كوش الجديدة/ قضايا اجتماعية اقتصادية معاصرة

نوفمبر2006

 

 

 

 

 

الإسلام السياسي والدولة.. السودان نموذجاً

خالد عويس

khalidowais@hotmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

لا يتعلق الأمر بانقلاب عسكري عادي، هو الثالث في تاريخ السودان، عدا انقلابات أخرى فاشلة، بل بأيدلوجية دينية منغلقة سعت- عبر الجيش- للإطاحة بحكومة ديمقراطية، ووضع كل مخططاتها "الأصولية" محل تنفيذ، مغيرة بذلك الوجه العلماني والمدني للسودان، ذلك الوجه الذي استمده منذ عقود طويلة، أفاد خلالها المثقفون الليبراليون السودانيون من دراستهم في مدارس وجامعات بريطانية، ما شكّل طبقة مستنيرة، ارتكبت أخطاء سياسية لعلَّ أفظعها المعالجات المبتسرة لمشكلة جنوب السودان، غير أنها تمكنت في المقابل من كبح جماح الثقافة السلفية الأصولية التي كانت تجاهد للبقاء في ظل قناعات مجتمعية بالمدنية والحداثة، تقودها نخبة حازت إجماعاً واسعاً عبر السبل الديمقراطية، وعززتها ثورتين شعبيتين ضد نظامي الجنرال إبراهيم عبود (1958-1964) والجنرال جعفر نميري (1969-1985) من أجل استعادة الديمقراطية.

 

ما حدث في السودان بعد استيلاء الإسلامويين على السلطة، يجل على الوصف، خصوصاً لجهة إنه توسل بالإسلام و"الدولة الإسلامية". وطيلة خمسة وعشرين عاماً، ضخ الإسلامويون السودانيون يقودهم الدكتور حسن الترابي شعارات استهدفت بالأساس نسف المفاهيم المدنية وإحلالها بمفاهيم "إسلاموسياسية" عريضة. إذ كان يصعب قطعا ترجمتها لمشروع سياسي ناضج.

 

وعوضاً عن التصدي لهذا "المشروع الناقص" من قبل الأحزاب السياسية "المدنية" في السودان، وخصوصاً حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي، انخرط الحزبان وغالبية نخبتهما المثقفة في مجاراة "المشروع الإسلامي" ومحاولة خلق مشروعات موازية مماثلة له.

 

وفي غضون سنوات قليلة، كان المشروع الأكثر أصولية، وقدرة على الالتفاف السياسي- باسم الدين- يزايد أكثر، ويطرح شعارات براقة، تتماهى مع محيط عربي وإسلامي متوجه بالفعل منذ نهاية السبعينات للإسلام السياسي.

 

كانت الخطوط العريضة التي يطرحها إسلامويو السودان تتمثل في تطبيق الشريعة الإسلامية، وإقامة نظام إسلامي، واقتصاد إسلامي، مع توجه واضح إبان الديمقراطية الثالثة (1986-1989) لاعتبار الحرب في جنوب السودان بين الجيش النظامي وثوار الحركة الشعبية لتحرير السودان (الدكتور جون قرنق)، معركة مقدسة.

 

ولربما كان واحد من أهم أسباب عجلة الإسلامويين في الإطاحة بحكومة الصادق المهدي الديمقراطية في 30 يونيو 1989، هو قرب التوصل لاتفاق سلام نهائي بعد اتفاق مماثل مبدئي بين الدكتور جون قرنق ومحمد عثمان الميرغني (زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي، الشريك في الحكم آنذاك).

 

لم يكن لدى الإسلامويين السودانيين برنامجاً سياسياً فعلياً للحكم بخلاف الشعارات التي ما فتئ دعاة الإسلام السياسي و"أسلمة المجتمع" يطرحونها في كل مكان في العالمين العربي والإسلامي. لكن الإسلامويين السودانيين زادوا على الشعارات، تفصيلات وجزئيات في البرنامج تتحدث عن حقوق المسيحيين، وحلول أزمات السودان المستفحلة، إنما بتغليب المنحى الشعاراتي.

