كوش الجديدة/ قضايا اجتماعية اقتصادية معاصرة

سبتمبر/2004

 

 

 

 

 

 

 

دارفور وضع النقاط على الحروف

- فصل من كتاب تحت الإعداد بقلم الأستاذ/ سليمان حامد الحاج-

 

 

 

 

 

 

 

 

تقديم

يشرفنا في هيئة تحرير الميدان أن نقدم للقراء الأعزاء هذا الجهد، وهو فصل من كتاب تحت الاعداد بعنوان (دارفور... وضع النقاط على الحروف) بقلم الاستاذ/ سليمان حامد الحاج، عضو سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني.

 

الكتاب والفصل الذي بين أيدينا محاولة صادقة، ومساهمة جادة تنبه للمخاطر التي يتعرض لها هذا الجزء العزيز من الوطن. ويجيئ  في وقت وصلت فيه أزمة دار فور أعلى مراحلها حتى تصدرت نشرات الاخبار العالمية، وفي ذات الوقت، لا تزال السلطة واجهزة امنها مستمرة  في محاولاتها لفرض مزيد من التكتم على حقيقة الاوضاع في دارفور.

 

في الكتاب الذي بين أيدينا، لايكتفي - الكاتب- بوصف الأزمة وتسجيلها فقط، وإنما يقدم مقترحات عملية  للحل ولتجاوز الأزمة على المدى القريب والمتوسط والبعيد. وينظر الكاتب بعين نافذة الى حقيقة الصراع ومآلاته في هذا الجزء العزيز من الوطن ولا سيما أن أزمة دارفور ظلت تشكل أحد المحاور الاساسية في الميدان خبراً وتعليقاً وتحليلاً وكشفاً للفظائع التي إرتكبها ويرتكبها- نظام الانقاذ وعصابات (الجنجويد) التي رباها النظام في أحضان أجهزة استخباراته وأمنه، ودفع لها بسخاء من أموال الشعب، وخيرات دارفور والوطن بأكمله.

 

إننا إذ نقدم هذا الجهد، في  إطار الاحتفال بالعيد الخمسين للميدان (2سبتمبر 1954-2004)، يحدونا الأمل في أن نسهم  مع بقية أبناء شعبنا  في حل أزمة  دارفور، ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نقدم  أجزل الشكر لقراء الميدان الذين ما بخلوا عليها بتزويدها ومدها بعشرات الوثائق عن حقيقة ما يدور في دارفور، واستمر تواصلهم وتجاوبهم (مع الميدان) ثقةً في أنها لن تخذل الشعب، ولا القراء في نشر الحقائق المجردة، مؤكدين أنه لولا جهد قراء (الميدان) الذين كانوا خير معين في أداء رسالتها الصحفية، لما رأى هذا الكتاب النور.

 

والشكر للكاتب الذي استجاب لرغبة هيئة التحرير في أن يصدر هذا الكتاب في العيد الخمسين لتأسيس الميدان  وبذل جهداً مقدراً في أن يصلنا هذا الفصل في الوقت المناسب. والشكر موصول لكل الذين أسهموا ويسهمون في كل مراحل هذا الكتاب طباعةً وتوزيعاً، رغم ظروف السرية.

هيئة تحرير الميدان

سبتمبر 2004

 

 

دارفور وضع النقاط على الحروف

- فصل من كتاب تحت الإعداد بقلم الأستاذ/ سليمان حامد الحاج -

الجبهة القومية الإسلامية هي التي تتحمل مسؤولية كل المآسي الإنسانية الراهنة في دارفور

 

مقدمة

يركز هذا الفصل على :

(1) الوثائق التي تكشف مخططات الحركة الإسلامية ودورها في مشروع الحزام الأمني العربي الإسلامي؛

(2) يدحض مزاعم السلطة ونفيها وتنصلها من أية صلة لها بمليشيات الجنجويد ودورهما المشترك في مأساة دارفور؛

(3) إبراز مطالب حركتي تحرير دارفور وأهالي دارفور المعبر عنها في مؤتمراتهم المختلفة،ومؤتمرات وبرامج الحركة المسلحة؛

