لرؤية الصورة بحجم أكبر

أركاماني مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية

ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر في الصحراء الليبية

لرؤية أفضل أضغط هنا

أكتوبر 2006

 

 

 

 

 

 

علم آثار الصحراء الليبية: الإشكاليات والآفاق

أسامة عبدالرحمن النور

مدخل

التقلبات المناخية في الصحراء

التحركات السكانية التي رافقت التقلبات المناخية في الصحراء

الصحراء الليبية في مرحلة ما قبل التاريخ - بداية الدراسات الميدانية

الانتقال إلى الاقتصاد الإنتاجي والاكتشافات الآثارية في الصحراء الليبية

التحول الاقتصادي في الصحراء الليبية

 

 

 

 

 

 

مدخل

 

كانت الدراسات الآثارية لشمال أفريقيا بما في ذلك ليبيا تنطلق من موقع هذا الجزء من قارتنا الأفريقية في محيط بحر أبيضي متوسطي أكثر منه في محيط أفريقي تكاملي المحتوى. تجرى في هذه الورقة محاولة لتناول تاريخ الصحراء الليبية في مرحلة ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر وقضاياه في محتواه القاري الأفريقي. شهدت شمال القارة الأفريقية والصحراء تغيرات بيئية هائلة لا تقل عن تلك التي شهدتها أنحاء القارة الأخرى. وقد رافق تلك التغيرات تحركات سكانية شملت مجمل القارة أثرت بدورها على توزيع السكان واللغات إلى يومنا في مجمل القارة بصورة أساسية بحيث يجوز للمرء، على حد تعبير كوبر (انظر بحثه هنا)، عد الجفاف الذي ضرب الصحراء والنتائج الايكولوجية التي نجمت عنه، بالتالي، قوة دافعة في تاريخ أفريقيا. من ثم لا بدَّ من تقييم ما قبل تاريخ المنطقة في إطار هذا المحتوى. سيسعى الكتاب للتركيز على مرحلة التحول من الاقتصاد الاستحواذي القائم على أساس الاعتماد الكلي على الصيد/الجمع، أي البحث عن الطعام، إلى مرحلة الاقتصاد الإنتاجي المتمثل في تدجين النباتات والحيوانات إعلاناً ببدء مرحلة جديدة من مراحل تطور التعقد الثقافي.

 

تتطلب دراسة تطور التعقد الثقافي الانطلاق من مفهوم للثقافة والبيئة يلتزم بالحدود التي ثبتها علم الآثار المعاصر والمتمثلة في عدم إمكانية تجاوز أهمية الدور الذي تحتله كل من الثقافة والبيئة بالنسبة لعلم الآثار، وتتطلب معالجة الثقافة والبيئة الرجوع إلى مبادئ كل من الايكولوجيا الثقافوية(1) والجيوأركيولوجيا. فالثقافة التي نعني بها تحديداً الجماعة التي تجسد مثل تلك الثقافة – تعيش في تفاعل مع البيئة الطبيعية، ليس فقط جوانب الثقافة المادية، ولكن أيضاً الخيارات الاقتصادية وخصائص الإقامة والديموغرافيا، يتم تحديدها بفعل البيئة.

 

دفع التشديد الذي يضعه علم الآثار الوظيفي على المفهوم الإجرائي للثقافة، أي للثقافة بحسبانها نتاجاً لوظيفية نظاموية(2)، ببعض مسائل استراتيجية البحث إلى الصدارة. أولاً، تم إحداث تقييمات لأبعاد الظواهر المكانية. شمل ذلك الابتعاد عن "وحدة الموقع الأثري التقليدية" بتوجيه تركيز البحث إلى أطر إقليمية أكثر اتساعاً؛ وثانياً، تم توجيه الاهتمام لعمليات الترسيب، وعمليات تكون الموقع الأثري وزواله والمعتمد اعتماداً كبيراً على تقلبات البيئات القديمة، وإلى المحتويات الطباقية وديناميات ما بعد الترسيب. إلى جانب تلك الاعتبارات لا بدَّ من إضافة الحاجة إلى إحداث دراسات تتعلق بتوزيع الموارد (الماء، والنباتات، والحيوانات، والمواد الخام) لأن ذلك يرتبط أيضاً بطبيعة البيئة.

 

النقاط الأخيرة تلك بخاصة تم تطويرها، على ما هو معلوم، في إطار علم الجيوأركيولوجيا، وهو فرع معرفي أبان لعلم الآثار الطرق التي يمكن من خلالها تطبيق المبادئ والتقنيات الكمية، بخاصة لدراسة البيئة، في البحث الآثاري. تمثل أعمال بوتزر Butzer 1971; id. 1982 تطويراً أساسياً لمبادئ علم الآثار الوظيفي، وتوفر قاعدة متينة للبحث الآثاري الهادف إلى مدنا ليس فحسب بالأدوات النظرية بل بالأدوات التقنية كذلك التي يحتاجها عالم الآثار. مثال على ذلك نجده في فهم بوتزر للثقافة بحسبانها مفهوماً لا يتخذ قيمة ميتافيزيقية لنظام، أو نظاماً مثالياً لسلوك المجتمع، وهو الفهم الذي تطور في مجال الايكولوجيا الثقافوية. على كل يمكن رؤية التحول في كلا الحالتين من الاهتمام بالأدوات وتصنيفها التيبولوجي إلى الاهتمام بالتحولات في السلوك، أي "التحول إلى الدينامية التي ينظم بها الناس وجودهم من خلال تفاعلهم مع الآخرين وبيئاتهم الثقافية والطبيعية والميتافيزيقية" Hassan 1983. إن التحول الأكثر تجلياً في سلوك الجماعات الصحراوية في منتصف الهولوسين المبكر يمكن رؤيته في التجارب الأولى لإنتاج الطعام، أي في الانتقال من حالة اعتماد على البيئة إلى حالة فعلية لتنظيم الموارد وإنتاجها. إنتاج الطعام يمكن رؤيته بحسبانه نتيجة دينامية تكيفية أفرزها استغلال اصطفائي مارسه الإنسان، نتيجة خبراته المتراكمة، على البيئة.

 