 

الاختبار الحقيقي.. الدولة

أصبح الإسلامويون السودانيون أمام الاختبار الحقيقي في اليوم الذي تلا انقلابهم. حيث بات متوقعا "تنزيل" الشعارات، والمضي قدما في تجسيد "دولة إسلامية" في القرن العشرين، بأدوات وتفكير القرن السابع. وبعيداً عن تفكيك تلك الشعارات، وتحليلها، بل ومقاربتها بمفاهيم الدولة المدنية الحديثة، لا بد من محاكمة تطال التجربة في ضوء "إسلاميتها"، وفي ضوء "تدين" الدولة، و"أخلاقياتها" و"استقامتها"، لأن هذه المفاهيم هي التي شكلت البنية الرئيسة في فكر الإسلام السياسي في السودان.

 

وكان أشياع الدكتور الترابي دائماً ما يحسبون أن السبيل لـ"هداية" المجتمع، وانصرافه لشؤون العبادة والانتقال به إلى نموذج مدني- نسبة لمجتمع المدينة المنورة- يكمن في حل عقدة أساسية تتمثل في الحكم، فأمور "العباد لا تستقيم بوجود الحكم الفاسد البعيد عن قيم الدين". ولا تبنى قيم الدين، والحكومة المؤسسة على الدين إلا بوجودهم هم على رأس السلطة. فحتى مشاركتهم السياسية في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري- الذي بايعوه إماماً للمسلمين والتي امتدت سبعة أعوام، لم تعد في نظرهم بكافية، على الرغم من أن أحكام الجلد والقطع والقتل والمسائل الشكلية سادت السنوات الأخيرة من حكم نميري، جنباً إلى جنب مع تراجع الحياة المدنية وإعدام المفكرين (محمود محمد طه، أعدم في 18 يناير 1985).

 

كانت نسبة من السودانيين (الجبهة الإسلامية حازت 54 مقعداً فقط من أصل 260 مقعداً في البرلمان السوداني 1986 !!) تحسب أن الدين "الحق" والمفاهيم الدينية الخالصة ستجد سبيلها إلى الحياة العامة فعلاً إذا ما حكم الإسلامويون.

 

وكان واضحاً أن غالبية هؤلاء يعتقدون أن ما تبثه أجهزة الإعلام التابعة للإسلاميين حول "التطبيق النموذجي"، وما تؤكده الشعارات الإسلامية، سيخلق مستقبلاً مغايراً تماماً للسودان، حيث ينهض الحلم بديلاً للواقع، وينشأ اعتقاد جازم بأن الحكم الإسلامي- أي حكم إسلامي- سيكون مماثلاً لحكم الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه !!

 

الغريب في الأمر أن تجربة جعفر نميري لم تثن هؤلاء الأشياع عن التطلع إلى النظام السياسي الإسلامي. لكن رمي الأحزاب الأخرى بثقلها في هذا الميدان (حزب الأمة عبر برنامجه "نهج الصحوة الإسلامية" والحزب الاتحادي الديمقراطي من خلال برنامجه "الجمهورية الإسلامية")، ميدان التنافس "الإسلامي" أخلى الساحتين السياسية والفكرية من منظومات "حداثية" وعلمانية قادرة على تعرية الشعارات "الإسلاموية" وتفريغها من مضامينها. والأكثر غرابة، أن هذين الحزبين خصوصاً حصلا على فرصة ذهبية باستعراض تجربة جعفر نميري الشائهة في تطبيق أحكام زعم بأنها إسلامية.

 

وكانت تجربة نميري التي أوعز بها الإسلامويون، قائمة على قوانين وممارسات وأمور شكلية لا تنسحب على الفهم العميق للدين، ولا تنفذ من المظهر إلى الجوهر.

 

وحين كانت أيدي بعض الصبية صغار السن والجياع تقطع في الخرطوم، كانت رائحة فساد كبار المسئولين تزكم الأنوف. وكانت المجاعة التي ضربت شرق إفريقيا في 1984 تشرد الملايين في دارفور وكردفان، من دون أن يعترف نميري بـ"المجاعة" التي تواجه "حكومته الإسلامية" !!

