كوش الجديدة/ قضايا اجتماعية اقتصادية معاصرة
سبتمبر/ 2004
الفصل السابع
الدين والسياسة
...
احتل
موضوع الدين
والسياسة، أو
الدين والدولة،
حيزاً كبيراً
في الجدل
السياسي منذ
الستينيات.
وفي جانب منه،
كان امتداداً
لجدل أوسع على
نطاق الأمة
الإسلامية
كلها حول
الحفاظ على
الهوية في
سياق عالم
تعددي. إلا أن دعاوى
الحفاظ على
الهوية تحولت
عند البعض إلى
ذريعة
للالتفاف على
قيم ومعايير تراضت
عليها
الإنسانية لضبط
سلوك الأنظمة
والمجموعات
البشرية. ونفصل
في السودان
بين ثلاث حقب
اختلفت فيها
طبيعة الجدل ومحتواه
ومناهجه التى
تراوحت بين الخطاب
التهييجي والقمع.
الحقبة
الأولى هي تلك
التى شملت كل الفترة من الستينيات حتى السبعينيات، والثانية هي فترة الحكم المايوي،
أما الثالثة فهي التى أعقبت ذلك الحكم وإلى نهاية القرن. هذا التحقيب لا يُسقِط دور
المفاعل الخارجي في تغذية الجدل والصراع على امتداد تلك الحقب، إذ تداخلت الصراعات
المحلية مع الصراع الإقليمي
(فترة النهوض القومي)،
والأممي
(فترة الحرب الباردة)
وتقاطعت المصالح للحد التى لم يعد واضحاً فيه مَن يستغل مَن. وعلنا في هذا المقال
نتناول سبل الإقبال على قضية الدين والدولة في السودان طوال هذا الحقب، وما قادت
إليه من ضغائن وإحن انتهت إلى كروب ومحن. وهذا حصاد مر لا تستريح له نفس ولا
يستطيبه ذوق.
ولكن قبل
تفصيل الحقب نبسط
بضع حقائق قد تعين
القارئ على
إدراك
الأسباب التى أحالت
الجدل بشأن الدين
والسياسة من خلاف
فكري إلى فتن. أولاً
كانت صراعات
الستينيات
جزءاً من
الصراعات
النخبوية
(طلاب
الجامعات،
والنقابات
المهنية) في
إطار الأيديولوجيات
السائدة:
الأممية
(الشيوعية)،
والقومية
(بمدارسها
العروبية
المختلفة)،
والإسلامية.
وكان الجدل
حول الدين
والسياسة وسط
تلك الجماعات يدور
بمعزل عن ذلك الذى
يدور في مدارس الإسلام الشعبي، المُسَيسَّ منه
(الأحزاب ذات القاعدة الدينية)،
وغير المُسَيسَّ
(الطرق الصوفية).
بل ربما اتخذت تلك النخب موقفاً غير ودي من تلك المدارس، وإن تصالحت معها لم تكُ
تفعل ذلك إلا اغتناماً لفرصة دنت. لهذا يقال أن الإسلام السياسي في السودان لم يتسم
بتسامح إسلام أهل السودان.
هذه الأيديولوجيات المتصارعة
ـ شأن كل الأفكار الجزمية
ـ كانت تعاني من خصيصتين عاطبتين. الأولى هي قصورها
الذاتي عن التشكك في صدقية دعاواها، بل ظنها الواثق أن دعاواها
هي الحق المحض.
