كوش الجديدة/ قضايا اجتماعية اقتصادية معاصرة
سبتمبر/ 2004
الفصل السادس
إعداد الدستور ... أي دستور؟
أي نظام للحكم يضبطه قانون أساس هو مجموعة القوانين والقواعد والمبادئ التى تحدد تخوم المسئوليات والسلطات والواجبات والحقوق. بهذا المعنى لكل أنظمة الحكم، بما في ذلك الأنظمة الشمولية وتلك التى تنسب لنفسها حقاً إلهياً في الحكم، دساتير تنظم الحكم. في هذا الفصل نتحدث عن الدستور بالمعنى الذى ألفناه منذ الاستقلال، ثم أخذنا نستدعيه ونستظل به عقب كل انتفاضة. وبما أن مدركاتنا السياسية كلها قامت على اعتبار ذلك الدستور، أو النمط الدستوري الذى بُني عليه، هو طوق الأمان والسبيل الوحيد للحكم الصالح وللاستقرار السياسي، يفيد أن نتناول ذلك الدستور بالفحص منذ منشئه لنرى إن كان العطب السياسي الذى لحق بنا بسبب نصوص الدستور، أو عدم صلاحية التربة التى غرس فيها، أو لحاجة الدستور إلى تأصيل كما يزعم البعض، أو لأنا، ابتداءً، تعاملنا مع ذلك الدستور كشكل دون محتوى، وعَرض بلا جوهر، وإجراءات بلا معاني.
دستور السودان الذى ظل يحكم به منذ الاستقلال دستور ديمقراطي ليبرالي. وان كانت الديمقراطية هي نمط للحكم، فإن الليبرالية نظام سياسي يهدف لحماية حرية الإنسان، وبوجه خاص حقوقه الطبيعية والإنسانية. ذلك لا يتم إلا بالحد من سلطان الدولة على المواطنين طالما ارتضى المواطنون وامتثلوا لحاكم (دولة) يدبر شئونهم. ذلك الحد من السلطان يتحقق إما بتقليص نطاق ممارسة الدولة له، أو ضبط تلك الممارسة وكبح جماحها. وبما أن الدولة هي التى تضع القوانين يصبح مشروعاً السؤال عما هو الضمان في أن تحد الدولة سلطانها من تلقاء نفسها؟ لا ضمان مطلقاً، لهذا ابتدعت الدساتير اللبرالية مبادئ وضوابط تُعَزَّز (be entrenched) في الدستور بحيث لا يمكن التحايل عليها، أو الإخلال بمعانيها، أو تعديلها إلا وفق ضوابط صارمة. على رأس هذه المبادئ تأمين الحقوق الإنسانية الأساسية للمواطن والتي انضافت إليها في الجيل الثاني من حقوق الإنسان، حقوق الشعوب، كحقوق مقدسة لا يمكن التصرف فيها (inalienable)، ولا تنتهك حرمتها (inviolable). وعلى رأس الضوابط المُعَزَّزة سيادة حكم القانون، ولعلها أهم آليات الكبح والتوازن في الدساتير. لذلك، تمنح الكثير من الدساتير سلطة دستورية للقضاء لحماية الدستور، مثال ذلك سلطته في الفصل في دستورية القوانين، أي، التقرير في إن كانت القوانين خارجة عن، أو مطابقة لأحكام الدستور. هذه السلطة تتمتع بها، على سبيل المثال، المحكمة العليا في الولايات المتحدة وفي الهند، كما كانت تتمتع بها حتى العام 1949 اللجنة القانونية للمجلس الملكي (Privy Council) بالنسبة للدستور الكندي. هناك دساتير أخرى، مثل دستور نيوزيلندا، تمنع المحاكم صراحة من ممارسة هذه السلطة، ولربما اعتمد الدستور النيوزيلندي المكتوب المبدأ الذى سار عليه الدستور الإنجليزي غير المكتوب والقائل أن البرلمان سيد قراره. فكما يقول المثل السائر، يملك البرلمان الإنجليزي أن يقرر بشأن أي موضوع تشريعاً وتعديلاً وإلغاءً باستثناء أمر واحد هو أن يجعل الذكر أنثى والأنثى ذكراً. حتى هذا الاستثناء كاد أن يبطل في زمن العجائب الذى نحن فيه إذ يتداول بعض البرلمانيين اليوم في إباحة زواج المثلين. بنبرة أكثر جدية، نقول أن هذا الحق الذى يوفره الدستور الإنجليزي للبرلمان ليس حقاً مطلقاً إذ أن ذلك البرلمان محكوم بقيد حديد هو التقاليد البرلمانية (parliamentary conventions) والتي لم تسمح له طوال تاريخه منذ إعلان الميثاق الأعظم (ماقنا كارتا) بالخروج عن المبادئ المُعَزَّزة (entrenched) في الدستور.
