كوش الجديدة/ قضايا اجتماعية اقتصادية معاصرة

سبتمبر/ 2004

 

 

 

 

الفصل الرابع

 

المناطق المُهمشة : خيار بين الحيف والسيف

 

 

 

 

 

 

تعبير المناطق المهمشة الذى أشاعته الحركة في خطابها السياسي وَصفٌ علميٌ محايد لظاهرة اجتماعية/ اقتصادية/ سياسية دون أن يكون له أي بُعدٍ عرقي أو ديني. فالوصف أُطلق على مناطق في السودان ظلت تعاني، أكثر من غيرها، من آثار التنمية غير المتكافئة. وما فتئنا منذ أكتوبر 1964 نحدد الوصفات لعلاج هذه الظاهرة وعلى رأسها التنمية المتوازنة، والتي نسميها أيضاً التنمية المتوازية، وطوراً التنمية المتوازنة المتوازية. كل هذه الاصطلاحات أو التسميات شابتها سيولة بسبب العجز عن، أو عدم الاتفاق على، بلورة إطار مفهومي يستوعبها. باختصار، التعبير يعني التخلي عن النهج التنموي الموروث منذ الاستعمار. هذ أمر لم يتحقق لأنا، وفي كل عهد من عهود الحكم منذ أكتوبر 1964، ما أتينا للتطبيق حتى سرنا في صياغتنا لخطط التنمية على نفس المنهج القديم الذى ورثناه عن خالد الذكر السير جون كارمايكل، السكرتير المالي لعموم السودان.

 

تعبير الهامشية أو التهميش لم ينحته قرنق أو يُرَكِّبه، بل هو تعبير شائع في الأدب وله دلالاته المفهومية. ففي علم الاجتماع، مثلاً، يعالج الباحثون حالة يطلقون عليها "الهامشية" (Marginality) وهى دوماً مرتبطة بالسيطرة: سيطرة مركز على أطراف، أو جماعة مهيمنة على جماعات مستضعفة. وعلى الصعيد الاقتصادي يُعَبر التهميش عن نماذج للإقصاء أو الحرمان (Patterns Of Exclusion) من الرخاء النسبي في المجتمع أو الوطن المُعين. هذا التعبير يدرك معناه أي مساعد تدريس لعلم الاقتصاد في جامعاتنا، ولا ذنب لقرنق أن ضَمَّنه في خطابه السياسي السائر ربما رغبة منه في الارتقاء بذلك الخطاب عن اللغو، واللغو ما لا يُعتَد به من كلام. التهميش أصبح تعبيراً محورياً في رسالة الحركة الشعبية بحيث لم يَعُد يقف فقط عند التهميش الاقتصادي والسياسي على المستويات الإقليمية بل يشمل، إلى جانب ذلك، التهميش النوعي (المرأة)، والتهميش الجيلي (الشباب). لم نقصد السفسطة بالإشارة إلى مدلول الكلمة، ولا نبغي بها الحذلقة، وإنما هي مدخل لحوار سيجئ في آخر المقال مع الصديق الباحث محمد أبوالقاسم حاج حمد الذى روى أن ما تردده الحركة عن التهميش هو "محض ادعاء عنصري"، (البيان، 1/5/2004).

 