ورغم أنه من الممكن ملاحظة حقيقة أن الوظيفية النظاموية ومفاهيم التكيف ذات الصلة بها قد تؤدي، كما يرى هودر Hodder 1985، إلى تفسير آلي للظواهر الثقافية التي تستبعد الإسهام الفردي، فإنه لا يمكن إنكار أن مفهوم النظاموي سمح لنا بالوصول إلى درجة تحكم وقياس كمي للمعطيات بدرجة لم يك تحقيقها ممكناً عن طريق النماذج التقليدية. لدى تناول مجتمع إنساني بالدراسة فإننا لا بدَّ وأن نُظهر اتفاقنا مع حقيقة أن التغير يمكن أن يحدث لا بفعل البيئة وحدها وإنما أيضاً بفعل عناصر أخرى مثل الديموغرافيا والأيدولوجيا الرمزية. لكنه، ومهما كان الأمر، فإن تأثير البيئة في ظروف الصحراء كان عنصراً هاماً، بل وحاسماً في تحديد قرارات الجماعات الإنسانية. كانت إمكانيات الاختيارات لازالت عديدة لدى جماعات الهولوسين المبكر، وكان ازدهار المدنية على طول مجاري المياه بخاصة نتاجاً لقرارات اتخذتها الجماعات الإنسانية في تلك المرحلة. لكنه وفيما بعد بروز الأطوار الجافة التي ميزت الهولوسين المتأخر أضحت القيود، التي فرضتها البيئة الناشئة الأكثر صرامة، تفرض إحداث تغييرات في مواقع الإقامة وإدخال تعديلات على الاستراتيجية الاقتصادية. ويدعو كل من كلارك وبراندت علماء الآثار الذين يكرسون جهودهم في مجال الدراسات الخاصة بإنتاج الطعام إلى تركيب نماذج للتغير الثقافي تكون "ملائمة لفهم السؤال الأكثر شمولية عن لماذا أخذ الناس أصلاً في تدجين الحيوانات والنباتات؟" Clark and Brandt 1984. في هذا السياق يمكننا ملاحظة أن النموذج النظاموي يبرر استخدام نماذج عامة للسلوك الإنساني يمكن بعدها تنميط المعطيات المحددة الناتجة عن الملاحظة. إنها نماذج لها تطبيقاتها الشمولية وعادة ما يتم استخدامها في محتويات علم الآثار العرقي (الاثنوأركيولوجيا). أثبتت الدراسات الحالية لمجتمعات الصيد/الجمع عدم صلاحية التفسيرات التقليدية الاستقرائية الطابع وتم طرح تناول أكثر عمومية قائم على أساس نماذج وصفية لأنماط حياة الصيادين/الجامعين Bronitsky 1983; Hardesty 1985; Hayden 1981; Rindos 1984. نموذج تفسيري لمثل هذه المسائل طرحه مؤخراً ريدنج Redding 1988. يحلل ريدنج بمصطلحات نموذجية شمولية إشكالية الانتقال من الصيد والجمع إلى إنتاج الطعام، آخذاً في الحسبان النماذج السابقة والمفاهيم الأساسية للايكولوجيا والجغرافية البشرية. يعود نموذج ريدنج مجدداً إلى نظرية البحث عن الطعام المُثلى، لكنه يفترض أن الأغراض التي نُسبت إلى سلوك الجماعات يمكن التمييز بينها على أساس الطريقة التي يتمظهر بها المجتمع. الأمر كذلك فإنه لا بدَّ وأن تكون التفسيرات المفضلة بالقدر نفسه من التنوع والمرونة.

 

يقول علم الآثار الوظيفي بأن إنتاج الطعام هو العنصر الرئيس والمؤشر الفعلي للتغير في حالة جماعات الهولوسين المبكر والأوسط شاملاً في ذلك كل تقدم ذا طبيعة تقنية. باللجوء لاستخدام مثل هذا التناول حاولت بربارا بارش، كما سوف نبين، دراسة الانتقال من الصيد والجمع إلى الرعاوة وسط جماعات الصحراء وعادت لتطبق ذلك على معطيات أبحاثها في تادرارت أكاكوس Barich 1987; 1987a.

 

يبدو ليَّ أنه تظل هناك فرضية مطروحة لنموذج يُنظر فيه لإنتاج الطعام بحسبانه تعديلاً للجماعات المعتمدة على نمط اقتصاد استحواذي محلي تكيفاً مع قيود بيئة محددة. من هنا أهمية التشديد على هذه الفرضية من خلال التأكيد على الدور الذي يقوم به تقلب الموارد بحسبان ذلك عنصراً في زيادة قاعدة الإعاشة القابلة للاستغلال. يتطلب هذا عدم إهمال البينة ذات الصلة بالأدوات الصنعية وبالتغير في الاستراتيجية الاقتصادية مع مراعاة الدراسات البيئية التي تتناول المناخات القديمة والتحولات التي تعرضت لها. لا شك، من ثم، في أن المناخ يمثل عنصراً لا بدَّ من الالتفات إليه انطلاقاً من حقيقة أنه مارس تأثيراً كبيراً في حياة الإنسان وفي إدراكاته المعرفية. كثيراً ما يتم القفز إلى استنتاجات متعجلة بأن الظروف ما قبل التاريخية "القاسية" ما كانت لتسمح بتطور نماذج ثقافية من النوع الذي يتطلب توفر شروط مسبقة تتمثل في سيادة ظروف بيئية ملائمة. حالياً تتوفر لدينا نتائج تظهر قدراً عالياً من التوافق من أعمال بحث أجريت في مناطق مختلفة من الصحراء، رغم أن أعمال البحث تلك تناولت بيئات ايكولوجية متباعدة ومتنوعة مورفولوجياً وفسيولوجياً. الظروف المناخية الحالية في شمال أفريقيا، بخاصة في مناطق الصحراء والساحل، قاسية إلى درجة تبدو معها كخاصة أساسية في أي بحث ايكولوجي واسع. يبدو الجفاف الحالي متضارباً مع ثراء البينة الآثارية المنتشرة على امتداد كل المنطقة من الأطلسي إلى ساحل البحر الأحمر. في واقع الأمر تختلف الصورة كلياً عندما يختبر الواحد الأحداث المناخية والإنسانية وفقاً لتواتراتها المتصاعدة، بدلاً عن النظر إليها ظاهرةً جامدةً. بالتالي، يتوجب النظر للمناخ الجاف الحالي بوصفه نتاجاً لتواتر طويل شمل أطواراً متعاقبة رطبة وجافة. التغيرات المناخية، رغم كونها تدريجية، يمكن أنها قد كانت متجاوزة للمألوف وما كان من الممكن للناس المعاصرين لها تجاهلها. على العكس، لا بدَّ وأن تكون المجموعات الإنسانية قد تأثرت بقوة، حيث عملت الظروف المناخية الجيدة لمصلحتهم، في حين عملت الظروف الطبيعية غير الملائمة ضدهم. لتلك الأسباب، فإن البحث في البيئة الطبيعية وتاريخ الإنسان ظلا، ولا بدَّ أن يظلا، مترابطين في شمال أفريقيا بصورة خاصة.

 

التقلبات المناخية في الصحراء

 

يوجد عدد من الدراسات التي تناولت بيئة الدهر الرباعي في مناطق شمال أفريقيا. وقد لخصت إلينا جارسيا تلك الدراسات مشيرة إلى أنه ومنذ بداية ستينيات القرن المنصرم تناولت تلك الدراسات مناطق كبيرة، مثل الصحراء الشمالية الغربية، وحوض تشاد، والنوبة، ونهري السنجال وجامبيا. وفي سبعينات القرن المنصرم أجريت المزيد من الدراسات الشاملة في البيئات القديمة. وفي الوقت نفسه كان هناك اعتراف بأن المعطيات الخاصة بالايكولوجيا القديمة والبيئة القديمة يمكن لها أن توفر إسهاماً هائلاً في دراسة تاريخ الإنسان وأن مجالي البحث لا بدَّ من تنفيذهما متوازيين. على سبيل المثال، يتم الرجوع للمناخات القديمة في تفسير الإقامة الإنسانية في الصحراء والهجرات الناتجة عن الضغوط المناخية (انظر للمزيد من التفاصيلCommelin-Petit-Maire 1979). تواصل المزيد من البحث الذي يربط الظروف المناخية القديمة والبيئية القديمة بالأحداث الإنسانية خلال الثمانينات من القرن الماضي. محتويات جغرافية متسعة أُخذت في الحسبان من أجل الحصول على إطار أكثر اتساعاً لتطور المناخ على مدى فترات زمنية أطول. تم تجميع أكثر المعطيات ملائمة من الصحراء الغربية في الـ 40.000 سنة الماضية Alimen 1981 and 1987، وصحراء مالي في الدهر الرباعي الحالي (على سبيل المثال Petit-Maire and Riser 1983). معطيات أخرى أتت من وادي النيل خلال الهولوسين  Wendorf and Hassan 1980; Hassan 1984; 1987; 1988).