هذه
مقدمة ضرورية
لمخاطبة قضية
التطور الدستوري
في السودان،
فتاريخ
الدستور في
السودان، كتاريخ
السياسة، تاريخ
مؤس وبائس.
ليس أدل على
ذلك من عجز
السودانيين
عن الاتفاق
على دستور تُحكم
به البلاد منذ
الحكم الذاتي.
الدستوران
الوحيدان
اللذان خرجا
عن المألوف
صدرا في ظل
نظامين
شموليين:
دستور
السودان الدائم
1973
(عهد مايو)،
ودستور
جمهورية
السودان
1998
(عهد "الإنقاذ").
في جميع فترات
الحكم الأخرى
حُكم السودان
بموجب دستور
أعده
البريطانيون،
في الأساس، لإدارة
فترة
انتقالية هي فترة الحكم الذاتي
(دستور ستنالي بيكر).
ومن سخريات القدر أن يكون ذلك الدستور وليداً طبيعياً لمؤسسات قالت عنها الحركة
الوطنية السودانية، على لسان الزعيم إسماعيل الأزهري، "لن ندخلها وإن جاءت مبرأة من
كل عيب". ذلك الدستور أصبح دستوراً للسودان المستقل في
1/1/1956، ودستوراً للديمقراطية الثانية بعد أكتوبر
1964
(دستور
1956
معدل
1964)، ودستوراً للديمقراطية
الثالثة بعد مايو.
ما
هو مصدر
العجز؟ السياسيون
الذين لم يُمَتعهم
الله بفضيلة
التواضع
ومزية نقد الذات
ليس لهم ما يردون
به على هذا
السؤال غير:
"العساكر ما
أدونا فرصة".
هذا إرهاف
بالقول دون
تروى لأن أصل الأزمة
يعود إلى ما
قبل
الاستقلال، وقبل
أن يصبح
للعسكر شأن في
السياسة. بمفردات
اليوم نلخص
الأزمة في:
نظام الحكم،
والهُوية،
وحقوق
الإنسان،
والتهميش
السياسي
والاقتصادي. وبالطبع
لم تكن مظاهر
الأزمة قد
تبلورت على
هذا النحو
قبيل الحكم
الذاتي، إلا
أن جوهرها كان
واضحاً
للعيان على
المستوى
السياسي، كما
كان ينبغي أن
يكون الحل لها
واضحاً على
مستوى الرؤية
لجيل مؤتمر
الخريجين الذى كان يحسب
غاندي ونهرو
أنبياءً للوطنية.
ولهذا السبب
سأصطحب الهند
معي كل ما كان
ذلك ضرورياً
في هذه
الفصول. ولن
نفلح في
التحليل
السليم
لمشاكلنا إن أصبح
الهروب من
التاريخ عادة
لنا ودأباً.