وراء هذا "الادعاء العنصري" المزعوم تاريخ، وتاريخ طويل سنوضح بداياته وتداعياته. لقد قضى الواقع الجغرافي في السودان أن يكون أغلب ضحايا المعاناة الأكثر حدة (فالسودان الريفي كله يعاني) من آثار التنمية غير المتكافئة، مناطق بعضها محاد للجنوب (النيل الأزرق وجبال النوبا)، أو جماعات من غير العرب (البجة، والفور، والنوبا، والانقسنا). ولئن تحالفت أو توحدت هذه الجماعات لحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية، فلا ذنب لها في التوحد رغم ما يمكن أن يتوهمه الآخرون حول طبيعة التوحد أو التحالف. ولجوزيف ستالين مقالة في أثر الجغرافيا على السياسة. حذر ستالين دولة فنلندا من اتخاذ أي موقف سياسي يضر بمصالح الاتحاد السوفيتي بما في ذلك التنسيق السياسي والعسكري مع الدول اللصيقة بها (دول سكاندناوه). قال لمحاوره الفنلندي أن خيار فنلندا الوحيد هو الحياد بين الكتلتين (الغرب والشرق)، كما قال له أيضاً: "قد يكون لكم رأي آخر ولكني لست مسئولاً عن الجغرافيا". فحوى القصة ـ حتى لا يذهب بها القارئ مذهباً قصياً ـ هو أن الجغرافيا قد تفرض واقعاً لا سبيل لتجاهله. لهذا فإن وصف التحالفات التى فرضتها أوضاع اقتصادية وسياسية معينة على أصقاع جغرافية محددة في الوطن بالتحالفات العرقية (الاثنية) لا يعين كثيراً على الوعي بجذور المشكلة. ليس هذا فقط، بل أن القراءة الخاطئة للواقع قد تحمل البعض منا على محاربة طواحين هواء، أو إلى تعميق المخاوف والشكوك بين الناس ودفعهم إلى استبطان تلك الشكوك ضد بعضهم البعض. النظرة الخاطئة لظاهرة التهميش ـ أي النظرة اليها من منظور عرقي (اثني) يتغافل عن جذورها ـ قد يقود أيضاً إلى أحكام تفتقد الفطانة مثل اتهام أبناء جنوب النيل الأزرق، ورثة مملكة سنار التى وطنت اللغة العربية في بلاط الحكم، بالعداء للعروبة. أو وصف النوبا الذين اتسعت أرضهم للإسلام بجانب الديانات الأخرى منذ قرون، أنهم أعداء للإسلام. أو نعت الفور والنوبا والبجة جميعاً بالعنصرية، لا أكثر ولا أقل متى ما ارتفع لهم صوت ضد السياسات التى لا تُفضي إلا لتعميق إقصائهم من مراكز صنع القرار.

 

وقبل أن تبرز الحركة الشعبية للوجود كان للمنعة السياسية التى تملكها الجنوبيون بحكم وزنهم في البرلمان السوداني، كما كان لحرب الجنوب نفسها، أثر في تكييف المواقف السياسية لهذه المجموعات. ولعل أول من فطن إلى ذلك التهميش وسعى لإبانة تخومه ـ حتى وإن كان ذلك بأسلوب كاريكاتيري ـ هم البجة. فعلى عهد رئيس الوزراء عبد الله خليل (1958) قدم الدكتور طه عثمان بليه مطالب أهله (مؤتمر البجة) في مذكرة تضمنت ما يلي:

1.    معاناة الإقليم من سياسات المركز غير العادلة؛

2.    رفع نمو ووعى المواطن البجاوي؛

3.    تدهور مرافق الإقليم أو غيابها أصلاً؛

4.    غياب المشاريع التنموية وإيقاف إنشاء المشاريع التى تضر بالرعي.

 

هذه شكاة واضحة تُنبى بالكثير، وتُنذر بالخطير. فالنقطة الأولى لم تترك زيادة لمستزيد حول احتجاج أحد الأطراف على سياسات المركز، أي تهميش المركز للأطراف. كما تعبر النقطتان الثانية والثالثة بوضوح عما أسميناه الإقصاء أو الحرمان. أما النقطة الرابعة فقد أثارت، بوجه خاص، اهتمامي لأنها كشفت عن وعي بالحدس الفطري عن المخاطر البيئية قبل أن يقوم للبيئة مؤتمر دولي (استوكهلم 1972)، أو ينشأ برنامج أممي لها، أو يتصدى من تصدى للتحذير من التنمية غير الصديقة للبيئة. مؤتمر البجة حوصر ثم فُكك على يد حاكم شمالي (إبراهيم عبود) نشأ في ديار البجة، ولكنه، كحالنا، أصبح يفكر بعقلية الوسط المهيمن.

