كوش الجديدة/ أرشيف الوثائق
تقرير مفوضية ترسيم حدود أبيى
الجزء (2)
المواقف والادعاءات
ترجمة : الأستاذ محمد جعفر و أ.د. سليمان محمد الدبيلو
مراجعة وتدقيق أ.د. أسامة عبدالرحمن النور
لقد كتب السيد ك.د.د هندرسون في كتابه مذكرات في تاريخ بقاريي غرب كردفان سنة 1935م "لا بدَّ من الإشارة هنا إلى أن موقع دينكا نوك بوصفها منطقة صديقة بين الحمر وبحر الغزال قد برهنت بأنها ذات قيمة في الحفاظ على الأحاسيس الطيبة ومنع الاحتكاك. وعلى الرغم من صعوبة تحديد حدودها يكون من الخطاء السياسي ضمهم إلى إقليم آخر (بحر الغزال) على أساس قبلي. فمثل هذا المقترح (الضم إلى بحر الغزال) يجب أن ينظر نزولاً عند رغبة دينكا نوك (وهذا غير وارد الآن) أو في حالة تغول الحمر عليهم".
يمكن تلخيص مواقف وادعاءات كل من حكومة السودان، وقبيلة المسيرية، والحركة الشعبية، ودينكا نوك فيما يلي:
1. إفادات دينكا نوك أن : حدود منطقة دينكا نوك تمتد أصلاً حتى الاضية وعليه فإن الحدود بين المسيرية ودينكا نوك يجب أن تمتد من بحيرة كيلك وحتى المجلد.
2. إفادات المسيرية أن : حدود المسيرية تمتد أصلاً جنوب بحر العرب حتى الحدود الحالية بين كردفان وبحر الغزال.
3. إفادات المسيرية وموقف الحكومة أن : دينكا نوك حديثي القدوم لهذه الحدود حيث انه بعد تركهم منطقة بحر الزراف في أعالي النيل في القرن التاسع عشر تم جلبهم لاجئين بناءً على طلبهم ذلك من زعماء الحمر.
4. إفادات المسيرية وموقف الحكومة أن : إضافة منطقة ابيي إلى دار المسيرية هي تأكيد على أن حدود منطقة دينكا نوك هي جزء من حدود دار المسيرية.
5. إفادات المسيرية وموقف الحكومة أن : لقد كان دينكا نوك يدارون بوصفهم جزءاً من المسيريه ويتمثل ذلك في دفع الضرائب ونظام المحاكم.
6. إفادات المسيرية أن : يدعي المسيرية بأن مناطق محدده شمال مدينة ابيي مثل (فولة النقار، وباول، ودمبلويا داك، وجور، وتردة أم بلايل، والشقي، ولكوجي، ولاو، وناما) تتبع لهم منذ عهد التركية وخلال 1905 وحتى الآن.
7. موقف الحكومة أن: المنطقة الوحيدة التي تأثرت بالضم إلى كردفان حسب قرار الحكم الثنائي سنة 1905 والخاص بإدارة دينكا نوك كجزء من كردفان هي المنطقة الواقعة جنوب بحر العرب وان دينكا نوك لم يسكنوا شمال بحر العرب إلى بعد سنة 1905.
8. إفادات دينكا نوك وموقف الحركة الشعبية والجيش الشعبي أن : هناك استمرارية في الحدود التي عاشت فيها واستخدمتها مشيخات دينكا نوك التسعة ولم تتغير في الفترة بين سنة 1905م حتى 1965م عندما اندلع القتال المسلح بينهم والمسيرية.
9. موقف الحركة الشعبية والجيش الشعبي أن : تعرف منطقة ابيي بالمنطقة الواقعة بين خط عرض َ35 ْ10 شمالاً وخط طول َ32 ْ29 شرقاً والحدود الإدارية عند الاستقلال سنة 1956م لكل من أعالي النيل وبحر الغزال ودارفور.
