كوش الجديدة/ قضايا اجتماعية اقتصادية معاصرة

سبتمبر/2005

 

 

 

 

 

 

 

أبيي رباط وحدة وسلام أم أتون حرب وانفصال

أ.د. سليمان الدبيلو

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدمة

سأحاول في هذه الورقه البعد قدر الإمكان عن التاريخ لن أغوص في متى دخل العرب السودان، ومن أين جاء المسيرية (من وداي أو تمبكتو) لا إمتهانا للتاريخ ولا تنكراً لأمجاد أجداد، بحكمة وصبر وجلد ومن على ظهور خيلهم حطوا الرحال في بور بين البراعص والهوام وبسطوا العدالة وأرسوا دعائم الإخاء بالتسامح والحكمة والعدل. أجل لن أذهب للتاريخ كما ذهب الكثيرين من أبناء السودان الآن مأججين نار العنصرية والعصبية والقبلية (فتجد من يكتب في أصول المسيرية وكوش والعبدلاب وأولاد جعل والشايقية والزبير باشا إلخ..) فطال لهيبهم تراب الوطن شرقاً في بلاد الهدندوة والبني عامر، وغرباً زقاوى وفور ومعاليا ورزيقات عرباً وزرقه. سأبتعد عن التاريخ قدر المستطاع لأنه لو كان للتاريخ نفع لأعاد للهنود الحمر في الأراضي الجديدة أرضهم وديارهم، وأعاد أحفاد كولمبس إلى من أين أتوا. لو فيه نفع لطرد مجرمي بريطانيا من أستراليا ونيوزيلندا وأعادهم لسجونها وملَّك سكانها الأصليين ديارهم. ولا أود الخوض في التاريخ لأن السودان في التاريخ أصلاً حزاماً يمتد من البحر في غرب أفريقيا حتى البحر في شرقها. قناعتي هى أن سوداننا الذى يعنينا قد تشكل بهيئته الحالية في 1956/1/1 بموجب قوانين عصبة الأمم والقانون الدولى للأمم المتحدة. وفي هذا التاريخ حُددت حدود للسودان وثُبتت أيضاً حدود مديرياته واعتبر عندها كل من يقطن في أرض داخل هذه الحدود مواطناً إلا من أبي. قبلها كان جنوبه كنفدراليه بخصوصية تفوق سيادة الدولة، وغربه أسقطت سلطناته وضمت قسراً، وشرقه قبائل تمور في جبالها وفيافيها.

 

إن إصرارنا على السودان في هذه الهيئة يكفينا شرور المتربصين والطامعين. وأية خلخلة لهذه الهيئة سواء كانت في الحدود الدولية أو الداخلية ستدخلنا في متاهات التمزق وتفتيت وحدة البلاد. وكلكم يدرك بأن الحدود التى ثبتها الاستعمار للسودان حدود عشوائية قطعت أوصال شعوب الأطراف وفي كل الاتجاهات، ولكن إصرارنا على هذه الحدود ليس إصراراً سلطوياً بقدر ما هو أمر واقع لا بد من الزود عنه حفاظاً على حقوق الجميع. وإذا ما فتح مثل هذا الباب لطالبت قبائل السودان بامتداداتها الطبيعية في شرق السودان وإثيوبيا وإرتريا وفي الغرب مع دولة شاد وأفريقيا الوسطي وفي الجنوب مع أفريقيا الوسطى والكنغو ورواندا ويوغنده وكينيا حتى الصومال وإثيوبيا وكذلك الحال في شماله، وقد تكون لدول الجوار ذات المطالب حتى الخرطوم ستجد من أهلها من يقاتل عنها وستستعر حروب داحس والغبراء بين كافة القبائل التى رضي بها السودان.

 

لهذا فإنه وفي 1956 ثبتت حدود لقطعة أرض في قلب أفريقيا سميت بـ السودان ووزعت هذه القطعة من الأرض الى تسعة أجزاء معينة سميت مديريات وقسمت كل مديرية الى وحدات إدارية سمي الواحد منها بالمجلس الريفي. هذه هى التركيبة التى نلنا بها استقلالنا دولةً هى السودان. وقد كنا وقتها على قناعة ورضى بما اعطينا فلا مناص لنا الآن من النكوص عن ما ارتضيناه لأن النكوص يأخذ ويعطى.