 

قام أيضاً اتحاد جبال النوبا في عام 1965 عقب انتفاضة أكتوبر عندما صَدَق أبناء الجبال أنها إطلالة صبح جديد على كل السودان، أولم يتغنى الحادي: "أصبح الصبح". ما هي مطالب اتحاد الجبال؟ تركزت تلك المطالب في التمكين السياسي، ثم المعاملة الإنسانية التى هي أدنى ما يطالب به بشر سوي. كما تناولت وجوب تمثيل أبناء الجبال لأهلهم بدلاً من استيراد المرشحين البرلمانيين من الشمال، وحقهم في المشاركة في مراكز صنع القرار القومية (الحكومة والخدمة المدنية)، وتوفير الخدمات الأساسية، وإلغاء السُخرة. وسبق قيام اتحاد الجبال حركة في دارفور نبهت إلى حرمان ذلك الإقليم من الخدمات والمرافق، هي حركة سوني التى كان قوامها المسرحين من الجيش بعد حرب الجنوب الأولى. ولعل الذى لا نستذكره أبداً أن قوام الجيش السوداني كله في حروب الجنوب من الجنود وضباط الصف هم أبناء الجبال ودارفور. هؤلاء كانوا أيضاً هم العمود الفقري لكل مشروعات إنتاج القيمة في السودان الوسيط. أو يكون هؤلاء هم الذين عناهم أحمد عبد المُعطي حجازي بـ "الذين يُدعونَ للموت ويُقصون من مجالس الفتيان". هذه المجالس في بلادنا هي التى تُحل وتُعقد فيها الأمور، بما في ذلك أمور الحرب.

 

أنا الذى ما ذقت طعم الضان

أنا الذى لا حول لي أو شأن

أنا الذى أُقصيت من مجالس الفتيان

أُدعى إلى الموت

ولا أُدعى إلى المجالسة

 

هذه المجموعات كلها كانت تتآلف مع الجنوب، كما كانت الأحزاب القومية (أي الشمالية) تتحالف وتتخالف داخل البرلمانات مع الجنوب ومع بعضها البعض. في تحالفاتهم تلك تجاوز المهمشون فوراق اللغة والدين والعرق وخلقوا ترابطاً عابراً للعرقيات (للاثنيات) جمع بين محمد أحمد عواض وأبيل ألير، وبين فيليب عباس غبوش و أحمد محمد باكاش. كون ذلك التحالف ما أُسمى تجمع الأحزاب الإقليمية والذي عبر عن رأي موحد حول وضع الكيانات الإقليمية في الدستور ـ أي حول لا مركزية الحكم ـ تقدموا به إلى مؤتمر عموم الأحزاب. ذلك المشروع قوبل بالرفض من الأحزاب "القومية" بحسبانه مشروعاً "عنصرياً". ومنذ تلك اللحظة أصبح من الجلي أن الكلمات لم تعُد تعني ما ينبغي أن تعنيه.

 

إطلاق وصف العنصرية على مجموعات سياسية ذات مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية معلومة هو محاولة للاستئصال المعنوي للواقع، والاستئصال المعنوي لا يلغي الواقع. ثم ما الذى يجعل الجنوب، والفور، والبجة، والنوبا والذين يمثل مجموعهم ما يقارب ثلثي أهل السودان تكتلاً عنصرياً، ويجعل من عداهم كياناً قومياً؟ من الواضح أن الأحزاب لم تكن تريد إلا الإبقاء على نموذج الهيمنة السياسية المركزية رغم تململ الأطراف بما فيها تلك التى يفترض أنها تمثل العمق السياسي لتلك الأحزاب. الأحزاب أيضاً لم تكن تمانع في الإبقاء على النموذج الاقتصادي الاستعماري الموروث رغم مجاهرتها بالرغبة في تغييره عبر نهج تنموي متوازي. هل كانت الأحزاب حقاً تعرف ما تريد؟ أو كانت تعرفه ولكنها لا تعرف السبيل إلى تحقيقه؟ أو أنها كانت لا تبتغي غير احتكار أدوات اللعبة السياسية بصرف النظر عن الأهداف والمقاصد؟