يمكن اختبار هذه المواقف بمقارنة الإفادات الشفوية التي تم جمعها مع السجلات المعاصرة التي تحصلت عليها المفوضية كما يلي:
الادعاء (1) : أن حدود دينكا نوك تمتد حتى الأضية وان الحدود بين المسيرية ودينكا نوك يجب أن تمتد من بحيرة كيلك حتى المجلد.
لا يوجد إلا القليل من السجلات المعاصرة التي تشير للمنطقة بين الاضية وبحر العرب قبل القرن العشرين. من هذه المصادر القليلة جداً يوميات براون والتي سجلها حين كان في دارفور في عامي 1794 و1795 والتي وصف فيها المسيرية في براكا والدينكا على مسيرة خمسة أيام باتجاه الجنوب الشرقي. وقد أكد هذه المذكرات ك.دى.دى هندرسون مفتش منطقة النهود سنة 1930 إذ أفاد فيها بأن المسيرية يتواجدون في منطقة المجلد والبركه ودينكا نوك في دبة المشبك بالقرب من الرقبة الزرقاء حتى لو أثبتت الأبحاث الآثارية أن تواجد دينكا نوك امتد حتى منطقة الاضية إلا أن مذكرات براون وتأكيدات هندرسون قد أوضحت أن هذا ليس هو الحال في القرن الثامن عشر. وعليه فإن هذا الادعاء والذي لم يجمع عليه دينكا نوك يعتبر لا علاقة له بالموضوع الحالي.
جميع التقارير الإدارية في القرن العشرين تؤكد أن المجلد هي رئاسة الحمر وأن بحيرة كيلك يستخدمها الحمر الفلايتة كمنطقة رعي صيفيه (وفي بعض الأحيان يستقرون فيها طوال العام) وهذا على أقل تقدير منذ بداية هذا القرن. كتب ب. ب. هاول مفتش منطقة النهود في سنة 1948 "يعتبر المجلد عند الحمر منطقة مركزيه تنطلق منها جميع التحركات وهي نقطة تجمع للقبيلة خلال فصل الخريف". وكذلك إيان كنيسون والمتخصص في الأنثروبولوجيا والذي عاش بين الحمر في أوائل سنة 1950 كتب في سنة 1954 "تعتبر المجلد بالنسبة للحمر كالوطن وحضورهم لها من البحر يعتبر عندهم مناسبة فرح وتطلع".
من هنا فإن الادعاء بأن الحدود لدينكا نوك تمتد حتى كيلك بل حتى المجلد لا يمكن إقرارها.
الادعاء (2) : تمتد حدود المسيريه في البدايه جنوب بحر العرب حتى حدود جنوب كردفان مع بحر الغزال:
لقد تم اختبار الادعاء الذي أثاره عدد من الشهود من المسيريه مؤكدين، أن حدود المسيريه تمتد جنوب بحر العرب وإنها أصلاً مع دينكا ريك وتوج، وقد تمت مقارنته هذا الادعاء بإفادات أخرى.
لم تؤكد هذا الادعاء مذكرات هندرسون عام 1930 ولا مذكرات كنيسون في 1950 على الرغم من أن أحد مخبري كنيسون أفاد بأن الحمر بدأوا في الذهاب إلى قولى في الرقبه الزرقاء وأم بيورو في أواخر التركية فإن هذا لا يجعلهم جنوب بحر العرب.أما الادعاء بان لهم مع دينكا ريك وتوج فقد تم رفضه من قبل أقوك عند استفسارهم.
وهناك إفادات محدده في عام 1902 و1904 و1905 من مراقبين محليين تفيد من الجزء من بحر العرب الذي يسكنه دينكا نوك كان يعرف إما باسمه بلغة الدينكا "كير" أو بحر الجانقى (ويلكنسن 1902؛ بولنويس 1904؛ بيلدون 1905) حتى الحمر نفسهم فقد أشاروا له ببحر الدينكا (كنيسون 1954).
