مملكة تقلي ... نشأتها واضمحلالها (1)
د. عمر مصطفى شركيان
طلب الاذن من كاتب البحث للنشر قبل بثه على شبكة الانترنت وقد ظهر البحث أيضاً فى الزميلة سودانايل فى وقت متزامن
ميلاد
العائلة
المالكة
والمكوك
الأوائل
ذروة
المملكة...
ناصر وآدم أم
دبالو
تقلي إبان حكم المهدية
(1882-1898م)
تقلي في عهد الحكم البريطاني-المصري (1898-1956م)
ديناميكية الحياة السياسية فى منطقة تقلي، كما هي الحال فى جبال النوبة، أثبتت عدائها للمركزية وتأسيس الدولة. حاملين الثقافة السياسية المنتشرة فى وادي النيل السوداني، دافع جباليو تقلي عن حكمهم الذاتي ضد الولاء السياسي؛ كما لم تستطع أية قوة خارجية أن تبرم حلفاً محلياً مع أي من حكام تقلي(2).
تاريخ السودان، الذى تغتال فيه الحقيقة اغتيالاً، كُتب مبتوراً من كل المعالم والسمات الأساسية التى صنعت حوادث هذا البلد، وصاغت مصائر أهله فى الأمصار والسبلان. ولو دُونت الحوادث التاريخية حسبما وقعت، ونظر الرواة التاريخيون الى المصادر الموثوقة، ببصائرهم لا بقلوبهم، لذُهِل الناس لفرط ما رأوه من همم كانت مصروفة، وفنون مبذولة، وتقنيات شتى كانت معمولة بها فى حكم دويلاتهم، وتسيير شؤونهم وأمورهم. ونحن إذ ندون وقائع تجاربهم حتى نشيد بها، وندعوا الى اعتناقها إن كانت ناجحة؛ ونحذر منها وننذر إن كانت إخفاقاً. ومن هذه الدويلات والممالك نذكر مملكة تقلي.
تطلق تسمية جبال تقلى، والتي يبلغ ارتفاعها 5,000 قدم فوق سطح البحر، على مساحة قدرها 40 ميلاً مربعاً. وتضم فى محورها التلال التى تشمل، فيما تشمل، قرى كراية، والهوي، وتاسي وجولية. وتمتد هذه السلاسل الجبلية شرقاً لتندمج مع الهضاب الشمالية-الشرقية التى تعلو 3,000 قدم فوق سطح البحر، وتنتهي فى الجبال الصخرية المعروفة بجبال أم طلحة، 35 ميلاً صوب الشرق.
تتعدد الروايات عن أصل سكان المنطقة، وقد أوردت جانيت جي إيوالد رواية هى – فى واقع الأمر- أقرب الى الأسطورة منها الى الحقيقة. ذكرت جانيت أن أقوام من الفونج المسلمين يدعون (كونياب) سكنوا أبودوم التى تبعد مسافة 10 أميال من جبل تقلي. وفى يوم من الأيام، وبينما كانوا يمارسون حرفة الصيد، جرحوا تيتلاً وطاردوه حتى عثروا على مساكن (لابوجاب) فى قلب تقلي، وهم قوم عراة وغير مسلمين. وقد أُعجب (لابوجاب) بملابس (كونياب)، وطلب زعيم الأول من مجموعة الصيادين (المونياب) أن يستقروا فى تقلي ليعلموهم زراعة القطن ونسج الملبوسات. وقد قبل (الكونياب) الدعوة على الرغم من أنهم ظلوا على اتصال مستمر مع ذويهم فى أبودوم؛ كما أنهم لم يتدخلوا فى معتقدات (لابوجاب) الدينية مثل تقديم الفتيات قرباناً لحية فى بئر لضمان الهطول المبكر للأمطار. وهناك قول أنهم ينتمون الى قبيلة السقارنج: الرجل منها سقراناوي والمرأة سقرناوية، والى هذه القبيلة تنتمي خيرة - والدة إسماعيل صاحب الربابة من الشيخ مكي الدقلاشي الذى تكلم فى المهد(3).
من
جانب آخر،
تقول القصص
الشعبية
إنه زهاء
400
عام مضت حط
فقير متجول
من الجعليين
الموجودين
على النيل
قرب مصب نهر
عطبرة، واستقر
فى هذه
التلال،
وبدأ فى
مزاولة النشاط
الديني
الذى سرعان ما
انقلب
سياسياً.
