| Copyright © 2005 ArkamaniNewCush Page All rights reserved. |
© كافة حقوق الطبع محفوظة 2005 أركامانى صفحة كوش الجديدة |
السلفية الإسلامية
سالم حميش
نقلاً عن الموسوعة الفلسفية العربية، المجلد الثاني، الصفحات 733- 738
رئيس التحرير د. معن زيادة
الناشر معهد الإنماء العربي 1988
سلف في لسان العرب : تقدم. والسلف والسليف والسلفة : الجماعة المتقدمون. وقوله عز وجل : ]فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين[. أما كلمة سلفية التى هى حديثة الوضع فمعناها العام يطلق على كل دعوة الى الاقتداء بالسلف الصالح والتمثل به في العبادات والمعاملات. وقد تخصص ذلك المعنى خلال النصف الثاني للقرن التاسع عشر فعنى فكرة مدرسة المنار ومواقفها، وعلى رأسها الشيخ محمد عبدة 1849- 1905، والسيد جمال الدين الأفغاني 1838- 1897.
السلفية بالمعنى الخاص هى هذه الأيديولوجيا الأصولية الإسلامية التى تقوم بإعادة تقييم وتنشيط ماضي السلف، قصد الاجابة على حاجيات وطموحات الحاضر. ويمكن أن نصف قوامها الفكري حول قضيتين رئيستين متلازمتين : إبطال التقليد، فإعادة فتح باب الاجتهاد.
إذا كان يجدي تحليل الاجتهاد عند محمد عبده انطلاقاً من أهدافه المترسمة، قلنا بأن الصراع ضد التقليد يكون حجر الزاوية في أعماله. فصوته ارتفع، كما يتصور، لتحرير الفكر من ربقة التقليد وفهم الدين كما فهمه السلف... بل ان صاحب الصوت يذهب الى حد تبني موقف يذكر بموقف أخذخ الفيلسوف "الزنديق" أبوبكر الرازي ضد معاصره أبوحاتم الرازي الاسماعيلي " "صرف [الإسلام] القلوب عن التعلق بما كان عليه الآباء وما توارثه عن الأبناء، وسجل الحمق والسفاهة على الآخذين بأقوال السابقين ونبه على أن السبق في الزمان ليس آية من آيات العرفان، ولا سيما لعقول على عقول ولا لأذهان على أذهان. وإنما السابق واللاحق في التمييز والفطرة سيان، بل للاحق من علم الأحوال الماضية واستعداده للنظر فيها والانتفاع بما وصل إليه من آثارها في الكون ما لم يكن لمن تقدمه من أسلافه وآبائه" (محمد عبده، 1966 ص. 147).
الإسلام الحق يتموقع إذاً خارج التقليد وضده، "ألم يأت" لمناهضة روح الاتباع والمحاكاة العمياء عند المشركين واليهود والنصارى ولإبطال تقديسهم للآباء والأجداد؟ ويحتج محمد عبده بالآية 170 من سورة البقرة ]وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون[.
في كتابات الشيخ كما في إصدارات المنار عموماً تتردد بكثرة عبارة وجاء الإسلام، دالة على أن الدين الجديد، وقد نسخ الأديان السابقة وكشف عن الخلل في تقاليدها، أراد ان يحدث قطيعة أو فرقاناُ في تاريخ الإنسانية بحيث يدشن عهداً جديداً، هو عهد التجديد والاجتهاد والتدين المتفتح.
لكن هل عمل المسلمون على تحريك وإثراء هذه الطاقة البدئية في الإسلام؟
يسم مؤسسو السلفية عموماً لحظة انسداد الاجتهاد وتفشي التقليد عند نهاية تأسس المذاهب الأربعة. ويكتب رشيد رضا واصفاً "ولما كثر القول بالرأي قام أهل الأثر يردون على أهل الرأي وينفرون الناس منهم، فكان علماء الأحكام قسمين : أهل الأثر والحديث، وأهل الرأي، وكان أئمة الفريقين من المؤمنين المخلصين، الناهين عن تقليد غير المعصوم في الدين، ثم حدثت المذاهب، وبدعة تعصب الجماعة الكثيرة للواحد، ونشأ بذلك التقليد بين الناس، فضاع العلم من الجمهور بترك الاستقلال في الاستدلال، فكان هذا أصل كل شقاء وبلاء لهذه الأمة في دينها ودنياها" (رشيد رضا، 1977، ج7، ص. 143).