والثانية هي جنوح أرباب العقائد، على المستوى العملياتي، إلى اختزال الحل لكل
المشاكل الإنسانية في فكرة واحدة، وفي أغلب الأحيان في مصطلح واحد يسهل الارتكان
إليه مثل "الإسلام هو الحل" أو "وحدة الأمة
هي الحل" أو "انتصار الطبقة العاملة" هو
الحل. هذه النظرة أدت إلى ترخص كبير في الإقبال على معالجة أخطر القضايا. ثانياً،
ولربما بسبب من اليقين الكامل بصدق أطروحاتها إن لم يكن تنزيه
ألاطروحات عن كل نقص،
أصبحت هذه الجماعات النخبوية شمولية التوجه، وأخذت، على تباين توجهاتها، تستسلف من
بعضها التجارب، خاصة فيما يتعلق بالتنظيم. وبسبب من نظرتها الشمولية أيضاً صار
إيمانها بالديمقراطية ملتبساً،
هي مع الديمقراطية متى ما وفرت لها مساحة للتنفس
والحركة، وهى ضدها متى ما تمكنت من السلطان المطلق. وحينذاك "لا صوت يعلو على صوت
المعركة"، "ولا حرية لأعداء الحرية"، و "من تحزب خان"، ولا حزب إلا حزب الله "،
"ألا أن حزب الله هم المفلحون".
في كل هذه
الصراعات غاب
أمران: الغائب
الأول هو
السودان:
مشاكله
الوجودية، وتركيبته
التعددية،
وقضاياه المعقدة
بتعقيد
تركيبته. الغياب
هنا معنوي،
فلا شك في أن
أهل العقائد هؤلاء
كانوا من أكثر
أبناء جيلهم اهتماماً
بقضايا
وطنهم، وانهماكاً
فيها، وتضحية
من أجلها، كما
كانوا على ثقة
تامة بقدرتهم التامة
على المعالجة
الناجعة لها.
ولكن، من
طبائع الأشياء
أن الطبيب الذى يَدوي من
نزل به الداء،
ظاهراً أو
باطناً، يبدأ بتشخيص
الداء ليميزه
مما سواه.
بهذا وحده يمكن
للطبيب أن يتعهد
المريض بما
يشفيه. أرباب
العقائد السياسية
بما فيها
الدين المُسَيَّس
كان لهم دواء
واحد لا
يعرفون غيره،
وليس في اعتقادهم
غيره في
الوجود دواء.
ولتعارض الأدوية
وتضاربها
ـ
رغم أن الداء
واحد
ـ
تحول المريض الذى هو
السودان
خنزيراً غينياً
لاغُرم على ما
لحق به من
جراح. وكما يقول
الفقهاء "جُرح
العجماء
جُبار"، أي
هَدَر.
الغائب الثاني هو التواضع المعرفي، والذي هو سمة المجتهد الذى يحترم مرجعيات المعرفة، لا سيما إن كان المجتهد ينتمي إلى دين يقول فقهاؤه: "من قال لا أعلم فقد أفتى". المجتهد الصادق تَحَتكُ الأمور في صدره لهذا يظل وقافاً عند الشك، أما أرباب العقائد في السودان، وعلى اختلاف مدارسهم، فلم يكن عندهم موقع للآخر المخالف لهم إلا بين قطبين: الخيانة في حالة، والكفر في الحالة الثانية، تهم الانتهازية والعمالة في حالة، والأبلسة في الحالة الأخرى. الغائب الثالث هو انسداد الأفق الإنساني نتيجة التعامل غير المعافى مع الآخر المخالف، مرة بالعنف ومرة بالإكراه، وأخرى بالاغتيال المعنوي. هذه ممارسات تلغي الحرية، وإلغاء الحرية إلغاء للإنسانية. كما هي ممارسات تفقد الأديان والنظريات البشرية الطامحة للرقي بالإنسان من أي مضمون قيمي. هذه مقدمة إدراكها ضروري حتى لا تختلط الأمور، حتى ننأى بالدين عن الخطايا التى اجترحت باسمه، كما ننأى بالأفكار الطامحة عن الجنايات التى لحقت بها.
أبنا في
الفصول
السابقة كيف
أخذت الطبقة السياسية
السودانية
تستظل دوماً
(يوم لا
ظل إلا ظله)
بدستور
ستانلي بيكر
"الاستعماري"،
وكيف أن ذلك
الدستور كان محايداً
في موضوع
الدين، لكي ما
لا نقول
علمانياً.
