أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

مجلة الآثار السودانوية/ العدد الخامس/ مارس 2004

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الوضع اللغوي لـ اللغة المروية

كلاودي ريلي

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كانت المروية لغة لممالك كوش المتعاقبة لكنها لم تكتب قبل المرحلة الختامية للمدنية الكوشية، أي في الفترة التى صارت تعرف بـ "مملكة مروي". على كلٍ هناك بينة دالة لتاريخ أقدم لظهور هذه اللغة (كلاودي ريلي، المؤتمر الثامن للدراسات النيلية الصحراوية، هامبورغ 2001)، رغم أنها لم تكتب بعد بخط خاص بها. هناك قائمة تحتوي أسماء شبيهة بالأسماء الشخصية المروية، غالباً لشحصيات هامة في الدولة الكوشية الأولى، مملكة كرمة، تظهر في بردية مصرية يرجع تاريخها للقرن السادس عشر قبل الميلاد.

 

بردية جولينيشوف من متحف بوشكين

 

وفقاً لأحدث أعمال التنقيب التى أجرتها جامعة جنيفا، تأسست كرمة حوالي 2400 سنة ق.م. ولم تتعرض إلى تحولات اثنية أو ثقافية جذرية حتى مرحلتها الختامية. من ثمَّ فإن أصل اللغة المروية يمكن الآن ارجاعه احتمالاً إلى ذلك التاريخ أو إلى فترة أسبق منه.

 

اللغة المروية : المخطط الكرونولوجي

-2400 -2000 1500 ..............ï 1000 700 -200 0 +420

بداية مملكة كرمة التى كانت لغتها احتمالاً شبيهة بالمروية

أمراء كوش و صاي الذين حملوا أسماء شبيهة بالمروية

الآثار الأولى للغة المروية (أسماء الضباط المكتوبة بالهيروغليفية المصرية). نهاية كرمة

الاستعمار المصري

نهاية الاستعمار المصري

الأسرة 25 : أصبحت المصرية مجدداً لغة الثقافة لكن أسماء الفراعنة ظلت مروية

الآثار الأولى للخط المروي 

 

آخر نقش مروي معروف. تفسح المروية المجال للغة النوبية

 

لازالت اللغة المروية إلى حد بعيد غير مفهومة. بالطبع يمكن قراءة الكلمات حيث أن الخط قد تم تفكيكه في 1911 عن طريق عالم المصريولوجيا ف.ل. جريفيث. لكن المعنى الفعلي لتلك الكلمات كان غير معروف تقريباً. خلافاً لأسماء بعض الأماكن والملوك الآلهة، والقليل من الكلمات المصرية المستلفة، لم يتم النجاح بشكل موثوق في ترجمة سوى ثلاث درزينات (36) من الكلمات الأصلية.

 

المشكلة الرئيسة مع اللغات القديمة غير المعروفة هى العثور على لغات ذات صلة قديمة كانت أم حديثة تكون معروفة. إذا لم يتم وصل لغة غير معروفة بأي لغة معروفة، وإذا لم توجد نصوص طويلة مزدوجة اللغة، فإن الترجمة تكاد تصبح مستحيلة. مثال هو مدعاة للأسف تمثله حالة اللغة الاتروسكية التى لازالت تقاوم الترجمة رغم ثلاثة قرون من العمل المضني باستخدام مناهج متعددة.

 

يستحيل اثبات علاقة وراثية بين لغات بعينها في حالة توفر القليل فقط من الكلمات، كما هو الوضع حتى وقت قريب. فوق ذلك، في قائمة الكلمات المروية التى يدعى بأنها ترجمت، كان البعض منها خاطئاً في الواقع. في عام 1964 حاول بروس تريجر اثبات أن اللغة المروية هى لغة نيلية- صحراوية، بتحديد أدق لغة شرق- سودانية. استخدم بروس قائمة كلمات مروية مقارنة بكل من اللغتين النوبية والنارا، الأخيرة هذه من اللغات الارترية. لكن كانت القائمة لا تزال ضبابية، وكان نصف الكلمات التى أخذها عن مقالات زيهلارز، قد ترجمت خطأ أو انها لم توجد ببساطة في الأساس. لكن مع أن بروس كان محقاً في استنتاجه إلا أنه كان مخطئاً في كيفية الوصول إلى تلك الاستنتاجات. بالتالي فإن الوضع اللغوي للمروية ظل مفتوحاً بعد ورقته.