 

في عهد الإنقاذ، صار الأمر أسوأ. فالمستشارون في عهد نميري الذين أغروه بتطبيق "شرع الله"، أصبحوا على رأس الدولة، وبمثابة عرابيها. والذين كانوا يأتمرون بأمر نميري ويبايعونه إماما للمسلمين، أضحوا "أئمة"، فماذا كان حصاد سنوات "التجريب الإسلاموي" ؟

 

(المؤمنون) أدخلوا زجاجة في مستقيمة !!

يتضح البون الشاسع بين الشعارات "البراقة" والتطبيق حين يصار إلى مقارنة ما جرى في السودان في عهد "الحكومة الإسلامية"، بما طرحه الإسلامويون سابقاً. وإذا أراد أي باحث أمين أن يعير مطابقة الدولة- أية دولة- لأبسط المعايير الأخلاقية، فلا بد أن يعرج أولا إلى حادث وقع أخيراً في يونيو 2006 (بعد توقيع اتفاق السلام، والمزاعم عن مناخ الحريات). ففي شهر يونيو- يكتب المفكر اليساري السوداني الحاج وراق عن معارض شيوعي تعرض للتعذيب (على يد من؟): "ادخلوا له زجاجة في مستقيمة! وهذا لم يكن مجرد ادعاء وإنما أثبته الكشف الطبي! أحد أشكال التعذيب التي يقشعر لها وجدان كل شريف، والتي تعرض لها الطبيب عمر التاج النجيب! وقبله تعرض طلاب جامعة أم درمان الأهلية، ومعتقلو (إقليم) دارفور و(حزب المؤتمر الشعبي)، وقبلهم الألوف في بيوت الأشباح من الديمقراطيين والمعارضين إلى شبيه لهذه الممارسات الوحشية، مما يطرح بإلحاح قضية التعذيب في البلاد: أهي تجاوز لبعض أفراد في أجهزة الأمن أم مظهر من مظاهر انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد؟".

 

ويثير وراق هنا نقطة جديرة تماماً بالمناقشة. فالدولة "الإسلامية" ما تزال بعد 17 عاماً عاجزة عن احترام حقوق الإنسان، وما تزال بعيدة عن أي قانون "أخلاقي وضعي" ناهيك عن أي وازع ديني !! وبطبيعة الحال فقد أدرك السودانيون بعد مرور بضعة أشهر فقط على حكم الإسلامويين بأن "الدولة الإسلامية" ما هي إلا "معتقل كبير" ترتكب فيه أفظع الجرائم وأكثرها وحشية بضمائر تستأنس بنصوص القرآن والأحاديث الشريفة.

 

ما حدث للدكتور عمر التاج ظل ممارسة "أصيلة" لأجهزة الأمن التابعة لدولة الإسلامويين. ولنتعرف على عدل دولة الإسلامويين، وأخلاق هذه الدولة، من خلال قراءة جزء من رسالة (العميد) محمد أحمد الريح الموجهة لوزير العدل السوداني في 15 أغسطس 1993: "تعرضت شخصياً للاغتصاب وإدخال أجسام صلبة داخل الدبر، وقام بذلك النقيب عاصم كباشي وآخرون لا أعرفهم: الإخصاء بضغط الخصية بواسطة زردية والجر من العضو التناسلي بنفس الآلة وقد قام بذلك النقيب عاصم كباشي عضو لجنة التحقيق. القذف بالألفاظ النابية والتهديد المستمر بإمكانية إحضار زوجتي وفعل المنكر معها أمام ناظري بواسطة عاصم كباشى وآخر يحضر من وقت لآخر لمكان التحقيق يدعى صلاح عبد الله وشهرته صلاح قوش" (المصدر: موقع سودان للجميع http://sudan-forall.org).