وبهذه
الطريقة،
ولأسباب أخرى
سنوردها فى
هذا البحث،
أوغل نفسه فى
بلاط الحكم
وأمسى يمارس
السيادة
والريادة
فى هذه
المملكة
العريقة التى
اشتهرت فى القرنين
الثامن عشر
والتاسع
عشر فى وسط السودان.
وقد ذكر
المؤرخون أن تسعة عشر
حفيداً
تعاقبوا على
حكم المملكة
دونما انقطاع:
من ابن هذا
الشيخ
الجعلي،
جيلي أبو
جريدة، حتى
المك آدم
النيل جيلي.
وقد انتشر
الإسلام فى
المنطقة بفضل
هذا الفقير،
حيث تجد فى كل
قرية مسيداً(4) تم
تأسيسه
بواسطة
المسلمين
الأوائل ومازال
قائماً حتى
يومنا هذا.
توجد
بالمنطقة
أغلب الطرق
الصوفية،
لكن معظمهم من
تابعي الشريف
يوسف الهندي.
هذه المملكة،
التى امتدت من
خور أبوحبل
شمالاً حتى
تلودي
جنوباً، كانت
ذات شأوٍ
وشأنٍ عظيمين:
وقد اعترفت
بها قبائل
العرب التى
كانت تدخل
المنطقة فى كل
فينة وأخرى.
ولا غرو فى
أنها
تحدت،
بنجاح منقطع
النظير، الحكومة
التركية-المصرية
لسنين عددا.
بتشجيع
الهجرة
والاستيطان
فى تقلي
خلال السنوات
الأولى من
الحكم،
استطاع هؤلاء
الحكام
الوافدون أن
يغيروا
ديانة أهل المنطقة،
وأسلوب
حياتهم
سيما
أنهم قد
أدخلوا ارتداء
العمامة
وقولة
"الله
يطول عمرك".
وبذا تحول
جزء من
النوبا
الذين كانوا
يؤمنون بالآلهة
المحلية،
فى هذه
المنطقة، الى
مسلمين،
وتركوا ما كان
آباؤهم
يعبدون من
كريم المعتقدات
الأفريقية.
ونتيجة
المصاهرة والتزاوج
مع سكان
المنطقة
الأوائل ظهر
خليط من
المجموعة
التى تقطن
المنطقة.
أما سكان
الكيجاكجة،
جنوب-غرب
تقلي،
فيمثلون
العنصر الصافي
من سكان
المنطقة
الأصليين.
كحال كل القبائل
العربية فى
السودان،
تدعي العائلة
المالكة
أنهم
ينتمون الى
الجعليين- نسبة
لإبراهيم جعل.
يوجد، كذلك،
بالمنطقة أحفاد
الفونج،
وأجناس من
دارفور فى غرب
السودان،
والعرب الذين
يشملون:
البديرية
والجوامعة
وكل فروع
الكواهلة
وكنانة.
وكأي نظام ملكي، فإن نظام
الحكم فى هذه
المملكة كان
وراثياً؛
وللمك مطلق
الحرية فى تصريف
أمور البلاد
والعباد،
يعاونه فى ذلك
شخصين من
أقربائه والذين
يُسمح
لأحدهما، وهو
الجندي،
بمقابلة المك
فى أية ساعة
من ساعات
النهار أو الليل.
وكل من عزم أن
يقابل المك
عليه أن يقابل
الجندي
أولاً، وهو
كذلك المسؤول
عن
المكوكية
فى جنوب المملكة:
جزيتهم
وهداياهم
تُسلم للمك
عن طريقه. أما
المعاون
الثاني فيسمى
سكراوي، ولا
يتمتع
بقدرٍ كبيرٍ
من
الصلاحيات
كتلك
الممنوحة
للجندي،
لكنه هو
المسؤول عن
الجزء
الشمالي
والشرقي من
المملكة. فى
بعض الأحيان
يتم تعيين الوزير؛
وشاغل هذا
المنصب يكون
دائماً من مقربي
المك.
كما أن
مهمة اختيار
مك جديد، إذا
كان هناك أكثر
من مرشح
واحد، تقع على
عاتق الجندي.
