سبق نشر هذا البحث في الزميلة سودانايل
ممزق
أنا حينما
أعصر سنين
العمر وأعود
بذاكرتي لقصص
أجدادي وعن
بطولاتهم
ونضالهم
المشهود،
ودمائهم
الممزوجة
بتراب الوطن،
ومواقفهم
التي يرن
صداها عبر مدى
السنين.
تحضرني جبال
النوبة، ذاك
الإرث المعتق
بعبق التاريخ، وتلك الأرض
التي أنبتت
حضارات وثقافات
متأصلة
باللون
الأفريقي
الجميل.
جبال
النوبة أنجبت
واحدة من أحلي نساء الكون، ومن أكبر
المناضلات في
تاريخ النضال
غفل عنها المؤرخون
لا أريد أن
أقول قصدا بل
سهوا؟؟.
إن
تاريخ الحركة
الوطنية في
السودان ملئ
بالبطولات
والتضحيات
التي كانت
تهدف إلى صون
تراب الوطن
الغالي. ومن أهم
هذه الحركات،
ثورات جبال
النوبة التي اشتعلت
وتفجرت
لأسباب عدة.
كان أهمها رفض
السيطرة
والقيود
الاستعمارية.
ورفض الضرائب
الخاصة التي
فرضت علي
قبائل النوبة
(ضريبة
الدقنية)، تلك
الضريبة التي
كان يدفعها
الشخص عن نفسه
والتي عدت
مذلة ومهينة
لكرامة الإنسان
النوباوي.
ومن ناحية
أخرى كانت
الذاكرة الجماعية
لشعوب النوبة
تختزن الكثير من
المواقف
السلبية
والتجارب
المريرة ذات
الصلة بتجارة
الرقيق إبان
عهد الحكم
التركي-المصري، الشئ
الذى غرس الشك
في النفوس
وعزز
المقاومة الشعبية
لأي شكل من
أشكال الغزو
الأجنبي،
لذلك قاموا
بثورات عديد
سنوردها
سريعاً من خلال
المقال.
حفل تاريخ السودان الحديث بشخصيات نسائية ذاع صيتها، ناضلن ونافحن
وتركن بصمات واضحة في حياتنا، فمنهن مهيرة بنت عبود
في منطقة الشايقية بشمال
السودان والتي أطلقت
(زغرودة)
مجلجلة ألهبت بها حماس الرجال واستثارت
في نفوسهم الحمية
والإقدام على القتال
والتصدي للغزو التركي الغاشم، فكان دورها تعبوياً. وفي كردفان
(الغرة
أم خيراً جوه وبره)
كانت رابحة الكنانية ذات الدور المشهود مع
الإمام المهدي.
أما
في جبال
النوبا، فنجد مندي،
تلك الشخصية
النسائية
المتفردة ذات
الخصال
والسمات
الخاصة، امرأة
جسورة
ومقاتلة من
طراز فريد قل
أن يجود بمثلها
الزمان.
امرأة لم ينصفها التاريخ والمؤرخون فلم
يرد ذكر لها في كتب تاريخ السودان الحديث.
فليتني
ذاكرة تعود
بأحداث
الزمان إلى
الوراء لكي نرى
من هي مندي ولكنني
أنبش ذاكرتي
المتواضعة
وأسرد بعض ما
سمعته عنها.
في
عام 1908 دخلت
قوات
المستعمر في
معركة شرسة ضد
الزعيم "دارجول"
في
منطقة الفوس. ولما
لم يتمكن المستعمر
من سحقه
والانتصار
عليه، توصل معه
إلى
اتفاق يقضي
بوقف
الاعتداء
ودفع دارجول
بعض
التعويضات
للإنجليز. لكن ورغم
تلك الحملات التعسفية لم يخضع
النيمانغ
لأوامر
الإنجليز وتعليماتهم مما دفع بالأخيرين
إلى التفكير الجدي لشن حملات
وتوجيه ضربات خاطفة قاضية علي السلطان عجبنا.