مشروع دستور الحكم الذاتي ـ الذى أصبح فيما بعد دستوراً للاستقلال ـ تضمن مادتين حول الجنوب (وكان موضوع الجنوب هو الأكثر بروزاً يوم ذاك في قضايا نظام الحكم "الفيدرالية"، والهُوية (الدين)، والتهميش السياسي (وضع الجنوبيين في حكم وإدارة الدولة الجديدة). كان ذلك هو الحال قبل أن يتفاقم المشكل وينضم لأهل الجنوب من انضم إليهم من أقوام السودان. هاتان المادتان تناولتا هذه القضايا بصورة لم يكن يكلفنا إتباعها مشقة أو عناء إذ نصتا على أمرين: الأول، هو طمأنه الجنوبيين على مستقبلهم، والثاني، إرضاء طموح نخبهم. وعلى وجه التحديد تعلقت الأولى بضرورة تعيين جنوبيين اثنين على الأقل في مجلس الوزراء، والثانية بمسئولية الحاكم العام عن ضمان أن يلقى الجنوب معاملة منصفة. هاتان المادتان أُلغيتا عقب زيارة صلاح سالم للجنوب ولقاءه مع قيادات الشمال حيث اتفق مع هذه القيادات على إزاحة النصين من مشروع الدستور، ثم أبلغ البريطانيين من بعد أن أحزاب الشمال لا تمثل الشمال وحده بل الجنوب أيضاً لأن تلك الأحزاب جميعاً تضم جنوبيين. ذلك رأي لم يعترض عليه من بين ساسة الشمال إلا رجل واحد هو إبراهيم بدري. تلك كانت هي الدرجة من الاستهانة والتسطيح الفكري التى تعامل بها صلاح سالم مع القضية، وارتضاها ساسة الشمال. ومن المذهل أن الأحزاب الشمالية التى اجتمعت في السابع من يناير 1953 مع صلاح سالم لتقرر في أمر الجنوب في غيبة أهله ضمت ممثلين لحزب ربما لا يزيد أعضاؤه عن الرجلين اللذين وقعا نيابة عن ذلك الحزب الاتفاق مع سالم، ذلكم هو الحزب الوطني والذي مثَله الأستاذ يحي عبد القادر والدكتور عبد القادر مشعال.
مع
ذلك نحسن الظن
ونقول أن ساسة
الشمال كانوا يخشون
من استغلال
الحاكم العام
لذلك النص لتعويق
مسيرة
السودان نحو
الحكم الذاتي.
ونحسن الظن
أيضاً ونقول
أنهم كانوا
عازمين على
الأخذ بيد
الجنوبيين
والاعتراف
لهم بحقوقهم
المشروعة في
الوطن الواحد،
خاصة وقد
اتفقوا
جميعاً مع
صلاح سالم، واقنعوا
البريطانيين بذلك،
أن البرلمان
المنتخب سيضع بديلاً
لهذا النص يُرضي
الجنوب. ولكن،
ما الذى وقع
فيما بعد؟ لم
يضع البرلمان بأي
صورة من
الصور، بديلاً
لتلك المادة التى
ضُمنت في مشروع الدستور لحماية حقوق الجنوب وطمأنة أهله، بل لم يحترم حتى ما تعهد
به للجنوبيين حول الفيدرالية كما أسلف الذكر. وهكذا أصبح ذلك الدستور بقصوره العضوى
ـ
على الأقل فيما يتعلق بنظام الحكم
ـ عاجزاً عن تلبية حاجات كل أهل الوطن الواحد، وبالتالي
ما كان ليصلح أساساً لحكم مستقر، طالما لم يكن هناك تراض عليه بين أهل السودان.
