كوش الجديدة/ قضايا اجتماعية اقتصادية معاصرة
سبتمبر/ 2004
الفصل الخامس
التحول الديمقراطي ... الوهم والحقيقة
في هذا الفصل والفصلين التاليين نتناول موضوعات ثلاثة ترتبط ارتباطاً وثيقاً ببعضها البعض في الحالة السودانية: الديمقراطية، الدستور، الدين والسياسة. وفي مُجملها تندرج هذه الموضوعات في باب التحول الديمقراطي، الموضوع الذى يستحوذ بعد موضوع السلام على اهتمام واسع، ولعله يسبقه في هرم الاهتمامات عند البعض. الموضوعات الثلاثة فجرت خصومات فكرية طاحنة، بل حرباً أهلية سياسية دمدمت على الوطن حتى كادت أن تهلكه. ولئن يتحول الخلاف السياسي إلى حرب فإن هذا يعني أن الاقتراب من معالجة هذه القضايا كان اقتراباً خاطئاً، ولو يكن كذلك لكان السودان إلى العافية أقرب.
بروتوكولات
السلام
اقتربت من هذه
القضايا
اقتراباً
سليماً عند ما
ذهبت مباشرة
إلى جذور
الأزمة، ونأى
الطرفان،
بقدر ما
استطاعا، عن
النظر إليها عبر
عدسة
أيديولوجية مُشَوِهة.
هذا الاقتراب
جعلهما يدركان
أن "حل النزاع
السوداني
بصورة عادلة
ومستدامة" لن
يتحقق إلا بـ "إيجاد
حل شامل يعالج
التدهور
الاقتصادي
والاجتماعي
في السودان
ويستبدل
الحرب، ليس
فقط بالسلام،
بل كذلك
بالعدالة
الاجتماعية
والسياسية
والاقتصادية
واحترام
الحقوق
الأساسية،
الإنسانية
والسياسية
لكل شعب
السودان"
(ديباجة
بروتوكول
ماشاكوس). التحول
الديمقراطي الذى لا يصطحب
هذه المعاني،
أو يحقق هذه الأهداف
لن يقود إلى
سلام بالمعنى
الذى تمناه
بروتوكول
ماشاكوس، وهو
السلام
الوحيد الذى قد تتوفر له فرص الديمومة. لهذا
يصبح الافتراض أن التحول الديمقراطي هو استعادة الديمقراطية على صورتها التى
ألفناها، خطأً كبيراً، لا سيما ونحن نعرف جميعاً أن تلك الديمقراطية لم تحقق
سلاماً، بل لم تكن حتى قادرة على حماية نفسها. مقتل تلك الديمقراطية، فيما نزعم، هو
تغليبها الوجه الشكلي الإجرائي (procedural)
على الوجه الجوهري (substantive)
للديمقراطية. وكلما قرأت الروايات الرومانسية التى يصف فيها المحللون السياسيون،
خاصة من ينتمي منهم للأحزاب، تاريخنا السياسي منذ الاستقلال تبادر إلى ذهني أنهم
يصفون أرض الميعاد، لا بلداً نعرفها. نخطئ في حق أنفسنا خطأً لا يغتفر إن وظبنا على
أسطرة التاريخ لأنها كادت تجعلنا نصدق أن لسنا فقط "أمة الأمجاد والماضي العريق"،
وإنما أيضاً أمة القدر الساطع. وأحسب أن خمسين عاماً من الاحتراب بين الأخ وأخيه،
ومن الإهدار الشنيع للموارد، ومن الملايين من القتلى والمشردين، ومن الاستحقار
الخفي والمعلن من الآخرين، كافية لفتح بصائرنا على أن ثمة خطأ ما يستوجب التوقف
عنده، والكف عن التباهي بديمقراطيات مؤودة
استعدناها ثلاث مرات ولما تزل "ريمة على
قديمة".