 

الوحدة الإدارية التى تتبع لها أبيي

قبل الحديث عن ابيي لا بد لى من الحديث عن المجلس الريفي، وهو الوحدة الإدارية الدنيا في التكوين، الذى تقع فيه هذه المنطقة وعن الطبيعة فيها والعادات ومصادر دخلها.

 

تقع منطقة ابيي ضمن مجلس ريفي المسيرية الذى تمتد حدوده شرقاً حتى حدود ريفي الحوازمة وريفي حمر في "ايك أم راكوبا"، وشمالاً تحده حدود حمر في "الأضية وغبيش"، وغرباً دارفور، وجنوباً بحر الغزال. القبائل الرئيسة في هذا المجلس هى :

* قبيلة المسيريه بشقيها المسيرية الزرق في الشرق والحمر في الغرب، وينقسم الحمر أيضاً الى فلاية وعجايره، تتكون كل قبيله من عموديات وكل عموديه من بطون.

* قبائل النوبه وتتمركز في وسط المنطقة في منطقة جبال النوبا كل قبيله تقطن على سفوح جبالها منها الكاركو (الكاشا والشفر) في الجزء الشرقي، وأبو جنوك في الشمال الشرقي، وتلشي وتيما في الوسط، والداجو وكمده في الجزء الغربي، وتتشارك الوديان حولها مع المسيرية.

* قبيلة دينكا نوك تعيش في الجزء الجنوبي من المجلس حول حوض بحر العرب.

هذا إضافة الى قبائل أخرى مثل الكنانه والبرقو والفلاته والبديريه وتاما إلخ.

 

تمتعت هذه المنطقة في الماضي بطبيعة خلابة تغمرها أمطار موسمية غزيره فتغطى أرضها خضرة وتملأ وديانها وبركها وفيوضها بالمياه. جبالها كلها هضاب متوسطة الارتفاع تخضر في الخريف فتعطى تنوعاً طبوغرافياً بديعاً. المهن الرئيسة فيها الرعي والزراعة إذ يشترك الجميع من أهلها في المهنتين صيفاً وخريفاً إلا أن المسيرية يمتهنون رعي الأبقار والزراعة مهنةً ثانويةً الأمر الذى جعل منهم رحل أكثر من غيرهم في المنطقة. فالمسيرية الزرق مثلاً يرحلون من مناطق الجبال بداية الخريف نحو القوز شرقاً حتى مشارف الأبيض ويعودون في نهايته. أما الحمر فيرحلون من ديارهم صيفاً الى حوض بحر العرب ولا يعودون الى الشمال إلا عند بداية الخريف. تربة المنطقة طينية في الجبال وحول ضفاف نهر العرب، أما بقية المنطقة فهى أرض شبه طينيه ورمليه تكثر فيها القيزان والعتامير والنقع. كان في الماضي معظمها غابات تعج بالبراعص من أسود ونمور، والى الجنوب بالزراف والفيله، إلا ان ذلك قد آل للإنقراض الآن وتدهورت طبيعة الجزء الشمالي بفعل الزحف الصحراوي واختفت منه معظم الغابات مما أدى الى إنقراض تام لكافة الحياة الفطرية فيه. المنطقة الوحيدة التى اقيمت فيها مشاريع استثمار في هذا المجلس هى منطقة ناما وحول منطقة لقاوه حيث أنشأت مؤسسة الزراعة المطريه مشاريع زراعة القطن فيها. ولطبيعة ترحال المسيريه نجد أن المنطقة تقل فيها المدن المركزيه إلا من القليل مثل المجلد وبابنوسه والفوله ولقاوه والسنوط والدبكر وابيي في جنوبه. التركيبة السكانية لهذه المنطقة تكاد تكون متشابهة فالمدن يشترك فيها الجلابة (الجعلين والدناقله) تجاراً وحولهم بعض أهل المنطقة من نوبا ودينكا ومسيريه وأقليات أخرى والبقية يقطنون في حلالهم و قراهم و فرقانهم.  