ولئن تقاصرنا في موضوع نظام الحكم، كَفاً أو عجزاً، عن إرساء القواعد لبيت يتفيأ أهل السودان جميعاً ظلاله عن اليمين والشمائل، فقد كنا أقل تقصيراً في التوافق على فكرة المواطنة والتبعات المترتبة عليها. والمواطنة مفهوم عابر للفوارق الدينية، والثقافية، واللغوية، إن لم ندركه على هذا الوجه فلن ندرك المغزى الحقيقي لحقوق الإنسان والمواطن. ومن الطريف أن هذا هو الاسم الذى كان يطلق على تلك الحقوق عند منشئها في الثورة الفرنسية، أول عهد الإنسانية بتلك الحقوق. وفي اللحظة التى أخذنا نقسم فيها أهل الوطن إلى أغلبية وأقلية، ضللنا الدرب وذهبنا حيارى في مفازة لا دليل فيها ولا علامة. لاشك في أن في كل بلاد الله هناك أغلبية وأقلية عددية. ولاشك في أن الحظوظ السياسية في هذه البلاد تقدر بميزان العدد. كما لاشك أيضاً في أن الأمم درجت، أو بالأحرى درج العنصر أو الجماعة الغالبة فيها، على السعي لاستيعاب الجماعات الأقل عدداً في السياق العام، كان ذلك في اللغة أو الثقافة أو الدين، ويُبرر ذلك دوماً بأنه تحقيق لإرادة الأغلبية. بيد أن هذه النظرة الآلية للأغلبية والأقلية في الأنظمة الديمقراطية تنتهك أهم مبدأين فيها، ألا وهما المساواة في الحقوق والواجبات والمساواة أمام القانون. ولئن نزعم أن لم يكن لنا عن ذلك الأمر حَدَد أو بُد، نكون غير صادقين. كانت أمامنا تجربة الهند التى نعرفها حق المعرفة أو بهذا ظللنا نوحي شعراً ونثراً وغناءً. يعرفها السياسيون الذين كانوا يطالعون ويتدارسون أفكار ساستها (أقرأ كفاح جيل لأحمد خير، والديمقراطية في الميزان لمحمد أحمد محجوب)، تماماً مثل الذى كانوا يُحَلون جدران منازلهم بصور زعمائها الهندوس، غاندي ونهرو لا المسلمين منهم، مثل محمد علي جناح (أقرأ مذكرات أحمد محمد يس). إضافة إلى ذلك يعرفها رجال القانون الذين أصبح لهم كتاب العلامة راتنلال انجيلاً في الفقه، وأهل الفن الذين طالما تهدج صوت حاديهم وهو يغني لوجه غاندي ولصوت طاغور وصدى الهند العميقة. نحن حقيقة لا نعاني فقط من ضعف في الذاكرة، وإنما أيضاً من فقدان تام للبؤرة التى يتركز فيها الاهتمام بأي شيء، فكل حدث مرجع لذاته.
أياً
كان الحال،
تلك الرؤى
والممارسات التى
ظلت سائدة حتى
الستينيات فقدت
معناها إن كان
لها حقاً
معنى، كما
فقدت شرعيتها
إن ظننا أبداً
أن لها شرعية.
فمنذ ذلك
التاريخ
تبدلت الأمور
على وجهتين، الوجهة
الأولى هي
صدور الجيل
الثاني من العهود
الدولية لحقوق
الإنسان
المدنية
والسياسية
والاقتصادية
والاجتماعية
والثقافية
والتي أصبح
الخروج عنها
خروجاً عن
الشرعية الدولية.
أما الوجهة
الثانية فهي نسف
القانون
الإنساني
الجديد لكل
المفاهيم السائدة حول الأقليات. فالقانون الآن يميز
بين الجماعات الأصلية (indigenous)
والأقليات (minorities)
في
داخل الدول
(الاتفاقية
الدولية بشأن
الشعوب
الأصلية والقَبلية
1989). فالأكراد في
العراق،
والأقباط في
مصر، والأمازيغ
في الجزائر
والمغرب، لا
تطلق عليهم صفة
الأقلية
لأنهم أصحاب
حقوق تاريخية
ثابتة في
أوطانهم. ويُعَرِّف
القانون
هؤلاء بـ
"المجموعات التى
استقرت تاريخياً في أرض معينة ولها علاقة سلفية أو قَبلية
(ancestral) بتلك
الأرض،
وتواصل
وجودها في تلك
الأرض قبل
نزوح جماعات
أخرى لها، أو
غزوها من جانب
الاستعمار".