المرة الأولى
التى احتل فيه
الدين
(ونقصد
الإسلام)
موقعاً في
الدستور كان في
مشروع دستور
1968.
ومن الواضح أن
الذين ذهبوا
إلى التنصيص
على الإسلام
والشريعة في ذلك
المشروع
كانوا
ينطلقون من
نظرية سيادة
ثقافة أو دين الأغلبية.
فما التى جاء به مشروع الدستور؟ أورد في مادته الأولى: "السودان
جمهورية ديمقراطية اشتراكية تقوم على هدى الإسلام". وأورد في المادة
(113): "الشريعة هي المصدر
الأساسي لقوانين الدولة". كما جاء في المادة
(114): "يعتبر باطلاً كل نص
في أي قانون يصدر بعد إجازة هذا الدستور ويكون مخالفاً لأي حكم من أحكام الكتاب
والسنة إلا إذا كانت تلك المخالفة قائمة في جوهرها قبل إجازة الدستور".
هذه النصوص الدستورية أوقدت نائرة سجال سياسي / ديني أثبتت التجارب اللاحقة عبثيته، خاصة بعد صدور دستور 1998 "الإسلامي" ونصوص بروتوكول ماشاكوس حول الدين والسياسة. ولعل أجواء التوجس والتحرش والتربص التى كانت سائدة عند إعداد مشروع دستور 1968 (تهم الإلحاد) أضفت على الصراع بشأنه أبعاداً افتقدت أدنى حدود العقلانية. فأولاً لم يكن هناك أي وعي، أو رغبة في الوعي، بأن التعدد الديني في السودان يقتضي أن يعالج موضوع الدين والسياسة بصورة تأخذ في الاعتبار ذلك التعدد. هذا الأمر لم يكن في الحسبان إذ ذهب المشرع على التو لنقل تجارب الدول العربية ـ الإسلامية المجاورة، والتي ليس من بينها واحدة بها ما بالسودان من تعدد ديني، بل من تعددات متقاطعة. وتكاد كل دساتير الدول العربية الإسلامية تتضمن نصوصاً حول دين الدولة، وذهب بعضها إلى ما هو أبعد من ذلك. فالدستور المغربي، مثلاً، ينص في المادة 19 "الملك أمير المؤمنين والممثل الأعلى للأمة ويكفل تطبيق الإسلام". حتى الدستور التونسي (وتونس دولة كان رئيسها المؤسس، الحبيب بورقيبة يجاهر بعلمانيته) يقول في مادته الأولى: "تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها". كما تنص المادة 38 من الدستور نفسه: "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ودينه الإسلام". مع ذلك، لو جاءت نصوص مشروع دستور 1968 في إطار نظام للحكم ضمن لغير المسلمين حقوقهم المدنية كما أقر دستور 1998، أو اتفاق ماشاكوس، فلربما لم تكن لهؤلاء ردة فعل عنيفة ضد تلك النصوص، بل ربما لما جاز لهم ذلك. لهذا لم يكن غريباً إن ارتفعت أصوات الجنوبيين عالية، تماماً كأصوات بعض الشماليين، ضد ذلك الدستور. عن الجنوبيين عبر ابيل الير باسمهم جميعاً بكلمات منذرات ليتنا وعيناها يوم ذاك، فلو فعلنا لما استفحل الأمر. قال أن مشكلة الجنوب لم تتخذ حتى الآن طابعاً دينياً ولكن الإشارات للدين في مشروع الدستور ستنحو بها إلى ذلك الاتجاه. أما الشماليون فقد لخص رأيهم عبد الخالق محجوب بقوله أن اعتراضه على الإشارة للدين في الدستور يقوم على اعتبارين أولهما تهديدها لوحدة البلاد، والثاني الخوف من الفتن التى قد يقود إليها اختلاف المذاهب في تفسير الدين.