(4) الحلول العاجلة للمأساة؛

(5) الحلول المستدامة (آفاقها وكيفية تنفيذها)؛

 

قال الرئيس عمر البشير وهو يخاطب احتفالات الاتحاد العام لنقابات عمال السودان بعيدهم الوطني الرابع عشر بقاعة الصداقة في 5 أغسطس2004، إن البلاد تتعرض لحملة ضارية ومعادية ومضلله لتحجب الحقيقة وتقدم المبررات لقوى الاستكبار المتغطرسة لتدنيس تراب البلاد. وان مشكلة دارفور انطلقت لقتل فرحة الشعب باتفاق السلام. ووصف القضية في حقيقتها وجوهرها بأنها نزاع تقليدي على الموارد ألبست ثوب التهميش.(!) (راجع الصحافة الجمعة 6 أغسطس 2004)

 

وذكر وزير الخارجية مصطفى عثمان إسماعيل الذي كان يتحدث للصحفيين عقب اجتماع مجلس الوزراء في أول أغسطس 2004، إن مجلس الوزراء رأى أن قرار مجلس الأمن اغفل السبب الرئيس وراء هذه الأحداث، وهو أن حركة التمرد هي التي بادرت ورفعت السلاح وبالتالي تتحمل المأساة الإنسانية والأمنية التي حدثت في دارفور .(!)".

 

غير أن هذا تنصل واضح من الحقيقة ومحاولة بائسة لإخفاء من يقفون وراء المأساة في دارفور وفوق هذا كله فإنه تزييف مكشوف للحقائق لا يستطيع أن يصمد أمام منطقها الواضح القاطع. فالواقع يقول أن الجبهة الإسلامية القومية هي التي تتحمل المسؤولية الكاملة عن المآسي الإنسانية الراهنة في دارفور منذ أن أصدر الدكتور حسن الترابي عندما كان عراباً للجبهة ويمسك بمقود وكل مفاصل النظام،فتوى تبيح تمزيق دارفور الكبرى لقيام حزام امني عربي إسلامي هو في الواقع تأمين لدولة عربية إسلامية في السودان بما فيه كل الغرب.

 

جاء في تلك الفتوى التي أصدرها د. حسن الترابي : "إن الإسلاميين من القبائل الزنجية صاروا يعادون الحركة الإسلامية وتهدف خطة الجبهة الإسلامية إلى تأييد القبائل العربية بإتباع الخطوات التالية: "التهجير القسري للفور من جبل مرة وحصرهم في وادي صالح ونزع سلاحهم كلياً،وإعادة توطين المهيريا والعطيفات والعريقات (قبائل عربية). وعدم إعادة السلاح للزغاوة وتهجيرهم من كتم إلى أم روابة (ولاية  شمال كردفان) وتسليح القبائل العربية وتمويلها بحيث تكون نواة التجمع العربي الإسلامي". [راجع صحيفة السودان 20/9/1992م وكتاب السودان حروب الموارد والهوية –الدكتور محمد سليمان].

 

هذه الفتوى تمثل الأساس الذي انبنت عليه الخطة ويجري تنفيذها حرفياً فيما يحدث الآن في دارفور حتى بعد انتزاع مقود السلطة من الترابي .لان محتواها الأيديولوجي والسياسي في جوهره وعمقه الطبقي يمثل مصالح الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة التي تتشابك فيها مصالح فئات من بعض القبائل العربية مع بعض من أبناء قبائل الزرقة، بدليل أن معظم القبائل العربية الكبيرة لم تشترك في هذا المخطط بل رفضته وقاومه بعضها عندما تم الشروع في تنفيذه. ولم تشارك من الزرقة إلا فئات محسوبة من الموالين للسلطة ومن التقت مصالحهم الطبقية معها.