وهكذا يكون اغتراب اندفاعة الفكر والإبداع الأولى في المعاد المكرور والحواشي هو علة الركود الثقافي الذى عرفه العالم الإسلامي طيلة عهود انحطاطه.
كان الغزالي وابن تيمية هما أيضاً يناهضان التقليد، الأول لكي يمارس المؤمن وظيفته كمؤمن بالاختيار والتقدير في الظنيات، والثاني لكي يعود السلف الى تحمل مهام المدينة. لكن رغم ذلك، ظل هذا الأخير حنبلياً، وكان الآخر شافعياً. أما الإمام محمد عبده، فإنه يزيد خطوة، مقترحاً تقليداً يعلو على كل تقليد بحيث يتوجه الى النبي الأمين المعصوم الذى لا ينطق عن هوى. ودون هذا التقليد أو داخل المذاهب الفقهية والطرق الصوفية لا يكون التقليد إلا تعتيماً لروح الإسلام الصافية.
كل هذا النقد السلبي اللاذع للتقليد يتأتى عنه إعلان معاودة النشاطات الفكرية، وبالتالي تحرير الاجتهاد.
الاجتهاد عند السلفية هو روح الدين، بحيث ان انطفاء جذوته يؤثر سلباً في كيان الدين نفسه. لكن ماذا أصبح يعنيه الاجتهاد لدى منظري السلفية؟
يعطي تفسير المنار بدءاً تعريفاً بالسلب قابلاً للطعن والإبطال، وهو الاجتهاد في المذهب الذى يعتبره نوعاً من الشرك. فهل لنا من حاجة الى وسطاء لمعرفة الحلال والحرام وما تقره الأصول البينة؟ أما التعريف بالايجاب، وهو وظيفي، فيقول "وإنما اباح لنا [الشارع] الاجتهاد لاستنباط ما تقوم به مصالحنا في الدنيا" (المرجع نفسه، ج3، ص.328). وبهذا يكون التعبير عن بذل الجهد في تكيفنا مع العالم ونشر العلم ونصرة كلمة الله.
فقد يكون الآن من اللازم ضبط استعمال ومآل التصور السلفي للاجتهاد، اعتباراً للمحيط السوسيو- سياسي القائم. وعلى هذا النحو يتيسر لنا تقييم أصالته في حدودها الحقة.
1- ليست الحركة السلفية لهذا العهد ظاهرة معزولة أو فريدة في تاريخ الإسلام، بل إنها تلتقي مع هذه المذاهب التى عرفها ذلك التاريخ في فكر الغزالي وابن تيمية وغيرهما. وقد يهمنا أن نعرض أس تلك المذاهب المشترك.
حيال نظام الإسلام التأسيسي الأصلي تعبر الحركات الأصولية عن نفس الموقف الداعي الى استبطانه وفرضه لا كمجرد حالة تعبدية أو كقضية بين الفرد ومولاه، بل كأرضية حاسمة ومدخل رئيس للعالم الدنيوي. ولامداده بوجود أقوى في الزمن الراهن، تحمل أتباع تلك الحركات واجب تجديد وإنعاش أسسه. وهكذا تم إعلاء النصوص المؤسسة الى مصاف نظم العلامات والآيات التى يتعمق معناها عند كل منعطف وكل وضع صراعي لتنتهي الى تشكيل لغة فوق اللغة ومرجع مركزي متسيد.
هذا الاتجاه لتلك الحركات قد أخذ شكلاً حاداً ومتميزاً مع السلفية بسبب التقلبات والتغيرات الطارئة في العالم المعاصر. فلنحاول في عجالة وصف موقف السلفية وأشكال اختياراتها النظرية.
1- رفض التاريخية
نقد السلفية للهرطقات وللكلام له دلالة بينة. فهو يؤدي بالفعل وظيفة تطهيرية بخصوص نبت التاريخ السئ ومعاطبه. فمحمد عبده على رأس السلفية لا يقوم إلا بإعادة طبع الحس اللاتاريخي مطعماً بمعطيات وظروف جديدة، ذلك الحس الذى يمكن معاينته عند منظريه كالغزالي وابن حزم زابن تيمية على وجه الخصوص.