 

خلفيه موجزه لتطور قضية ابيي

لم يكن ضم ابيي لمجلس ريفي المسيرية قسراً وإنما كان طوعاً نتيجة للعلاقة الطيبة التى تأسست بين قبيلة المسيرية (الحمر خاصة والناظر بابو نمر طيب الله ثراه أكثر خصوصية) منذ القرن الثامن عشر. لهذا فعندما خُير دينكا نوك قبل الاستقلال بزمان وعنده في أن يتبعوا لـ بحر الغزال أم لـ كردفان أقروا جميعاً بتبعيهم لـ جنوب كردفان (ريفي المسيرية) بصفة خاصه. فمنذ هذا التاريخ حتى 1964 لم تظهر أية بوادر نية في الانفصال بل كان دينكا نوك يصرون دوماً على البقاء في الشمال. وعلى الرغم من أن الحياة لم تك تخلو من الإشكالات والمعارك بين هذا وذاك وهى حال كافة القبائل التى عاشت في هذه المنطقة على أقل تقدير، فإن مثل هذه الإشكالات كانت تقابل بحكمة الكبار وبقدسية التقاليد والأعراف فما أن تبدأ إلا وتعالج قبل فوات الأوان. والأعراف في هذه المنطقة دساتير وقوانين ولوائح معروفة لكل صغير وكبير وناجزة على الجميع.

 

في عام 1964 عند بداية التمرد الثانى في الجنوب ونظراً للقسط الكبير من التعليم الذى ناله أبناء دينكا نوك مقارنة ببقية أبناء الدينكا، ونظراً للظلم الاجتماعي الذى طال كافة أبناء الأقاليم، بصفة خاصه هذا الجزء من السودان، فلا تنمية مرجوة ولا تطور مرتقب .. الحال كما هو من عام الى عام .. جوع ومرض وإنعدام خدمات، برز أبناء دينكا نوك قياديين في التمرد الذى اندلع وقتها. وفي 1965 طالب التمرد الجديد بمنطقة ابيي جزءاً من الجنوب (بحر الغزال). إلا ان هذا المطلب لم يجد النور خلال فترة حكم نميري وعلاجاً لهذه القضيه عقد مؤتمر صلح أهلي في المنطقة تم بموجبه رأب هذا الصدع وبقيت ابيي في موقعها من المجلس.

 

خلال الفترة 1965 حتى 1995 قامت في الجنوب حركات تمرد متعددة آخرها الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان. وكنتيجة طبيعية لسوء المعاملة التى كان يلقاها معظم أبناء الإقليم، بصفة خاصة النوبا والدينكا أو الأقليات الأخرى فيه من برقو وفلاته وداجو ومساليت، من قبل الحكومة المركزية والإقليمية سواء كان ذلك خلال حكم نميري أو فترات الديموقراطية أو حكم الإنقاذ، وجد الكثيرون من أبناء هذا الإقليم الملاذ الآمن في الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان وقويت شوكتهم فيها وقويت شوكة الحركة بهم. فنجد معظم قادة الحركة الأساسيين جميعهم من جنوب كردفان (يوسف كوه رحمه الله، وعبد العزيز الحلو، وإدوارد لينو، ودينق الور وغيرهم). في الأعوام الأولي من عمر الإنقاذ كان التجمع الوطنى الديمقراطي المعارض نشطاً نشاطاً لا مثيل له وقد أمن ذلك دعماً وزخماً سياسياً للحركة كانت في أمس الحاجة إليه إذ منحها بعداً شمالياً وعربياً مما وسع قبولها الدولي، وفي ذات الوقت لم يكن أمام الإنقاذ وهى في أصعب أحوالها سوى خيارين:

الأول : هو العمل على تفتيت عرى وحدة التجمع واختراقه بالتفاوض مع الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان.

الثانى : العمل الجاد على استخراج البترول ليكون لها عضضاً في الحرب والصمود.