الديمقراطية كنظام للحكم، مثل كل الأنظمة، ظاهرة عارضة في التاريخ ونتاج للجهد
البشري لتطوير كل وجوه الحياة بما فيها الحكم. وفي سعي الإنسان لابتداع نظام للحكم
يضمن له الأمن والاستقرار، كما يحمي حقه في الوجود والحرية كحق مقدس، برزت
الديمقراطية كنوع من الحكم تُستمد فيه السلطة من الشعب ويمارسها إما مباشرة، أو عبر
ممثليه المنتخبين انتخاباً حراً. بهذا المعنى شاع تعبير
أبراهام لنكولن في وصف
الديمقراطية: "حكم الشعب بواسطة الشعب ولأجل الشعب". مع ذلك، لحق بالديمقراطية
تعهير شنيع عندما اختطفتها كل الأنظمة، حتى الشمولية منها، وابتدعت لها أوصافاً ما
أنزل الله بها من سلطان مثل الديمقراطية الموجهة
(سوكارنو)،
المركزية الديمقراطية
(الأنظمة اللينينية)،
الديمقراطية الاجتماعية عبر تحالف قوى الشعب العاملة
(الميثاق الناصري وتابعه السوداني)،
ثم أخيراً ديمقراطية التوالي
والتي افتعل لها صانعها نسباً في القرآن الكريم وكأن
ليس في الكتاب أيضاً "ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع"، كما فيه
"ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض". كل هذه الديمقراطيات المزعومة سقطت
بتآكل رأسمالها المعنوي لأن فكرتها المحورية هي احتكار الحقيقة ونفي الآخر المغاير.
وحمداً لله، من قبل ومن بعد، أن آمنا جميعاً بفضيلة الديمقراطية اللبرالية.
الديمقراطية، إذن، هي فكرة أو نظام يتداخل فيه القانون مع السياسة والأخلاق،
لهذا لا يجوز اختزالها في مقوماتها الشكلية والإجرائية مثل تعدد الأحزاب،
الانتخابات، الفصل بين السلطات، الحريات المدنية، التعاقب السلمي المنتظم للحاكم
الخ.. لو كان هذا هو الحال لما استقرت الديمقراطية في الكثير من دول العالم، خاصة
في الدول التى لحقت بها نقمة
(أو مَنَ الله عليها بنعمة)
التعدد والتنوع. فالتعدد والتنوع، نعمة من نعم الله الكبرى إن أُحِسنت إدارته، وشر
مستطير لو تُرك لذرائع الفتن. والديمقراطية، بلا جدل، تعني حكم الأغلبية، ولكن ليس
صحيحاً البتة أن حكم الأغلبية يقود، ضرورة، إلى إهدار حقوق الأقلية. فمبادئ
الديمقراطية تحض على احترام الحقوق الأساسية للأغلبية والأقلية على السواء بالقدر
الذى يُمَكِن الأقلية أن تصبح أغلبية أن توفرت الظروف الموضوعية لذلك. الكلمة
المفتاحية هنا هي "الموضوعية"، بمعني أن حرمان أي مواطن أو مجموعة من المواطنين من
ممارسة حقوقهم لأسباب ذاتية مثل العِرق أو النوع
(وهي الأسباب التى لا يد لهم في صنعها)
يهدم الديمقراطية من أساسها، ويفقد الحكم الديمقراطي شرعيته المعنوية. وللأستاذ
جورج طرابيشي رأي في هذا الموضوع استحببناه. قال في كتيبه الصغير "في ثقافة
الديمقراطية: "اختزال الديمقراطية إلى مجرد
إجرائيات من شأنه أن يقتل بذرتها في
مهدها، فالثقافة الديمقراطية هي شرط تخصيب التربة وشرط النماء". ويمضي متحدثاً عن
مفهومي الأغلبية والأقلية يقول: "الأغلبيات فيها الأفقي المتحول، وفيها العمودي
الثابت... ما هو عمودي في المجتمع هو كل ماله صل بالهوية سواء تجلت هذه الهوية