شعار "الرجوع الى السلف" المتبنى بقوة وحماس من طرف الاصلاحيين الإسلاميين لهذا العصر هو تعبير عن إرادتهم في إحداث اختزالات تاريخية ضخمة تنتهي بهم الى الأخذ بما يشكل لديهم الأصل والجوهر. فهم وقد أطلقوا القرائح لعملهم التطهيري، يعزلون التأويلات المذهبية ويذمونها ويحكمون على تراكم التسربات الإنسانية في المنزل لا كشهادات على مختلف الأزمنة التاريخية وعلى مأساة باطنة، بل كنبت طفيلي ومضل. وهكذا نرى محمد عبده يناهض هؤلاء الذين يفضلون "كتب الأموات على كتاب الله"، ويشهر بالذين يلحقون تعاليمهم بالتعاليم الإلهية...
إذا قيمنا الاختزال السلفي من الوجهة التاريخية، فإنه لن يتأخر في الظهور كتحكم ذهني حقيقي. وهذا التحكم هو عموماً شكل كل فكر يسعى الى اقتطاع وإعلاء لحظة من مسلسل تاريخي بإنكار المسلسل جملة وتحويله الى ظلمة وهباء منثور... ويقوم ذلك التحكم ضد التاريخ على منطق بسيط يمكن أن يكتسي شكلاً قياسياً، هو:
- نظام التأسيسية الأصيلة (أو إسلام السلف) هو المصدر المرجعي الذى لا بديل له، والنموذج القيم الأعلى لسلوكاتنا التكيفية في العالم الحديث. فلكي نحافظ على تلك التأسيسية على نقاوتها البدئية، علينا بتذكرها أحسن تذكر.
- غير ان التاريخ بمحنه وملابساته ما فتئ يظهر لنا شتى أصناف الغريب والبدعة ويعكر صفو هويتنا ويدفعنا الى صغائر الحياة اليومية والممارسات اللادينية.
- إذاً لنضعف كل احساس تاريخي ولنستعد ذاكرتنا الأصيلة، إن كنا نرغب في الحياة الصادقة المثلىز
ومن ثمة فالماضي لا يعود في ذاته، بل إن العلم به منبنٍ ومقام هنا والآن، حسب مطالب الحاضر وطموحاته.
ترى في آخر الأمر أن التحكم السلفي إن هو في الحقيقة إلا رد فعل ضد التاريخ الذى يجتهد في إبعاد الأصول وتلويث الذاكرة.
إن الخطاب السلفي الأصولي اللاتاريخي الداعي الى التمثل بالسلف مع خرق حواجز التاريخ وتراكماته، هذا الخطاب قد وجد نفسه على المسرح السياسي في مواجهة حادة مع الخطاب القومي القائل بالمنطق التاريخي والنضال المباشر. وفي تاريخ مصر المعاصر تجسدت تلك المواجهة بين سلفية محمد عبده الاصلاحية وبين المشروع القومي الثوري، أو، حسب تسميات اللورد كرومر في كتاب مصر الحديثة، بين الجيرانديين، أصحاب الوقائع المصرية (محمد عبده، وزغلول، مناصرو رياض باشا رئيس الحكومة في عهد الخديوي توفيق، وبين اليعقوبيين، العرابيين ثم الكامليين) هذا رغم أن الشيخ محمد عبده، بعد احتدام الثورة العرابية قد آثر اللحاق بها رغم قناعته الاصلاحية العميقة.
2- اختزال السوسيو- سياسي في الأخلاقي - الديني
الفكر السلفي هو بلا حجاج فكر ديني في الجوهر. العنصر المحرك في كل مشروع إصلاح مجتمعي وعموماً في كل نهضة هو الدين : "لأن جرثومة الدين [كما يكتب عبده والأفغاني] متأصلة في النفوس بالوراثة من أحقاب طويلة، والقلوب مطمئنة إليه وفي زواياها نور خفي من محبته، فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا الى نفخة واحدة يسري نفثها في جميع الأرواح لأقرب وقت، فإذا قاموا لشؤونهم ووضعوا أقدامهم على طريق نجاحهم وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب أعينهم فلا يعجزهم بعد أن يبلغوا بسيرهم منتهى الكمال الإنساني" (الأفغاني وعبده، ص.61).
غير أن الصعوبة الرئيسة أمام فكر السلفيين تكمن في معالجتهم لمسائل حاسمة من هذا النوع : كيف يتسنى عملياً وموضوعياً الرجوع الى السلف؟ كيف يمكن أن تقوم في عصرنا حكومة على غرار صورة الخلافة الراشدية؟ وقد أجاب الشيخ المفتي على هذين السؤالين بطريقة تمزج بين مثالية دينية مجردة وحذر سياسي مفرط.