 

لقد شرعت الحكومة في التفاوض مع الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان موظفة وعوداً مغرية لسماسرة البترول في بريطانيا وأمريكا، وقد نحج بعض هذا التوظيف في الإسهام في كسر الجفوة بين الحركة والحكومة الأمر الذى أفضى الى مفاوضات أبوجا. هذه البداية كانت ذات أهمية كبيره بالنسبة للحكومة إذ أشعلت بها نار التوجس بين مكونات التجمع والحركة والتى أدت لاحقاً الى تفتيته. بدأت الأحزاب الشماليه تتطلع للتقرب من الحركة وقد ظهر أول إتفاق عام ثنائي في 1994 بين الحركة الشعبيه لتحرير السودان وحزب الأمه (إتفاق شقدوم). جوهر هذا الإتفاق كان الموافقة على حق تقرير المصير للجنوب والموافقة على قيام نظام كونفدرالي في الجنوب حتى الإستفتاء العام. وعلى الرغم من أن هذا الإتفاق قد وقع وأعلن فإنه قد ثبت في صلبه نقطة خلافية جوهريه وضعت في بندين : الحركة في 1-4: تطالب بحق سكان جبال النوبا ومنطقة ابيي وجبال الأنقسنا في تقرير المصير؛ حزب الأمه في 2-4: يرفض ان يذكر حق تقرير المصير لجبال النوبا ومنطقة ابيي وجبال الأنقسنا. وعلى الرغم من موقف حزب الأمة الواضح المثبت في صلب هذا الإتفاق حول المناطق الثلاث فإنه تبقي الحقيقة ان هذا الإتفاق يُعد أول إتفاق شمالى - جنوبي على تقرير المصير للجنوب، ويضيف بأن هناك إشكاليه في ثلاث مناطق مختلف على حقها في تقرير المصير. وقد جابهنا وقتها هذا الإتفاق بالنقد الشديد موضحين ان تثبيت نقطة خلافيه في أي إتفاق يعطيها الشرعية المستقبليه من عدمه. كان أملنا معقود على ايجاد مخرج من هذا الموقف في مؤتمر القضايا المصيرية بأسمرا 1995 علماً بأن الإنقاذ قد تبع الآخرين وقبل بمبدأ تقرير المصير. وجاءت نتائج اجتماعات القضايا المصيرية مخيبة للآمال إذ نجحت الحركة الشعبية لتحرير السودان في بلوغ مطلبها الأساسي فجاء في الفقرة السادسة من الإعلان الختامي لاجتماعات اسمرا تقول "أن يتم استطلاع رأي سكان ابيي حول رغبتهم في الاستمرار في إطار الترتيبات الإدارية داخل جنوب كردفان أو الانضمام لـ بحر الغزال"، وبذلك تكون قضية ابيي أخذت بعدها السياسي الشمالي - الجنوبي.

 