ثم جاء نظام مايو وكان إقباله على قضية الدين والسياسة عند وضع دستور 1973 إقبالاً وسطياً. ويفيد أن نذكر أنه تماماً كما كانت قرارات لجنة الاثني عشر أساساً لاتفاق الحكم الذاتي الإقليمي لعام 1972، كان مشروع دستور 1968 هو الأساس لدستور 1973. من ذلك الدستور أُزيلت أية إشارة لدين الدولة، رغم أن البعض كان يرغب في إدخالها. ولم يكن الدافع على رفضها جحوداً بالدين وإنما للاقتناع بأن الإشارة لدين الدولة في الدستور إعلان بلا جوهر. ففي رده على المطالبين بإدراج النص قال الراحل جعفر بخيت "نحن لسنا بملحدين، ولسنا حرباً على الإسلام ولا على دعوته. إن الاقتراح المقدم مظهري إعلامي ليس في جوهره أية دلالات فعلية، فالدولة كائن معنوي يفقد صفة الانتماء الديني القائم أساساً على وجود ضمير فردي يتعبد ويتعامل". في ذات الوقت أبقى دستور 1973 النص على مصادر التشريع وجاء على النحو التالي: "الشريعة والعرف مصدران من مصادر التشريع". هذا النص أقرب إلى الواقع من ذلك التى اعتبر "الشريعة" مصدراً أساسياً "للتشريع"، إذ لو بقى ذلك النص لحق لأي قانوني مبتدئ يُلم بقوانين السودان القول أن الجزء الغالب من تلك القوانين غير دستوري لأنه لم يُستمد من المصدر الأساس.
وأذكر، خلال
مناقشة دستور
1973، أن نائباً
جنوبياً
اعترض على تضمين
الدستور النص
التى يشير
للشريعة
كمصدر للتشريع،
وكان الرد
عليه أن تلك
الإشارة تؤكد
حقيقة قائمة
إذ أن في
السودان قوانين
عديدة مستمدة
من الشريعة، كما
أن المحاكم
السودانية استلهمت
الكثير من
أحكامها من الشريعة.
وعلى أي، قلنا
أن الذى يشرع
هو البرلمان، وما
الإشارة
للشريعة كمصدر،
محددة كانت الإشارة
أو مطلقة، إلا
توجيه للمشرع
باستلهام
مبادئ
الشريعة عند
وضع القوانين،
وليست أمراً
للمحاكم
لكي ما تطبقها
وفق اجتهاد القاضي.
لهذا الرأي ذهبت
المحكمة
الدستورية
العليا في مصر
(1985)
التى يعتبر دستورها
(المادة الثانية من دستور 1980)
"مبادئ الشريعة الإسلامية مصدراً أساسياً"للتشريع". قررت المحكمة في دعوى رفعت لها
أن النص "يستهدف توجيه الشارع إلى استلهام قواعد التشريع من مبادئ الشريعة الغراء
بصفة رئيسة لكنه لا يطلب من المحاكم أن تطبق مباشرة مبادئ الشريعة وتغفل ما لا يتفق
معها من نصوص تشريعية قائمة".
على أن أهم
نص أورده
دستور
1973
هو
المادة
16 والتي أرست،
للمرة أولى في
دساتير
السودان بوجه
لا لُبس فيه،
مبادئ هامة:
الأول
الاعتراف
بالتعدد
الديني في
السودان،
والثاني تعهد
الدولة باحترام
كل الأديان
وحماية
معتنقيها،
والثالث
تحريم
استغلال الدين
لإشعال الفتن. تقول
المادة:
أ. في جمهورية السودان الديمقراطية الدينُ الإسلام ويهتدي المجتمع بهدي الإسلام دين الغالبية وتسعى الدولة للتعبير عن قيمه؛
ب.