كان بروفسور كنيسون في محاولته لتحديد مناطق نزوح الحمر ودينكا نوك واستقرارهم وبالتالي تحديد حدودهم مهتماً بالاختلافات الايكولوجية لكل من الطرفين، فأشار إلى أن نزوح المسيرية إلى السودان قد تبع حزام السافانا (في مناخ طبيعي وبشكل عام متشابه) لا شبه صحراوي (في الشمال) ولا مستنقعات موسميه (في الجنوب). أما دينكا نوك فقد عاشوا على ضفاف الأنهار والمجارى المائية مثل تلك على ضفاف النيل الأبيض التي قدموا منها (كنيستون 1966 وإفاداته). وقد عاش الحمر والدينكا زمناً طويلاً في هذين المناخين إلى درجة أن لكل منهما نوع مختلف من الأبقار. وعليه فإن الأسباب المناخية تقف حائلاً دون فرضية أن الحمر عاشوا حول ضفاف الأنهار. إلا أن هناك دليل على توسع الرقعة الرعوية للحمر في القرن العشرين طوال فترة الحكم الثنائي.
لقد فرضت التركية الضرائب الباهظة على المسيريه خاصة من قبل وكلاء الزبير الباشا حينما تمكن من هذه المنطقة وجعل من ديم الزبير في بحر الغزال قاعدته (الفكى النور موسي وهندرسون 1939). في فترة المهديه فقد انقسم الحمر إلى قسمين بعضهم ذهب لـ أمدرمان تلبية لنداء الخليفة، أما القسم الآخر لينجو من ممثلي الخليفة فقد لجاء إلى دينكا نوك (اروب بيونق) في الرقبة الزرقاء واستقروا هناك حتى سقوط الخليفة سنة 1898 و1899. بعدها عادوا إلى ديارهم في الشمال (ابو مستوره ولويد 1908) و (دينق 1986) وفي مطلع القرن العشرين قلت أعداد مواشي الحمر (هاول 1948) وكنتيجة لذلك انخفضت أيضاً أراضي الرعي.
لقد علق الإدارين البريطانين الأوائل على السرعة التي استغل بها الحمر ظروف الاستقرار في توسيع رقعة الرعي الموسميه جنوباً حتى داخل أراضي الدينكا (بولدون 1905). وفي موسم الجفاف سنة 1902 لقد وجد الحمر يرعون أبقارهم بمنطقة باول في رقبه الشيب وعلى طول الرقبه الزرقاء وفي أماكن مثل ابوكاريت والملم. في عام 1908 لقد رسمت حكومة الحكم الثنائي تحركات الحمر وقد سجلت أن لهم أربعة أماكن رعي خلال موسم الجفاف بجانب بحيرة كيلك حول الترده، وحول كواك، وعلى طول الرقبه دواس عند الدواس، وانتيلا وبوك، وعلى طول الرقبه الزرقاء عند قلي وابواصلا وابوعرف والديمسويه، وفكى والملم، وحسوبه وتستمر حتى فاول في رقبه الشيب (لويد 1908، الملحق 5.3 والخرطة 3) .
وفي العشرينات من القرن التاسع عشر أوردت التقارير أن الحمر في فصل الجفاف يرعون حول بحر العرب، وفي عام 1933 بدأ الحمر في استخدام أراضي كبيرة على الضفة الشمالية لبحر العرب، أدت هذه التحركات إلى إشكالات مع دينكا بحر الغزال جنوب بحر العرب. وفي هذه المرحلة وردت شكاوى مفادها أن الحمر قد اجتازوا حدود دينكا توج (حسب التقارير الأمنية لمديرية بحر الغزال 1923 و1924). وفي الثلاثينيات من القرن نفسه انعكست الشكاوى برفض الحمر دخول دينكا ملوال لشمال بحر العرب وقد دعم دينكا نوك اعتراض الحمر مما دفع بدينكا ملوال شمالاً.