 

ويروي المحامي السوداني عدنان زاهر قسماً من تجربته في معتقلات "الإسلامويين" في 1992 في كتاب "العمارة مستنقع التعذيب"، وهو كتاب تحت الطبع: "كان ضربهم متزامناً ومترادفاً بسيل منهمر من الشتائم من نوع (انتم المحامون تفسدون العامة وتدافعون عن الباطل)، (إنكم معارضة)، (أنتم أولاد شراميط)، (إنكم أتفه من مشى على الأرض)، وغيرها من الإهانات التي لا يمكن أن تسطر على الورق دون الوقوع في طائلة خدش الحياء العام". ويمضي زاهر: "نزعت القمصان عن أجسادنا في ذلك البرد القارص ثم ألقي بنا على الأرض كخرفان ينوي ذبحها. كنا نرتجف من شدة البرد والقهر، وبدأ مسلسل الضرب مرة أخرى. كانوا ثلاثة يتناوبون ضربنا الملازم مهدي، وشخص يدعى عبيد وآخر أسقطت أسمه الذاكرة رغم رسوخ صورته. كان ضرباً مبرحاً في أماكن أنتقت بعناية ومعرفة وتدريب مسبق. كانوا يختارون أكثر الأماكن إيلاماً. كان الضرب يرافقه كالعادة سباب مقذع وبذيء. وكمرحلة التعذيب الأولى، لم يكونوا يطلبون شيئاً محدداً أو معلومة بعينها كان الضرب من أجل الضرب والعنف من أجل العنف".

 

وفي رمضان 1990 تم إعدام 28 ضابطاً عاملاً وآخرين متقاعدين من الجيش السوداني بذريعة تدبيرهم انقلاب عسكري (يشار إلى أن الإنقاذ جاءت للحكم عبر انقلاب عسكري!!). وتم إعدام مواطنين في الأعوام الأولى لـ"الثورة" بتهمة "إخفاء عملات أجنبية وعدم التبليغ عنها". كما وتم إعدام الطبيب النقابي علي فضل في الفترة ذاتها بحجة معارضته النظام الإسلامي. ولم يعدم الدكتور علي فضل بالاستناد إلى حكم قضائي، وإنما تحت تعذيب "الأمن الإسلاموي".

 

وفي خلال 17 عاماً من الحكم "الإسلامي" قتل طلاب وطالبات معارضون ومعارضات في الخرطوم، وعدد من الجامعات خارج العاصمة السودانية. وقتل مواطنون ومواطنات أثناء تظاهرات ضد النظام الإسلاموي. وارتفع عدد ضحايا حرب الجنوب (التي أضحت حرباً مقدسة بين الحق الإسلامي والباطل المسيحي !!) إلى 2 مليون. وخلال 3 سنوات فحسب، سقط ما بين 180 - 300 ألف قتيل في دارفور !!

 

ولأن الإسلامويين أرادوا منذ البدء أن يحكموا سيطرتهم تماماً على الخدمة المدنية و"الاقتصاد" السوداني، تم بيع مؤسسات عامة لموالين للنظام، وتم فصل حوالي 125 ألف سوداني وسودانية من وظائفهم. ويرصد التقرير السنوي لحالة حقوق الإنسان في السودان في 2003 أن حجم العاملين في هيئة السكة الحديد انخفض من 31 ألف في 1989 إلى نحو 11 ألف في 2003، أي بنسبة 65% تقريباً.

 

ماذا فعلت "دولة الإسلام" لهذه الأسر التي تم تشريدها؟

وهل "اقتصت" دولة الإسلام من مشايعيها الذين تورطوا في القتل والتعذيب؟

لم يحدث ذلك، فتاريخ "الدول الإسلامية" المزعومة يتكرر بطريقة تدعو للدهشة، حيث ينصب الاهتمام على الشكليات، وينصرف عن الجوهر، جوهر الدين، وجوهر الإنسانية التي من أجلها بعث الأنبياء والرسل "رحمة للعالمين" !!

 

والمشكلة الحقيقية التي تواجه الإسلامويين عموماً، وإسلامويي السودان خصوصاً، هي أنهم لم يعوا دروس التاريخ بـ"عقول ناقدة" وباحثة عن "روح النص" و"مقاصده" و"غائيته"، ولم يتعلموا أبداً من الدروس الكبيرة التي وفرها التاريخ "الإسلامي"، تاريخ الدول الإسلامية، بدءاً بالدولة الأموية والعباسية، ونهاية بالدولة العثمانية. ومثلما حمل الخليفة العباسي الأول، لقب "السفاح"، يجوز لأي مثقف حر يرغب فعلاً في فضح القشور و"ثقافة الوهم" أن يطلق على عدد من قادة هذا التيار وخصوصاً في السودان، الصفة ذاتها، صفة القتل والإجرام، وباسم الدين، تماماً كما كان يفعل الخليفة العباسي.

