كوش الجديدة/ قضايا اجتماعية اقتصادية معاصرة

ديسمبر/2006 

 

 

 

 

 

 

هوية الأزمة في موضوع أزمة الهُويَّة: عناصر أولية

المنصور جعفر

 

 

 

 

  

 

 

مقدمة 

تحاول الدراسة تحديد بعض العناصر الأولى في "موضوع أزمة الهُويَّة" كمجال لتناول بعض العناصر والعلاقات المأزومة بسياق الطرح المعتاد لهذا الموضوع، وبسياق تفاقمها في بعض الدوائر المحلية والدولية المختلفة. وترتبط هذه المحاولة بعرض بعض العناصر والمعلومات والأسئلة والقيام بتحليل بعض عناصر الموضوع المأزوم في سياق تاريخي اجتماعي يحاول النظر إلى الوجود الاجتماعي وأفكار الإنسان فيه من خلال علاقاته بأوضاعه المعيشية ككل شامل، وتجنب النظر إلى هذا الوجود بأي أشكال أُحادية جزئية مفردة عرقية أو دينية أو لغوية أو طقوسية أو قبلية أو طبقية أو سياسية، لأن هذا التناول المجزوء وهذا الإفراد يخل بالوجود المتعدد لعناصر الموضوع وبتوازن هذه العناصر، وتأثير ذلك الخلل على سياقات ظهور "أزمة الهُويَّة" وتجلياتها في الواقع، وتأثيره بالتالي على سياقات التعامل الموضوعي معه بصورة شمولية ترتبط بنيةً بضرورات التقدم الاجتماعي الشامل.  

 

وتحاول الدراسة تقديم سياق متعاضد يجنب الناظر لموضوع الهُويَّة تشعبه المرتبط والمرتبك بغزارة عناصره التي تشمل مفردات واصطلاحات يصعب تحديدها في كتلة دراسة واحدة مثل مفردات: "الكينونة"، و"الهُويَّة الفردية"، و"الهُويَّة الجمعية"، و"المعرفة"، و"علاقة الناظر والمنظور"، و"الاعتقاد"، و"التناسق" و"الحد الفاصل"، و"المعنى"، و"التصور"، و"الذاكرة"، و"المنطق"، و"القيمة"، و"المجتمع"، و"اللغة"، و"العقل"، و"الحرية"، و"الدولة"، و"الاستقلال"، و"الاستقرار"، و"الهجرة"، و"الحساسية"، و"الإحساس العام"، و"الضرورة"، و"شروط تحقق الضرورة"، و"حقوق الإنسان"، و"الأهداف العامة"، و"ظروف تكييف الفرد"، و"التاريخ" و"العدل".

 

فمن هذه البنية الثلاثينية من المفردات الفلسفية والعلم اجتماعية تأتي محاولة هذه الدارسة وجهدها للقيام بتحديد كتلة: "أزمة" "موضوع أزمة الهُويَّة"، لأجل محاولة تقديم مادة نظرية لتشكيل لبنات موضوعية لمناقشة بعض البحوث والقراءات المتعلقة بهُويَّة المجتمعات والدولة، أو حقوق الإنسان، أو العدالة الاجتماعية، أو السلام العالمي.

 

وتنعقد هذه المحاولة لتقديم هذه المادة النظرية لنقاش الموضوعات السياسية المذكورة، بأحوال وتطورات واقعية لبعض عناصر وأزمة وآفاق المشروع الوطني الديمقراطي في السودان والعالم سواء في مجالات الدولة والوحدة الوطنية فيه وفي باقي دول أفريقيا وآسيا وأوربا، أو في الأحوال السياسية للتحولات الاقتصادية الاجتماعية الثقافية للمجتمعات القائمة في السودان أو في دول العالم الأخرى، وصلتها بمستوى فاعلية حركات الثورة والتغيير الشمولي لأوضاع سلبية متفاقمة ومتعفنة في بنية الدولة والمجتمع لوجودها الحال صلة بطبيعة وتاريخ تكوين المجتمع والدولة ووجودهما في العالم وحكم علاقات مراكز القوة فيه لأحوال مراكز الضعف السياسية والاقتصادية والثقافية وتشكيله هُويَّة الناس ومجتمعاتهم بتحكمه في موازين القوى العسكرية والقوانين والتمويل والتجارة وأعمال الإعلام حيث أضحت كثير من دول أفريقيا وٍآسيا بهذا التحكم الذي صادف فيها تحكماً أضعف، أضحت مجالاً للإفقار، والأمراض، والأمية، والتخلف، ومحلاً للقهر السياسي، والديني، والعسكري، والتهميش والنهب الاقتصادي، وسكب النفايات.    