هذه الإشارة
هامة لكي ما
نزيح من أذهاننا
المفاهيم التى تقسم المواطنين
إلى أغلبية
وأقلية وفق
معايير محددة
بطريقة ذاتية لنصل
بها إلى نتائج
معينة. فالذي يقول
أن أغلبية أهل
السودان
مسلمون لا
يقول إلا
حقاً، ولكنه
لا يصبح محقاً
عندما يريد أن
يبتني حكماً
سياسياً على هذه
المُسَلمة يترتب
عليه حرمان
مواطنين مهما
كان عددهم من حقوقهم
الأساسية مثل
إعلان
السودان دولة
مسلمة. والذي
يقول أن أغلبية
أهل السودان من
الرجال قد
يكون صادقاً،
ولكنه يفتقد
الصدقية إن
أراد التوسل
بتلك الحقيقة لإصدار
حكم يترتب
عليه حرمان
النساء من
حقوق أساسية
يستأهلنها
بحكم
إنسانيتهن لا
بحكم الجنس أو
النوع.
على
المستوى العملي،
ورغم دعاوى
الأغلبية
والأقلية، لم
تبدأ هذه
التفريقات
الزائفة في إفراز
أي ظواهر
سلبية أو
عدائية، كان
ذلك بالنسبة
للدين أو
اللغة، إلا في
الستينيات عندما
تحول الدين
إلى منتوج
سياسي محض،
وأصبحت اللغة
تعبيراً عن
وطنية عرقية
(اثنية).
وبتدافع الفعل
ورد الفعل، خرجت
قضيتا اللغة
والدين عن
حجمهما
الطبيعي.
فمثلاً، منذ بدايات
الحكم الذاتي تقبل
الجنوبيون بلا
عناء الإصلاحات
التى أدخلها
وزير المعارف
عبد الرحمن
على طه على
التعليم في
الجنوب عام
1949.
ففي خطابه
أمام الجمعية
التشريعية
(1/11/1949)
أعلن الأستاذ
المعلم "بما
أن السودان
قطر واحد
تشترك جميع أجزائه
في مؤسسات
سياسية واحدة
فإن أول ما
يجب تحقيقه هو
أن تكون للبلاد
لغة واحدة
يفهمها
ويتحدث بها
جميع أبنائها
ولا يمكن أن
تكون هذه
اللغة غير
العربية". وذهب
واحد من قادة
الجنوب
يوم ذاك
(بوث
ديو)
إلى مطالبة
الحكومة بالإسراع
في تعليم
الجنوبيين
اللغة
العربية حتى
يلحقوا بإخوتهم
في الشمال،
ولم يكن بوث
ينظر للغة إلا
بحسبانها
وسيطاً
للمخاطبة والمعرفة
والتعلم. وكان
لبعض
الأساتذة
الأجلاء مثل
سر الختم الخليفة
وأحمد حسن فضل
السيد ومصطفى أبو
شرف دور هام في
أداء هذه
المهمة في
الجنوب أقبلوا
عليها بحنو
الأب،
وموضوعية
المعلم. في
ذات الوقت ظلت
اللغة
الإنجليزية
لغة عمل معترف
بها في
البرلمان وفي
دوائر
الحكومة في
الجنوب.
الشيء نفسه يصدق على
الدين حيث لم
تجعل منه
الدولة ولا
أهل السياسة
عظمة نزاع حتى
قيام نظام
عبود. ذلك
النظام الذى
لم يُعَرف
بتدين أهله بادر
باتخاذ إجراءات
عبثية آذت
السياسة ولم تَفِد
الدين مثل استبدال
عطلة الأحد
بعطلة الجمعة
في الجنوب،
واستبدال
الأسماء
المحلية أو
المسيحية بأسماء
عربية أو
إسلامية. وكان
الجنوبي يطلق
على تلك
الأسماء التى
فُرضت عليه
"اسم بتاع
حكومة".