بعد
مرور ما يقارب
الأربعة قرون،
أصبحت العائلة
المالكة أرستقراطية
لا يستطيع أحد أن يتطاول عليها، ولم يخل نظام الحكم من القسوة المفرطة. وقد قيل ان
زبانية المك
ناصر كانوا
يلقون
بالمعارضين السياسيين
فى دوكة حجرية
تحتوي على زيت
ساخن بعد ما
تصل درجة الغليان
وذلك بعد
منتصف
النهار، أي
فى وقت الهجيرة.
ونتيجة لهذا
الرعب، هرب
كثيرون من رعايا
المك الى خارج
المملكة، وقد
سكن أفراد منهم
فى مدينة
الدلنج فى
ريفي شمال
الجبال.
قبل
أربعة قرون،
كان
سكان الجبال
الشمالية-الشرقية يتكونون
من عنصر عرقي
واحد؛ وكانوا
يتمركزون فى ثلاث
مناطق: تيرمي
فى أم طلحة،
وجبال
الكيجاكجة،
وتقلي نفسها.
كان القوم يعبدون
الآلهة
الطبيعية وهم لها عاكفون، ويعيشون حياة غير معقدة تحت
السيطرة
الوراثية
للمشايخ فى
دارهم التى
تقع فى تقلارو- بالقرب من
قرية الهوي- وكانوا يُعرفون
باسم الهمج، هكذا تقول الأساطير القديمة. وبما أن دماء
السكان الأوائل
قد ذابت
واختلطت مع
العناصر التى
وفدت الى هذه المنطقة من كل فج عميق، إلا أنها مازالت
باقية لدى
مواطني جبال
الكيجاكجة،
الذين
احتفظوا
بنقاء حسبهم
ونسبهم.
على الرغم من دخول الكيجاكجة الى الإسلام أفواجاً خلال الثلاثمائة عام الماضية،
فإنهم مازالوا يتمسكون ببعض عاداتهم وتقاليدهم القديمة، ولم تتغير طريقة حياتهم
اليومية كثيراً(5) كما
تجدهم
يمارسون حرفة
زراعة
الذرة على
سطوح
الجبال
باستخدام
الحشاشة
الخشبية؛
ويقومون
بتربية
الماشية؛
ونادراً ما
كان
القوم
يغامرون
بالابتعاد عن
جبالهم. القليلون
منهم كانوا
يتحدثون
اللغة
العربية، حيث أنه فى
تقلي قلما
تجد اللغة
المحلية فى
الاستعمال
وربما أصبحت
نسياً منسياً.
أما
عُمدتهم أو
الجندي
فينحدر من
جنادي تقلي
القديم الذي
كان من
الملازمين
الوارثين للشيوخ
الحاكمين،
واستمر
المنصب حتى
خلال فترة حكم
المكوك
"الجعليين".
إن
إقامة أهالي
تقلارو فى هذه
الجبال الصخرية،
والحصون المنيعة تعكس الطبيعة الحربية
التى كانت تميز القوم. وكان
تسليحهم
يشتمل على
الحراب والسكاكين
والحجارة. إذ يبدو أن المملكة لم تتخوف من أعدائها فى
الشمال القصي أو الغرب البعيد، لكن أعداءها الفعليون كانوا قاطني المجتمعات
المجاورة. مهما بُذِل من الاجتهاد، فمن الصعب جداً تعقب جذور سكان المنطقة الأولين.
لكن هناك الكثير من أوجه التشابه بين الكيجاكجة والكواليب، الشئ الذى قد يدعم فرضية
وجود سلالة مشتركة. لكن الكيجاكجة اعتنقوا الإسلام، وفضل الكواليب البقاء على
معتقداتهم الأفريقية، وقد تنصر جزء منهم عندما دخل التبشير المسيحي الى المنطقة
إبان الحكم البريطاني-المصري فى السودان
(1898-1956م).
ان إجراء البحوث المكثفة على سكان تُكم، وترجوك، وتقوي- الذين اتخذوا الإسلام ديناً
لهم - وكذلك النوبة فى جنوب المنطقة قد يساعد فى اكتشاف التباين بين الكيجاكجة
والكواليب.
المؤكد، ولا ريب فيه، أنه منذ القرن السادس عشر
بعد الميلاد عاش فى تقلي أناس كانوا يسبحون باسم الله عن طريق سنن الكون؛ ولهم
ملامح نوباوية مميزة؛ ولم يتم التزاوج والتمازج بينهم وبين الأجانب. هذه المجموعة
البشرية كونت النواة لمملكة تقلي التى نحن بصدد الحديث عنها. مما سبق يتضح أنه قبل
أن تنتقل مقاليد السلطة الى الحكام الوافدين، كانت بالمنطقة أنظمة حكم سياسية
واجتماعية؛ وكل مافعلته السلطة الاستيطانية هو تطوير النظام السائد حينذاك وإضافة
شئ من الارستقراطية كثير، والاستبداد والتنكر على بعض العادات والتقاليد الموروثة،
وادخال الإسلام عقيدة فى المنطقة.