 

لقد اجتهد الرئيس عمر البشير لنفي تهمة مخطط دارفور ومأساتها عن الجبهة القومية الإسلامية أو أي دور لها فيه عندما قال في خطابه بمناسبة افتتاح منشآت مصنع سكر النيل الأبيض في 4/4/2004 : "إن المؤتمر الشعبي كاسم غير موجود،لكن هناك رجل واحد اسمه الترابي، يقول لهم اذهبوا شرقاً أو غرباً فيذهبوا" وهذه دماء مسلمين ونحن نبرأ لله من دماء المسلمين ومن كل ما يعمله الترابي "."كان في زول شيخنا وزعيمنا  لكن لقيناه راجل كضاب ومنافق... هناك أناس هم أعداء للوطن وأعداء للشعب السوداني لا يريدون للحرب أن تتوقف أو للموت والدمار أن يتوقفا ..هم يريدون أن يمزقوا البلد ويحرضوا المسلمين لقتال بعضهم بعضا.. ما هو حكم من يحرض على قتل المسلم ويتسبب في سفك الدماء؟ الغريب أن هذا الرجل قضى كل عمره في غش الناس ينادي بالشريعة،واليوم قال لا أريد الشريعة.. والخمر كانت في مدينة الرسول .. هل سمعتم بمثل هذا الحديث؟ وهل سمعتم انه كانت هناك مريسة تباع في مسجد الرسول .. والبارات التي أغلقها نميري قالوا أنهم يريدون فتحها في الخرطوم .. لا اله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الترابيون .. ولو كره المنافقون". ومع ذلك يثبت البشير أن الترابي هو الذي وضع مخطط الابادة. [راجع الأيام 5 ابريل 2004].

 

البشير يفرض علينا أن نثير ذات التساؤلات عندما قال له الترابي اذهب الى القصر رئيساً  وسأذهب أنا إلى السجن .

* ماذا كان رأي البشير في فتوى الترابي تلك وهو رئيس للدولة ؟

* لماذا سكت البشير كل هذه المدة وهو يرى كيف يذبح المسلمون في دارفور ويقتلعون من ديارهم ؟

* وهل انتهت تلك المآسي بذهاب الترابي ؟

* وهل توقف تنفيذ المخطط منذ أن ابعد الترابي من السلطة؟

* ولماذا يثير البشير هذا الحديث الآن بعد أن أصبحت دارفور مسلخاً بشرياً ضـجَ العالم كله من هول المجازر التي ترتكب فيها؟

 

هذا ما سنحاول توضيحه في هذا الفصل، وعندما يثبت بالوثائق الدامغة أن الحركة الإسلامية واصلت ذات مخطط الترابي، يكون البشير قد وضع نفسه وحكومته وحزبه في مكان لا يحسدون عليه، خاصة بعد أن وصف شيخه(سابقاً) بكل تلك النعوت!

 

إن الخطة التي وضعها الترابي هي التي تشق طريقها الآن في دارفور، وبتوسع وتطوير في الأساليب والسيناريوهات لتساير متغيرات الظروف .. مستعملة كل أدوات التدمير والقتل والسبي والاغتصاب والتخريب وكل الأساليب التي من شأنها أن تؤدي إلى اقتلاع قبائل الزرقة من قراهم ومزارعهم وتوطين بعض من بعض القبائل العربية المستقرة والمجلوبة من الخارج، التي سماها الترابي وتلك التي لم يذكرها .

 

في واقع الأمر، فإن ما تمارسه الجبهة القومية الإسلامية في دارفور هو امتداد ومواصلة لمخطط قديم طويل المدى،يستهدف في نهاية المطاف إقامة حزام عربي امني يمتد من إقليم كردفان ويضم دارفور الكبرى ويصبح درعاً،كما تصور الترابي ...لاحقاً للدولة العربية الإسلامية الكبرى في كل السودان والتي كان يحلم أن يكون على رأسها، وتحمل دارفور اسماً غير الذي يشير إلى سيادة قبيلة الفور.