 

هذه الاستهانة ـ بل يؤسفني أن أقول الغباء السياسي ـ هو الذى قاد لتمرد سياسي في معاقل هذه الأحزاب. ففي انتخابات 1965، مثلاً، اكتسح مؤتمر البجة كل دوائر البجة وهى على وجه التحديد: ريفي كسلا، والقاش جنوب، والقاش شمال، وأروما الشرقية، وأروما الوسطى، وأروما الغربية، وأروما الشمالية، والاوليب، وعيتباي، وسيدون، وطوكر الشمالية، وبورتسودان الغربية. ودوائر ثلاث هى التى نجحت فيها الأحزاب "القومية" : بورتسودان الشرقية (مأمون سناده، اتحادي)، وطوكر الجنوبية (موسى حسين ضرار، مستقلاً)، وكسلا (عمر عثمان نافع، حزب الأمة). نتيجة لذلك الاكتساح تداعى الدومينو إذ أعلن الناظر تِرك (القاش جنوب) ومحمد أحمد عواض (ريفي كسلا) انضمامها لمؤتمر البجة، وكان الأول قد فاز في لائحة حزب الأمة، والثاني في لائحة حزب الشعب الديموقراطي. أبلغ تعبير عن ذلك التمرد السياسي جاء على صفحات هذه الجريدة، وعلى لسان رجل هو أبعد ما يكون عن العنف. قال أبيل ألير عضو البرلمان عن دائرة بور الجنوبية، والمتحدث الرسمي باسم الجماعات الإقليمية: "إن كانت الأحوال في غرب السودان وشرقه رديئة فأن السخط والتبرم سيجتاحانهما قريباً وقد ينقلب السخط إلى تعبير أكثر عنفاً مما نراه الآن في جنوب السودان" (الرأي العام 6/1/1969). هذا ما كان ينبغي أن تسمعه الأحزاب لولا أن الآذان قد وقَرَت عن سماعه، وهذا ما رأته ببصرها ولكن خانتها البصيرة. ومن لا يرى ببصيرته فلن يهتدي.

 

للتهميش وجهان، وجه سياسي/ إداري، وآخر اقتصادي ولا علاج لكليهما إلا بالتمكين (Empowerment): التمكين السياسي والتمكين الاقتصادي. التناول التفصيلي للقضيتين يجئ في فصلين يليان، أحدهما حول نظام الحكم والثاني حول التنمية الاقتصادية، مع ذلك، يُستحب هنا أن نبين باقتضاب، لكي لا ينقطع الحديث، كيف تعاملت الأنظمة المتعاقبة مع هذه القضية بعد التمرد البرلماني في انتخابات 1965 حتى انتفاضة أبريل، وما الذى كان يتوجب عليها أن تفعل.

 