 

وبثقل بعض نقاط الضعف وبعض نقاط الحيوية في الأحوال العامة للمشروع الوطني الديمقراطي في السودان والعالم اتجهت الدراسة إلى تقديم مقترح يتعلق بتغيير الطبيعة الجزئية لتناول الأوضاع العامة في بلادنا والعالم، ناهجة لبناء أساس واحد من أسس التغيير العام في السودان والعالم، وهو بدء تجميع الجهود الداخلية والدولية لضبط إمكانيات هذا التغيير بإحداث قسم منه في بنية الوجود السوداني في الخارج (الشتات) المتصل بحالة متفاقمة من تشظية الهُويَّات.

 

ومع ارتباط بعض مؤسسات وأطياف تفتيت هُويَّات الناس في السودان وتفتتها بالحالة السياسية الاقتصادية الثقافية الضيقة لإعلان استقلال السودان من داخل البرلمان بصورة باينت أوضاع الناس ومجتمعاتهم خارج ذاك البرلمان، وفي حركة سياسية جافت الاتجاهات الرئيسة للنضالات الشعبية ضد أحوال الاستعمار الدولي والداخلي في المدن وفي الأرياف، وبصورة مخلة بروح الاتفاقات التي عقدت لضمان حقيقية وفاعلية حق تقرير المصير، وبهذا التباين بين ما كان منشوداً وما كان من إعلان فإن الوضع السياسي المتفتت لمجتمعات السودان بعد نصف قرن من الاستقلال وأحوال استبداد مركزة السلطات والموارد فيه أضحت تمثل ضرورة لاجتراح إمكانية لتأسيس حلقة تواصل لقوى التغيير الثوري الوطني الديمقراطي في السودان والعالم، قد تفيد في تشكيل وضع سياسي اقتصادي ثقافي جديد في السودان ومجتمعاته متصل بتجديد أوضاع أفريقيا والعالم معها.     

 

ومن هنا كان اتجاه الدراسة لتناول بعض العناصر الأولية لأزمة موضوع أزمة الهُويَّة، ولتناول عنصر واحد من عناصر موضوع تجديد إمكانيات مشروع التغيير الثوري الوطني الديمقراطي لأوضاع السودان والعالم بصورة تضع في تقديرها مزية فاعلية تنسيق بعض أعمال قوى التحرر الوطنية والأممية في إحداث بعض التغييرات الموجبة في بعض أوضاع توزع السلطات والموارد في جملة التنظيم الرأسمالي العالمي لمجتمعات العالم.

 

وبتناول الدراسة تكامل بعض عناصر التغيير الموجب لأحوال السودان وأفريقيا والعالم وصلاتها بالدولة، أو العدالة الاجتماعية واتجاهات الصراع الاجتماعي للتحرر في العالم فإنها تسهم في نقل حال الهُويَّة من حالة التمركز النرجسي في الذهن أو حالة عرض الذات في مجتمع يسهم فيه توسع الملكية الرأسمالية في إغلاق إمكانيات تواصله وتقدمه، أو حالة الفعل المجزوء المفرد النازع لتغيير عدد من البني المتعددة العناصر والطبقات في حدود الدولة والهُويَّة المفروضة، إلى حال اشتراكية إعلامية وسياسية وثقافية واقتصادية بين عدد من قوى مشروع التغيير الثوري الوطني الديمقراطي في السودان والعالم؛ وأهمية الانتقال بالهُويَّة من الأُحادية إلى الاشتراكية موصولة بضرورة  التغيير الجذري الشامل لأوضاع الاستعمار الحديث والقمع والاستغلال والتهميش في جملة العالم وفي داخل كل دولة منه، مما هو معقود بإضعاف أسس الوجود المتناقض للمجتمعات القديمة وتراتبيتها، وإعلاء هُويَّات موضوعية للإنسان متصلة بأصالته وتاريخه ونفعية أهدافه للتقدم الاجتماعي أي هوية حرة من الاستغلال والقهر أو التهميش والاستلاب المعرفي منه أو القيمي، مادياً كان أو رمزياً.