بالدين أو الطائفة أو الاثنية أو القبيلة. أما ما هو أفقي فذاك ما هو عابر لتلك
الكيانات الثابتة والدائمة وما يمكن أن يتمثل بمؤسسات المجتمع المدني أو الأحزاب
السياسية
(بالمعنى الحديث للكلمة)
أو النقابات". وفي اللحظة التى عكفت فيها على إعداد هذه المقالات استرعى اهتمامي
حدث يبين خطورة التداعيات الناجمة من النظرة الضيقة لما أسماه طرابيشي العمودي
الثابت في الهوية. ذلك هو توصية لجنة القانون والدستور في الكنيست الإسرائيلي بشأن
طبيعة الدولة تمهيداً لتضمينها في مشروع دستور دولة إسرائيل. وكما هو معروف ليس
لإسرائيل دستور مكتوب، ومن بين أسباب عجزها عن وضع ذلك الدستور إصرار غلاة
المتطرفين اليهود على إعلان إسرائيل دولة يهودية، الأمر الذى ظل يرفضه العلمانيون
في حزب العمل. النص يقول "إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية"، ولعل الذى أثار اهتمامي
بوجه خاص اعتراض النائب البرلماني العربي عزمي بشارة على ذلك النص ووصفه له
بالغوغائية لما فيه من تناقض. وكبديل للنص اقترح بشاره ما يلي: "إسرائيل دولة لكل
مواطنيها".
مفهوم الشرعية نفسه يحوطه الكثير من اللبس، خاصة في التعبير العربي. فللشرعية وجهان، وجه إجرائي والثاني جوهري، يعبر عنهما في اللغات غير العربية بمفردتين مختلفتين. فالشرعية بمعنى (legality) تشير إلى قيام النظام على قواعد قانونية (دستورية) متفق عليها مسبقاً، ومتى ما توفرت تلك القواعد اكتسب النظام شرعيته. مثال ذلك أن يحكم النظام وفق دستور متفق عليه، وأن يصل إلى الحكم عبر أسلوب مقنن ومتفق عليه أيضاً مثل الانتخابات. المعنى الثاني (legitimacy) يشير إلى شرعية أخلاقية لا تُستمَد من الدستور أو القانون فحسب، وإنما أيضاً من الالتزام بقيم إنسانية، وسياسية واجتماعية اتسمت بالعالمية، أو بقواعد سلوكية أجمع عليها الناس. من ذلك احترام حقوق الإنسان بمعناها الواسع، سيادة حكم القانون، التزام قواعد الحكم الصالح (good governance) ومنها الصدق والشفافية. فعندما يقول المحللون السياسيون في بريطانيا اليوم أن توني بلير فقد شرعيته فإن هذا لا يعني مطلقاً فقدانه الشرعية بالمعنى الإجرائي (legality) وإنما بالمعنى الأخلاقي (legitimacy) لأنه قاد بلاده لحرب لم تكن في حاجة لخوضها، ولم يكن صادقاً، في تقدير شعبه، في تبريره تلك الحرب حتى ألصق به بعضهم تهمة المخادعة وتزييف الحقائق.
الفشل التاريخي للديمقراطية في السودان كان بسبب اختزالها في المعنى الإجرائي،
دون أدنى اعتبار للجانب الجوهري أو المعنوي الأخلاقي. فقد ظن "ديمقراطيو" السودان
أنه ما أن وصل الواحد منهم إلى سدة الحكم عبر الانتخابات ووفق نظرية "الحشاش يملا
شبكته" أُضفيت عليه شرعية لا تنزع ولسان حاله يقول: "كيف أنزع قميصاً ألبسنيه
الشعب". لا يهمه كثيراً إن عجز عن حسم قضايا البناء الوطني
(والتي هي في حالة السودان قضايا وجود)
رغم أن المزية الكبرى للديمقراطية هي ما توفره من ميكانيزمات لحل الصراعات سلمياً.