 

بدأ تنفيذ هذا المخطط مجموعة تسمي نفسها (التجمع العربي) وكشف هذا التنظيم عن نفسه لاول مرة في عام 1987 في مذكرة رفعها للسيد الصادق المهدي عندما كان رئيساً للوزراء في ذلك الوقت ووقع على تلك المذكرة 23 من قيادات هذا التنظيم وهم:

1. السيد عبد الله علي مسار

9. الناظر الهادي عيسى دبكة

17. الدكتور عمر عبد الجبار

2. شارف علي حقر

10. الطيب ابو شمة

18. عبد الله يحي

3. إبراهيم يعقوب

11. سندكة داؤود

19. حامد محمد خير الله

4. حسين حسن الباشا

12. هارون علي السنوسي

20. عبد الرحمن علي عبد النبي

5. حامد بيتو

13. سليمان جابر أبكر

21. محمد شحاته احمد

6. تاج الدين احمد الحلو

14. الناظر محمد يعقوب العمدة

22. جابر احمد رابح

7. أيوب بلولة

15. زكريا إبراهيم أبو الحبوب

 

8. محمد خوف الفاضي

16. محمد زكريا دلدوم

 

ولا نستطيع أن نجزم أن كان هذا النفر كله أو بعضه لازال يعمل في هذا التنظيم بأي صورة من الصور أبرز ما جاء في تلك المذكرة هو: أنهم ضمن القبائل العربية التي وفدت إلى السودان في القرن الخامس عشر الميلادي،وان تعددت قبائلهم إلا أنهم ينتمون إلى اصل واحد عربي وأنهم استقروا في إقليم دارفور ويمثلون 70% من مجموع سكانه،ويصل المتعلمون منهم إلى 40% من أبناء الإقليم وبينهم مئات من حملة الشهادة السودانية .ويسهمون بنصيب الأسد من فلذات أكبادهم في الجيش السوداني ويشاركون بـ15% في الدخل القومي و90% من دخل إقليم دارفور. وقدموا 14 نائباً للجمعية التأسيسية يمثلون حسب ما جاء في مذكرتهم العنصر العربي الإسلامي تمثيلاً حقيقياً. لهذه الأسباب مجتمعه فإنهم يطالبون بتمثيلهم بـ 50% كحد أدنى في المناصب الدستورية في حكومة الإقليم وممثلي الإقليم في الحكومة المركزية. وحذروا من الإهمال للعنصر العربي في المشاركة قبل أن يفلت الأمر من أيدي العقلاء ويحدث ما لا تحمد عقباه.

 

وعندما تم تكوين حكومة الإقليم في العام 1988 ولم تنل رضاهم، أصدرت اللجنة التنفيذية للتجمع العربي بياناً (سري للغاية) لأعضائها الملتزمين جاء فيه أننا لن ننال مكانة في دارفور إلا بالكفاح والتصميم، واتخذت القرارات التالية وأدى أعضاؤها القسم على تنفيذها:

* اثارة المتاعب في طريق الحكومة الإقليمية لإقلاقها واستخدام كل الوسائل المتاحة حتى لا تتمكن من تنفيذ سياستها وبرامجها الإصلاحية؛

* العمل على شل مرافق الخدمات بمناطق الزرقة وزعزعة المواطن وجعله يشعر بضعف الحكومة وعجزها عن توفير ابسط مقومات الحياة؛

* مضاعفة المتطوعين في كل مناطق الزرقة لأن الواجب يحتم علينا عدم استتباب الأمن ووقف الإنتاج بهذه المناطق وتصفية الزعماء؛

* العمل على خلق منازعات بين قبائل الزرقة حتى لا يكونوا متحدين.

على أعضاء التجمع الذين يشغلون وظائف قيادية الالتزام بالآتي:

* تركيز الخدمات في مناطق نفوذ التجمع ما أمكن ذلك؛

* عدم وضع أبناء الزرقة في مناطق ذات أهمية، والعمل على وضع العراقيل أمام الذين يتبوأون وظائف إدارية كلما سنحت الظروف؛

* العمل بكل الوسائل والسبل لوقف استقرار المدارس في مناطق الزرقة.