تظهر آثار تلك الصعوبة عن كثب في أقوال محمد عبده حول المسألة القومية. فهو يعتقد بأن "استقراء حال الأفراد من كل أمة واستطلاع أهوائها يثبت لجلي النظر ودقيقه وجود تعصب للجنس ونعرة عليه...". ولكن محمد عبده يعتقد أن القومية ليست طبيعية، و "إنما هى من الملكات العارضة على الأنفس ترسمها على ألواحها الضرورات. فلو زالت الضرورة لهذا النوع من العصبية تبع هو الضرورة في الزوال..." (المرجع نفسه، ص. 49). وفي الإسلام "استغنت [الأنفس] عن عصبية الجنس لعدم الحاجة إليها فأمحي أثرها من النفوس". والاستغناء يتم للدولة "بالسير على نهج الخلفاء الراشدين والرجوع الى الأصول الأولى في الديانة الإسلامية القوية. ومن سيرة هذا تنبعث القوة وتتجدد لوازم المنعة". أما عملياً، فسيمكن تجاوز الجنسية، حسب هذا التصور، بأعمال الدعاة الضاربين في الأرض لنشر العصبية الإسلامية التى هى وحدها مصدر الوحدة والاستنهاض... وواضح من هذا أن محمد عبده وهو تركماني من جهة أبيه لم يكن ليناصر القوميات، اللهم إلا إذا انصهرت وتوحدت في حركة إسلامية الروح والاتجاه.
قد ذهب بعض معارضي محمد عبده، كالصحافي السوري أديب اسحاق وزعيم الحزب الوطني مصطفى كامل، الى أن تصور وحدة المسلمين عند الشيخ ينم عن سوء إدراك للمشاكل الحقيقية، وبالتالي عن تهافت في طرحها بعبارات متقادمة لم تعد هى عباراتها. وكيفما كانت صحة هذا الحكم فإن الوقائع قد أتت مرة أخرى لتعيق طموحات محمد عبده وتخيب آماله. ففي فترة عزلته عن السياسة لم يعد يأمل كثيراً في إمكانيات توحد الأمة عبر حكوماتها ولا في إعادة إقامة إسلام السلف ديناً للأمة، ولا حتى في اصلاح جامعة الأزهر. فبعض اعترافاته لا تخفي يأسه، وهو القائل في رسالة الى الأفغاني : "فقد تغلب أعوان الشر وأنصار السوء، بقوة جاههم، وشدة بأسهم، فأرغموا العقول على الاعتقاد بالمحال، وألجأوها للتصديق بما لا يقال [...] غلبنا على الأمر قطاع طريق الخير، اللابسين ثياب الأنبياء المالكين مذاهب الجبارين، انتحلوا طريقتنا في الدعوة الى الحرية وتمكنوا بقوة السيف وضعف الحكومة من اقناع العامة بكونهم دعاة الحق وحماة القانون، وكانوا في بداية أمرهم أشد الناس تعصباً عليك وعلى تلامذتك، وأشد معهم في التعصب أولئك الأشرار الذين قدمنا ذكرهم.." (محمد عبده، 1972، ص. 575- 576). ويقصد هنا بالكلام دعاة الحركة الوطنية الذين كان الشيخ يرميهم بالتهور، ويمونه بالزيغ عن الوطنية لأنه يشايع الإنجليز ويتخذ كرومر عوناً له.
مع السلفية، تعدى الاجتهاد معانيه التقليدية، الفقهية والكلامية. لقد صار مفهوماً اجرائياً متعدد الوظائف، يتدخل في مواضيع ومستويات شتى، فينسحب على طلب المجهود لاسترجاع الأصالة وتحقيق المعاصرة. لكن رغم كثرة هذه الوظائف، فإن غايتها يمكن ان تتحدد في عنصرين:
أولاً، ارجاع الإنسان المسلم الى هويته الأساسية
يتعلق الأمر إجمالاً بإنارة بواطن المؤمنين وربطها بأوامر التجانس والوحدة. ولايجاد الهوية المشتركة العميقة، لا بد للتناقضات أن تلين وتتبخر. فليست هناك بين الناس فروق طبقية بل في الفضيلة والتقوى. أما التفاوتات المادية في المداخيل والأرزاق، فهي عرضية وثانوية، إذ يمكن تقليصها بإحياء مبادئ الاخوة والرحمة في الإسلام وإعادة خلق الإنسان المسلم ذى الجسم أو البعد الواحد... هكذا إذاً يجري هذا التصور وكأن ما يربط بين أعضاء الأمة ليس علاقات إنتاج، بل روابط الدم والقرابة.