 

الكلمات المروية الأساسية التى قدمت ترجمة موثوقة لها عن طريق جريفيث ومن أعقبه من الباحثين هى : رجل، إمرأة، لحم، خبز، ماء، يعطي، كبير، وافر، جيد، أخت، أخ، زوجة، أم، طفل، مولود، يلد، قدم. الطرق لزيادة عدد الكلمات المترجمة لا يمكن تفسيره بتفصيل هنا. لجعل القصة الطويلة موجزة ومختصرة، أقول بأن ذلك كان "تناولاً متعدد المحتوى"، المحتويان الآثاري والايقوني يمكنهما تقديم عون طالما أن النصوص القصيرة، عادة، هى وصف عبر كلمات أو صورة محفورة أو ملونة.

 

جرافيتي من المصورات الصفراء (REM 1165)

 

التشابه التيبولوجي بين النصوص المصرية ونظائرها المروية يمكن أن يكون مفيداً. بالطبع عناصر النصوص غير معروفة، على سبيل المثال، اسماء الأشخاص والآلهة يمكن أن تساعد باتجاه توضيح الطبيعة النحوية والمجال السيمانطيقي لكلمات غير معروفة. في معظم الوقت تكون تلك العناصر غير كافية. لكن في حالات قليلة يمكن اقتراح معنى لكلمات جديدة ويتم التأكد منها في نقوش مختلفة.

 

رغم البطئ فإن هذا التناول قدم مؤخراً ترجمات جديدة. سلسلة مؤلفة من 39 كلمة مروية أساسية تم تركيبها، لا تشمل بالطبع كلمات محددة للغاية مثل "أمير" أو "كاهن أعظم" والتى لا فائدة منها لأغراض المقارنة.

 

بعض الكلمات المروية التى ترجمت مؤخراً

-arohe  "يحمي"، -hr "يأكل"، pwrite "حياة"، yer  "حليب"، arar "ولد"، ar "ولد"، -are- or dm "يأخذ، يستلم"، dime "بقرة"، hlbi  "ثور"،( ns(e  "يضحي"، sdk "رحلة"، -tke  "حب" We "كلب"

 

 

المرحلة الثانية للعمل كان لا بدَّ وأن تعيد النظر في علاقة اللغة المروية باللغات النيلية- الصحراوية، وإذا أمكن التركيز داخل فروع عائلة محددة يمكن الحاق المروية بها. الأعمال السابقة، بما فيها أبحاثي، أثبتت عدم وجود صلة بالمجموعات الأخرى مثل النيجر- الكونغو أو الآفرو- آسيوية. لهذا الغرض استخدمت أساليب احصائية- معجمية. التشابهات الأكثر اقناعاً هى مع اللغات الشرق سودانية، بتحديد أكثر مع الفرع الشمالي لتلك اللغات بما في ذلك النوبية، والنارا، والتامان، والنياما. النتيجة الأفضل تم الحصول عليها من الميدوب (وهى عضو في المجموعة النوبية) بفضل رولاند فيرنر ووصفه الرائع لهذه اللغة. نصيب التامان والنارا والتياما قد يكون أعلى في حالة توفر معطيات معجمية أكثر، لكن للأسف فإن قوائم كلمات قصيرة فقط تم نشرها حتى الآن.

 

لكن في هذه المرحلة من البحث يمكن مواجهة عائقين. الأول، التمييز بين الفروع الشمالية والجنوبية للغات الشرق سودانية لا بدَّ من تثبيته بصرامة. بالطبع فإن نصيب بعض اللغات الجنوبية مثل السورمك أو النيلية في المقارنة المعجمية مع المروية يكون مرتفعاً. هذا التمييز بين الفرعين قدمه بداية بندر في 1991 لكن على أسس مورفولوجية لا معجمية. هذا العائق يمكن تجاوزه بسهولة سلسلة من الكلمات الأساسية مثل "يشرب"، "فم"، "يحرق"، "سن"، "يد" الخ. تظهر صلات قريبة في اطار الفرع الشمالي، لكن لا يوجد شئ آخر أكثر من تشابهات مشتتة مع الفرع الجنوبي. قد يتساءل المرء عما إذا كان ملائماً عد الشمال شرق سودانية عائلة واحدة في إطار شرق سودانية بالمستوى نفسه مثل السورمك، والنيلية، والتامين.