ولا يهمه إن تجاوز أحكام اللعبة بخرق الدستور، بوجه أو آخر، رغم أن الالتزام بهذه
الأحكام هو وحده الذى يعين على ترسيخ الديمقراطية واستدامتها. وقلما يفكر الحاكم
"الديمقراطي" في أن مثل هذه الانتهاكات الجوهرية للنظام الديمقراطي تخدش مشروعيته،
وتمهد الطريق للانقلابات أو للتمرد عليه. وإن كان الانقلاب العسكري خروجاً على
الشرعية فإن التمرد إنكار لها.
مع تواتر التجارب مازال "الديمقراطيون" ينكفون أنَفة أو استكباراً عن الوعي
بالدرس المستفاد من هذه اللعبة السخيفة
(حكم مدني
ـ انقلاب
ـ حكم مدني
ـ انقلاب).
لم يفعلوا ذلك حتى دَبرياً
(أي بعد فوات الأوان)،
رغم معاينتهم للجماهير التى انتخبتهم تستقبل بعض الانقلابات العسكرية برضي أو
استكانة. الانقلابات العسكرية، بلا أدنى شك، تمثل خروجاً عن الشرعية، ولكن ألا يشي
رضي الناس بها، أو استكانتهم لها، باهتزاز تلك الشرعية؟ فالجيوش تستولي على الحكم
بحد السيف، إلا أن قدرتها على السيطرة على الحكم رهينة أبداً بحد أدنى من قبول
الناس لها. هذه الظاهرة في السودان كادت أن تحوله إلى مسرح
اللا-معقول إذ أن نفس
الجماهير التى تستقبل الحاكم العسكري بالرضا
ـ حتى وان كان سلبياً
ـ
تودعه بعد فترة باللعنات، ولأهل السودان في هذا تجارب. فالجماهير التى ودعت حكومة
عبود بأكثر الهتافات بذاءة: "إلى الثكنات يا ......"، هى نفسها التى استقبلت عبود
في سوق الخرطوم بـ "ضيعناك يا عبود، وضعنا معاك يا عبود". والجماهير التى خرجت
بنقاباتها العمالية والمهنية تهتف لنميري في الثاني من يونيو
1969
"بالروح بالدم نفديك يا نميري"
هي الجماهير نفسها التى خرجت بعد أقل من عقد من
الزمان تهتف "الأحزاب ولا العذاب" وجميع هذه الانقلابات تستهل بيانها رقم
(1)
بشيئين: إنهاء الحرب ورفع المعاناة عن الجماهير مما يدل على أن الانقلابيين يعرفون
جيداً المدخل لقلوب الجماهير.
سبب
آخر أدى
لإنهاك
الديمقراطية
داخلياً هو عدم
الالتزام بأحكام
اللعبة
الديمقراطية. ولا
يقود الخروج
على أحكام
اللعبة إلا
إلى رد فعل مماثل
موازٍ له في
الحجم ومضاد
في الاتجاه.
لا يستطيع أحد
أن ينكر،
مثلاً، أن
هناك علاقة
سببيه بين حل
الحزب الشيوعي
ومعاضدة ذلك
الحزب
لانقلاب مايو.
ولا يستطيع
أحد أن
ينكر أن هناك صلة مباشرة بين استقالة رئيس القضاء بابكر عوض الله احتجاجاً
على موقف الحكومة
(حكومة محجوب)
ومجلس السيادة من الهيئة القضائية عقب الحكم الذى أصدرته المحكمة العليا تدين فيه
قانونياً طرد النواب الشيوعيين، وبين قبول ذلك الرجل الذى قضى عمره كله في رحاب
الديمقراطية والعدالة رئيساً لأول برلمان ثم رئيساً للقضاء، أن يصبح نائباً للرئيس
في حكم انقلابي.
