم تصل إلى حد أيديولوجيا متكاملة أو فلسفة تأسيسية. فالمفكران اللذان حاولا كتابة الفلسفة، أي محمد إقبال وعلى شريعتي، كتبا فقط بعض المقالات الفلسفية لم تصل إلى حد المنهج الكافي.

 

 

 المراجع

الأفغاني، جمال الدين، الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة، ج 2، الكتابات السياسية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1980.

الأفغاني، جمال الدين، العروة الوثقى، دار العرب، القاهرة 1957.

رضا، محمد رشيد، تاريخ الأستاذ محمد عبده، القاهرة 1931.

دنيا، سليمان، محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين، القاهرة 1958.

عبده، محمد، رسالة التوحيد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1981.

عمارة، محمد، الإسلام وفلسة الحكم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1981.

قطب، سيد، خصائص التصور الإسلامي.

Badawi Z. 1976, The Reformers of Egypt, London: Croom helm.

Butterworth C. 1982, 'Prudence Verses Legitimacy', In: A. Dessouki (ed.), Islamic Resurgence in the Arab World, Praeger Publishers.

Enayat H. 1982, Modern Islamic Political Thought, Austin: Texas University Press.

Fakhry M. 1970, A History of Islamic Philosophy, New York: Columbia University Press.

Cibb H.A.R. 1947, Modern Trends in Islam, Chicago.

Iqbal M. 1960, The Reconstruction of Religious Thought in Islam, Lahore: Ashraf.

Mahdi M. 1972, 'Islamic Philosophy in Contemporary Islamic Thought', In: God and Man in Contemporary Islamic Thought, Beirut: American University.

Rahman F. 1982, Islam and Modernity: The Transformation of an an Intellectual Transition, Chicago: The University of Chicago Press.

Shari'ati A. 1979, On the Sociology of Islam, Trans. A. Hamid, Berkley: Mizan Press.

Shari'ati A. 1980, Marxism and Other western Fallacies, Trans. R. Campbell, Berkley: Mizan Press.

 

علم الأحياء ومعنى الحياة |  السلفية الإسلامية | السلفية الإسلامية الجديدة | منتدى الحوار - الإسهامات