في عام
1917
قاد مفتش مركز الدلنج الإنجليزي هتون حملة منظمة ضد منطقتي كرمتي وتندية، غير أنه
لم يصمد طويلا ولقي مصرعه قبالة منطقة كرمتي برصاصة أحد الثوار الذين كانوا علي جبل
حجر السلطان، ففشلت بذلك مهمة الحملة
التي كان الغرض منها إبادة الثوار
في تلك
المنطقة.
أثار
مصرع هذا المفتش غضب السلطات الإنجليزية
وقام المستعمر بإعداد حملة كبيرة ومنظمة وذلك
في نوفمبر
1917
كانت بمثابة جولة ثانية ضد السلطان عجبنا، كانت عدة هذه الحملة وعتادها كاملاً،
تتكون من واحد وثلاثين ضابط بريطاني، ومائة وخمسين من الضباط المصريين والسودانيين،
وألفين وثمانمائة سبعة وخمسين جندي، وعدد كبير من الأسلحة النارية قوامها ثمانية
مدافع، وثمانية عشر مدفع رشاش،
بالإضافة إلى البنادق.
تحركت
هذه القوة من
منطقة
النيمانغ حيث
عسكرت
القيادة
العامة
للعمليات
بمنطقة النتل
تحت إمرة
المقدم سميث
L.K .SMITH، ومن منطقة
النتل تحركت
ثلاث وحدات
لمحاصرة السلطان
عجبنا من
ثلاثة مواقع
هي:
أولا- منطقة ولال،
الواقعة بين
منطقة ككرة
وحجر السلطان،
بقيادة الرائد فان ديلو
VANDELEU.
ثانيا- منطقة
جبل كلامو، الواقعة
بين الفوس
وحجر السلطان،
بقيادة الرائد جرهام
GRAHAM.
ثالثا- منطقة النتل، بقيادة الرائد وثنقتون ويلمر WORTHINGTON WILMER.
بهذه
الخطة المحكمة ضرب الحصار تماماً على السلطان عجبنا وتم عزله عن مصادر المياه
(الآبار)
بخاصة في منطقة سلارا حيث آبار كوديلو بونق.
عندها كان السلطان عجبنا وقواته الثوار
يقاومون بأقصى ما لديهم من بسالة، وحمي الوطيس بين قوات المستعمر والثوار
إلى درجة
أدت لفك الحصار المضروب حولهم.
تسربت
الأخبار
والمعلومات
إلى الأميرة
المقاتلة
مندي عن تأزم
الوضع
واستيلاء
قوات المستعمر
علي مصادر
المياه، فضلا
عن أن الثوار
في أرض
المعركة أصبحوا
في
حاجة إلى
تعزيزات
ودعم يمكنهم من فك
الحصار كاملاً.
وفور
سماع
الأميرة مندي
هذا الخبر تحزمت وحملت البندقية قاصدة موقع القتال، فحاول البعض
أثناءها عن الذهاب بحجة أن الموقف متأزم وحرج، وأن الطريق ملئ بالمخاطر، وبأن
الحصار محكم جداً من كافة الجهات. فغضبت الأميرة وثارت، وقالت: "دعوا سبيلي، فالوقت
ليس وقت كلام". واحمرت عيناها وأصبحت كالمرجل يغلي من شدة الغضب بفعل
إصرار القوم
على منعها، فحملت البخسة
(القرع)
وضربت بها الأرض حتى تهشمت وقالت للجميع : "أفسحوا لي الطريق"، فأفسحوا لها الطريق.
يجدر بنا الإشارة إلى أن تهشيم البخسة "القرع"
في ثقافة النمانغ يعني أن الغضب
والإصرار على فعل الشئ قد بلغ أوجه وقمته، أي، حد لا تنفع معه الرجاءات ومحاولات
المنع.
أسرعت
الأميرة
المقاتلة
مهرولة لكي
تنضم إلى صفوف
الثوار
الذين تجمعوا
بقيادة
السلطان عجبنا
ليصدوا
الهجوم
الغاشم، وكان
التحاقها مع من معها
إلى
الفوج بقيادة
السلطان دفعة
معنوية قوية. وبدأ
القتال بكل
ضراوة وبسالة، حيث
تصدى الثوار
للهجمات
وردوا زحف
الأعداء صوناً
للأرض من أن
تغتصب،
وحماية للأهل
والعشيرة.