 

هويــة الأزمــة فـي موضـوع أزمــة الهُويَّة: عناصـر أوليــة

 

1- في تاريخ تاريخ الهُويَّة:

أ-  الهُويَّة كمفردة ومعنى مباشر

 الهُويَّة مفردة كأي مفردة أخرى تتصل بمشكلات التسمية والتحديد بيد إنها كمفردة متداولة تعبر في جانب كبير منها عن إحساس الإنسان بقسمات ومعان وجوده في الحياة في أي منطقة من المناطق، وهي بالتالي مفردة ذات تاريخ متصل بعناصر المجالات الموضوعية للإنسان وتاريخ محاولاته المتواشجة لمعرفة هذه المجالات وسماتها، ومعرفة سماته ومعان وجوده في هذه المجالات ككائن مؤثر ومتأثر بها.

 

ب- الهُويَّة كتكوين وحالة واعتبار

  تكون مجالات الحياة من عناصر متحركة بصورة جدلية مستدامة يُنتج من هذه الحركة مجالات جديدة تعيد إنتاج الإنسان وإنتاج هويته فيها بصورة مستمرة لا تعرف كجزء من الطبيعة أي حالة من الجمود، وهذه الحالة الحيوية تجعل الهُويَّة كائناً رمزياً طبيعياً اجتماعياً تاريخياً متغيراً وإن كان معدل تغيرها وجهاته ذي سمات خاصة.  بيد أن اعتبار الهُويَّة يختلف بين مجتمع وآخر اختلاف كينونة من نعدهم "عرباً" عند "العرب" كـ"عربي" السودان بين العرب، وكذا كينونة الأفريقي في مجتمع أفريقي (نقد): حيث يتنوع فهم الهُويَّة بين تقديرات جغرافية وأخرى عرقية وأخرى لغوية وأخرى هجين: فمن هو الهندي؟ أو الألماني؟، أو الفرنسي؟، أو البريطاني؟، أو الأوربي؟، أو الأمريكي؟ إن عملية تحديد سمات هوية أي  من أجناس الهُويَّة أو ثقافاتها تمثل إشكالية في كل حالة من هذه الحالات.

 

ت- كينونة الهُويَّة في تاريخ المعرفة

ارتبط الوعي بالهُويَّة بمحاولة الإنسان معرفة الطبيعة والعالم من حوله وقد نشأت في التاريخ عوالم مهمة في صيرورة معرفة هُويَّة الأشياء والإنسان شملت معرفة "عوالم الأفلاك والنجوم" مكوناتها ومواقعها وأحوالها لحال الأرض حيث نشط منها إدريس في تبويب الأسماء عالماً يدور به فيه الذهن، ثم جاءت "عوالم الأعداد والذرات والطبيعة" (فيثاغورس وديمقراتيس وأبيقور)، فلكنة لهذا العالم ثم جاء "عالم الكلام ونظمه" فيما عرف بالسفسطة ومثله سقراط، قبل انسحابه منه، ثم جاء ما يعرف باسم "عالم المعايير والقيم" المعروف بالفلسفة، بلوره في الأكاديمية أفلاطون بإعماله في "المحاورات" و "المدينة الفاضلة"، ثم جاء العالم الجديد لتواشجات العلوم والفلسفة بما في ذلك علم وفلسفة الطبيعة وتاريخ المجتمعات قدمه أرسطو بمصنفاته ومؤلفاته في تاريخ الحيوان التي تنتهي إلى "الأخلاق" التي تبلغ ذروتها في "السياسة" وإعلاءه منها للنقاش العلمي الاجتماعي كأعلى مراحل السياسة. وبلغ ذلك العالم ذروته في القرن التاسع عشر بقدوم  ماركس وإنجلز بأعمالهم المتعلقة بنبذ التصورات العرقية والدينية والعلموية اللا اجتماعية للتاريخ وصيرورة الحياة، ونقضهما جملة الفلسفة التقليدية بكافة رموزها وعلاقاتها، معيدين اكتشاف عناصر وقوى الحياة الإنسانية بتفعيل علوم الطبيعة والمادة والحركة في دراسة تكون المجتمع الحاضر وحركته مما ظهر بحركة تقدم أعمالهم من "ديالكتيك الطبيعة" و"أصل العائلة والدولة والملكية الخاصة" إلى "نقد الاقتصاد السياسي" و"علم الثورة الاجتماعية" وصولاً إلى مؤلفات حركات وقوى وأفراد التحرر الطبقي والوطني والاجتماعي.