وفي نفس الوقت وسع دينكا نوك مراعيهم جنوب بحر العرب وفي منتصف الثلاثينيات من القرن التاسع عشر توصل دينكا نوك مع دينكا توج إلى اتفاق تم بموجبه منح دينكا نوك حق الرعي جنوباً حتى خور اللول في منطقة دينكا توج ومنح دينكا توج حق الرعي حتى بحر العرب. وحسب إفادات أقوك (دينكا توج وريك) فإن دينكا نوك كان لهم دور أساسي في فتح المجال أمام الحمر جنوباً. وقد دعمت ذلك الوثائق.
إن المقارنة بين الخلافات التي وقعت بين عرب الرزيقات على طول امتداد بحر العرب في دارفور ودينكا ملوال ذات قدر من الأهمية في إلقاء الضوء على هذه القضية. ففي عام 1916 عندما كانت دارفور دولة مستقلة شجعت حكومة السودان، التي يتبع لها إقليم بحر الغزال، دينكا ملوال في هذا الإقليم على منع دخول عرب الرزيقات منطقة جنوب بحر العرب. أما بعد سنة 1916 عندما غزت حكومة السودان دارفور وتم ضمها للسودان فقد أصبح الرزيقات ودينكا ملوال مواطنين في السودان مع الفارق أن الحكومة الجديدة في دارفور كانت تسعى لكسب ود الرزيقات لصعوبة التعامل مع دينكا ملوال. وقد أصبح للطرفين حقوق الرعي في المنطقة جنوب بحر العرب. وفي عام 1918 منح مفتشو (دارفور وبحر الغزال) المنطقة التي تمتد أربعين ميلاً جنوب بحر العرب للرزيقات الأمر الذي دفع بدينكا ملوال رفض هذا القرار وأدى ذلك إلى حالة عدم استقرار في منطقة دينكا بحر الغزال وفي عام 1924 تم تعديل الخط الفاصل بين الرزيقات ودينكا بحر الغزال إلى 14 ميل جنوب بحر العرب. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة من الحكومة كانت تعد مكافأة للرزيقات على موالاتهم الحكومة فإن الحكومة وبطريقة فطنه أقرت بأن ليس للرزيقات حق الدار جنوب بحر العرب. وعلى الرغم من انه قد ينظر لهذا القرار بأنه اعتراف بحق الدينكا في هذه المنطقة فإن دينكا ملوال لم يتخلوا عن حقهم في المنطقة جنوب بحر العرب على الرغم من رفض حكومة السودان إعادة النظر في هذا القرار.
آخذين في الحسبان الأفضلية في المعاملة التي منحتها حكومات الحكم الثنائي للرزيقات فليس من المستغرب أن ينال الحمر المعاملة نفسها إذا ما أثاروا مثل هذه القضية ولكنه لا يوجد في الوثائق ما يشير إلى ذلك. ومن هنا فإن ادعاء المسيريه بأن حدودهم التقليدية تمتد إلى جنوب بحر العرب عاري من الصحة. فالوثائق والإفادات الشفوية تشير إلى أن تمدد الرقعة الرعوية للمسيرية جنوب بحر العرب قد بدأت في القرن العشرين إبان فترة الحكم الثنائي وقد تم ذلك نتيجة لتعاونهم مع دينكا نوك.
الادعاء (3) : إن دينكا نوك قدموا حديثاً للمنطقة وذلك بعد أن تركوا أعالي النيل في القرن التاسع عشر وبناء على طلبهم من زعماء المسيرية تم احتوائهم في هذه المنطقة كلاجئين.
ما ذكره براون في مذكراته وأكده هندرسون ينطبق على الادعاء أن دينكا نوك وصلوا أثناء حياة على ابوقرون (1825-1835) أو حتى بعد ذلك إبان فترة على الجلة والتي أصبح فيها ناظراً للمسيريه سنة 1900. فإذا كان دليل براون يؤكد ان المسيريه تواجدوا حول منطقة البركة والمجلد في منتصف التسعينات من القرن السابع عشر فهو أيضاً يؤكد ان الدينكا قد استقروا في الوقت نفسه في منطقة الرقبة الزرقاء.