 

استمرت الدراسات المناخية القديمة بصورة معمقة مع التركيز بصورة خاصة على الدهر الرباعي. رغم أنها لم تربط بمتطلبات البحث ما قبل التاريخي، فإن تلك الدراسات عُدت ذات قيمة عالية لتطور الدراسات ما قبل التاريخية. بعض المناطق التي تركز فيها البحث بصورة مكثفة كانت: الصحراء الليبية خلال البليستوسين المتأخر والهولوسين، ووادي النيل في البليستوسين Butzer 1980، حوض تشاد خلال الـ 50/30 ألف سنة الأخيرة Pachur and Braun 1980، والأطلسي والصحراء الغربية في الهولوسين، وشمال أفريقيا والصحراء عموماً.

 

المزيد من تطور تلك الدراسات يرجع للتسعينات من القرن الماضي. تم الاعتراف بصورة قاطعة بعلم المناخ القديم بوصفه جزءاً من البحث في علم الآثار وما قبل التاريخ. أصبحت المعلومات عن المحتوى الطبيعي الذي تطورت فيه الثقافات الإنسانية تشكل دعماً علمياً ضرورياً لمعظم الرؤى الحديثة لما قبل التاريخ، والتي تسعى إلى تقييم كل المعطيات المتوفرة عن محتويات محددة ايكولوجية، وتقنية، وثقافية، واجتماعية ذات الصلة بالآفاق التاريخية والثقافية المختلفة.

 

في هذا الإطار، فإن أحدث الإسهامات تتمثل في عمل فيرنيت. فقد راعت دراسته هذه كل التطور المنجز في الأدب السابق، وفوق ذلك فلهذه الدراسة ميزتان. الميزة الأولى أنها تغطي كل منطقة الصحراء، موفرة تركيباً متماسكاً وشاملاً لكل البحث الجيولوجي، والبيدولوجي (علم التربة)، والنباتي، والحيواني المتوفر في مواقع منفردة، وكذلك في مناطق أوسع أو أقطار. والميزة الثانية تتعلق بـ "تناوله بوصفه متخصصاً في ما قبل التاريخ" للبيئات القديمة لشمال أفريقيا.

 

وفرت كل تلك الدراسات والمعطيات التي تم تجميعها مؤخراً عوناً كبيراً للتفسير المستقبلي للإقامة وللبينة الآثارية في الصحراء، والمغرب، والساحل. أصبح واضحاً الآن أن نهاية عصر البليستوسين في شمال أفريقيا تميزت ببعض الظواهر المناخية الأساسية، إلا أنه لم تك هناك علاقات متداخلة بين تلك الظواهر وبين الأحداث المناخية التي شهدتها العروض الشمالية. المهم هو أن تلك الظواهر  كانت ذات تأثير بالغ الأهمية بالنسبة لتطور مجتمعات الصحراء. كانت المرحلة التي تطابق الحد الأقصى للطور الجليدي الأخير، بدءاً من 20.000 سنة مضت، جافة نسبياً على امتداد شمال أفريقيا مع بلوغ الجفاف ذروته حوالي 18.000 سنة مضت. ويعتقد بأنه قد تبع هذه الظاهرة في كل مكان من الصحراء (باستثناء بعض أجزاء حوض النيل والشريط الساحلي المتوسطي) هجرات سكانية إلى خارج المنطقة. وقد دللت دراسة أجرتها أنجيلا كلوز في الصحراء الشرقية إلى أن هجرة راجعة من مناطق مجاورة أدت إلى عودة الإقامة مجدداً في مناطق الصحراء في الهولوسين نتيجة ارتفاع درجة الرطوبة.

 

خلال الهولوسين المبكر والأوسط تعرضت كل مناطق الصحراء، باستثناء المناطق المجاورة لساحل البحر الأبيض المتوسط، لأطوار رطبة متقطعة تتداخل فيما بينها فترات جفاف. إن أسباب مثل تلك التقلبات المناخية عديدة وغير مفهومة بصورة كاملة. لكن اتفاقا عاماً تم التوصل إليه بأن تزايد الأمطار في الهولوسين المبكر نتج بفعل تحول أصاب دورة المونسون باتجاه الشمال وهو أمر أكدته دراسة ويكينز للتحولات في المناخ والنبات في السودان منذ 20.000 سنة مضت Wickens 1982. كذلك أشارت دراسات أجراها هاينز لمعدلات التبدل في الرطوبة في السودان والساحل Hayens 1983 إلى أن التوزيعات البيانية للقاحات خلال الهولوسين المبكر تلمح إلى أن منطقة التقارب الكروية البين مدارية تُظهر تحركاً نحو الشمال لكل من الغطاء النباتي في السودان والساحل وكذلك للأمطار وتوفرها.

 

تقوم إعادة تركيب المناخات القديمة للصحراء على قاعدة بعض التواترات الأساسية، بخاصة التواترات المميزة لحوض بحيرة تشاد. كان هذا الحوض القديم بالقرب من وسط الصحراء يروي منطقة واسعة من مرتفعات الصحراء الوسطى إلى جانب أجزاء معتبرة من السهل المجاور والسافانا والغابات الاستوائية. وقد وفرت دراسات سيرفنت الجيولوجية للتواترات القارية والتبدلات المناخية كما هو معبر عنها في حوض بحيرة تشاد، ودراساته للبيئة القديمة في بحيرة تشاد، بالإضافة إلى دراسات مولي Maley 1980; id. 1981; id. 1989 للنباتات القديمة في حوض بحيرة تشاد أفضل المقاربات لأحداث الصحراء الشرقية الوسطى. يتضح من واقع تلك الدراسات أن البحيرة كانت قد تعرضت إلى توسعين قبل 21.000 سنة مضت تبعتهما فترة جفاف طويلة انتهت في حوالي 12.500 سنة مضت. وقد تم تبيان التقلبات التي ميزت نظام البحيرة في الهولوسين بقدر من التفصيل. ارتبط الانقلاب الأول بالهولوسين القاعدي (9.200 – 8.500 سنة مضت) ويحتل جزئياً المدى الكرونولوجى لموقع نبتا بلايا في الصحراء المصرية (10.000 – 8.200 سنة مضت). تحديداً في هذا الوقت تعرضت البحيرة إلى امتداد هائل بحيث وفرت المياه لنظام ممتد في قلب الصحراء. وبعد انقلابين لاحقين قصيرا الأجل (8.400 – 7.800 و 7.700 – 7.300 سنة مضت)، بدأ في حوالي 7.100 سنة مضت انقلاب رابع استمر على مدى الهولوسين الأوسط (7.100 – 5.000 سنة مضت). بعد ذلك أخذ منسوب البحيرة في الانخفاض لتحل فترة جفاف طويلة انتهت حوالي 4.000 سنة مضت. أثرت هذه الفترة الجافة على مجمل الصحراء. بدأ انقلاب لاحق، وهو الأخير، فقط منذ 3.000 سنة مضت وهو الطور الرطب الذي لازال مستمراً إلى اليوم.