 

ألا يعد القذف بحوالي 125 ألف سوداني إلى الشارع دون وظيفة إجراماً؟

ألا يعد تعذيب إنسان بحشر زجاجة في مستقيمة جريمة بشعة بكل المقاييس ناهيك عن مقياس الدين؟

ولماذا بالأساس تتم الدعوة لدولة إسلامية، طالما أنها لا تتورع- باسم الدين وظل الله في الأرض- عن ارتكاب "كبائر" كالقتل؟

 

تأهيل المجتمع أخلاقيا !!

ولئن كان زعم إسلاموي السودان ينصب على "تأهيل المجتمع أخلاقياً"، وردعه عن "طريق التهلكة"، و"إعادة صياغة الإنسان السوداني"، فلننظر بروية إلى النتائج، نتائج "البعث الإسلامي" المزعوم، أو إن شئت الدقة "العبث الإسلامي". ورد في صحيفة "الوطن" السعودية (1/7/2006) أن اللجنة القومية لمكافحة المخدرات في السودان حذرت من "تنامي تعاطي المخدرات وسط شريحة الطلاب رغم أن الجهات المسئولة ذكرت أن البلاغات عن انتشارها وسط الطلاب لم ترق لدرجة الظاهرة". ويمضي الخبر للقول "لفت رئيس اللجنة الدكتور الجز ولي دفع الله إلى غياب الإحصاءات الدقيقة والرسمية للمخدرات لكنه أشار إلى أن هنالك علاقة بين المخدرات والحروب التي دارت في بعض أقاليم السودان، مبيناً أن الحروب حجمت من حملات مكافحة المخدرات وأتاحت الفرصة لتجار المخدرات لأن يتحركوا بحرية ويسهموا في إضعاف الشباب وتفكيك الأسر مشيراً إلى أن المخدرات المضبوطة بواسطة الشرطة تساوي حوالي 10% من المخدرات المنتشرة فعلا".

 

هذا عن أوساط الطلاب فقط، ناهيك عن الفئات الأخرى، وفي بلد يعاني أكثر من 85% من سكانه من الفقر المدقع. وبطبيعة الحال فإن شعارات الأسلمة وحدها، والتعويل على الوازع الأخلاقي ليس كفيلاً بالتصدي لمثل هذه الظواهر الخطيرة. فالعوامل التي يهملها الإسلامويون عادة، كالاقتصاد، والحريات، والشفافية، بحسبانها معطيات وعوامل دنيوية بل و"علمانية" بنظرهم، تبرز كعوامل حاسمة في معالجة مثل هذه الظواهر.

 

ولعل البيئات الجامعية الفقيرة معرفياً وثقافياً وفنياً أسهمت بقدر في خلق إحباط واسع وسط جيل الشباب علاوة على النظرة القاتمة تجاه المستقبل في ظل وضع ينهار تدريجياً.

التعويل على الوازع الأخلاقي وحده كان سمة لمناقشات سمجة جرت في المجلس الوطني السوداني (البرلمان) خلال الشهر الماضي (يونيو 2006) حول توزيع الواقيات الذكرية. واعتبرت غالبية النواب الإسلامويين "المعينين بالطبع" أن توزيع الواقيات الذكرية مجاناً مدعاة لـ"إشاعة الفاحشة في المجتمع"، هكذا ومرة أخرى دون أي اعتبار للعوامل الأخرى مثل العامل الاقتصادي، والحروب، بل والجهل.