لا توجد أبداً أية إفادة من مخبري الحمر تؤكد هذا الادعاء حسب هندرسون وكنيسون، وبالعكس فإن هندرسون قد حدد أن الدينكا قد استقروا حول الرقبة الزرقاء قبل استقرار الحمر في منطقة المجلد (هندرسون 1935 و1939). وقد أشار أحد مصادر كنيسون إلى وجود عدد قليل من الأشخاص حول قولى في الرقبه الزرقاء وأم بيرو عندما وصل الحمر البحر في فترة الاضطرابات أواخر التركية (على رحمه - تاريخ الحمر ولا يرجح كنيسون ذلك) عندما بدأ الزبير باشا توسيع منطقة نفوذه في بحر الغزال إلى بحر العرب ودارفور (تاريخ الحمر حسب إفادة الفكى النور موسي وهندرسون 1939).
وقد أشار براون إلى أن الدينكا الذين قطنوا جزءاً من الرقبة الزرقاء وامتدوا شرقاً هم من دينكا نوك وليس دينكا روينق وذلك لربطه بزراعة الذرة والتي تعرف عند المسيريه بالماريق (وهو الاسم الذي يطلقه المسيرية على هذا النوع من الذره). وفي مذكرات هندرسون 1939 أشار إلى ان المسيريه يطلقون اسم ماريق على دينكا نوك. وفي الواقع فإن هذا الاسم قد ورد في خرائط السودان منذ عام 1902 حتى اليوم (ويلكنسن 1902، والوثيقة في سنة 1934-6 والتي تؤسس محكمة نوك، ولخص معلومات من الخريطة L-66) ولا توجد أية إفادة من دينكا نوك أو دينكا روينق تدعي سبق روينق لدينكا نوك في هذه المنطقة.
لقد ادعى المسيريه والحكومة بأن دينكا نوك قد هجروا موطنهم في جزيرة الزراف في أعالي النيل نتيجة للفيضانات وغزو النوير لهم في القرن التاسع عشر (إفادة المسيريه وموقف الحكومة) وفي ذلك خلط لحدثين مختلفين لمجموعتين من مجموعات دينكا نوك الأولى تسكن حول نهر السوباط في أعالي النيل والثانية دينكا نوك في كردفان.
وفي الواقع فإن قول ب. ب. هاوال، والذي يشار له دائما مصدر إثبات، بأن دينكا نوك قدموا لكردفان في القرن التاسع عشر يثبت عكس ذلك عندما كتب "لم يذكر دينكا نوك حادثة غزو النوير لموطنهم الأصلي لأنهم هاجروا منها قبل ذلك. وواضح أيضاً أن هناك دينكا يعيشون في المنطقة الحالية لنوك منذ فترة تسبق بكثير غزو وتوسع النوير شرقاً" (هاول 1951). وقد أفاد ميكر مانيرول بأن هناك حروب كثيرة بين النوير ونوك إلا أن ذلك حدث بعد استقرار نوك في منطقة ابيي الحالية (الملحق 4.1).
وبمراجعة معلومات الفيضانات لبحر الزراف وتواريخ حدوثها في مطلع القرن التاسع عشر تتولد بعض الشكوك في صحة الادعاء أن دينكا نوك قد دفعوا غرباً نتيجة للفيضانات في ذلك الوقت. ففي القرن الثامن عشر، التاريخ الصحيح لوصول دينكا نوك للرقبة الزرقاء، لقد كانت قياسات النيل عالية الأمر الذي قد يوحي بحدوث فترات فيضانات في أعاليه. علماً بأن أولى رحلات نزوح النوير شرقاً كانت في الربع الأول من القرن التاسع عشر وهي فترة جفاف في جزيرة الزراف بينما تأثرت منطقة النوير غرب بحر الجبل بفيضانات محليه وهي أحد أسباب نزوحهم شرقاً. وقد تأثرت المنطقة الواقعة شرق جزيرة الزراف بفيضانات في العشرينات من القرن الثامن عشر. انقسم دينكا نوك في هذا الوقت إلى قسمين أحدهما يتحرك شرقاً إلى نهر السوباط والآخر غرباً إلى كردفان وكان لا بدَ للمجموعة المتحركة غرباً من عبور النيل الأبيض مروراً بأرض الشلك قبل بلوغهم أرض دينكا روينق والرقبة الزرقاء، ولا يوجد أي سجل بحدوث مثل هذا النزوح الكبير باتجاه الغرب عبر أرض الشلك في حين أنه قد تم ذكر النزوح الشرقي للنوير في هذه الفترة.