 

تشابهات مقنعة بين اللغة المروية واللغات النيلية- الصحراوية

(بالنسبة لـ 39 كلمة ذات المعنى الموثوق)

 

الإشكالية الثانية كانت أكثر استعصاءً للحل. الاحصاء المعجمي أسلوب للتعرف على العائلة اللغوية بالنسبة للغة تكون طبيعتها الوراثية غير معروفة، لكن هذا التناول لا يوفر بينة محددة. الطريق الوحيدة صول عليها هى بالطبع الأسلوب المقارن التقليدي كما دلل عليه فيليت بالنسبة لعائلة اللغات الهندو- أوربية، وجوثري بالنسبة للغات شبه البانتوية الخ. بالتالي كان من الضروري بداية العثور على تشابهات لفظية بين الشمال شرق- سودانية. وثانياً إعادة تركيب الفينولوجيا الأصلية للشبيهة بالشمال شرق- سودانية. وثالثاً إعادة تركيب، بقدر المستطاع، بالشمال شرق- سودانية؛ وأخيراً مقارنة تلك الأشكال الشبيهة مع الكلمات المروية. ليست هذه المهمة بالسهلة ذلك أن المعطيات الكاملة مفقودة بالنسبة لمعظم اللهجات بل حتى بالنسبة لبعض اللغات مثل اللافيتي أو التاما.

 

أخيراً، وجدت صلات وثيقة بين بعض الكلمات المروية وشبيهاتها في نظائرها الشمال شرق- سودانية (انظر الجدول أدناه). بعض التماثلات اللفظية المنتظمة معلومة. على سبيل المثال حين تمتلك الـ  الشبيهة بالشمال سودانية في وضع بداية /g/ تصبح في المروية /h/ أو /h/ : المثال الموضح في الجدول أدناه هو "وجبة" أو "طعام"، لكن هناك حالات أخرى. معظم الوقت تكون التماثلات بسيطة : /k/ بدئية في شبه الشمال شرق- سودانية يحتفظ بها في الكل باستثناء النياما حيث يتحول عادة إلى /t/ . هناك في حالات تركيبات قوية مثل الكلمات "يأخذ، يتلقى"، "امرأة" "يذبح"، وبخاصة اسم الإله الأعلى (المروي أبادماك، الإله أبادي) تفصيل ينتشر إلى المتحدثين باللغات شبه الشمال شرق- سودانية، شكل ليس فقط جماعة لغوية بل ثقافية أيضاً.

 

بعض نماذج التماثلات المعجمية بين المروية واللغات الشمال شرق سودانية

المروية الشبيهة النارا شبه النوبية شبه التامانية النياما

[are [e r

"يأخذ"

*ar

"يأخذ"

(hind)

"يأخذ"

*aar-

"يأخذ"

ε r-

"يشتري"

-

dm-[d,am]

"يأخذ، يستلم"

*dom-

"يلتقط، يأخذ"

mem-

"يلتقط، يأخذ"

*dumm-

"يلتقط، يأخذ"

-

dumud-

"يلتقط"

hre [xar]

"وجبة"

*go(o)r

"يأكل" (طعام دسم)

- goor

"gnaw"

- t orom / kworom

"gnaw"

kdi [kadi]or[Kandi]

"إمرأة"

*kari or *kandi

"إمرأة"

kede

"أخت"

*kari

"أنثى"

- ke r

"إمرأة"

ked-[ked,]or[ke d,]

"ينحر"

*kod-

"ينحر"

kad-

"ينحر"

*n od-

"ينحر"

-

t ai- / kai-

"ينحر"

wle [wal]

"كلب"

*wel

"كلب"

(wos)

"كلب"

*wel

"كلب"

(*wiis)

"كلب"

wtl (A)

"كلب"

yer[era]or[ira]

"حليب"

*er-

"حليب","ثدي"

(sa)

"حليب"

er-ti

لثديان"

(*sun)

"حليب"

élo

"حليب"

Apede-[e bed, e]

في Apede-mak

(mk "إله")

*Ebede

"الإله الخالق"

Ebbere

"إله"

*Ebed-

"إله"

- Abidi

"الإله الخالق"

 