ولتدارك الأمر فقد نشطت مجموعة خيرة من أبناء مناطق الحزام الحدودي لإدراكنا التام لما تجره مثل هذه الإتفاقات الجزافية بعيداً عن أهل المنطقة ودون دراية بأبعادها من شرور على أهلنا في هذه المناطق. وقد كتبنا المذكرة تلو الأخرى، وحرصنا في كل ذلك أن نملك سياسيينا كل ما نكتب وقد سلمت مذكرات لكل القادة في حزب الأمة والاتحادى الديموقراطي والحركة الشعبيه وكافة القوى السياسية. والحقيقة يجب ان تقال لم نجد منهم أذناً صاغية. وأرسلنا منها لأبناء المنطقة داخل السودان وبصفة خاصة لمن انضم مع الإنقاذ أملاً في ايصال مخاوفنا للحكومة. وقد ظللنا في هذا الحال حتى جاءت المفاوضات الأخيرة في كينيا وقد تفاءلنا خيراً بـ بروتكول مشاكوش حين اعتمد حدود 1956 إطاراً للتفاوض، ولكن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً حيث برزت مشكلة ابيي مرة أخرى عصية كادت ان تطيح بكافة إتفاق السلام. وفي هذه الأثناء تحرك أبناء المسيرية بالداخل وبالمهجر ورفعوا مذكرة للسيد النائب الأول وقتها بنيفاشا موضحين موقفهم الرافض لأى تنازل عن ابيي، وله الشكر في توجيهه للسفير الدرديري بالرد لنا مطمئناً ومؤكداً موقفه المؤيد لما ذهبنا إليه إلا أنه أورد ما يلي: "ومما يؤسف له فإن مساندة بعض القوى السياسية مثل حزب الأمة والتجمع الوطني الديمقراطي لموقف الحركة قد عزز من موقفها وجعل الحركة تعتبر ان موقف الحكومة هو الموقف الوحيد الشاذ من الاجماع الوطني السوداني حول استفتاء دينكا نوك وحدهم على مصير ابيي"، مشيراً الى إعلان اسمرا للقضايا المصيرية آنف الذكر. ولما بلغت المفاوضات درجة من التعثر تقدم بعض من أبناء المنطقة المشفقين على السودان والسلام فيه بمذكرة مخاطبين فيها أعضاء الإيقاد مفادها "أن تُرجأ قضية ابيي وتعالج في إطار مؤتمر إقليمي يجمع طرفي النزاع الذين يعيشون في المنطقة وتربطهم الأعراف ويدركون أبعاد الخلاف". إلا أن الوفد الأمريكي قد حسم الأمر متسلحاً بسيف مسلط اسمه قانون سلام السودان. ولأهمية المقترح الأمريكي اقتطف ما ورد حوله في إعلام السودان في ذلك الوقت ما يأتي: "سلم المبعوث الأمريكي للسلام في السودان جون دانفورث بحضور مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقيه تشارلز إسنايدر ومدير المعونة الأمريكية أندروناتسيوس ومساعده روجرز ونتر وأربعة دبلوماسيين أمريكيين ورقة المقترح الأمريكي لطرفي التفاوض إذ حددت الورقة ما يلي:

"إن منطقة ابيي هى منطقة عموديات دينكا نوك التسعة التى تحولت لكردفان في عام 1905 وأكدت حق المسيرية في التحرك داخل المنطقة للمصالح المختلفة وأبقت الورقة على الوضع الإداري للمنطقة الذى اقترحته الحكومة بأيلولة تبعيتها للرئاسة وإعطاء مواطني ابيي حق المواطنة المزدوج في غرب كردفان وبحر الغزال على ان يديرها مجلس تنفيذي يتم انتخابه من أهالي المنطقة أنفسهم لإدارتها حتى قيام الانتخابات في الفترة الإنتقالية". وأخذت الورقة بمقترح الحركة في مسالة النفط و"أكدت على أهمية المراقبة الدولية لضمان تنفيذ الإتفاق على ان يُجرى استفتاء لمواطني منطقة ابيي متزامن مع الاستفتاء في الجنوب ليكون لأهل ابيي خياران إما الانضمام لـ بحر الغزال او البقاء في غرب كردفان مشيرة الى ان الذين يقومون بالاقتراع هم مواطنو ابيي مع تأكيد الورقه على بقاء حدود 1956 حسب بروتكول مشاكوس بإستثناء ابيي". وفي ذات الصياغ رد السفير دانفورث عند سؤاله في المؤتمر الصحفي الذى عُقد بعد تسليم الورقة الأمريكيه عما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية فرضت مهلة نهائية جديدة على الطرفين قال دانفورش : "إن الولايات المتحدة لا تصدر تواريخ نهائية الى أى كان، لكن ما استطيع قوله هو أن قانون السلام في السودان يخلق في بلادنا تواريخ نهائية عندما يكون الرئيس مضطراً الى تقديم تقرير الى الكونقرس"، مضيفاً "اعتقد انه عاجلاً أم آجلاً سيحين وقت تتساءل فيه الولايات المتحدة وغيرها من الدول المشاركة في عملية السلام في السودان عما إذا كانت هناك طريقة أفضل للاستفادة من وقتها". بهذا حزم دانفورث مقترحه الذى سلمة لطرفي التفاوض. صدر إتفاق نيفاشا بروتكول ابيي مطابقاً تماماً  لما جاء في الورقة الأمريكية دون تعديل. وبقبول هذا المقترح حلاً لمشكلة ابيي نكون قد أسسنا سابقة الرضى بالتخلي عن حقوق قانونية في الحدود.