والدين المسيحية في جمهورية السودان الديمقراطية لعدد كبير من
المواطنين ويهتدون بهديها وتسعى الدولة للتعبير عن قيمها؛
ج.
الأديان السماوية وكريم المعتقدات الروحية
(noble spiritual beliefs)
لا يجوز الإساءة إليها أو
تحقيرها؛
د. تعامل الدولة معتنقي الديانات وأصحاب كريم المعتقدات الروحية دونما تمييز بينهم فيما يخص حقوقهم وحرياتهم المكفولة لهم في الدستور كمواطنين، ولا يحق للدولة فرض أية موانع على المواطنين أو على مجموعات منهم على أساس العقيدة الدينية؛
هـ. يحرم
الاستخدام
المسئ
للأديان
وكريم المعتقدات
الروحية بقصد
الاستغلال
السياسي وكل فعل
يقصد به أو
يحتمل أن يؤدي
إلى تنمية
مشاعر
الكراهية أو
العداوة أو الشقاق
بين
المجموعات
الدينية
يعتبر
مخالفاً لهذا
الدستور
ويعاقب
قانوناً.
أخطر ما وقع
بعد ذلك أمران،
الأول هو الإلغاء
الفعلي لدستور
1973 في العاشر من
يوليو 1984 عندما استذرع
الدكتور
الترابي بالمادة
التاسعة من دستور
1973 (الشريعة
مصدر التشريع)
لإجراء تعديلات
عن ذلك
الدستور. تلك كانت
حيلة قانونية
غير بارعة لجأ
لها الدكتور،
وكان يومها مساعداً
لرئيس
الجمهورية لأنها
أغفلت المواد
المتعلقة
بكيفية تعديل
الدستور وحددت
الإجراءات
اللازم
إتباعها، وما
وضعت مثل تلك
الإجراءات إلا
لحماية الدستور
من التغول. والثاني
هو إصدار
قوانين
سبتمبر 1983. الموضوعان
تناولناهما
بإفاضة في
كتاب كامل
(الفجر الكاذب: نميري وتحريف الشريعة) لهذا
لنا عن العود
إليهما فسحة. رغم
هذا، ستكون
لنا لُبثة عند
أمرين مما وقع
يوم ذاك لتعلقهما
بهذا الفصل. الأمر
الأول هو أثر
التعديلات
الجذرية للدستور
على الأوضاع
السياسية
بوجه عام، وعلى
الجنوب بوجه
خاص. كان على
رأس التعديلات،
مثلاً، إلغاء
المادة 8
التى
تضمنت حماية
اتفاقية الحكم
الذاتي
الإقليمي،
واستبدال
المادة التاسعة
حول الشريعة
والعرف
كمصدرين
رئيسين للتشريع
بنص جعل
الشريعة
مصدراً
أوحداً،
وإضافة نص في
المادة 14
(المسئوليات
العامة
للدولة) يجعل
للدولة دوراً في
رعاية حقوق الأقليات،
وكانت تلك هي
المرة الأولى
التى يطلق فيها على مجموعة من المواطنين الأصليين وصف الأقليات، كما حُذفت المادة
16 حول الأديان حذفاً تاماً رغم أنها واحدة
من أبرع ما ابتدعه الفقه السوداني الدستوري. تلك لم تكن ضربة قاضية على اتفاقية
أديس أبابا فحسب، بل وعلى مقومات التعايش السلمي بين المسلمين وغير المسلمين في
السودان.
الموضوع
الثاني هو التأييد
المطلق التى
حظيت به قرارات
نميري في
سبتمبر 1983 من
تأييد من جانب
الأخوان
المسلمين. نميري،
فيما نُقَدر، لم
يكن يبتغي من إصدار
تلك القوانين غير
سحب البساط من
تحت أقدام كل
من كان يدعو
لتطبيق الشريعة،
أو إقامة شرع
الله، أو
للصحوة الإسلامية.