تماثلات أخرى أقل وضوحاً. على سبيل المثال /g/ الأصل في وضع داخلي، اذا كانت متصلة بحرف متحرك (o) أو (u) تصبح (b) في اللغة المروية. هذه الظاهرة معروفة في عائلات لغوية أخرى، على سبيل المثال السلتية من بين عائلة اللغات الهندو- أوربية(انظر الإغريقية "امرأة" بمواجهة جاوليش bena). فوق ذلك، الحرف الثابت /d/ يصبح عادة /l/ في المروية. هذا التبدل شائع أيضاً في لغات أخرى، على سبيل المثال الكلمة الإنجليزية tongue حيث /t/ > /d/ ونظيرها اللاتيني lingua. طبقاً لتلك القوانين اللفظية تصبح أداة التعريف المروية l- تنطق la ، الجمع  تنطق leb- حرف الإشارة -te في النارا الجمع tegu مرتبطان كلاهما مشتق من لغة شبه شمال شرق سودانية de* الجمع tegu . بالتالي تكون التماثلات بين المروية واللغات الشمال شرق سودانية الحية يمكن تلمسه ليس فقط عن طريق موضوعات معجمية وإنما في العناصر المورفولوجية.

 

رغم شح المعطيات المتوفرة، فإن النتيجة واضحة: اللغة المروية أكثر من محتمل أنها تمثل عضواً في عائلة اللغات الشمال شرق سودانية.

 

النيلية- الصحراوية

        |             

              â

             الشرق سودانية

                       |               

                                                â

                                      الشمال شرق سودانية

                                     |                                

   â                 â                   â                 â             â

النوبية (السودان، واد ي النيل وكردفان)

المروية (السودان القديم، وادي النيل)

النارا (ارتريا، حوالي بارينتو)

التامان (تشاد، محافظة وادال)

النياما (السودان، كردفان)

 

 

فوق ذلك تظهر خارطة تلك اللغات سمة لافتة للانتباه. حالياً فإن تلك اللغات تنتشر من تشاد حتى ارتريا، لكن في الماضي كانت هناك صلة بين أوضاعها الحالية: وادي هور، نهر قديم، جاف حالياً، كان في زمان ما رافداً هاماً للنيل. في الألفية الرابعة ق.م. كانت كل المنطقة المحيطة بهذا النهر مخضرة وصالحة للزراعة ورعي الأبقار. لكن حوالي هذا الوقت أصبح هذا الجزء من الصحراء جافاً. احتمال أن يكون السكان الرعاة الذين عاشوا في هذه المنطقة اضطروا إلى التكدس على ضفتي وادي هور. هناك عاش الرعاة سوياً لقرون طوروا خلالها لغة مشتركة شبيهة بالشمال شرق سودانية، لكنه ومع بداية الألفية الثالثة أخذ النهر نفسه في الجفاف بصورة متصاعدة. بفعل ذلك انتقل المهاجرون إلى النيل حيث أسسوا مملكة كرمة، غير البعيدة عن ملتقى وادي هور بالنيل. تقدم المعطيات الجغرافية والتاريخية والمناخية دعماً مشتركاً لهذه النظرية.

 

اتجهت مجموعة التامان شرقاً باتجاه منابع النهر، وصولاً إلى المكان الذى يعيشون فيه الآن. مجموعة مهاجرة أخرى، أسلاف المتحدثين النوبا والنياما اتجهت إلى جنوب كردفان حيث لازالوا يقيمون الآن. لاحقاً، في القرون الميلادية الأولى، غزت مجموعات النوبا مملكة مروي المحتضرة وأسسوا ممالكهم الخاصة على ضفتي النيل. أما بالنسبة للتاما، أعتقد أنهم اتجهوا بداية إلى النيل مثلهم مثل مرويي المستقبل، وفيما بعد اتجهوا صعوداً مع مجرى النيل ونهر عطبرة إلى ارتريا حيث يعيشون اليوم.

 

أضغط لرؤية خارطة اللغات الشمال شرق سودانية

 

للنص الإنجليزي                                       انتقال إلى موضوعات العدد السادس  بينة مروَّية عن الإمبراطورية البليمية في الدوديكاسخيونس 


مجلة الآثارمجلة الأنثروبولوجيانصوص ملوك كوشمؤتمرات علميَّةعرض الكتب والدراساتما قبل تاريخ الصحراء الليبية

ملوك وملكات كوشالديانة الكوشيةالكتاب الكلاسيكيونتقنيات البحث الآثاريالثقافات الأفريقيةالببليوغرافياالصفحة الرئيسة