كانت
بحق معركة شرف
وكرامة سقط فيها الأبطال
الأشاوس
صناديد ثورة
1917،
معطرين تراب
الوطن الغالي
بدمائهم
الطاهرة
الشريفة.
وتشاء الأقدار
أن يتم القبض
على السلطان
عجبنا وصديقه
ورفيق دربه
ونضاله "كيلكون"، وحكم
عليهما بالإعدام
شنقاً. كان ذلك
في
27/12/1917
حيث أثبت الاثنان
معاً موقفاً
بطولياً رائعاً
اذ قابلا
الموت بشجاعة
ورباط جأش
وخلدا ملحمة
غنائية رائعة
يتغنى
بها الصغار
والكبار.
في
فبراير
1917
استسلم بقية
المقاتلين
بعد أن تم
إعدام قيادتهم
الروحية
والعسكرية
التي كانت
تمثل نضال جيل
اختط على
صفحات
التاريخ ملحمة
رائعة أعطت
المستعمر
درساً لن ينساه
أبد التاريخ.
في يقين
الطرفين
دوافع مختلفة
حيث قاد
المستعمر
المعركة
بدافع
السيطرة
والاستعمار
بينما قادها
الثوار دفاعاً
عن الشرف وصونا
للأرض مسلحين
بالإرادة
وعشقهم
الدفين للحرية.
في
هذه المعركة
حازت الأميرة
مندي على
أعجاب فرسان
القبيلة
لشجاعتها
وإقدامها،
وخلدوها من
خلال الأغاني
الشعبية التي
يرددها أهل المنطقة
وقبائل
الدلنج، حيث
تم اعتماد أغنية مندي الشعبية وتسجيلها
مارشاً عسكرياً بفرقة موسيقى دفاع السودان لرفع الروح المعنوبة للجنود والمقاتلين
بالقوات المسلحة.
تعقيب
إن
ثورات جبال
النوبة
التي كانت
كقرآن الفجر
المشهود،
والتي صمت
دونها
التاريخ بضمير
مستريح،
وتقاعس عن تدوينها
المؤرخون، إن
تليت علي آذان
التاريخ لصرخ
غاضباً علي
المؤرخين
الذين أجحفوا
في صياغته.
عند
دخول
المستعمر
منطقة جبال
النوبة سجل الأبطال
والثوار من
أبنائها أعظم
البطولات ورسموا
على سجل
التاريخ
الإنساني
أعظم الملاحم
التي لا تنسي
أبداً أهمها:ثورة بردني
في
تالودي عام
1908-1917؛
وثورة
دقيق
1910-1913؛
وثورة
هيبان 1911؛
وثورة
تقوي 1910-1911؛
وثورة
تير الأخضر
1914-1915؛
وثورة
كادقلي؛
وثورة
الداير 1904؛
وثورة
الليري 1906؛
وثورة
حنق حنق 1906؛
وثورة
كيلا كاردن 1910؛
وثورة
شات الصفية 1904؛
وثورة
الميراوي (الفكي
علي الميراوي) 1915؛
وثورة
المندل 1904-1914؛
وثورة
كاندارو (كادرو)
1906؛
وثورة
الفندا 1908؛
وثورة
كيلا كيدو
1908-1909؛
وثورة
تيما 1909-1910؛
وثورة صبي 1914؛
وثورة
دلمار 1914؛
وثورة
النيمانغ دارجول 1908؛
وثورة
النيمانغ سلطان عجبنا
1917؛
وثورة
الليري 1929
مجلة الآثار│مجلة الأنثروبولوجيا│نصوص ملوك كوش│مؤتمرات علميَّة│عرض الكتب والدراسات│ما قبل تاريخ الصحراء الليبية
ملوك وملكات كوش│الديانة الكوشية│الكتاب الكلاسيكيون│تقنيات البحث الآثاري│الثقافات الأفريقية│الببليوغرافيا│الصفحة الرئيسة