ميلاد
العائلة
المالكة
والمكوك
الأوائل
تقول
الروايات
القديمة أن
شخصاً يدعى
محمد الجعلي
حضر من الشمال
فى العام
1530م،
وطاب به المقام ونال احترام أهل المنطقة الكرام، وطفق تدريجياً فى تأسيس العائلة
المالكة(6). بيد أن
المعلومات عن
خلفية
الرجل تكاد
تكون شحيحة
لدرجة العدم. فربما
كان ذلك
الجعلي من
الذين
انتشروا فى الأرض
ينشرون
الإسلام بعد
تأسيس سلطنة
الفونج فى
سنار فى العام
1504م؛ وربما كان
من المنبوذين
اجتماعياً
فى موطنه
النيلي، أو
من الهاربين
من العدالة،
أو ربما كان
من الرحالة
الهواة الذين
يضربون فى
الأرض يبتغون فضلاً
من الله
ومرضاته. لم
يكن هذا الشيخ
الوافد
حاملاً بين
جنبيه آمالاً
عراضاً
وطموحات تفوق
واقعه بكثير.
كل ما يُعرف
عن محمد
الجعلي هذا
هو أنه كان
فقيراً
بائساً وعلى
قدرٍ كبيرٍ من
التزهد.
وقد وصل
الجعلي
ورفيق دربٍ له
يدعى
أبوحايمة (قد
تكون هذه
كنيته نسبة
للحوم
والترحال)،
بعد التيه فى
الأمصار، الى
تقلارو- التى
كانت تحوي قرى
الهوي وكراية.
ومن هنا عثر
عليهما
الجبليون
التقلاويون
وقادوهم الى
كابر- كابر، مك
المنطقة. وعندما
مثلا أمام
المك، شرعا
فى تقديم مبادرات
الصداقة.
أما المك،
الذى أُعجب
بمظهرهما
النسكي،
فقد رحب بهما وأكرم
مثواهما فى
غاية الحفاوة.
بعد أن عُوملا
معاملة حسنة
واطمأنت
عليهما قلوب
الناس، طفق
الزاهدان
يعلمان
القوم أصول
الإسلام،
بدءاً بإقامة
شعائر
الصلاة
مع الإبقاء على
طقوسهم
الدنيوية.
ومنذ ذلك
التاريخ
أصبحت عقيدة
الإسلام تدخل
فى نفوس
الناس.
يدعي الجعليون فى السودان أنهم ينتمون الى إبراهيم جعل. وبما أن شرف الانتماء الى العروبة وتبني الهُويَّة العروبية ناجم من الشعور بالفخر والاعتزاز، رأت العائلة المالكة فى تقلي، والنباطاب- العشيرة السائدة فى البجة- بني عامر، وسلاطين الفور وملوك ودَّاي فى تشاد أن يتقمصوا العنصر العربي، ويستجعلونه دماً سارياً فى شرايينهم. إذن، من هو إبراهيم جعل هذا الذى يتشرف كل من ينتمي اليه، حقاً كان أم كذباً، ويحرث ثمار ذلك الادعاء فى الحياة الدنيا؟ يقول هولت: "إن دراسة سلالة إبراهيم جعل تشير الى أنه حفيد العباس، عم الرسول صلى الله عليه وسلم"(7). وقد كتب ماكمايكل أن تشبه سقارنج أو مكوك تقلي، أو سلاطين الفور، ومملكة ودَّاي بإبراهيم جعل يعود الى التملق(8).
مهما يكن من أصل الجعليين، فقد رأى محمد الجعلي الناس يدخلون فى دين الله أفواجاً، أو هكذا شُبه له، حتى أصبح له موطأ قدم فى المنطقة. ولم يمض وقت طويل حتى بات واحداً من الذين يُشار إليهم بالبنان فى المملكة. ومن ثم وهبه كابر- كابر ابنته ليتزوجها؛ وانجبت له ابناً سموه أبوجريدة- نسبة لأن عظام ذراعه كانت ملتحمة سوياً بدلاً من أن تكون متفرقة. هكذا شب الطفل وورث العقيدة من والده وآزره فى نشر الدعوة الإسلامية فى المناطق المجاورة. وليس صحيحاً ادعاء بعض الباحثين أن الإسلام والثقافة العربية قد عرفا طريقهما الى هذه المنطقة منذ فترة طويلة قبل قيام مملكة تقلي فى القرن السادس عشر الميلادي(9).