 

وتشير اللقاحات والمعطيات الجيولوجية في المناطق المدارية الأخرى من شمال أفريقيا إلى أن ذروة النشاط العولسي وقع في الفترة من 20.000 إلى 18.000 سنة مضت. وتقدم أبحاث جاكل للترسبات النهرية في سلسلة تبستي بحسبانها مؤشرات لتاريخ المناخ في الصحراء الوسطى خلال البليستوسين المتأخر والهولوسين، بينة دالة على تبدلات مناخية هامة على امتداد الهولوسين Jaicel 1979. طبقاً لـ مولي فإن معدلات الحرارة في تبستي خلال الفترة الممتدة من 8.000 إلى 6.500 سنة مضت كانت تتطابق مع ما هو مشهود حالياً في الدورة السنوية للمنخفضات المدارية (مع دورات فصلية) حدث انخفاض في معدلات الحرارة في الفترة 8.000 – 7.700 سنة مضت (نموذج الخريف)، ووصلت الحرارة إلى أدنى معدلاتها (نموذج الشتاء) في الفترة 7.500 – 7.400 سنة مضت، ومن ثم كان هناك ارتفاع لاحق (نموذج الربيع) في 7.400 – 7.100 سنة مضت، وسجلت أخيراً درجة الحرارة القصوى (نموذج الصيف) في 7.100 – 7.000 سنة مضت.

 

الطور الأول : تميز بجفاف متزايد للبحيرات المحيطة بالسلسلة وبداخلها في نهاية الأزمان العاترية، كما تميزت بترسب كاربونات الكالسيوم وبتعرية منحدرات الجبال المتآكلة سلفاً. تسلسلت الترسبات العاترية الغرينية في طبقة بلغ سمكها المترين ومغطاة بترسبات رملية قديمة. الجزء الأعلى من الغرين تم إفراغه وظهرت أدوات صنعية تميزت بدرجة عالية من الكشط. ويشير هذا إلى نهاية الإقامة العاترية، وتميزت الفترة اللاحقة بجفاف شديد والذي يمكن مساواته بما تمَّ تسجيله في حوض بحيرة تشاد في الفترة من 21.000 إلى 12.000 سنة مضت.

 

الطور الثاني : جلب ظروفاً أكثر رطوبة، مع ارتفاع منسوب البحيرات، رغم أن ذلك ما كان بالمستوى نفسه كما في الطور الأول. في حوالي 9.500 سنة مضت نجح الصيادون وصائدو الأسماك المسلحين بتقنية ايبي باليوليتية* من اصطياد أنواع مختلفة من الأسماك، وفرس البحر، والسلحفاة. تم الكشف عن مواقع على حافة البحيرة في رمال ما بعد العاتري القديم ومن ثم غُطيت بفعل التقلبات اللاحقة.

 

الطور الثالث : حوالي 7.500 سنة مضت تحول المناخ مجدداً إلى الجفاف وتقدمت الكثبان الرملية زاحفة من الجنوب لتغطي أجزاء من سطح البحيرات والمستنقعات السابقة التي صارت جافة في الوقت الحالي. شهدت عودة الرطوبة مجدداً في 7.000 سنة مضت استقرار الكثبان ووجود بحيرة أقل انخفاضاً ونشأ طور إقامة جديد. توج هذا بمولد الصناعة التنيرية التي ازدهرت حوالي 6.000 – 5.000 سنة مضت.

 

خلال الثمانينات تم تنظيم مشروعات بحثية عديدة في معظم أنحاء الصحراء على أساس التعاون بين فروع للمعرفة كثيرة مع الاستفادة من المداخل الحديثة للبحث ومن التقنيات المعملية المواكبة. أثرت تلك المشروعات معرفتنا إلى درجة بعيدة. ففي الصحراء المصرية الغربية بدأت تواترات نبتا بلايا وبئر كسيبا في نهاية فترة جفاف طويلة أعقبت الطور العاتري الرطب. استمرت بلايا المبكرة من حوالي 10.000 حتى 8.200 سنة مضت وشملت تقلباً أشد جفافاً من حوالي 8.800 سنة مضت. وهناك بينة أخرى دالة على ظروف رطبة ببداية الهولوسين معروفة من واحة سليمة. تبع تلك الأطوار مزيد من المراحل الرطبة خلال الهولوسين الأوسط في حوالي 6.900 – 6.000 و 5.000 – 4.500 سنة مضت Barich 1984; Hassan 1987.

 

يتمثل العنصر الجديد المنبثق من البحث الجاري في الاعتراف بطور أول للدفء تبعته أمطار في البليستوسين الختامي المؤرخ حوالي 14.000 – 12.000 سنة مضت. هذا الطور الرطب الأكثر قدماً قطعت اطراده فترة جافة جديدة في حوالي 10.800 – 10.500 سنة مضت وكذلك أطوار لاحقة للجفاف عل امتداد الهولوسين. سيضع هذا التاريخ عودة الظروف الرطبة إلى المناطق الصحراوية في فترة أسبق ببعض آلاف السنوات مما كان يعتقد. بالإضافة إلى البينة من النيجر التي وفرتها الدراسات الهيدرولوجية التي أجراها دوبار وآخرون فإن هناك معطيات أيضاً من مرزق في ليبيا ومن الأكاكوس الأوسط حيث وجدت بينة دالة على عودة ظهور طبقات حاملة للمياه في حوالي 15.000 سنة مضت. في حالة التأكد من هذه النتائج فإن التأثيرات الناجمة بالنسبة لدينامية الإقامة الإقليمية للإنسان لا بد وأن تكون هامة للغاية.

 

التحركات السكانية التي رافقت التقلبات المناخية في الصحراء؟

 

يبدو أن تحركاً للزنوج الأوائل proto-Negroes من غرب أفريقيا باتجاه الشمال قد أدى إلى استقرارهم على حافة البحيرات والأنهار في الصحراء الحالية، حيث عاشوا جنباً إلى جنب مع السكان من النوع البني البشرة الشبيه بـ السان*. ويعتقد موري بأن ثقافة الصحراء المشهودة المعروفة باسم "طور الرؤوس المستديرة" ترجع لهذه العناصر الزنجية (موري 1988: 247).

 

كانت هناك تحركات مستمرة للسكان في المنطقة الممتدة بين وادي النيل الأوسط في الشرق وموريتانيا والبحر الأبيض المتوسط في الشمال والشمال الغربي. على سبيل المثال يرى دسانيه بأن السكان الذين انتشروا في المنطقة من انيدي حتى الهوقار كانوا من ذوي البشرة السوداء الذين تربطهم صلة بسكان الخرطوم المبكرة في السودان Desanges 1981: 425.

 

عاش السكان سود البشرة في الأزمان ما قبل التاريخية مع البربر الأوائل proto-Berber على امتداد الصحراء. ويرى هوجوت بأن سكان الصحراء كانوا خليطاً من السود البشرة والبحر أبيضيين Hugot 1981: 596. ويبدو أن سود البشرة شكلوا أغلبية السكان في الصحراء إلى الدرجة التي تحدث فيها بعض الباحثين منهم دسانيه عن "صحراء إثيوبية كلياً في العصر النيوليتي وعصور ما قبل التاريخ" Desanges 1981: 427.