إن عمل دمج الجماهير الإسلامية وتوحيدها لا يتأتى إلا باجراء عمل تربوي وبيداغوجي مكثف. هذا العمل، حسب تقدير محمد عبده، قد لا يتطلب إلا خمس عشرة سنة، لا سيما إذا أجري تحت رعاية استبدادية متنورة : "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل، مستبد يكره المتناكرين على التعارف، ويلجئ الأهل الى التراحم، ويقهر الجيران على التناصف. يحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة، إن لم يحملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة. عادل لا يخطو إلا ونظرته الأولى الى شعبه الذى يحكمه، فإن عرض حظ لنفسه فليقع دائماً تحت النظرة الثانية، فهو لهم أكثر مما هو لنفسه" (رشيد رضا، 1931، ج2، ص. 390). وفكرة "المستبد العادل" هذه، عند محمد عبده، تمثل الحلقة الضعيفة التى استغلها بيسر خصومه.
ثانياً، استيعاب ايجابيات الآخر
الدعوات الى إحياء البنيات الدينية رافقها بنوع من الاعتدال دعوات الى استيعاب ايجابيات الآخر، الذى هو الغرب. حقاً فرض الغرب ذاته على العالم الإسلامي سلبياً، بالقمع وبحد السلاح. غير انه يمثل أيضاً هذه القوة التى استمدت أسباب اشعاعها وانتشارها من نجاحاتها العلمية والتكنولوجية. أما نحن، فما يعرفنا سلباً هو تأخرنا الاقتصادي والعلمي وايجاباً هى مثلنا وعظمة ديننا.
كيف نفسر في المرحلة الراهنة تخلف عالم الإسلام الاقتصادي والعلمي؟ وما الحيلة وما الوسيلة لرفعه، والوقت - حسب تعبير العروة الوثقى - ضيق والخطب شديد؟
تاريخياً، طرح هذا المشكل بحدة كبيرة في البلدان الإسلامية التى تأثرت فيها المؤسسات السوسيو - سياسية والاقتصادية التقليدية بالواقع الاستعماري، فأصبحت في حالة تصدع واندثار. في هذا الوضع التاريخي الملموس، اصطدم الوعي الديني الإسلامي بلا رجعية التاريخ، فأخذ يبرئ ساحة العقيدة بقدر ما يتهم العاملين في المجتمع والسياسة... ويرى هذا الوعي أن ضائقة المسلمين الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن ردها الى تشردهم الديني، أما ان تعزى الى البنية الدينية نفسها، فهذه تركيبة مستحيلة نظرياً واحتمال فاسد عابث.
إن رصد أسباب التأخر يفسح المجال أمام الاقدام على الاصلاحات الضرورية، التى تهدف الى دمج المسلم في هويته المؤسسة وتنشيط النمو الاقتصادي والتقني بالبحث والاختراع والاقتباسات. لهذه الغاية عبأ السلفيون كل الآيات والأحاديث التى تدعو الإنسان الى الانفتاح على علوم الدنيا والسعي الى طلبها ولوفي الصين الخ.
ختاماً يلزم القول بأن السلفية لم تنته بوفاة مؤسسيها، بل انها قد وجدت امتداداتها في المجتمعات الإسلامية، في المغرب مع ابي شعيب الدكالي وبلعربي العلوي والزعيم علال الفاسي، وفي الجزائر مع بن باديس وفي تونس مع سالم بوحاجب وطاهر بن عاشور، وفي الأقطار الإسلامية التى عرفت الاستعمار وخاضت نضالات التحرر الوطني. أما حركة الخوان المسلمين التى ظهرت بدءاً في مصر فيمكن القول بانها قامت على أساس تبني المبادئ السلفية الكبرى وإعادة التفكير فيها قصد بلورتها وتجذيرها. وقد سارت تلك الحركة في اتجاهين متكاملين هما :
- التعميق النظري : إن مؤسسي حركة الاخوان المسلمين، سعياً منهم الى اصلاح معاطب السلفية على مستوى التنظير، شرعوا في تعميق الحركة الإسلامية مع الاستخبار، في حدود الإمكان، حول الحركات الفكرية في العالم المعاصر بما في ذلك الماركسية التى يناصبونها العداء.