عندما توفى كابر- كابر، اجتمع كبار القوم واختاروا حفيده أبوجريدة، الذى كان فى مقتبل عمره، ليحل محل كابر- كابر مكاً لتقلي. وفى الوقت نفسه أعادوا تسمية أبوجريدة وأضافوا اسم "جيلي"؛ اقراراً بحقيقة أنه نتاج دم أجنبي، وليس منحدراً من الخط الوراثي للعرش. وقد حدثني محدثي، وهو من مواطني المنطقة، أن أصل الكلمة يعود الى تحريف عبارة الاستفهام العربي "جاء ليه؟" (لماذا أتى؟) لقد ورث جيلي أبوجريدة الحكم على أساس وراثي لجهة الأم، ولكن ما أن مات أبوجريدة إلا وانتقلت الوراثة الى جهة الأب: أي، على النظام العربي، وهذا ما تم لدى اختلاط العرب بالنوبيين فى شمال السودان فى القرن السابع الميلادي.
وهكذا، أي، فى العام 1560م تقريباً، تم تأسيس الأسرة الحاكمة فى تقلي ممثلة فى شخص جيلي أبوجريدة. وبنسب متفاوتة فى الشهرة، حكم أبناء أبوجريدة الوارثون وتمتعوا بصلاحيات واسعة. لقد اشتملت المملكة التى ورثها جيلي أبوجريدة على تلال تقلي والكيجاكجة التى كانت تقع تحت نفوذ جده.
ما
هي الانجازات
التي تمت فى
عهد جيلي
أبوجريدة؟
جيلي
أبوجريدة،
الذى كان
يتمتع
بشخصية
فريدة، أكمل
نشر الإسلام
الذى بدأ فى
عهد والده،
وعمل على
توسيع نفوذه
بجلب
مستوطنين الى
المملكة حتى يسهموا فى بسط
السلطة.
شيد لنفسه
مسجداً، ونقل
عاصمته من
قرية تقلارو،
وبنى حوشه فى
الهوي، التى
تبعد مسافة
قدرها نصف ميل
شمالاً. فى
داخل هذا
الحوش توجد
فولة قيل
انها حفرت
فى عهده. لقد
حكم طويلاً
وبعد موته دُفن
فى حوشه، الذى
أصبح فيما بعد
بمثابة المقبرة
الملكية. خلف
أبوجريدة
ابنه صابو،
الذى انتقل من
الهوي الى
تعودم، التى تقع على بعد
30
ميلاً صوب الغرب. هناك استمر فى نشر الإسلام وتوسيع مملكته؛ وقد نقل عصا السلطة الى
ابنيه جيلي عمارة وعمر أبوشهيرة، وحفيده جيلي عون الله، الذين حكموا المملكة على
التوالي. فلما أتته المنية تم دفنه فى حوش أبوجريدة فى الهوي، الذى أصبح مقبرة
أقاربهم ووزرائهم.