ولو كان الدين
بغيته لما قال
في لقاءه
بالجالية
السودانية في أبي
ظبي منذ بضع
سنوات: "الشريعة دي خازوق أنا غزيته وأنا براي البقدر
أقلعه". تأييد الأخوان المسلمين
يوم ذاك لنميري وقوانينه مفهوم من ناحية النفعية
السياسية (political expediency)
البحتة،
ولكن الأخوان
لم يكونوا
يقدمون
أنفسهم كسياسيين
فحسب، بل قدموها
أيضاً كأصحاب
رسالة تتجاوز
حدود
الأوطان،
وكمجتهدة
يمتلكون
أدوات
المعرفة
الحديثة التى
تمكنهم من
الخروج
بالدين من
المدار المغلق
الذى حشره فيه
تحجر الفقه.
وبهاتين الصفتين
كان يعنيهم أن
يكون النموذج
الإسلامي العملي
الذى يطرحون
أسمى وأرفع
مما عداه حتى
يُغري من لهم
الخيرة في
اتخاذ
الإسلام
ديناً، وأجدر
من يكونون
بالإغراء
المواطنون السودانيون
من غير
المسلمين. ذلك
أمر فطن له
الدكتور
الترابي
جيداً قبل
قوانين
سبتمبر، وقبل
تعديلاته
للدستور التى
ضيقت واسعاً
في الدين.
فقبيل إصدار
نميري
لقراراته قام
الترابي بوصفه
نائباً عاماً بمراجعة
شاملة
لقوانين
السودان
(المجلدات التسع
والتي تضمنت
آنذاك
286
قانوناً)
انتهى
منها إلى أن ثمان
وثلاثين قانوناً
فقط من تلك
القوانين تخالف
الشريعة. وللوصول
إلى ذلك الحكم
استعان بلجنة
ضمت نخبة من
القانونيين
وأهل الفكر:
حسن عمر، وعون
الشريف، وعلي
شمو، وسيد أمين،
وميرغني
النصري، وعلى
محمد العوض،
وصديق الضرير،
وعلى عبد
الرحمن
الأمين
الضرير، ومحمد
الجزولي،
واميل قرنفلي،
وجمال بسيوني
(مصري)،
ومحمد
الفاتح حامد.
واقترح
الأخير ضم
جنوبيين
للجنة فاستجاب
نميري
للاقتراح
وأصدر قراراً بإضافة
فرانسيس
دينق، وامبروز
ريني، واكولدا
امانتير، ودفع
الله الحاج
يوسف إلى
اللجنة. وحول
الحدود على
وجه التدقيق
كان للترابي اجتهاد
أحسب أنه وفق
فيه، ومن ذلك
التدرج في
تطبيق الحدود مثل
حد الشرب
(والذي ألحقه الترابي
بالتعزيرات
وليس الحدود)
حيث ترك لحكام
الولايات
حرية تطبيقه
بعد أمد محدد،
وأباح الشرب للأجانب
والبعثات
الدبلوماسية
(أو
بالأصح قضى
بعدم تجريمه)،
كما وجه أن لا
يطبق الجلد
إلا على
الشارب. ولكن
ما أن أصدر
نميري
قراراته حتى
انتهى الشيخ
المجتهد إلى
رأي نقيض حول
تطبيق الحدود
بما فيها تلك التى لم
يدرجها في
منظومة الحدود.
مثلاً، أقر تطبيق
القطع في
السرقة فوراً
لأنه، كما
قال، "قطع لكل
الارتياب
والانهزام
الثقافي"
(الأيام
19/1/1984)، كما أيد
تطبيق "حد
الشرب" على
غير المسلمين
وعلى الأجانب
الذين استثناهم في حكمه الأول مبرراً ذلك، هذه المرة، بالقول "لا استثناء للأجانب
وغير المسلمين من حدود الله وخاصة الشرب فالاستثناءات تقود للتلاعب"
(الأيام 3/10/1983).