 

فور صدور هذا البروتكول كتبت في جريدة الخرطوم من بين مجموعة مقالات حول إتفاقات نيفاشا أسميتها "طريق السلام وحدة أم إنفصال" وحول ابيي قلت ما يلي : "لقد تم في هذا الإتفاق تجاوز تام لبروتكول مشاكوس وهو أمر في غاية الخطورة خاصة إذا لم يتم التوصل الى قرار الوحدة وفي هذه الحالة سيفتح الباب على مصراعيه أمام الكثير من مناطق التماس القومي والإقليمي لبلوغ ذات الغاية". والحقت قائلاً "اللافت للنظر في هذا الإتفاق هو التحديد لمنطقة ابيي والذى يفترض أن يكون دقيقاً حاسماً خاصة وأن قضية منطقة ابيي قد أخذت حيزاً كبيراً في التفاوض وكادت ان تحول دون الوصول الى إتفاق. إلا انه جاء مختصراً في سطرين بعيداً عن دقة التحديد، حتى الإشارة الى حدود العموديات التسع عبارة جاءت فضفاضة يمكن ان تدخل الجميع في دوامة تفاوض جديد وقد ربطت بالقرار الإداري المشار له في 1905". وذهبت في حديثي قائلاً "أما إذا كانت الإشارة لحدود جديدة يتم التفاوض عليها استناداً الى ميثاق الأخاء المبرم في عام 1905 ففي هذه الحالة لا أري أدنى إتفاق وأن القضية برمتها ستكون قيد التفاوض من جديد. أرجو مخلصاً ان لا يكون هذا هو الحال، وأرجو مخلصاً ان لا تكون ابيي ذريعة لانفصال الجنوب". وبكل أسف نعلم جميعاً ما آل إليه حال هذه المنطقة الآن.

 

بروتكول أبيي وملحقه

سوف لن اتناول الجوانب القانونية للبروتكول وملاحقه لأن ذلك المحور سيتناولة الأخ الأستاذ المحامي فضل الله الحاج اجبر فهو أهل لذلك إلا ان هناك نقاط جوهرية لا بدَّ من الوقوف عندها والتمعن فيها :

1- عرف البروتكول منطقة ابيي في المادة 2-1-1  "تعرف منطقة ابيي على انها منطقة مشيخات (عموديات) دينكا نوك التسع التى حولت الى كردفان في 1905. وما دام الأمر كذلك فيعنى ان هناك حدود معروفه تم ضمها في هذا التاريخ. والكل يعلم ان الخبراء قد أقروا بعجزهم تحديد حدود هذه المشيخات وفي واقع الأمر في تحديد المشيخات نفسها.

2- وحدد البروتكول آلية ترسيم الحدود في المادة 5-1 بتكوين مفوضية لذلك وبمهام محدده : تؤسس الرئاسة مفوضية حدود ابيي بغرض تحديد وترسيم منطقة مشيخات (عموديات) دينكا نوك التسع التى ضمت الى كردفان سنة 1905.. ويعني ذلك ان مهام هذه المفوضية كل المفوضية تنحصر في الوقوف على هذه الحدود المعلومة وتثبيتها وترسيمها على الخرائط.

3- وحدد أيضاً كيفية تكوين المفوضية ومداها الزمنى في المادة 5-2 "تحدد الرئاسة تكوين المفوضية ومداها الزمني إلا أن المفوضية لا بدَّ من أن تشمل في عضويتها خبراء وممثلين لأهل المنطقة من الطرفين والإدارة المحلية فيها، على أن تنهي المفوضية أعمالها خلال العامين الأولين من الفترة الإنتقالية". وسنرى لاحقاً كيف تم تغيير هذه المادة تغييراً جوهرياً.