 

صنف هوجوت Hugot 1981: 596 سكان الصحراء "المنطقة الخضراء لما قبل الصحراء"، كما يسميها، طبقاً لترتيب إقامتهم إلى ثلاث موجات:

الموجة الأقدم استقرت على ضفتي النيل بالقرب من الخرطوم. انتشر أولئك غرباً على امتداد البحيرات والأنهار حتى تاسيلي وساورا، ولم يدخلوا إلى المناطق الغابية في الجنوب. والموجة الثانية سكان الجنوب الذين انتشروا في الغابات. أسهمت هذه الموجة في تشكيل سكان التخوم الجنوبية للمنطقة. والموجة الثالثة من شمال أفريقيا. تحرك أولئك السكان من شمال أفريقيا جنوباً وغرباً حتى الأجزاء الوسطى للمنطقة وموريتانيا.

 

أما اليفي Iliffe 1996: 10 فيرى أن التحليل الوراثي يشير إلى أن أسلاف أشباه السان انتشروا على امتداد القارة كالآتي:

(1) أسلاف السان الجنوب أفريقيين الذين أصبحوا منعزلين نسبياً عن بقية السكان في تاريخ مبكر؛

(2) السكان الآفرو – متوسطيين الذين كانوا في الغالب أقرب الأقربين لأشباه السان، وعاشوا في شمال شرق أفريقيا؛

(3) السكان الأبعد قرابة بأشباه السان وهؤلاء هم الزنوج. وجدت بقاياهم في غرب نيجيريا وتعود للألفية 12 قبل تاريخ اليوم وفي الصحراء بتاريخ يرجع إلى حوالي 8.000 سنة مضت؛

(4) الأقزام الذين يعيشون حالياً في الغابات الاستوائية وغالباً ما يكونوا مجموعة فرعية للزنوج.

كان السكان الأصليون لشمال أفريقيا هم أشباه السان الذين حلوا محل كل البشريات السابقة في المنطقة. وفي عصور ما قبل التاريخ تحرك سكان من الصحراء، وآسيا، وأوربا إلى شمال أفريقيا. قبل 10.000 سنة مضت وصلت إلى شمال أفريقيا مجموعتان قوقازيتان: إحداهن من أوربا، سميوا بالكروماجنونيين(4). ووصلت المجموعة الثانية من جنوب غرب آسيا. امتزجت المجموعتان مع السكان أشباه السان ذوي البشرة البنية.

أصبح سكان مصر والمغرب المبكرين جنساً مختلطاً – القوقازيين، وشبه السان، والزنوج. سكان قورينائية، وسكان المغرب الايبرمورسيين والقفصيين كانت لهم أصول نيوليتية سودانية. على سبيل المثال القفصيين، الذين نالوا التسمية من مدينة قفصة التونسية الحالية، كانوا،  في رأي دسانيه، "ذو بنية طويلة إلى حد ما، ومن نوع بحر أبيضي متوسطى مع بعض السمات الزنجية، امتدوا إلى أقصى التخوم الغربية لشمال أفريقيا أو إلى الصحراء الجنوبية" Desanges 1981: 425.

 

من ثم يجوز القول بوجود جنسين أصيلين في وادي النيل، والصحراء، وشمال أفريقيا : السكان من ذوي البشرة البنية وأولئك من ذوي البشرة السوداء. عاشت المجموعتان وتمازجتا في وادي النيل والصحراء وشمال أفريقيا. في شمال أفريقيا امتزج ذوو البشرة البنية مع القوقازيين الذين وصلوا من آسيا وأوربا.

 

نسبة السكان القوقازيين الذين دخلوا الصحراء لم تك كبيرة. السمات العامة لسكان الصحراء تمثلت في لون البشرة البني والداكن. في شمال أفريقيا كانت نسبة القوقازيين أعلى وتنوع السكان هناك بين البشرة السوداء والداكنة والبيضاء.

 

أشار مختار إلى أن المعايير التقليدية التي اعتمد عليها علماء الأنثروبولوجيا الفيزيقية في تصنيف الأجناس البشرية لم تعد مقبولة الآن. فقد تم تمييز السود بطبيعة شعرهم ولون بشرتهم Mokhtar 1981b: 14. ويقسم مختار، وأوبنجا، وديوب، السود إلى مجموعتين:

(1) السود ذوي الشعر المستقيم في آسيا وأفريقيا. وهم الدارفيديون في الهند، والنوبيون، والتبو أو التدا في أفريقيا. كلهم بلون بشرة أسود؛

(2) السود ذوي الشعر المفلفل في المنطقة الاستوائية.

 

هناك تصنيف آخر للسكان في أفريقيا يقوم على أساس التقليد اليهودي الذي يجعل من كل سكان العالم أحفاداً لولدي نوح، حام وسام، بعد الطوفان. وقد نشر المؤرخون المسلمون المبكرون هذه الأسطورة بشكل واسع. طبقاً لهذه الأسطورة، فإن نوح عندما كان نائماً، كشف عن نفسه اللباس وأصبح عارياً. وعندما رأى حام والده عارياً لم يغطيه في حين فعل سام ذلك. لاحقاً عندما أدرك نوح ذلك لعن ابنه حام وجعل أحفاده عبيداً لأحفاد سام وأصبحوا سوداً. رزق حام بثلاث أبناء : يافت، وكنعان، وكوش. استقر يافت في الهند والسند، وكل السكان هناك أحفاد له. أصبح كنعان والد الكنعانيين في غرب آسيا. أحفاد كوش سكان أفريقيا السود المتنوعين: النوبيون، والزنج، والزغاوة، والأقباط (المصريون) وبربر الصحراء. طبقاً لذلك صنف العلماء العرب سكان الهند، والصين، وجنوب شرق آسيا سوداً.

 

لم يتقبل بعض الكتاب العرب وجهة النظر هذه. على سبيل المثال، جادل الجاحظ في القرن الهجري الثالث/التاسع الميلادي بأن اللون الأسود نتاج للطقس الحار. الدليل على ذلك في نظره هو العرب السود مثل بنو سليم الذين يعيشون في مناخ حار في الجزيرة العربية وكل الذين يعيشون في بلدان حارة. ويضيف الجاحظ أن بنى سليم كان لهم رقيق، نساء ورجال، بيض من أوربا ليرعوا لهم قطعانهم ويسقونها. خلال ثلاثة أجيال حول الطقس الحار أولئك الرقيق البيض إلى سود مثلهم مثل بنى سليم.

 

تقبل بعض العلماء المسلمين والغربيين المبكرين هذا المفهوم. قُسم سكان أفريقيا إلى مجموعتين : الساميين، وهم سكان شمال أفريقيا؛ والحاميين، وهم السكان السود لبقية أفريقيا بما في ذلك النوبيون، والبجة في السودان، وأحباش إثيوبيا، والزنج في شرق أفريقيا وكل السود الآخرين فيما وراء الصحراء. وسميوا "السودان".

 

في القرن التاسع عشر، عندما دخلت أوربا في اتصال مباشر مع أفريقيا ودرس العلماء الأوربيون الحضارة المصرية، وجدوا أن أصول الحضارة الإنسانية يمكن تتبعها في أفريقيا بأزمان سابقة للحضارة في اليونان وروما. ولم يتقبل الأوربيون حقيقة أن يكون الرواد الأوائل للمدنية سوداً. وعلى أية حال، طالما أن مفهوم الحاميين ارتبط بالسود والزنوج، فإن الأوربيين فصلوا بين الحاميين والزنوج. وأصبح الحاميون يُربطون بالقوقازيين. وأصبح سكان شمال أفريقيا والصحراء، الذين لم تك بشرتهم سوداء للغاية، حاميين، قوقازيين. السكان الآخرين الذين كانت بشرتهم سوداء أصبحوا زنوجاً.