 

2- الهُويَّة كمجال سياسي للفلسفة ومجال فلسفي للسياسة:

 

* البداوة والمشاع والهُويَّة البدوية والأفكار العرقية-الدينية

* التكاثر والملكية والتراتب المدينية والحضارة والدولة ومقولة  فليون "(الله)  فكرة الأفكار"

* هوية المحكوم والحاكم وتحديد الحقوق والقيم والهُويَّات من "أنا الحق"، إلى "أنا الدولة"

* مجالات التفكير في "الخلق" وفي "العقل" والأحوال القومية والشعوبية والشخصية لوجود الإنسان

* "أنا أفكر إذن أنا موجود"  في مقدمات "الفلسفة الإنسانية"

* تواصل الفلسفات "الظاهرية" و"الاسمية" و"المعنى" و"اللا أدرية" و"العبث" و"النفعية" و"الوجودية"

* فلسفة الإنسان كظاهرة اجتماعية بأحوال طبقية ككائن مقهور مستغل ومستلب بواسطة قوى طبقية: تنظيرات "المركز والمحيط" (ماركس)، "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" و"الثقافة الثورية" (لينين) وتنظيرات ماو عن "المدينة والريف"، وتنظيرات "الإمبريالية" و"التبعية" و"المركز والهامش" (مدرسة أمريكا اللاتينية)  "التطور المتفاوت لأقاليم السودان" (حسن الطاهر زروق) وعبد الخالق محجوب في الستينيات، و"أزمة ثقافة وسط السودان" (نور الدين ساتي) والأفندية والوطنية في السودان (خالد حسين الكد) في الثمانينيات.

* فلسفات النهاية: من فلسفة "نهاية الرب" لنيتشة إلى "نهاية الإنسان" و"صراع الحضارات |الثقافات"

 

3- مؤثرات أوليـة في إنتـاج الهُويَّة:

* الشكل الاجتماعي الاقتصادي والسياسي  لوجود الإنسان في صراع الجماعة مع الطبيعة

* تشكل ثقافة الناس بتعاملات الأم، والأسرة، والعشيرة، والمجتمع، والعالم، بالعزل والمواشجة والتكييف

* الدولة كناظم لأوضاع العيش وأوضاع الهُويَّة من القبيلة المختارة، والشعب المختار إلى الرسالة الخالدة

 

4 - الصلة الوطيدة بين الهُويَّة والمعيشـة والدولـة

* المكان وأثر الجغرافيا الطبيعية في النشاطات الاجتماعية والأمزجة والتقاليد

* خبرة العشيرة أو العشائر ككل في مجال جغرافي اجتماعي  معين لديها أو لدى آخرين

* حالة النشاط المجتمعي المتوائم والمكمل بعضه بعضه الآخر

* أحوال السواء وأحوال التراتب داخل العائلة والعشيرة والمجتمع وانعكاساته في ... الدولة

 

5 - الوجود الفعال للإنسـان: عوامل وحالات محلية ودولية لتحققه أو لتغريب الإنسان عن هذا الوجود:

* طبيعة المجالات المحلية والدولية للجغرافيا البشرية

* إمكانيات معرفة هذه المجالات وإمكانيات الوعي بطبيعتها وتاريخها وحركة وجودها

* التصورات الناتجة عن خلل مصادر أو جهات المعرفة  وما يتصل بها من استلاب وتغريب

* إمكانيات تصحيح أوضاع المجتمع والدولة 

* طبيعة القوى والمصالح الاجتماعية والوسائل القائمة على إصحاح المجتمع والدولة

 

6-  أزمة النظر الأُحادي إلى أزمـة الهُويَّة

* النظر إلى الهُويَّة حالة ثقافية خاصة، أو إقليماً أو لغةً أو جنساً معيناً أكثر من كونها حالة عيش

* النظر إلى الهُويَّة حالة طبقية أو لا طبقية خالصة أو كأنها حالة سياسية أو عصبية لا سياسية مجردة

1-     مناطق الهُويَّة:  محرومة من مزيات الدولة