وقول المسيرية أن دينكا نوك قدموا للمنطقة لاجئين نتيجة الحروب في منطقتهم تجافيه الوقائع المعاصرة للمسئولين البريطانين الذين قدموا للمنطقة مطلع القرن العشرين. وقد سبق ذكر كيف أن الحمر كانوا فقراء في نهايات القرن التاسع عشر (الملحق 5.3 و 5.6) وقد أكدت ذلك ملاحظات المسئولين البريطانين الأوائل الذين قدموا للمنطقة إذ اشار الكثير منهم إلى فقر الحمر مقارنة بجيرانهم من البقارة والدينكا (ويلكنسن 1902،ماهون 1902، أونيل 1906 في الملحق 6.6، وليكنسن 1902 في الملحق 5.10) وقد تميز الدينكا بثرائهم (الأبقار والحبوب) أما الحمر فقد عرفوا بفقرهم.
لقد برز الادعاء بأن المسيرية استجاروا دينكا نوك في هذه المنطقة في عام 1966 تاريخ بداية المشكلة الحالية بين الحمر ودينكا نوك (عبد الباسط سعيد 1982 بالملحق 5.9) وقد أشار الادعاء إلى أن الزعيمين على ابوقرون وعلى الجلة، والذين عاشا بفارق خمسين عاماً بينهما، بأنهما أول من استضاف دينكا نوك في المنطقة دليل إضافي إلى أن هذا التقليد حديث. إن تكرار هذا الادعاء خلال الخمسين عاماً الماضية قد أكد لدى المسيرية القناعة بصحته بل إن معظم المسيرية يعتقدون الآن أن هذا الادعاء صحيح وفي واقع الأمر ان هذا الادعاء غير صحيح وتدحضه الوثائق المعاصرة بل تثبت عكسه وعليه يجب تجاهله واستبعاده نهائياً من الآن فصاعداً.
الادعاء (4) : إن تبعية منطقة ابيي الإدارية إلى منطقة دار المسيريه تعني ان منطقة ابيي جزء من دار المسيرية (إفادات المسيريه الشفهية الملحق 4.1 وموقف حكومة السودان الملحق 3.1).
جميع الوثائق خلال الفترة الأخيرة للحكم الثنائي من سنة 1948 حتى 1952 تشير إلى عدم وضوح الرؤيا حول إضافة دينكا نوك لمجلس ريفي المسيرية أو عدمها وذلك ليس فقط لرفض دينكا نوك للضم بل أن هناك عدد من المسيرية كان يعارض ذلك. وفي النهاية فإن ضم دينكا نوك عضواً كاملاً في مجلس ريفي المسيرية كان قراراً واقعياً. وقد كان قرار تسمية المجلس بمجلس ريفي المسيريه كان فقط لطمأنة المسيرية نظراً لأن مفتش المركز المسئول عن هذه المنطقة كان يعرف دائما بمفتش مركز دار المسيرية. وقد أكد آخر مفتش لمركز ريفي المسيرية السيد مايكل تيبس تأكيداً قاطعاً في شهادته بأن الاسم لا يعني أبداً إن للمسيرية حق الدار على كافة حدود منطقة ريفي المسيرية (الملحق 5.8 ومقابلة تيبس في الملحق 4.3).
وعليه فقد وجدت المفوضية بأنه لا يمكن استخدام تبعية منطقة ابيي لريفي المسير¡