سعى نظام مايو، الذى أعقب الديموقراطية الثانية، لمعالجة قضية نظام الحكم على مستويين، مستوى الجنوب بتطبيق مقررات لجنة الإثنى عشر، ومستوى الأقاليم عبر قانونين، الأول هو قانون الحكم الشعبي المحلي 1971، والثاني قانون الحكم الإقليمي 1981. القانون الأول، في حقيقته، تطوير لنظام الحكومات المحلية الذى وضعه المستر مارشال في عهد الاستعمار ثم أقدم على إعادة صياغته الأستاذ عبد الرحمن علي طه في الفترة القصيرة التى وُلى فيها وزارة الحكومات المحلية قبل انقلاب عبود. أما الثاني (قانون الحكم الإقليمي لعام 1981) فقد مُنحت بموجبه الأقاليم الشمالية (الولايات) سلطات أوسع من تلك التى كانت تتمتع بها في الماضي دون أن تصل إلى ما طالب به اوليفر البينو في محادثات أديس أبابا بالنسبة للولايات الشمالية. كما استجاب قانون 1981 لمطلبين قُدِما لمؤتمر عموم الأحزاب: الأول مطلب أبناء الجبال بأن يستقل إقليمهم عن إقليم كردفان، والثاني مطلب البجة باستقلال إقليمهم عن كسلا. الاستجابة للمطلبين قادت إلى قيام محافظتي كسلا والبحر الأحمر. وعلى أي، ظل كعب أخيل لذلك الإصلاح هو أنه تم في إطار حكم شمولي. وإن كانت اللامركزية في الحكم هي الترجمة العملية لديموقراطية المشاركة في صنع القرار على أدنى المستويات، يصبح من غير المنطقي بناء حكم ديموقراطي لا مركزي في أطار نظام يقوم من أساسه على الهيمنة المركزية، حتى وإن أُسميت مركزية ديموقراطية.

 

على الصعيد الاقتصادي لم يكن نظام مايو أحسن حظاً ممن سبقه في تحقيق التمكين الاقتصادي، أولاً بسبب بقاء التشوهات الهيكلية في الاقتصاد رغم الشعارات التى رفعنا مثل "تحقيق التوازن في النمو بين القطاع الحديث والقطاع التقليدي وبين أقاليم السودان المختلفة" (البرنامج الاقتصادي للاتحاد الاشتراكي). السبب الثاني (وهو ذو صلة مباشرة بلامركزية الحكم) يتعلق باختلالات بيروقراطية جعلت الأقاليم دوماً تحت رحمة السلطة المركزية، خاصة فيما يتعلق بتوفير المال. وكان ذلك يحدث حتى في بعض الحالات التى خول فيها القانون لحكام الأقاليم سلطة الإنفاق والإدارة المالية.

وعقب سقوط نظام مايو كان من المفترض أن تتوجه الانتفاضة التى جعلت شعارها "مليون شهيد لعهد جديد"، أول ما تتوجه، لهذا التجديد. فما هو الجديد الذى أتت به؟ دعا ميثاق الانتفاضة للآتي:

 

1.    العودة لدستور السودان المؤقت 1956 المعدل 1964 مع مراعاة الالتزام بالأهداف الواردة في الميثاق ومراعاة تمثيل القوى الحديثة في المؤسسات الدستورية عن طريق تنظيماتها الديموقراطية؛

2.    كفالة كرامة وحريات المواطنين الأساسية في التنظيم والتعبير والعقيدة والعمل والتنقل وكافة الحريات الأخرى الواردة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان؛

3.    حل قضية الجنوب في إطار حكم ذاتي إقليمي يقوم على أسس ديموقراطية؛

4.    التحرر من التبعية للإمبريالية العالمية وخلق بنية اقتصادية اجتماعية تحقق الكفاية والعدل وذلك بالتصدي الجاد والحاسم للأزمة الاقتصادية عن طريق تنمية الثروات والموارد الوطنية وتعبئة الموارد القومية لمواجهة الجفاف والمجاعة والغلاء وشح المواد التموينية؛

5.    تأكيد مبدأ الحكم اللا مركزي وتقويمه على أسس ديموقراطية.

 

دستور 1956، والذي لم يكن لنا أدنى فضل في صياغته، دستور جيد. ذلك الدستور أشرف على إعداده القاضي البريطاني ستانلي بيكر ليكون دستوراً للحكم الذاتي ولكن، في لهفتنا لإعلان الاستقلال من داخل البرلمان، اتخذناه دستوراً للسودان المستقل مع تعديلات شكلية. مشاكل السودان لم تبق فحسب، بل تَفَرعن نباتُها وأشتد عوده. لم يكن ذلك بسبب الدستور، وإنما بالرغم عنه. لهذا لا تثريب على مهندسي الانتفاضة إن نادوا بالعودة إلى ذلك الدستور، ولكن الفعل الذى يُثَربُ عليهم هو انحصار اهتمامهم ـ عند استدعائهم لذلك الدستور ـ في الأمور التى ظلت دوماً محور اهتمام النُخب السياسية الحَضَرية: الحقوق المدنية، وتمثيل القوى الحديثة، والديموقراطية الإجرائية. هذه هي الأمور التى تواصى مهندسو دستور الانتفاضة على "مراعاتها" عند إقرار الدستور وكأن ليس في السودان مشكلة أخرى تقتضي المراعاة غير "تمثيل القوى الحديثة".