ولعلنا نترك
قضية الدين
لنعالجها
بإفاضة في
الفصل
التالي ونقتصر
الحديث في هذا
المقال على تداعيات
قضية الهوية
الثقافية منذ
الستينيات.
بدأت
الأزمة عندما
أخذت القضية
تأخذ بعداً
شوفينياً من
جهة، وازدرائياً
من جهة أخرى.
وفي الفصول
السابقة
ألمحنا إلى
نماذج عديدة من
هذه
الشوفينية
والتي ُترَد
في أغلب
الأحوال، إما
لرغبة شرائح
معينة من
الجماعات
المستعربة
لإدامة
الهيمنة
السياسية أو
الاقتصادية، أو
لغلواء بعض
النخب ذات
المصلحة في الإبقاء
على هذه
الهيمنة.
والمؤسي حقاً
أن هذه
الجماعات
تتحدث دوماً
عن الحفاظ على
الهُوية
العربية /
الإسلامية
بصورة وضعت
الدين حيث لا
ينبغي أن يكون.
فالفهم الملتبس
للهوية جعل من
الإسلام
والعروبة
آليتين متصادمتين،
بحيث أصبحت الأولى
(العروبة من
منظور عرقي)
هي
آلية الإقصاء،
في حين ظلت الثانية
(الإسلام)
هي آلية
الاحتواء بامتياز
لأن الإسلام
لا يميز بين
الناس على
أساس أعراقهم
وأصولهم.
وحقيقة كان
الإسلام هو
المفاعل
الأهم في
توحيد أهل
السودان مما
يعني أن
المسلمين العروبيين
(بالمعنى
العرقي
للكلمة)
لم
يستبطنوا أبداً
روح الدين الذى يرفعون
راياته. "قالت
الأعراب آمنا
قل لم تؤمنوا
ولكن قولوا أسلمنا
ولما يدخل
الإيمان في
قلوبكم. وإن
تطيعوا الله
ورسوله لا
يلتكم من
أعمالكم
شئياً إن الله
غفور رحيم". غفر
الله لنا
ولهم. أما
الازدرائية،
أو إن أردت
الوصائية،
فقد عَبَرت
عنها جميع
المدارس
والاتجاهات
الفكرية
(منذ
مدرسة أبروف إلى
كل مدارس
القومية
العربية)،
والتي
لم تكن ترى في
الثقافات
المحلية ما هو
جدير
بالاحتفاء.
أياً كان الأمر، تولدت عن هذه التوجهات غير الرشيدة تيارات مناهضة للثقافة العربية ككل بوصفها واحدة من أدوات هيمنة الشمال المستعرب على الجنوب غير العربي بحيث أصبحت اللغة والثقافة العربية مدانتين بالتداعي وتوقفت السيرورة الطبيعية للغة العربية. هذه الحقيقة البسيطة افتطن إليها البريطانيون بعد أن أعيتهم الحيل لمحو اللغة العربية في الجنوب. فمثلاً، كتب حاكم عام السودان، السير جون مافي في تقرير له يقول "أينما ذهبت، سواء في أعالي الايماتونق أو عند حدود الكنغو البلجيكية، أجد الجميع يتحدث اللغة العربية بمن فيهم الناطقون الرسميون باسم القبائل. إزاء هذه الحقيقة أو لا يجب أن نتملى جيداً فيما نبذله من جهد ومال لقمع اللغة العربية. وبالفعل، أو لا يجب أن نتفكر كيف يمكن أن تصبح هي الأداة الفعالة لتنفيذ سياستنا". (تقرير الحاكم العام 12/7/1927). وعبر السنين لم تنتشر اللغة والثقافة العربية في جميع أرجاء السودان عن طريق الأوامر والنواهي والنصوص الدستورية وإنما تم عبر التنافذ أو التناضح (osmosis) الاجتماعي والذي كان من أدواته التساكن، والمتاجرة، والتزاوج، والتعليم، والفن، والموسيقى. أو ليس من المدهش أن يكون السوداني الوحيد الذى وجه له زعيم الحركة الشعبية الدعوة عبر النائب الأول للمشاركة في توقيع بروتوكول السلام في نايفاشا هو الأستاذ محمد وردي، نوبي من أقصى الشمال جاء ليغني لأهل الجنوب بلغة لا هي لغته الأم ولا لغتهم: "أنت يا أكتوبر الأخضر". هذه هي ظلال الصورة التى لا يبصرها ولن يبصرها الشوفينيون الذين أغشى الله أبصارهم.