قضيتنا
ليست مع
التأييد
السياسي
لقرارات
نميري،
فللسياسة
أحكام. وليست
حول الاتفاق أو
الاختلاف معه
إن كان الذى
طبقه يمت بسبب
إلى شرع الله
أولا يمت. القضايا
التى نوليها اهتماماً
في هذا الفصل
هي أولاً اختزال
شرع الله كله في
العقوبات
المقدرة، خاصة
وقد بقيت من
هذه النظرة ظلال
خلال المفاوضات
الأخيرة حول
تطبيق الحدود
في العاصمة. ثانياً
حق المجتهد الذى
ينقض في
الصباح ما أبرمه
في العشية في
أن يُضفي، أو
تُضفي، أية قدسية
على اجتهاداته
بحيث يصبح
الدين
والاجتهاد
البشري بشأن الدين
سيان، ويصبح
الاختلاف مع
الاجتهاد
البشري كفر وارتداد
عن الدين. ثالثاً
الإساءة
البالغة التى
لحقت بالدين
ليس فقط باختزاله
في الحدود
بمعنى العقوبات
المقدرة، وإنما
أيضاً على
وجهين آخرين.
الوجه الأول
هو الإيحاء أن
تلك العقوبات
هي جوهر الدين،
علماً أن حدود
الله ليست وحدها
العقوبات التى
وردت خمساً، كل
واحدة منها في
آية واحدة: السرقة
(المائدة 38)،
والقذف
(النور
4)، والحرابة
(المائدة
33)، والقصاص
(البقرة 178)، والزنا
(النور 2)، وليس من
بينها ما يعرف
بحد الردة أو
حد الشرب. هذه
الحدود هي جزء
صغير من باب
أكبر هو
العقوبات، في
حين تستوعب حدود
الله ما هو
أشد خطراً من
العقوبات. ففي
العبادات
حدود
(البقرة 187)،
وفي الفروض
حدود
(النساء
13)، وفي الزواج
والطلاق حدود
(البقرة 229)، وفي الأخلاق
حدود
(التوبة 97)، وفي الوفاء
بالعهود حدود
(التوبة 112)، وكل ذلك
يدخل في مجال
تهذيب النفوس
وضبط العادات
والمعاملات. لا
نقول هذا
تقليلاً من
أهميتها،
وإنما
تبياناً لخطل
الرأي الذى
يختزل حدود الله
كلها في خمس
آيات. الوجه
الثاني هو أن الحدود
لم تفرض لكي ما
تصبح سلاحاً
لابتزاز
الخصوم. ولربما
كان نميري
أصدق مع النفس
إن ظن هذا، بعد
أن أطلق على
"الشريعة"
وصفاً خرج به
عن الجادة، وجاوز
به حدود
الأدب: أسماها
"القانون
البطال". قال
في خطابه
بمناسبة
الذكرى
السنوية
لمايو: "كل بيت
ندخله ونفتشه
.. من يشرب في
الخفاء .. من
يزني نفتشه
لأن الإسلام
أمرنا بذلك.
أيوه
سنحاكمهم
بالقانون
البطال ده"
(الصحافة
25/5/1984). تلك زلة
فرويدية
أبانت ما يدور
في أعماق الرجل،
ولكن ما بال
أهل الحجى ذوي
الحِجر يَلبَسون
الدين، كما
قال الإمام
علي، كما
يُلبس الفروُ
مقلوباً. لقد
فرض الدين
قيوداً صارمة
في تطبيق
الحدود
(بمعنى
العقوبات
المقدرة)
أهونها
قيد الإثبات
والبينة. فالحدود
تدرأ، وفي قول
عائشة عن رسول
الله صلعم "إدرأوا
الحدود
عن المسلم ما
استطعتم فإن
كان له مخرج
فخلوا سبيله
فلئن يخطئ الأمام
في العفو
خيراً من أن
يخطئ في العقوبة"
(رواه الترمذي
والحاكم
البيهقي بسند
صحيح). والحدود
فيها الستر، روى
مالك عن سعيد
بن المسيب أن
رجلاً جاء
لأبي بكر وقال
أن فلاناً قد
زنى. قال أبو
بكر "هل ذكرت
هذا لأحد غيري".