4-: وفي المادة 5-3 حددت طريقة عمل المفوضية (على مفوضية حدود ابيي (كل المفوضية) تقديم تقريرها النهائي للرئاسة متى ماجهز. وعلى الرئاسة اتخاذ الاجراءات اللازمة لتنفيذ متطلبات الوضع الإداري الخاص بمنطقة ابيي). ويتضح هنا بأن القرار يجب ان يكون قرار لكامل المفوضية وليس لواحد من مكوناتها.  

 

النقاط الأربع أعلاه هى النقاط الجوهرية في بروتكول ابيي وكما هو واضح منها فإنها تؤسس لقيام مفوضية مهامها تحديد وترسيم حدود لموقع معين ليسمي منطقة ابيي وفي مدى عامين، ونكرر بأن بروتكول ابيي لم يمنح حق نقض لأي من مكونات المفوضية الثلاثة. إلا اننا فوجئنا بعد توقيع الإتفاق النهائي بأن هناك ملحق لبروتكول ابيي تم الإتفاق عليه في 2004/12/17م يخرج تماماً عن روح بروتكول ابيي ويضيف إليه تعديلات جوهرية نوردها فيما يلي:

1-المادة 2.2 من الملحق تضيف: "على طرفي النزاع الطلب من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ومجموعة الإيقاد لترشيح خمسة خبراء يتحلون بالنزاهة وبالمعرفة في التاريخ والجغرافيا وأي امور أخرى لها علاقة بالموضوع. على ان تكون رئاسة المفوضية بواحد من هؤلاء الخبراء".

2-المادة 4-0 من الملحق توضح مسئوليات الخبراء في المفوضية: "ولغرض الوصول الى قرار على الخبراء في المفوضية مراجعة الأرشيف الإنجليزي والمصادر الأخري حول السودان أينما وجدت بهدف الوصول لقرار مبني على البحث والتحليل العلمي. وعلى الخبراء أيضاً تحديد لائحة تنظيم أعمال المفوضية".

3- المادة 5-0 من الملحق تعدل المدى الزمنى في البروتكول وتحول المفوضية الى  فتقول "على لجنة الخبراء في المفوضية تقديم تقريرها النهائي قبل نهاية الفترة الإنتقالية. يكون تقرير الخبراء الذى يتم التوصل إليه حسب اللوائح التنظيمية لعمل المفوضية نهائي وملزم لطرفي النزاع.

 

من الواضح تماماً أن النقاط الثلاث بعاليه قصد بها إلغاء دور المفوضية التى تم الإتفاق عليه في بروتكول ابيي وتحويل كافة مهامها الى لجنة الخبراء فيها بل في واقع الأمر انحصرت في عضوين فقط (الأمريكي رئيساً والبريطاني) كما هو واضح من التقرير وجعل بقية أعضاء المفوضية فقط طرفي نزاع لا غير.

 

حيثيات لجنة الخبراء وقرارها

لقد طالعتنا الأخبار في منتصف شهر يوليو المنصرم بخبر مفاده أن لجنة الخبراء قد أودعت تقريرها لرئاسة الجمهورية وما هى إلا أيام حتى ذاع الخبر المشئوم وعمَّ كافة فيافي البلاد وخارجها. لم نصدق ما قيل إلا حين أكد السيد رئيس الجمهورية بأن ما قدم لهم من لجنة الخبراء غير ملزم ولا يعتد به. وتعالت الأصوات رافضة لما جيئ به وخرجت المظاهرات مستنكرة في كافة أرجاء المنطقة وجيرانها وبصفة خاصه في النهود وغبيش بغرب كردفان وبقية مدن وقرى المسيرية. وأنبرى أبناء المسيرية بالداخل والخارج بالمذكرات والاجتماعات حتى كادت كافة وسائل الإعلام لا تخلو من تصريح أو تعليق أو خبر حول هذا التقرير وجاء أيضا رد المؤتمر الوطنى صريحاً وواضحاً ضد التقرير وجاء رأي حزب الأمة مفنداً ما ذهب إليه التقرير وكذلك انبرت دفاعاً على الحق أقلام في داخل البلاد وخارجها لا يسع المكان لذكرهم جميعاً. ولك