اللغة في حد ذاتها ليست مشكلة بالضرورة، فهناك بلاد كثيرة لا ينص دستورها على
لغة رسمية مثل كينيا ويوغندا اللتين تستخدمان الإنجليزية والسواحيلية حسب الحاجة
والضرورة إليهما، في حين اعتمدت جارتهما تنزانيا السواحيلية لغة رسمية. وفي نيجيريا
لا ترد إشارة للغة الرسمية للدولة في الدستور النيجيري باستثناء الإشارة في المادة
55
من لغة العمل في البرلمان، وتقرأ: "أعمال الجمعية الوطنية تتم باللغات الإنجليزية،
والهوسا، والايبو، واليوروبا وعلى الدولة توفير الإمكانيات اللازمة لتحقيق هذا".
أيضاً، رغم اعتماد اللغة الإنجليزية عُرفاً لغةً رسمية للولايات المتحدة لا يتضمن
دستورها أي نص حول لغة الدولة. المشكلة تبدأ دوماً عند ما تصبح اللغة، كما قلنا،
تعبيراً عن وطنية عرقية
(اثنية).
ونعرف من التاريخ إلى ماذا قادت رحلة الوطنية الاثنية، من خطاب يوهان فيخته
(رسالة إلى الأمة الألمانية)
في
1807
إلى خطب النقاش البافاري ادولف هتلر في مدينة ميونخ. ولحسن الحظ لم تبلغ الشوفينية
التى عمقت من مشاعر الجفوة عند بعض الجنوبيين نحو اللغة العربية، وحملت آخرين منهم
على الاستدعاء القسري لثقافاتهم المحلية ذلك الحد من الفُحش. بل أضيف أنه رغم كل
مآسي الحرب الأخيرة فإن الدور الذى قامت به الحركة الشعبية في توسيع نطاق التعامل
باللغة العربية، لم تقم به أي حركة ذات منشأ جنوبي من قبل، ولأسباب عملية وظروف
موضوعية بحتة. فالحركة تضم عناصر تنتمي لأقوام وجماعات تتواصل فيما بينها باللغة
العربية، لسان التخاطب المشترك الوحيد. كما تسعى لأن تقوم بدور سياسي في كل أرجاء
القطر، بما في ذلك الشمال. والحركة على مستوى قياداتها بنت، ومازالت تبني جسوراً
عديدة للتفاعل مع القوى السياسية والاجتماعية في شمال السودان، ومع دول عربية خارج
السودان.
نعود على
بدء لنقول أن اتخاذ الأغلبية والأقلية معياراً عند تأسيس الحقوق التى ترتكز على
المواطنة مثل حق الأقوام التى يجمعها وطن واحد في الاحتفاظ بخصائصها الثقافية
وتطويرها إن أرادت، ينسف فكرة المواطنة من أساسها. فالمواطنة تعني أن يكون الوطن
دوماً هو نقطة التوجه الأساس (primary
point of orientation)
عند إقرار الحقوق والواجبات، لا العرق ولا الدين ولا النوع. هذا ما ذهبت إليه الدول
التى كان في مقدورنا الاستئناس بتجاربها. من ذلك تجربتان جديرتان بالتملي
لتناقضهما، الأولى تجربة سيريلانكا، والثانية تجربة الهند. سيريلانكا دولة صغيرة
لكنها تتمتع بما لا تتمتع به جاراتها: التجانس بين أهلها، وفرة مواردها، علاقاتها
الطيبة مع كل جاراتها، انعدام الفوارق الدينية الحادة بين مواطنيها، مستوى التعليم
العالي الذى حظي به مواطنوها (90%
من الرجال و80% من الإناث).