مشاكل
السودان أعمق
كثيراً من أن
تحل عبر الديمقراطية
الإجرائية،
أو عبر
المغامرات
العسكرية، أو
عبر الشمولية
ودعاواها
الفارغة
لتحقيق
الوحدة
الوطنية والتناغم
الاجتماعي
قسراً. وستظل
الديمقراطية،
رغم كل
معايبها، هي
الخيار
الأمثل
لأنها، على
خلاف كل
الأنظمة،
تتيح الفرصة
للبحث الدائم
عن خيارات
أفضل وللتطور
والتعديل. على
أن ذلك يستدعي
ابتداءً
إدراك ما هو
المطلوب
لتحقيق حكم
مستقر؟ وما هي
الخيارات
المتوفرة
لتحقيق
الاستقرار؟
ثم ما هي التجارب التى يمكن لنا الاستهداء بها؟ وعبر
تاريخنا السياسي منذ الاستقلال، بل منذ الحكم الذاتي، كنا نعرف جيداً ما هو
المطلوب، وكانت الخيارات مطروحة أمامنا إلا أنا ظللنا نتجاهلها، وفي بعض الأحيان
نتمنى زوال العوامل (wishing away)
التى قادت إليها. كما لم يكن العلاج عسيراً
إذ كانت أمامنا تجارب عديدة يمكن
الاهتداء بها أو استلهامها.
بروتوكولات
نايفاشا هي
المحاولة
الأولى لمخاطبة
جذور المشكل
السوداني
مباشرة، لهذا
فهي تمهد
الطريق
لديمقراطية
مستدامة
بصورة غير
مسبوقة. وقد
كان التجمع
الوطني
الديمقراطي أميناً
وشجاعاً عند
ما قرر في
الاجتماع
الأخير لهيئة
قيادته 14-22
يوليو 2004 "أن
بروتوكولات
السلام
الموقعة بين
الحركة
الشعبية
والحكومة السودانية
... توفر أساساً
لإعادة هيكلة
البناء الوطني
الواحد على أسس
جديدة تختلف عن
الأسس
القائمة منذ
فجر
الاستقلال.
أسس تراعي
الاستجابة
الواسعة
لمتطلبات
الإقليم في الحكم
اللا-مركزي،
والمشاركة في
السلطة والتنمية".
كما لم يُجافِ
زعيم الحركة
الشعبية الحقيقة
قيد أنملة
عندما قال عقب
توقيع
بروتوكول اقتسام
السلطة في 26/5/2004: "يستحيل
أن يبقى السودان
كما كان بعد
هذا الاتفاق" (Sudan shall
never be the same again).
ما أراد قوله هو أن التحول الذى سينجم عن هذا الاتفاق ليس تحولاً نمطياً، لا في
نظام الحكم، ولا في توزيع الثورة، ولا في مقومات الوحدة.
فما
هي معالم هذا
التحول غير
النمطي الذى
استعصى علينا
منذ
الاستقلال؟
وما هي
تجاربنا في
الماضي في تلك
التحولات
النمطية؟
على رأس
التحولات، تلك المتعلقة بنظام الحكم، خاصة وقد طَالَ التغييرُ كل السودان، ولم
يقتصر على الجنوب. ونستذكر أن الخلاف، بالنسبة للجنوب ومكانه في نظام الحكم، يعود
إلى مشارف الاستقلال، وعلى وجه التحديد إلى يوم 12/12/1955
عندما تقدم بنجامين لوكي باقتراحه حول الفيدرالية لاجتماع مشترك لممثلين من مجلس
النواب والشيوخ من كل الأحزاب. لا نطمع في الغوص في جدل فقهي حول الفيدرالية، بل
سنذهب، كما ذهبت البروتوكولات، للحديث عن حكم لا مركزي، أي حكم يتم فيه اقتسام
دستوري للسلطة بين حكومة مركزية (قومية)
تبسط سلطانها على امتداد الوطن، وحكومات أخرى تمارس السلطة في أقاليم معينة من ذلك
الوطن في استقلال (autonomy)
دون جَور على السلطات المحتجزة للمركز، ودون تَعَدٍ من جانب المركز على السلطات
المقررة للحكومة المعينة. بهذا المعنى تهدف اللامركزية إلى تحقيق هدفين، الأول هو
ضمان سلامة وحدة الوطن، وفي ذات الوقت صيانة استقلالية الوحدات المكونة له، أو
بعبارة أخرى إقامة وحدة غير قابلة للتخريب ووحدات غير قابلة للإتلاف
(indestructible union of indestructible units).