 

في الفترة 1987-1989م رغم ضيق فرص عمل التنظيم بصورة مكشوفة نتيجة للتحول الديمقراطي الذي شهدته البلاد بعد انتفاضة مارس / ابريل 1985م إلا أن عمل التنظيم بدأ في التصاعد وانتقل إلى العمل العسكري المنظم بصفة خاصة بعد الفتوى التي أصدرها الترابي في 1992م واتخذ أساليب عمل مختلفة وأصبحت له قوات نظامية ومليشيات مثل الجنجويد وصارت له قيادة عسكرية موحدة تحت إمرة لجنة التجمع العربي بإقليم دارفور. يعكس البيان الذي أصدرته (إدارة العمليات العسكرية) التابعة لهذا التنظيم في العام 1992 ضخامة حجم المخطط والأهداف التي قرر التنظيم تنفيذها. وقد وردت الأوامر حرفياً كما يلي:

 

*حرق وإبادة الأرياف المشار إليهم، وعلى العمد والمشايخ أن يلزموا أفراد سلطاتهم بالقسم حتى يكون الأمر في ثقة تامة. والاستعانة بالمتطوعين من القبائل غير العربية مثل الزغاوة في الإجراءات الحربية والتدريب العسكري، بالإضافة إلى الدراسات الجغرافية حتى تبدو واضحة لمن يراد ابادتهم؛

* اخذ جميع الماشية والدواب من قبيلة الفور بكل الوسائل.

* قتل زعماء وممثلي ومثقفي الفور وحصر المتبقين منهم في المدن والسجون واغتيال من توجد وسيلة لاغتياله.

*ايقاف كل وسائل الحركة المساعدة للبلاغات والإسعافات السريعة وقطع كل وسيلة للاتصال؛

* وضع معسكرات المقاتلين من القبائل العربية فوق الجبال التي تبدو عالية وبعيداً عن متناول المهاجمين من الأعداء ولا يستطيعون الوصول إليها؛

* نجدة الحركات العربية في المناطق التي عليها مقاومة الهجوم وإرسال أعداد كبيرة من المقاتلين إليها؛

* توزيع الوافدين من العنصر العربي من تشاد على المناطق العربية من الإقليم مثل : وادي صالح، ومكجر، ووادي كجا؛

* توزيع قوات الدفاع الشعبي من الوافدين من كردفان من بعض القبائل العربية على جبل مرة، وجنوب غرب كاس، ووادي باري.

وذكر البيان أن هذا التوزيع للقوات حتمته ضرورة أن العدو يعتمد على الكفار والمشركين.(!!)

 

ويلحظ القارئ هنا تداخل قوات التنظيم العربي مع قوات سلطة الإنقاذ ممثلة في الدفاع الشعبي، وحرية التنظيم في توزيعهم كما يشاء على المناطق التي يحتاج للدفاع عنها أو تلك التي يريد الهجوم عليها.

 

تغيير في الاسم وليس الأهداف

في العام 1998 أصدر التنظيم بياناً (سري للغاية) باسم آخر هو (قريش) ويبدو انه استملح الاسم لتأكيد الانتماء للقرشيين بهدف التأصيل وتقرباً من النبي (ص) إمعانا في خداع البسطاء، غير أن هذا التغيير في الاسم لم يغير في أهداف الحركة ومخططها، اذ يُذكِّر البيان في مقدمته جميع المنتمين إليه والذين اقسموا على المصحف تنفيذ مخططاته المتفق عليها في بيان اللجنة التنفيذيه للتجمع العربي وإدارة العمليات العسكرية.

ويورد التقرير "أن الجعليين والدناقلة والشايقية حالوا بيننا وبين حكم السودان لمدة تناهز القرن، وهم مهما تدثروا بثياب العروبة فهم هجين أصبح عرقاً وثقافةً جزءاً لا يتجزأ من النسيج النوبي المتمصر، وستظل تلك الفئة تتشبث بحكم البلاد إلى الأبد . إذ بلغنا أن أطراف هذا الثلاثي قد اقسموا مؤخراً على أن تبقى السلطة تداولاً بينهم"!