رغم هذا أشعل قرار واحد أصدرته رئيسة الوزراء باندرنايكه في عام
1956 بعد اثني عشر عاماً من استقلال جزيرة
سيلان (الاسم القديم
لسيريلانكا) ناراً لم تخمد
بعد. فلدوافع وطنية مقدرة قررت باندرنايكه أن تصبح اللغة السينهالية
(Sinhalese)
اللغة الرسمية للدولة الجديدة وعلى كل المستويات بعد أن ظلت الإنجليزية لغة رسمية
لسيلان طوال مائتي عام، مع الاعتراف للغة التاميل
(لا يزيد عدد التاميل عن ربع
سكان الجزيرة) بالموقع الثاني.
ذلك القرار الوطني لم يُرض التاميل الذين يفاخرون، هم الآخرون، بلغتهم، فكانت الحرب
التى ظلت مشتعلة طوال أربع عقود من الزمان. ومن الطريف أن دولة النرويج التى ترعى
مفاوضات الإيقاد هى نفسها التى ترعى أيضاً المفاوضات لإنهاء الاحتراب في سيريلانكا.
التجربة
الثانية هي تجربة الهند، وليس للهند مثيل في التنوع اللغوي والديني. ورغبة من آباء
الاستقلال في الحفاظ على وحدة الهند السياسية، ومراعاة الخصائص الثقافية لشعوبها
المختلفة، وتحقيق التفاعل الخلاق بين ثقافاتها، ابتدعوا صيغاً دستورية رائعة لتحقيق
هذه الأغراض. مثلاً، نصت المادة 343
من الدستور الهندي على أن اللغة الهندية (Hindi)
هي اللغة الرسمية للهند مع السماح باستخدام اللغة الإنجليزية لمدة
15 عاماً بعد الاستقلال. كما نصت المادة
345 على حق الولايات في استخدام الهندية أو
أية لغة أو أكثر كلغات رسمية حسبما يقرر برلمان الولاية. ووجهت المادة
350
(أ)
بتوفير التعليم الأولي باللغة الأم لأبناء وبنات الولايات المختلفة، والمادة
350؛
(ب)
بتعيين معتمد خاص لشئون الأقليات اللغوية لدراسة المشاكل الناجمة عن التعدد اللغوي
في الهند وتقديم النصح للحكومة الاتحادية عن وسائل معالجتها. أما المادة
351 فقد نصت على مسئولية حكومة الاتحاد في
تطوير استخدام اللغة الهندية حتى تصبح وسيطاً للتواصل بين أهل الهند جميعا على أن
تُثرى بأساليب وأنواع التعبير الموجودة في اللغات الهندية الأخرى حتى تعكس عبقرية
اللغات وتنوع الثقافات الهندية. وفي جميع هذه النصوص لم يستخدم الدستور تعبير
الأقليات في وصفه لشعوب وأقوام الهند.
بتوقيع
اتفاقيات
نايفاشا ترك
السودان بشكل
قاطع هذه
القضايا وراء
ظهره،
فتماماً كما حُسمت
قضية نظام
الحكم، تم حسم
قضايا اللغة
والثقافة،
والحقوق
الأساسية وطرائق
حمايتها. فحول
اللغة وردت
الإشارات
التالية:
جميع
اللغات
المحلية لغات
قومية يجب
احترامها؛
اللغة العربية هي اللغة الأوسع انتشاراً في السودان
(إشارة
وتنبيه إلى أنها لغة التواصل)؛