كان الإسلام هو العامل الأساس فى تكوين وبقاء هذه المملكة: لأنه وبحجة نشر الإسلام تم توسيع رقعة السلطنة، وباسم الإسلام تم دخول اللغة العربية- لغة القرآن- وسيطرة التعريب على جميع أوجه نشاطات الحياة فى المنطقة. وتحت دعاوى الإسلام تم فتح أبواب المملكة لرجال الدين والتجار والمغامرين من خارج الدويلة. عاصرت المملكة العصر الذهبي لدخول العرب السودان والتبشير الإسلامي. ولا غرو أن ملوك الفونج تكفلوا برعاية رجالات الدين وأرسل بعضهم من سنار الى جميع أصقاع السودان لنشر الدعوة؛ وهكذا وفد جزء منهم الى تقلي. وكان من أعظم من حضروا الى تقلي بغرض التبشير والتجارة حسن ودحسونة، وتاج الدين البهاري فى القرن السابع عشر الميلادي. وقد جمع هؤلاء الدعاة الإسلاميون بين المكسب الروحي من جهة والمادي من جهة أُخرى، وقليل منهم قلما أوعظتهم ضمائرهم من الجمع بين الأثنين. وكان مك تقلي يخصص منطقة يقطنها السكان الذين هم على دين آبائهم لأحد المبشرين كحقل لممارسة نشاطه التبشيري والتجاري؛ وفى المقابل يدفع المبشر قدراً مقدوراً من أرباحه للمك. وكثيراً ما يختار بعض من هؤلاء المبشرين الإقامة الدائمة فى المنطقة، وعليهم، إذن، الاعتراف بسلطة السلطان ودفع جزية دورية ثمناً لحمايتهم، ويمسوا معاهدين مستأمنين ما أوفوا بالعهد. بهذه الكيفية استطاع مكوك تقلي نشر الدعوة المحمدية، وتوسيع نطاق سلطتهم، واخضاع أكثر من جبل إليهم. كما تزوج المستوطنون من السكان المحليين، وانجبوا خليطاً وهجيناً من العائلات والأفراد. لم تك جميع هجرات العرب الى تقلي من أجل تلاوة الصحف المطهرة وإقامة الصلاة، بل كان أغلبهم قد قصدوا المنطقة مبتغين تجارة العاج والرقيق؛ وكان بعضهم من الهاربين من العدالة فى سلطنة سنار. وقد أسهم كلهم، بتمازجهم العرقي هذا، علي تعزيز سلطة المكوك حتى أصبح نفوذهم فى منتصف القرن السابع عشر هو الوحيد السائد فى الجبال الشمالية-الشرقية. كان ملوك سنار يقومون بتعيين المهاجرين من الفونج مكوكاً على جبال رشاد، وتقوي وقدير. وأخيراً أصبحت قدير وتقوي أعظم مقاطعتين للفونج وقتئذٍ.
عند وفاة جيلي عون الله، أصبح ابنه جيلي أبوقرون خليفته؛ وقد حكم أبوقرون فى الفترة ما بين 1640- 1665م. ونسبة لمركز سلطنة تقلي الإستراتيجي- بحكم موقعها الجغرافي بين سلطنتي سنار والفور- حاول سلطان سنار أن يكسب ود مملكة تقلي ليعمل الأثنان معاً على الحد من نفوذ الفور(10). فتزوج أبوقرون الأميرة عجائب أم شيلة، ابنة السلطان الرباط بن بادي عاهل الفونج، التي جاءت الي تقلي وفى رفقتها حاشية كبيرة، واستقرت فى حوش بلولة. ومن هؤلاء السدنة نشأت طبقة الفونج فى تقلي وبلولة(11). على الرغم من العلاقات الطيبة التي ازدهرت بين الفونج وتقلي فى عهد أبي قرون، فإن الملك بادي الثاني- المعروف ببادي أبودقن- قد شن حملة عسكرية ضد تقلي وأجبرهم على دفع جزية سنوية لأجلٍ غير مسمى. وبذلك نجد أن الأواصر الحميمة التى تُوجت بالمصاهرة قد أمست هباءً منثوراً عندما أصبحت العلاقات السياسية فى خطر محدق. إن التنافس بين سلطنتي الفور والفونج على تقلي قد أدى الى تفاقم الوضع واضرام نار الفتنة. لم يستطع مؤرخو السودان تحديد عام العدوان وعدد القتلى والجرحى والأسرى وحجم الغنائم لدى الطرفين، وذلك لعدم وجود سجلات تاريخية.
على أي حال، يعزى سبب نشوب الحرب الى أن عصبة من جماعة المك أبو قرون قد أساءت معاملة أحد أصدقاء الملك أبودقن الخلصاء، حيث اعترض سبيله ونُهبت بضاعته؛ ولم يتوقف أبوقرون عند هذا الحد، بل تأبط شراً وتحدى الملك بادي شخصياً. من المعروف أن مكوك تقلي كانوا يفرضون ضريبة العبور على كل من يعبر مملكتهم، إلا أنه من غير المؤكد أن صديق بادي هذا قد دفع الرسوم أم أنه طغى وتجبر؟ ومما يُحكى عن التحام الجيشين أن "القتال كان يستعر بينهما نهاراً، وفى المساء يخلد كل فريق الى هدنة ريثما يقبل الصباح. غير أن مك تقلي كان يرسل موائد العشاء حافلة الى الج