 

هذا الاستنتاج الممعن في السذاجة هو محاولة لاستغفال البسطاء من الناس. إذ كيف يتأتى للجعليين والشايقية والدناقلة المنتشرين في كل بقاع السودان بل والعالم ان يجتمعوا كقبائل ويتفقوا على القسم -  على حكم السودان إلى الأبد!.. وهل هناك أصلا ابد؟

 

هذه المقولة أيضا لا علاقة لها  بسلطة الحكم تاريخياً أو حالياً. فالغفلة السياسية ضمن عوامل أخرى هي التي وضعت السلطة الراهنة في يد بعض من أفراد هذه القبائل المنتسبين أو الملتزمين في تنظيم الجبهة القومية الإسلامية أو الذين استطاعت إغواءهم بالمنصب أو الثروة من الشرق والغرب والشمال والجنوب،وهم لا يمثلون قبائلهم، بل نفذوا الانقلاب العسكري في 30 يونيو 1989م لمصلحة الجبهة الإسلامية ومشروعها الحضاري الذي هو غطاء لدولة الرأسمالية الطفيلية.

 

ومع ذلك فإن هذا التنظيم قد وضع نفسه في خدمة برنامج هذه الفئة الطفيلية من الرأسمالية التي يسميها (الثالوث) بل أصبح شريكاً لها في كل ما قامت به في دارفور كما سيرد لاحقاً .. وذلك لان التجمع العربي المزعوم أو (قريش) يمثل في قمته امتداداً لمصالح طبقيه يربطها حبل من مسد مع رأسمالية الجبهة القومية الإسلامية مهما تقاطعت هذه المصالح واختلطت بالقبلية وتراكم فوقها غبار كثيف من التطهير العرقي وغيره من الأسباب الموضوعية وغير الموضوعية.

 

وكان الترابي وهو يضع مخططه لتهجير قبائل الزرقة إلى خارج دارفور قسراً وتسليح القبائل العربية وتمويلها بحيث تكون نواة التجمع العربي الإسلامي كما جاء في فتواه التي اشرنا إليها سابقاً،على بينه ودراية بهذا التوجه الطبقي.

ما هو خطير حقاً في هذا المخطط هو انه يهدف في حده الأدنى للاستيلاء على ولايات دارفور الثلاث ومن ثم ضم كل كردفان لتصبح جزءاً من الحزام الأمني العربي الإسلامي تمهيداً لقيام دولة الغرب الكبرى في موعد أقصاه عام 2020. وقد تعجل الأحداث الداخلية والعالمية بتبكير موعد قيامها وهذا ما ورد في ذات البيان المشار إليه.

وهذا يفسر تصاعد وتيرة التهجير القسري بوحشية غير مسبوقة في هذه الفترة، والقتل الجماعي وحرق القرى والمزارع ونهب الماشية والأموال، وغيرها خلال السنتين الأخيرتين، والإصرار على السير في هذا التهجير رغم استنكار العالم اجمع وعلى رأسه هيئة الأمم المتحدة ‘ وهو يفسر أيضا تلكؤ السلطة في تنفيذ ما اتفقت عليه مع الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة كوفي آنان بحجة أن الفترة الزمنية غير كافية.

 

الوسائل التي أوردها المخطط استعداداً لتنفيذ قيام هذه الدولة في البيان الذي صدر في 1998 تتمثل في:

* الاهتمام الخاص بالتعليم أفقيا ورأسياً لإعداد كوادر عالية التأهيل في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية والأمنية والعسكرية. وإقامة مؤسسات اقتصادية والانخراط الواعي في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية .. مواصلين خطة التعاون مع السلطة القائمة والمحافظة على علاقات العمل القائمة مع الشخصيات المحورية من أبناء الثالوث (الجعليين الدناقلة - الشايقية) في قيادة الدولة"!! والتنسيق مع أبناء العمومة في الوسط والشرق والتأكيد على أهمية قبائل التماس وحث الدولة على المزيد من دعمها وتسليحها وتدريبها الدفاع الشعبي، والمجاهدين، وقوات السلام وحث جميع القادرين من الأهل للعمل في قوات السلام.