 

هكذا شرع العلماء الأوربيون في الكتابة عن حضارة الحاميين في أفريقيا. نسبوا كل إنجاز في القارة إلى الحاميين، وصار تاريخ أفريقيا يفهم بوصفه تاريخاً للحاميين. لم يسيطر هذا الفهم على الكتابات الأوربية فحسب بل انتشر وساد وأصبح مقبولاً في أفريقيا. كل الناس الذين يكون لون بشرتهم أسمر ويتحدثون اللغة العربية في وادي النيل، وشمال أفريقيا أصبحوا ساميين في حين أصبح سكان الصحراء حاميين. وأصبح سكان وادي النيل وما وراء الصحراء السود زنوجاً.

 

هكذا وطبقاً لهذا المفهوم للساميين والحاميين أصبح سكان أفريقيا يقسمون إلى ثلاثة أجناس: الساميون، والحاميون، والزنوج. واضح أن هذا المفهوم ولد من أسطورة وتطور بعد ذلك في الغرب لخدمة أغراض وأهداف محددة.

 

الصحراء الليبية في مرحلة ما قبل التاريخ: بداية الدراسات الميدانية

 

بداية نقول بأن دراسة الانتقال إلى حياة الاستقرار وظهور المدنية في التاريخ لا بدَّ وأن تبدأ بالتراجع القهقرى إلى ما اصطلح على تسميته وفق جوردون تشايلد بـ "ثورة العصر الحجري الحديث، أي الثورة النيوليتية" تعبيراً عن الأهمية المبدئية التي اقتناها إنتاج الطعام بالنسبة للتاريخ الثقافي للبشرية. وفي الوقت الذي نعترف فيه الآن بأن أشكال حياة العصر الحجري الحديث لم تتطور أو تنتشر من مركز أوحد في مكان ما من الشرق الأدنى، كما اعتقد جوردون تشايلد، إلا أنه لا بدَّ من الإقرار بأن العصر الحجري الحديث كان بحق عصراً ثورياً بمعنى واسع. فقد حول إنتاج الطعام في نهاية المطاف معظم ثقافات العالم محدثاً في الآن نفسه تحولات في عالم الطبيعة(5) هذه الثورة النيوليتية ذات ثلاثة أبعاد على الأقل: التدجين، وأنماط حياة مستقرة جديدة، وتقنيات جديدة.

 

بالتدجين نشير تحديداً إلى الاعتماد المتبادل بين الإنسان وبين واحد أو أكثر من الأنواع النباتية أو الحيوانية. وندرك اليوم أن التدجين كان عملية أكثر من كونه حدثاً. ومن ثم لازال الجدل دائراً عن الكيفية التي دشنت بداية لتلك العملية. طرحت العديد من الآراء ذات الأهمية بالنسبة لهذه الإشكالية. معلوم أن الثورة الاجتماعية- الاقتصادية المنجزة الحقيقية تكمن، على حد تعبير موري، "لا في التدجين في حد ذاته بل في الأفكار القابعة في أساسه، في الرؤية الكونية التي أفضت إلى حدوثه والتي تطور عنها، وفي مجموعة المفاهيم التي كانت منبعاً لطريقة تجربة حياتية مختلفة ومحيطات الفرد الطبيعية" Mori 1998 (*). ما حدث هو أن التأثير المتنامي تدريجياً لكل ما استوعبه عقل الإنسان بدون وعي خلال الألفيات المبكرة، بدعم بدني، بلا شك، متلقى من علاقاته المتبادلة مع البيئة، والذي تسبب في اتخاذ "الخيارات" نفسها في تلك المناطق الواقعة حول مدار السرطان كما اتُخذت في مناطق أخرى بطرق مختلفة وبوسائل متعددة.

 

آثارياً بدأت دراسة مواقع ما قبل التاريخ في الصحراء الليبية بأعمال موري وبعثته في الأكاكوس. نجح موري في أن يجلب إلى دائرة الضوء مركب الرسوم الصخرية الرائع. مثلَّ وادي تشوينت نواة البحث الذي سمح بملاحظة تتابع طويل لتلك الأعمال الفنية المرتبطة بترسبات للإقامة الإنسانية. أجريت أعمال التنقيب الاستراتيجرافي ونُشرت النتائج موفرة بذلك البينة الأولى الدالة على إقامة الإنسان في سلسلة تادرارت أكاكوس في فترة تمتد، وفق تواريخ الكربون14 للترسبات الأساسية، من الألفية الخامسة حتى الألفية الرابعة ق.م. كان الجهد البحثي في تلك الفترة موجهاً إلى تصنيف الفن الصخري وفهمه. وقدم موري تصنيفاً شاملاً من وجهة نظر الجوانب الأسلوبية والذي أصبح، خلافاً لنواياه، أساساً لمراحل كرونولوجية. وظلت هناك، حتى بداية السبعينيات، فجوة معرفية بين فهم الفن الصخري وفهم الإقامة الإنسانية في هذه المنطقة من الصحراء الليبية. كان لا بدَّ من تطوير مشروع يهدف إحداث دراسة ستراتيجرافية تمكيناً للباحثين من مقارنة النتائج في كلا المجالين. في عام 1970 طور معهد الاثنولوجيا القديمة بجامعة روما مشروعاً من هذا النوع وفق معيار حدده البروفسور بوجليسي بقوله : "إن البحث الباليواثنولوجي في ليبيا لا بدَّ أن يتجه إلى إعادة التركيب الشاملة للإطار الثقافي من خلال استخدام المعطيات ذات الصلة بالبيئة والوثائق الأثرية الناتجة عن أعمال التنقيب المنتظمة ومن خلال الاستفادة من تحليل الفن الصخري لاستنباط المحتويات الاثنولوجية التي تعجز المواد المختلفة عن توفيرها بصورة مكتملة" Puglisi 1981.

 

هكذا قدم المشروع إمكانيات جديدة لإعادة تركيب شاملة للمعطيات المستخلصة من تادرارت أكاكوس. تم تقييم البينة الخاصة بالفن الصخري بحسبانها نوعاً من المعطيات التي لا بدَّ من تفسيرها على ضوء مجمل البينات. شمل ذلك تبني تناول يقوم على أساس تكامل العلوم بحيث تتم الاستفادة من المعطيات التي توفرها العلوم الطبيعية (علم النباتات القديمة، وعلم الحيوانات الحفري، الجيوكيمياء، الجيومورفولوجيا، وعلم البيئات القديمة) لإعادة تركيب البيئة المعاشة وتحليلها من ثم وفق مصطلحات النماذج الاثنوأنثروبولوجية. وفي الوقت نفسه تمت إعادة تشكيل بعثة المعهد لتصبح مشروعاً للتعاون الليبي الإيطالي في المجالين التنظيمي والعلمي الفني تحت اسم "البعثة الليبية- الإيطالية المشتركة لأبحاث الصحراء". وبدء في تنفيذ العمل الميداني باتجاهين مكملين لبعضهما الآخر. أصبحت باربارا باريش مشرفة على أعمال التنقيب الاستراتيجرافي في حين أشرف موري على دراسة الفن الصخري.