والفيدرالية، إن شئت أن تسميها هكذا، هي محاولة لتوحيد الوطن، إما بضم كيانات
مستقلة قائمة لتصبح دولة (اتحاد
الولايات الثلاث عشر التى تكونت منها الولايات المتحدة الأمريكية عند إنشائها، أو
يوغسلافيا على عهد تيتو)، أو
بالحفاظ على وحدة وطن قائم بتمكين كل وحدة من الوحدات المكونة له من الحفاظ على
خصائصها وإدارة نفسها. الهدف الثاني من اللامركزية أو الفيدرالية هو التدني بسلطة
اتخاذ القرار السياسي والإداري إلى مستويات اقرب للمواطن بحيث يكون القرار أكثر
تعبيراً عن رغائبه ومطامحه واحتياجاته. وفي كلا الحالين لا تتحقق اللامركزية على
وجهها الصحيح إلا في ظل نظام ديمقراطي وحكم تمثيلي.
بعد كل محاولات الهروب من المشكل منذ الاستقلال، أو التعامل معه
بالتي هي أخشن
(عهد عبود)
ساد العقل، وكانت أولى المحاولات الحكيمة لمعالجة مشكلة الجنوب
هي تلك التى قامت
بها حكومة الأستاذ سر الختم الخليفة في أكتوبر
1964. تلك المحاولة الرائدة والجادة لم يُقَدر لها النجاح
كما أبنا في فصل سابق، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ توجيهات مؤتمر المائدة المستديرة
وقرارات لجنة الاثني عشر. وعقب فترة أكتوبر الانتقالية بدأت الديمقراطية الثانية
أولى محاولاتها لإقامة نظام لا مركزي أخذ شكله النهائي في مشروع دستور
1968. ذلك المشروع اقترح نظاماً لا مركزياً للحكم يرتكز على
مديريات السودان التسع
(ست منها في الشمال
هي الشمالية، والخرطوم، وكسلا،
والجزيرة، وكردفان، ودارفور وثلاث في الجنوب
هي أعالي النيل، وبحر الغزال،
والاستوائية)، كما أوصي بإنشاء
مجلس تشريعي لكل إقليم ينتخب انتخاباً مباشراً، ومجلس تنفيذي يرأسه محافظ يعين
مركزياً. وحسب المشروع يباشر المجلسان السلطات التالية: الإدارة المحلية، والتعليم
حتى المستوى الثانوي مع الالتزام بالسياسات القومية، والصحة العامة، والصناعات
المحلية، والطرق المحلية، وتطوير اللغات المحلية، على أن تحتجز أي مهمة أخرى لم ينص
عليها صراحة للحكومة المركزية. في ذلك المشروع كانت هناك ثلاث مثالب: الأولى
هي أن
السلطات التى مُنحت
للأقاليم لم تتجاوز كثيراً تلك التى كان يمارسها مديرو
المديريات في الماضي. والثانية
هي إغراقها لقضية الجنوب بطابعها المميز في نظام حكم
لا يُداني حتى الفيدرالية التى طالب بها بنجامين لوكي في
1955، ناهيك عن تلك التى دعا لها في مؤتمر المائدة المستديرة
وليام دينق
(والد كبير مفاوضي الحركة في نايفاشا، نيهال دينق نيهال).