 

وكان واجباً بالطبع أن يقر توزيع الواقيات الذكرية مجاناً، مترافقا مع حملة إعلامية للحد من انتشار فيروس الإيدز في البلاد. فبحسب تقرير وضعه برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الايدز، يبقى السودان الأكثر تضرراً من فيروس الايدز في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وإذا تمت الإشارة إلى أن ما يقارب النصف مليون سوداني يحملون هذا الفيروس تبعاً لإحصاءات غير رسمية، فلا بد أن يثير هذا الأمر قلقاً عميقاً، دعك من أن يطرح أسئلة عن الدولة "الإسلامية" الوحيدة ربما في المنطقة- بحسب مزاعمهم- التي يتفشى فيها هذا المرض جراء الاتصال الجنسي غالباً، فالتقرير ذاته يؤكد أن أبرز أسباب انتقال العدوى هو العلاقات الجنسية دون وقاية.

 

ويضيف تقرير الأمم المتحدة بأن فيروس الايدز يتفشى بين الطلاب والنازحين وأن النساء لا يحصلن على معلومات كافية حول مخاطر الإصابة بالايدز. كما أظهر تحقيق أجري أخيرا أن 5% فقط من النساء يعرفن ان استخدام الواقي قادر على منع انتقال الفيروس ولم تر أكثر من ثلثي النساء الواقي ولم يسمعن عنه. وأضاف التقرير أن 55% من الرجال والنساء الذين يمارسون الدعارة في السودان يؤكدون أنهم لم يروا أبداً الواقي. ويرجع الفضل في ذلك كله إلى "دولة الإسلام" التي لا يثير حفيظتها شيء بقدر الطعن في عفافها وفضيلتها، كيف لا، وهي قامت بالأساس من أجل العفاف والفضيلة؟

 

الإسلامويون الطهرانيون

والإسلامويون الطهرانيون ضربوا مثلا غاية في السوء في جانب آخر يتعلق بطهر اليد، ومدى الشفافية المالية والإدارية. فبعد أن تم تعيين الأشياع في وظائف الخدمة المدنية، والجيش، والأمن، والشرطة، واحكموا قبضتهم على الاقتصاد السوداني، دافعين بذلك ملايين السودانيين إلى الهجرة حتى إلى إسرائيل كما ورد في الأخبار أخيراً (حوالي 150 سوداني يقبعون في السجون الإسرائيلية يطالبون بحق اللجوء السياسي)، توضح أن طهرانية الإسلامويين بل وطهرانية دولتهم، ليست إلا غشاوة في عيون البسطاء.

 

ففي دليل "الدول الفاشلة" لعام 2006 الذي يصدر في واشنطن، تصدر السودان الترتيب العالمي !!. وتعريف الدول الفاشلة هي تلك "التي لا تملك فيها الحكومة سيطرة فعالة على أراضيها، والتي لا توفر الأمن المحلي أو (الخدمات العامة) لمواطنيها، وتفتقد إلى احتكار استخدام القوة".

 

لكن "الدولة الإسلامية" لا تفخر بترتيبها المتقدم وسط "الدول الفاشلة" فحسب، فمؤسسة الشفافية الدولية في تقريرها الأخير صنفت السودان بحسبانه الدولة العربية الأكثر فساداً وبين (الدول العشر الأكثر فساداً في العالم). يبقى هنا أن نثير سؤالاً جوهرياً: ترى من يفسد "في الأرض" في السودان؟

 

"الدولة الإسلامية" لا تكترث لذلك، فهناك ما هو أهم، وأكثر أولوية، ولو كان "عبادة النصوص"، والتصدي بحزم لـ"العلم". ففي سبتمبر الماضي انتقد رئيس الدولة الدعوات لوقف ختان الإناث (الفرعونية) في السودان، واتهم جهات لم يسمها بتحريك الحملة ضد الختان، وقال إن هناك دوائر "تتربص بالإسلام والمسلمين تحرك حملات منع ختان الإناث".

 

فالخلاف حول ختان الإناث، وتصدي بعض المثقفين وبعض الدوائر الطبية في السودان لهذه العملية الإجرامية، التي أودت أخيرا بحياة طفلة سودانية تدعى (إنعام)، هو "تربص" في عرف "خليفة المسلمين" بالإسلام والمسلمين. هكذا يختزل الإسلامويون القضايا التي تؤرق المجتمع وتقض مضجعه إلى معركة دينية ظاهرياً، حيث يتم التستر بالدين، ويتم "قمع" الآخرين بعصا الدين.