 

أما في المنطقة الساحلية المتاخمة للصحراء فقد بدأ ماك بيرني، كما يبين جراهام باركر، في السنوات التي أعقبت مباشرة الحرب العالمية الثانية دراساته لمواقع العصر الحجري القديم الليبية حيث قام، في بحثه الذي عنونه "العصر الحجري في الساحل الليبي"، بنشر عدد من اللقى الأثرية السطحية التي اكتشفها McBurney 1947. ثم أنه قام بعد ذلك بمجسات (حفريات تجريبية محدودة) في موقع كهف حكفت الضبعة بالجبل الأخضر نشر نتائجها باللغة الفرنسية في مجلة الأنثروبولوجيا McBurney 1950. كما أنه قام بالتعاون مع زميله هاي بتنفيذ دراسة عن العلاقة بين التواترات الجيولوجية والآثارية البليستوسينية في قورينائية. وفي الأعوام 1951 و 1952 و 1955 نفذ ماك بيرني أعمال التنقيب الآثاري في موقع هوا أفطيح حيث كشفت المجسات العميقة عن تواتر تفصيلي للطبقات من العصر الحجري القديم (الباليوليتي) الأوسط ومن العصرين اللاحقين الحجري الوسيط (الميزوليتي) والحجري الحديث (النيوليتى) والتي دللت على إقامة الإنسان في الكهف. وقد نجح التقرير الذي صاغه ماك بيرني عن نتائج أعماله في هوا أفطيح McBurney 1967 ليس فقط في وصف التواتر المدهش للطبقات، وإنما كذلك في ربط تلك الطبقات مع تواتر البيئة القديمة التي أمكن تثبيتها من واقع دراسة ترسبات الحيوانات والرخويات في ستراتيجرافية (تسلسل طبقات) الكهف. كذلك تم ربط التواتر بكرونولوجيا مطلقة اعتمد فيها ماك بيرني على عشرين عينة راديوكاربونية. وباعتقادي أن باركر كان محقاً حين قال بأن "ستراتيجرافية هوا أفطيح تظل فريدة لا بالنسبة لما قبل تاريخ ليبيا فحسب بل بالنسبة إلى ما قبل تاريخ مجمل شمال أفريقيا" McBurney 1967: 8.

 

لقد تم الكشف في هوا أفطيح عن أكثر تعاقب مكتمل لصناعات البليستوسين الأعلى معروف في أي جزء من شمال أفريقيا Close 1986، لكنه لم يتم الوصول من خلال التنقيب إلى الطبقات الأكثر قدماً،  إلا أنه تم التأكيد على وجود إقامة ليفالوازية موستيرية في الموقع حوالي على الأقل 60.000 سنة مضت. استمرت هذه الصناعة خلال الفترة التي كانت فيه نظيرتها في الصحراء الأبعد إلى الجنوب قد انزاحت لتحل محلها الصناعة العاترية. في أدنى المستويات التي طالتها حفريات ماك بيرني في هوا أفطيح تم الكشف عن صناعة مختلفة نالت تسمية "الليبية ما قبل الاوريجانسية" والتي تقوم على إنتاج نصال متوازية الأضلاع مضروبة من نوى موشورية. وتشير البقايا الحيوانية إلى أن مبدعي هذه الصناعة كانوا من الصيادين الماهرين للماشية المتوحشة، والغزلان، والحمار الوحشي، إلى جانب أنهم خلافاً لأحفادهم قاموا أيضاً بجمع الغذاء البحري. اللافت للانتباه أن هذه الصناعة الليبية ما قبل الاوريجانسية غير مشهودة في أي موقع أفريقي آخر رغم أن تقنية شبيهة وجدت في جنوب أفريقيا وتنتمي للعمق الزمني نفسه (فيلبسون 2002: 172). وهناك من الباحثين من يقول بوجود صناعات مشابهة في فلسطين ولبنان وسوريا (المرجع نفسه، الصفحة ذاتها). لازال حالياً السؤال مطروحاً عن من هم أسلاف مبدعي هذه الصناعة.

 

بعد الطور الليبي الاوريجانسي استمرت الإقامة الليفالوازية الموستيرية في هوا أفطيح على مدى حوالي عشرين ألف سنة حتى 40.000 سنة مضت حين حلت محلها "فجأة" صناعة أنصال أكثر تقدماً نالت تسمية "الضبعانية" اشتقاقاً من موقع حكفت الضبعة بالجبل الأخضر. تنتمي "الضبعانية" إلى مركب الصناعات المعاصرة لها في أوربا وغربي آسيا والمعروف رسمياً بـ "العصر الحجري القديم الأعلى (الباليوليتي الأعلى)". تتميز الضبعانية بأنصالها المدببة ومقاشطها وأدواتها الأشبه بالأزميل والمسماة بـ "المزارف". هنا يلاحظ مجدداً الارتباط الوثيق لهذا الطور من تواتر هوا أفطيح مع نظائره المشرقية، لكن المهم للغاية والذي قد يحتاج إلى مزيد من الدراسات والتدليل هو أن بداية ظهور هذا الطور في هوا أفطيح ارتبط مع بداية جفاف الصحراء الذي أدى إلى كسوف الصناعات العاترية. شهدت هوا أفطيح في هذا الوقت ظروفاً أكثر برودة. مع تبدل نسبي قليل استمرت المواقع الضبعانية حتى حوالي 14.000 سنة مضت حين تمت إزاحتها لتحل محلها، مع قدر من التشابك، الصناعة "الوهرانية الشرقية" التي تميزت بوفرة الأنصال الصغيرة المدببة.

 

فوق ذلك دللت أعمال التنقيب في هوا أفطيح على أنه ببداية الألفية السادسة ق.م.، أو بعدها بقليل، أعقبت الصناعة الليبية القفصية فترة إقامة اعتمد اقتصادها على قطعان الضان و/أو الماعز المدجنة. لم يتم الكشف عن بينة دالة على وجود أبقار مدجنة في هذا الوقت في هوا أفطيح. تظهر مجموعة الأدوات مؤشرات دالة على استمرار الصناعة الليبية القفصية المترسبة في الطبقات الأسفل مع بينة تشير إلى وجود الفخار منذ 5000 ق.م. لكنه فيما يبدو أن الحيوانات المدجنة جُلبت من مكان آخر إلى المنطقة – احتمالاً من الشرق. لازالت النتائج المتحصل عليها من هوا أفطيح غير كافية للتدليل على تطور تدريجي للرعي، فالضان/الماعز لم يكن من النوع المتحدر من الأغنام الشمال -  أفريقية السابقة التي شكلت غنيمة للصيادين الليبيين القفصيين. إن البينة الدالة على الفلاحة في قورينائية كانت على الأقل قديمة قدم تلك التي تم الكشف عنها في منطقة دلتا النيل. حالياً لا توجد بينة تؤكد على أن زراعة النباتات الحبية التي مورست في دلتا النيل كانت معروفة إلى الغرب منها في هذا الوقت.