 

أما التحول الاقتصادي، على الوجه الذى يحقق التمكين الاقتصادي، فمن الواضح أنه أصبح قضية مؤجلة إلى حين تحقيق قضية أهم هي تحرير الاقتصاد من "التبعية للإمبريالية العالمية". أياً كان المعنى لذلك التحرير، وأياً كان معنى الإمبريالية. والسؤال الثاني هام جداً لأن المرء لن يصدق كيف يتجه نظامٌ عمادُ سياسته الاقتصادية هو إنهاء التبعية للإمبريالية، أول ما استتب له الأمر، إلى صندوق النقد الدولي للحصول منه على شهادة صحية (أو قل هي شهادة حسن سير وسلوك). لا مشاحة، الذى يعنينا هنا هو أن قضية التهميش، ببعديها السياسي والاقتصادي، لم تحتل الموقع الذى تستحقه في أجندة التغيير كموضوع مستقل بذاته، كان ذلك على مستوى الرؤية أو مستوى التنفيذ.

 

الاهتمام بالمهمشين عقب الانتفاضة لم ينعكس حتى على المستوى المظهري الرمزي، لا لأن الرمزية تُغني عن الحل الناجع، ولكن لأنها تكشف ـ على الأقل ـ على قدر من الحساسية السياسية. ففي حديث نُسب للدكتور الجزولي دفع الله، رئيس مجلس وزراء الانتفاضة، أنه فوجئ بأن ثلثي أعضاء مجلس الوزراء ينحدرون من إقليم واحد في السودان، ولعله الإقليم الأوسط. لا ينتابني شك أن ذلك الأمر لم يكن أبداً قصدياً، أي، أن الذين قاموا بانتقاء أعضاء مجلس الوزراء من النقابيين فعلوا ذلك عن عمد ووفق معايير اتفقوا عليها بهدف إقصاء الآخرين. الأمر أسوأ من ذلك، فالإغفال كان نتاجاً لاستهانة عفوية (Taking For Granted) بقضية التهميش وبالمهمشين، ولهذا فلا عجب أن تَمَ اختيار الوزراء جميعاً من داخل شبكة علاقات الصبا (Old Boys Net). فباستثناء الجنوبيين الذين اختيروا في تلك الحكومة (لا بحكم انتماءاتهم المهنية "القومية" وإنما بحكم انتسابهم لإقليم معين)، لم يكن لأبناء المهمشين مكان في تلك الحكومة. أقول "أبناء" لأن التهميش النوعي طال حتى ولايات الشمال. أقطع أنه كان بين أبناء النوبا قانونيون، وبين أبناء دارفور زراعيون، وبين أبناء البجة أطباء، وبين أبناء الجنوب أساتذة جامعات، ولكل هؤلاء ما يؤهلهم لتولي المواقع التى ارتقى إليها رصفاؤهم من الشمال النيلي، أو على الأقل لم يكونوا أقل تأهيلاً مهنياً وحساً وطنياً من أولئك الرصفاء.