هذه الحقيقة لا يبدل منها في كثير أو قليل التحوط الذى تضمنته المادة
179
من مشروع الدستور،
والتي تبيح لأي إقليمين أو أكثر التوحد. هذا النص قد يمكن
الجنوبيين من توحيد المديريات الثلاث في إقليم واحد ولكنه لا يعالج قضية السلطات،
وتلك هي المثلبة الثالثة.
جاء
من بَعد نظامُ
مايو ليتبنى
مقترحات لجنة
الاثني عشر ويطورها لتصبح أساساً لقانون الحكم الذاتي الإقليمي
1972. وعلى خلاف مشروع دستور
1968 اعترف قانون الحكم الذاتي بخصوصية
الجنوب، وأقر عده إقليماً واحداً، وحدد له واجبات تستقل بها أجهزته الحاكمة تشمل
الزراعة، والصناعة، والصحة، والتعليم حتى المستوى الثانوي، والتجارة الداخلية، وصحة
الحيوان، وحماية البيئة، والسياحة، والإدارة والحكم المحلي. اعتُبر قانون الحكم
الذاتي الإقليمي أيضاً قانوناُ أساسياً (organic
law)
لا يُعَدل إلا بقرار
يتخذه مجلس
الشعب القومي بأغلبية ثلاثة أرباع أعضائه وموافقة ثلثي الناخبين في الجنوب في
استفتاء عام. هذا النوع من القوانين يسمي في الفقه الدستوري الفرنسي القوانين
المكملة للدستور، وقد ضمن النص على ذلك في المادة الثامنة من الدستور الدائم لعام
1983. رغم ذلك، وبعد عشر سنوات عم فيها
السلام أرجاء القطر وبخاصة الجنوب، أصدر الرئيس نميري أمراً جمهورياً في عام
1983 قَسَم فيه الإقليم إلى ثلاثة أقاليم
جُعل لكل واحد منها مجلس تشريعي، ومجلس تنفيذي، وحاكم، وعاصمة. قرار نميري كان
خرقاً للاتفاقية على ثلاثة وجوه: الوجه الأول هو خرق عدد من بنود الاتفاقية مثل
المادة 303
(تعريفات)
والمادة 4 من الاتفاقية وكلاهما
تُعَرِفان الجنوب كوحدة متكاملة، والمادة 34
التى تحدد عاصمة واحدة للإقليم (جوبا)
تكون مقراً للسلطتين التشريعية والتنفيذية، والوجه الثاني والأهم هو عدم إتباع
نميري للقواعد التى حددتها الاتفاقية، بل حددها الدستور، لتعديل نصوصها. أما الوجه
الثالث والخطير أيضاً هو منح الرئيس نفسه الحق في تعيين 10%
من أعضاء مجلس الشعب، بالإضافة إلى خمسة أعضاء آخرين يختارهم القائد العام لتمثيل
القوات المسلحة، وكان ذلك خرقاً فاضحاً للمادة الثامنة من الاتفاقية التى تنص على
انتخاب أعضاء مجلس الشعب الإقليمي انتخاباً حراً مباشراً بواسطة المواطنين المقيمين
بالإقليم. وتعبير المواطن المقيم يشمل الجنوبي والشمالي على السواء.
عقب انقضاض نميري على الاتفاقية والدستور سارت الركبان
(بين الشماليين أكثر من الجنوبيين)
برواية تقول أن نميري لم يفعل أكثر من الاستجابة لرغبة الاستوائيين في إنهاء هيمنة
الدينكا على الإقليم. ذلك مزعم رهيف لأنه لم يكن من بين الرؤساء الذين تعاوروا حكم
الإقليم، منذ إنشائه والى انهياره، غير واحد من أبناء الدينكا
(ابيل الير)
رغم الأغلبية العددية للدينكا في الإقليم. الأربعة الآخرون جاءوا من أقاليم مختلفة
(بيتر جات كوت من نوير أعالي النيل، وجوزيف طمبره من
الزاندي بالاستوائية، وجوزيف لاقو من قبيلة المادي بالاستوائية، وقسم الله عبد الله
رصاص من قبائل غرب بحر الغزال).