- النشاطية العنيفة : إن نوايا محمد عبده التربوية قاصرة والموقف أصبح خطراً ويستدعي الجهاد لاسترجاع مفاخر الإسلام ومهابة الأمة وعزتها، لهذا يؤكد البند الخامس من عقيدة الاخوان المسلمين المجتمعين في مؤتمرهم الثالث "منهاج الاخوان المسلمين : 1) اعتبار عقيدة الاخوان رمزاً لهذا المنهاج؛ 2) على كل مسلم ان يعتقد ان هذا المنهاج كله من الإسلام وان كل نقص منه نقص من الفكرة الإسلامية الصحيحة؛ 3) على كل أخ مسلم ان يعمل على نشر هذه المبادئ في جميع البيئات، وان يتحمس لها تحمساً تاماً. وان يطبقها في منزله مهما احتمل في سبيل ذلك من المكاره؛ 4) كل أخ لا يلتزم هذه المبادئ لنائب الدائرة أن يتخذ معه العقوبة التى تتناسب مع مخالفته وتعيده الى التزام حدود المنهاج. وعلى حضرات النواب ان يهتموا بذلك فإن الغاية هى تربية الأخوان قبل كل شئ" (حسن البنا، ص. 222- 223).
في نقد السلفية
كثيرة هى الانتقادات التى وجهت للسلفية. لكن يحسن التذكير هنا بأشدها وأقساها، أي تلك التى تصدر عن الاختيار اليساري الماركسي والحس العلماني معاً ومفادها:
- إن موافقة الدين للتقدم العلمي لم تظهر أبداً للوعي الإسلامي السلفي بعبارات الأشكال أو الثالث المرفوع. فالحد الأوسط بينها يدرك دوماً ايجابياً، بل حتى يصيغ التلازم والتكامل. غير ان هذا الإدراك لم يفتأ يطور تناقضات داخلية عويصة، حسب حكم معاصري محمد عبده نفسه من معارضين، ومنها على وجه التحديد:
أ- إن تحليلاً بسيطاً لفتاوي محمد عبده - بالأخص المتعلقة منها بالربا وبالتالي بالوضع الشرعي للبنوك وصناديق التوفير وشركات المقاولات - يظهر أن التفتح الذى تحلى به المفتى لمن شأنه أن ينتهي به، في آخر المطاف، الى فسخ التحريم القرآني ورفعه. لذلك لم تحظ أبداص تلك الفتاوي بتأييد غالبية الأوساط الدينية التى كان بعضها يقابلها بالتحفظ أو بالاحتجاج الصريح.
ب- لم يدرك السلفيون قط التناقضات بين التصنيع الناشئ والبنية المجتمعية والدينية القائمة. هذا التناقض الذى يتأتى عنه اضعاف التركيبة الاسروية الأبوية وتهميش المؤسسات التقليدية التى يبغي السلفيون امدادها بالحياة والاستمرارية.
- السلفية كأيديولوجيا الهوية الخالصة مدعوة الى فقدان امتيازها وهيمنتها في المجتمع الذى يصفي الاستعمار ويجرب الاشتراكية اللائكية. ذلك لأن سيطرة تلك الأيديولوجيا لهى، من جهة، علامة على تفسخ الوعي التاريخي، ومن جهة أخرى، دليل على ان التعارض شرق - غرب لم يحل ايجابياً بالاعتراف المتبادل والتبادل المتساوي. فما دام الآخر مفرط الحضور ويرجع بأشكال عدة ليهدد الهوية القومية ويملي عبارات التبادل والتعايش، فإن السلفية كأيديولوجيا أصولية واثبات للذات وثوقي رومانسي ستظل نظام رد الفعل اللائق وبالتالي عنصر تهدئة التناقضات الاجتماعية الداخلية، لفائدة الطبقات المسيطرة والنخب البورجوازية المحافظة.
المراجع
الأفغاني، جمال الدين، الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة، ج 2، الكتابات السياسية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1980.
الأفغاني، جمال الدين ومحمد عبده، العروة الوثقى، دار العرب، القاهرة 1957.
البنا، حسن، مذكرة الدعوة والداعي، بيروت 1966
رضا، محمد رشيد، تاريخ الأستاذ محمد عبده، دار المنار، القاهرة 1931.
رضاء محمد رشيد، تفسير القرآن الكريم، الطبعة الثانية، دار المعرفة، بيروت 1977.
عبده، محمد، الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج 1، "الكتابات السياسية" جمعها وحققها محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1972.
عبده، محمد، رسالة التوحيد، الطبعة الثانية، دار المعارف بمصر، القاهرة 1966.
علم الأحياء ومعنى الحياة | السلفية الإسلامية | السلفية الإسلامية الجديدة | منتدى الحوار - الإسهامات