 

مرة أخرى وفر التجمع الوطني الديموقراطي، وخاصة منذ يونيو 1995، أول منبر وطني تشارك فيه التنظيمات التى ظلت تناضل من أجل قضايا أهل الأطراف على الساحة السياسية، بوجه عام، وفي داخل البرلمانات المتعاقبة بوجه خاص. ذلك المنبر أتاح أيضاً لهذه الجماعات تقديم رؤاها حول قضاياها ذات الطابع الإقليمي بحسبانها جزءاً لا يتجزأ من أزمة أشمل هي أزمة الدولة السودانية. وفي هذا الشأن استقر رأي التجمع على ما يلي:

 

التأمين على أن قضايا السودان الوطنية لا يمكن حلها إلا عبر طريق حوار صريح، جاد ومستمر بين كل المجموعات الوطنية السودانية وعلى أن طبيعة وتاريخ النزاع السوداني قد برهن على أن السلام العادل والاستقرار في البلاد لا يمكن تحقيقهما عن طريق حل عسكري (الفقرة 10 من البيان الختامي لمؤتمر القضايا المصيرية)

الهيمنة الإدارية المركزية على أقاليم السودان المختلفة قادت إلى تكريس التخلف في هذه الأقاليم وتهميش بعضها (مقدمة قرار حول شكل الحكم)

وحول المناطق المهمشة التى اشتعلت فيها الحرب (الجنوب، جنوب النيل الأزرق، جبال النوبا، أبيي) قرر التجمع:

الاعتراف بأن ممارسة حق تقرير المصير توفر حلاً لقضية إنهاء الحرب الأهلية الدائرة وتيسر استعادة الديموقراطية في السودان وتعزيزها وإتاحة فرصة تاريخية فريدة لبناء سودان جديد قائم على العدالة والديموقراطية والاختيار الحر؛

أن المناطق المتأثرة بالحرب هي جنوب السودان ومنطقة أبيي وجبال النوبا وجبال الانقسنا؛

أن شعب جنوب السودان (بحدوده القائمة في أول يناير 1956) سيمارس حقه في تقرير المصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية؛

أن التعرف على آراء أهل منطقة أبيي فيما يتعلق برغباتهم إما بالبقاء داخل الحدود الإدارية لإقليم جنوب كردفان وإما بالانضمام لإقليم بحر الغزال سيتم عبر استفتاء ينظم خلال الفترة الانتقالية ولكن قبل ممارسة الجنوب لحق تقرير المصير. وإذا ما أظهرت نتيجة الاستفتاء رغبة أكثرية أهل هذه المنطقة في الانضمام إلى إقليم بحر الغزال فإنهم سيمارسون حق تقرير المصير كجزء من شعب جنوب السودان. أما فيما يتعلق بجبال النوبا والانقسنا فإن الحكومة الانتقالية ستسعى للتوصل إلى حل لتصحيح الظلامات التى عانى منها أهل تلك المناطق وستنظم استفتاءً لمعرفة آرائهم حول مستقبلهم السياسي والإداري خلال الفترة الانتقالية.

 

في إطار برنامج التجمع، إذن، تلاقت الرؤى حول قضايا التهميش كما تلاقت التنظيمات الممثلة لأولئك المهمشين مع بقية القوى السياسية الوطنية وتواصت على برنامج سياسي/ اقتصادي/ اجتماعي عابر للانتماءات العرقية (الاثنية) والدينية. وفي إطار العمل لإنجاز ذلك البرنامج لم يجد الشيخ سليمان علي بيتاى الذى ظل آباؤه يوقدون نيران القرآن في همشكوريب حرجاً في التساند مع أبناء النوبا والجنوب من أجل حماية مصالح وجودية تعامى عنها، منذ الاستقلال، بعض إخوته في الدين.

 

موقف التجمع هو في حقيقته محاولة من جانب فصائله المختلفة لتُصِلح مجتمعةً الأخطاء التى ارتكبتها فرادى. ذلك الموقف ظل نظرياً لأن الفرصة لم تواتي التجمع، أو فصائله الكبرى، لكي ما تحكم. بروتوكولات نايفاشا ـ للمرة الأولى ـ أمسكت بالوعل من قرنيه، فكان اقترابها شمولياً من قضية التهميش السياسي والاقتصادي بمعالجة قضيتي الثروة والسلطة. البروتو&#