قال لا: قال
له" "تب إلى
الله واستتر
بستر الله فإن
الله يقبل
التوبة من
عباده". والحدود
ـ
وهذا هو
أكثر ما
يعنينا في هذا
المقام
ـ لا
تقام بشهادة الإمام،
ويروي أن عمر
الفاروق شهد
رجلاً يزني
فشاور علياً:
"ما قولك في
أمير المؤمنين
شهد رجلاً
يزني" قال علي
"عليه أن يأت
بأربعة شهود
أو يقام عليه
الحد"، أي،
يقام حد القذف
على أمير
المؤمنين. كما
أن علم القاضي
ليس بحجة
فيها، أما في
السودان فقد
أصبحت الحدود في
عهد نميري هي
"القانون البطال"
الذى يبث به
الحاكم
الرعب، وانتهت
في العهود التى تلته إلى
أداة الحاكم الفاعلة
للابتزاز
والإذلال
والإساءة
للخصوم.
على صعيد
الجنوب لم يكن
لقوانين
سبتمبر صله مباشرة
باندلاع
الحرب، أولاً
لأن القرارات
السياسية
المدمرة
(الإلغاء
الفعلي
لقانون الحكم
الذاتي
الإقليمي)،
والإجراءات الإدارية
والعسكرية
الخاطئة
(نقل
القوات
الجنوبية للشمال)
التى أشعلت
الفتيل سبقت
قوانين سبتمبر.
ثانياً لأن
تلك القوانين
لم تمس الجنوب
رغم انطباقها
عليه نظرياً،
بحسبان
أن القانون لم
يَعفِ أحداً
من أهل
السودان في
الشمال
والجنوب. على
أن الهوس الذى صَحِب اندلاع الحرب من
جديد
(تصوير البيانات الرسمية للحرب بوصفها حرباً ضد الكافرين،
واتخاذ الجهاد في سبيل الله شعاراً للجيش، وإضفاء طابع ديني على الجيش)
أكسب الصراع، بالضرورة، بُعداً دينياً. لهذا لم يكن غريباً أن تطالب الحركة بإلغاء
تلك القوانين وتجعل إلغاءها شرطاً من شروط إنهاء الحرب والمشاركة في الحكم، خاصة
ولم يكن خيار الانفصال أو حتى حق تقرير المصير مطروحاً
يوم ذاك بالنسبة للجنوب.
وعقب سقوط نظام مايو أخذت المواقف
تميل للتشدد لأسباب لا علاقة لها بالدين. فمن جانب
اتخذ التجمع النقابي موقفاً
معادياً للأخوان المسلمين
(قبل أن يصبحوا جبهة قومية إسلامية)
لا بسبب تأييدهم لقوانين سبتمبر وإنما لتأييدهم لنظام مايو في مرحلته الأخيرة ومن
ثَمَ تحميلهم كل أوزار النظام. هذا الموقف دفع
الأخوان للاستمساك بتلك القوانين
تماكراً وكيداً "إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً". لهذا أصبح من العسير على السياسة
الشمالية أن تتخذ موقفاً سياسياً راشداً في قضية الدين والسياسة يأخذ في الحسبان
هموم غير المسلمين، كما يكفل المطامح المشروعة للمسلمين، على أن يكون ذلك عبر
القنوات الديمقراطية بحيث يكون القرار في النهاية معبراً عن إرادة الشعب تعبيراً
حقيقياً.
وعند توسد الإسلاميين السلطة ومباشرتهم الحوار مع الحركة الشعبية تقدموا ب