 

ويركز البيان على عدد من القضايا التي يعتبرها محورية مثل:

* عدم اثارة موضوع البترول حالياً؛

* تامين المراعي الكافية للرعاة في السودان وتشاد وافريقيا الوسطى؛

* محاربة الأعراف الخاصة بحيازة الأراضي (حواكير، ديار...الخ) بشتى الوسائل؛

* إبراز دورنا القومي في التصدي للقبائل غير العربية في الغرب كامتداد طبيعي للتمرد؛

* توسيع فجوة الثقة بين المركز وأبناء القبائل غير العربية بدفع القيادات المنتقاة من أبناء الزرقة إلى المزيد من التطرف في التعبير عن الظلم الواقع على الغرب ومجاراتهم في النعرات الجهوية والعنصرية؛

* السعي للحصول على المزيد من المناصب الدستورية في المركز والولايات وتمكين القرشيين في دارفور؛

* الاستعداد لأي انتخابات ولائية في ولايات غرب السودان الستة (في دارفور وكردفان) [لاحظ الربط المستمر بين دارفور وكردفان كما هو في الخطة]

* الحرص على الانضباط والنأي عن السلوكيات الطائشة كالحديث عن دولة البقارة(!)

 

اما بالنسبة لعملهم خارج السودان فالبيان يؤكد أهمية:

* تقوية التنسيق والتشاور مع القرشيين في دول الجوار؛

* تطوير التفاهم مع الجماهيرية على مدى ما اختطه البقلاني أصيل والشيخ بن عمر؛

* تطوير سباق الهجن والاستفادة منه في توثيق الروابط مع الأشقاء في الخليج؛

هذا العمل الخارجي يعكس الارتباط العميق والممتد مع قوى أجنبية عربية وغير عربية ودورها في تنفيذ المخطط وهو في ذات الوقت يدحض الادعاءات التي تتهم الآخرين بتدويل مشكلة دارفور. وهو يكشف أيضا التنسيق التام بين التنظيم وسلطة الإنقاذ.

 

تصاعد تنفيذ المخطط

يصل المخطط مراحل بعيدة في التنفيذ عندما تتحرك لجان تنسيق التنظيم جهاراً نهاراً وعلى مسمع ومرأى من الدولة وتعقد الاجتماعات العامة وتقوم بطوافات على كافة مناطق الإقليم تبشر بدعوتها هذه. والأمثلة لا تحصى ... ولكن نستعرض هنا على سبيل المثال البيان الذي أصدرته اللجنة السياسية للتنظيم – لجنة التنسيق- في 15 نوفمبر 2003م عن زيارتها لمناطق محليات : تلس، وبرام، ورهيد البردي، وعد الفرسان في الفترة 10-15 نوفمبر 2003 والتقت في هذا الطواف بزعماء الإدارة الأهلية والقيادات- السياسية والتنفيذية وبعد شرح أهداف الطواف توصل الجميع في تلك المحليات إلى عدد من القرارات واقسموا اليمين على تنفيذها وكان أبرزها هو:

* أن يسير المخطط بقوة نافذة حتى يخرج للعمل متكاملاً وسليماً؛

* الاستعانة القصوى بالعلماء وأهل الرأي والفكر والاقتصاد؛

* العمل على رأب الصدع بين القبائل العربية وبسرعة؛

*تناول القضية في إطار الدين والشرع وسماحة الإسلام؛

*تعميم الفكرة على مستوى السودان؛

*تغيير اسم الولاية إلى اسم آخر مناسب؛

*تامين العلاقة مع الحكومة المركزية ومركز التنظيم؛

*وضع خطة دفاعية مشتركة بين البطون؛

*وضع دستور أو نظام سياسي واضح لنداء العمل؛

*السرية التامة؛

*ضرورة جمع الزعامات العربية في مكان واحد لتأمين الفكرة والسعي لتحقيقها وترجمتها في الواقع؛

*الاستيلاء الكامل على السلطة في جنوب دارفور بناءً على الأغلبية الميكانيكية؛

*مراجعة مسألة الإعفاءات من الخدمة في كل المجالات مع الخرطوم؛

*تشجيع أبناء البطون على الدخول في الكليات العسكرية والجيش والسلطة؛

*مواصلة تنظيم الجنجويد؛

*الطاعة المطلقة للقيادات العربية وخاصة مجلس التنسيق؛

*الانتباه لحركة التجارة الخارجية وخاصة تجارة الحدود؛

*العمل بكل الوسائل لاستيعاب الخريجين في المصالح الحكومية والمؤسسات؛

*التعاون التام للمعتمدين مع أمانات المؤتمر.

 

لا أ