ويزيد من رهافة المزعم إصدار نميري لقرارات أخرى لا يمكن أن يكون الغرض منها هو
إنهاء الهيمنة المزعومة للدينكا وعلى رأسها قراره بتعديل قانون الانتخاب.
أما
فيما يتعلق بتطبيق
النظام
المايوي
للامركزية في بقية
أجزاء القطر فقد
أشرنا في فصل سابق إلى قانون الحكم
الإقليمي
1980
الذى قُسِم السودان الشمالي بموجبه إلى خمسة أقاليم: الشرقي ويشمل مديريتي كسلا
والبحر الأحمر، والشمالي، والجزيرة ويشمل مديريات النيل الأزرق والنيل الأبيض،
وكردفان ويشمل شمال وجنوب كردفان، ودارفور ويشمل شمال وجنوب دارفور. وبموجب ذلك
القانون أصبح لكل إقليم برلمان
(مجلس شعب إقليمي)
وحاكم يُعينه رئيس الجمهورية، ومجلس تنفيذي يضم عدداً من الوزراء كما خُصصت للمجلس
وحكام الأقاليم واجبات لا تختلف كثيراً عن تلك التى جاءت في مشروع دستور
1968. وقد حظر ذلك القانون على السلطات الإقليمية تناول
موضوعات بعينها
هي الدفاع، والأمن القومي، والعلاقات الخارجية، والمراجعة العامة،
والجنسية والجوازات والهجرة، والقضاء والنيابة العامة، والاتصالات والنقل العابر،
وموارد المياه العابرة، وشبكة الكهرباء القومية، والعملة والنقد، وتجارة الصادر
والوارد، والموارد الطبيعية والثروات باطن الأرض، وتخطيط التعليم.
وبسقوط نظام مايو تبنت قوى الانتفاضة في ميثاقها ثلاث قضايا ذات صلة بنظام الحكم والدستور هي تمثيل القوى الحديثة في مؤسسات الحكم، والجنوب، والحكم المركزي. ولكن حين أورد الميثاق في بنده الأول نصاً صريحاً حول الموضوع الأول هو "مراعاة تمثيل القوى الحديثة في المؤسسات الدستورية عن طريق تنظيماتها الديمقراطية"، اكتفى بالنسبة لقضية الحكم اللامركزي بإشارة في البند السابع من الميثاق نصها: "تأكيد مبدأ الحكم اللا-مركزي وتقويمه على أسس ديمقراطية سليمة". أما قضية الجنوب فقد جاءت الإشارة إليها في البند الثالث من الميثاق كما يلي: "حل قضية الجنوب في إطار حكم ذاتي إقليمي يقوم على أسس ديمقراطية". وتكشف الطريقة التى صيغ بها الميثاق وتدرجت به القضايا التى تناولها، فيما نقدر، عن مكان هذه القضايا في هرم الاهتمامات. كما توحي الإشارة المتكررة للديمقراطية مثلما ورد في الإشارة للحكم الذاتي الإقليمي (يقوم على أسس ديمقراطية)، وللحكم اللا-مركزي (تقويمه على أسس ديمقراطية) أن هناك ثمة ظناً أن هذه المؤسسات ستفي بالغرض متى ما استُردت الديمقراطية بصورتها القديمة. الأمر العُجاب هو أنه رغم ما قال به الميثاق عن "محو آثار مايو" لم يُقَصر دستور الديمقراطية الثالثة الذى صدر في 6/10/1985 في اقتفاء "آثار مايو"، فالنصان اللذان وردا حول الموضوعين هما إعادة تدوير للقوانين المايوية. مثلاً تقول المادة 16 (1): &quo