 

يشير جراهام باركر إلى أنه قد ساد اعتقاد سابق بأن الشكل الأولي للفلاحة بدأ في وادي النيل نتيجة انتقال معلومة و/أو تحرك سكاني وافد من الشرق الأدنى حيث اكتملت عملية تثبيت الفلاحة هناك مباشرة بعد بداية الظروف المناخية للهولوسين في حوالي 10.000 ق.م. وعلى ذلك جرت المحاججة بانتشار الفلاحين في العصر الحجري الحديث غرباً عبر حوض البحر الأبيض المتوسط حاملين معهم فخارهم ونباتاتهم وحيواناتهم المدجنة. الموقع الأساسي على الساحل الشمال أفريقي تم الكشف عنه في هوا أفطيح. أشارت البينة إلى انتشار باتجاه الغرب عبر حوض البحر الأبيض المتوسط بين 6.000 و 4.000 ق.م. مشابه في عموميته للاستعمار باتجاه الشمال الغربي إلى أوربا المعتدلة والذي تشير إليه سلسلة تواريخ راديوكاربونية من مواقع العصر الحجري الحديث. بالنسبة لشمال أفريقيا باتجاه الداخل فقد أشارت التشابهات لنماذج الفخار الأولى في مواقع الصحراء الوسطى مع فخار العصر الحجري الحديث في السودان إلى احتمال هجرة موازية نفذتها جماعات فلاحية اصطلح على تسمية صناعتها بـ "التقاليد السودانية الحجرية الحديثة". عُدت بداية الفلاحة الأولى في أفريقيا ما وراء الصحراء ناتج هجرة وفدت من منطقة النيل. وفي كل حالة افترض بأن الفلاحين استعمروا مناطق كانت مأهولة بصورة متقطعة للصيادين /الجامعين أو مناطق عذراء كلياً.

 

الانتقال إلى الاقتصاد الإنتاجي والاكتشافات الآثارية في الصحراء الليبية

 

كما ألمحنا أعلاه فقد سادت وجهة نظر ترى بأن تدجين الحيوانات والنباتات قد حدث للمرة الأولى في غرب آسيا، تحديداً في الهلال الخصيب. طبقاً لوجهة النظر هذه فإن تدجين الماعز والخراف حدث هناك في حوالي 10.000 سنة مضت، وتمت زراعة القمح في الوقت نفسه. وكان الصينيون قد احتلوا المركز الثاني وفق هذه الرؤية حيث تمكنوا من إنجاز التدجين قبل 7.000 سنة مضت، ومن ثم لحق بهم المكسيكيون الذين دجنوا الحيوانات والنباتات قبل 5.000 سنة مضت. وقد تم تقبل الفرضية الخاصة بوصول الزراعة إلى مصر من الهلال الخصيب في حوالي 6.000 سنة مضت.

 

هكذا تقبل العلماء وجهة النظر القائلة بتأصل عملية إنتاج الطعام في الشرق الأوسط ومن هناك وصلت خبرة زراعة القمح والشعير إلى مصر ومنها انتشرت إلى بقية أجزاء القارة الأفريقية. لكن تأخذ في التبلور حالياً وجهة نظر مغايرة تماماً من واقع النتائج المنجزة في الصحراء وفي ما وراء الصحراء الأفريقية. لقد دفعت نتائج أعمال التنقيب والاستكشاف الآثاري الجارية في أفريقيا بالباحثين إلى تحدي الفرضية السابقة التي تدعي بأسبقية الهلال الخصيب في مجال تدجين الحيوانات والنباتات، ومن هناك انتشار الخبرة إلى أفريقيا.

 

أولاً، يعود تاريخ مجتمعات صيادي الأسماك على ضفتي النيل إلى حوالي 20.000 سنة مضت  مما يجعلها الأقدم في تاريخ البشرية. ثانياً، توجد بينة آثارية تشير إلى احتمال تدجين بعض أنواع الشعير البري في النوبة منذ 16.000 سنة مضت Shillington 1989: 16. لا شك أن هذه البينة تمثل المرجع الأقدم للزراعة في العالم القديم. فوق ذلك توجد بينة معتبرة تشير إلى تدجين الحيوانات والنباتات وصناعة الفخار في أفريقيا منذ حوالي 10.000 سنة مضت كما سوف نبين من واقع المعطيات الآثارية الأخيرة من الصحراء الليبية.

 

فلنحاول الآن تتبع النتائج الأخيرة للبحث الميداني الجاري في الصحراء الليبية والمناطق المجاورة وإلقاء الضوء على التعديلات التي أدخلتها تلك النتائج على إعادة التركيب السابقة لتاريخ ليبيا القديم. سوف ينصب تركيزنا على مرحلة بداية إنتاج الطعام وهو موضوع أثبت بصورة متزايدة أنه يمثل أحد أهم المحاور في علم الآثار الأفريقي. إنه مهم في حد ذاته نسبة للأنظمة الجغرافية المختلفة، والظروف المناخية القديمة، والتطورات التقنية التي تطوقها. على كل، إذا كان للمرء أن يتقبل الفرضية القائلة بأن المجتمعات المعاصرة تمتد جذورها إلى تلك المرحلة التاريخية فإن إنتاج الطعام أشد أهمية لعلاقته وتأثيره على الأحداث والتطورات الأفريقية المعاصرة.

 

رغم أن هناك اتفاق حول حقيقة أن ظروف العصر الحجري الحديث تتوافق غالباً مع تحول اقتصادي للمجتمعات ما قبل التاريخية، ورغم أن العديد من الباحثين يشددون على صعوبة إدراك واختبار الطبيعة المحددة للمحتوى الاقتصادي آثارياً، فإنهم يحسون بقدر من التحرر في استخدام مصطلح "العصر الحجري الحديث" جاعليه يعتمد فقط على سمات معينة (في الأساس الفخار). يبدو لنا أنه من الضرورة التشديد ليس فقط على التطورات التقنية، لكن قبل كل شئ، على التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها مجتمعات الصحراء ووادي النيل خلال الهولوسين.

 

شهدت الصحراء، فقط في حالات استثنائية، نمواً مدينياً، كما هو مشهود في المناطق الأفريقية الأخرى، ذلك بفعل ظروف الصحراء المناخية. كانت واحات الصحراء هي المراكز التقليدية للتجارة والتبادل الذي استمر حتى يومنا. على أية حال فإن البحث الجاري يشير إلى أن الصحراء كانت البؤرة الأصيلة لتطور ثقافة تعتمد الرعي أساساً لها، وهو تحول ترك تأثيرات أساسية على مجمل مسار تاريخ القارة الأفريقية. لقد تمَّ توثيق الاقتصاد الإنتاجي الرعوي، جنباً إلى جنب مع استغلال الحبوب البرية في الصحراء بدءاً من منتصف الهولوسين، مع بعض البينات التي يرجع تاريخها إلى حوالي 10.000 سنة مضت. في الواقع، يمكن افتراض أن نموذجاً واضحاً ومتعمداً لاستغلال البيئة، مع وسائل أساسية لمراكمة الموارد، يمكن التعرف عليه في فترة أسبق، في حوالي 18.000 سنة مضت، في وادي النيل السوداني.

 

أوضح البحث الجاري في السنوات الأخيرة كيف أنه، في نهاية البليستوسين، شهدت المجموعات الإنسانية في الصحراء الليبية وبيئاتهم الجغرافية تحولات مركبة. أشرنا إلى أن الصحراء شهدت فترة جفاف متزايد للبحيرات المحيطة بالسلاسل الجبلية وبداخل تلك السلاسل في نهاية الأزمان العاترية (حوالي 22.000 سنة مضت) وهو جفاف استمر يضرب الصحراء لعدة آلاف السنوات (حتى 12.000 سنة مضت تقريباً). لكن بعض المناطق تمتعت بكم معقول من الأمطار ساعد في استمرار حياة الناس في بعض السلاسل مثل تبستي، والأكاكوس، وانيدي، والهوقار. عموماً يبدو أنه وخلال هذه الفترة تقلص عدد السكان إلى حد بعيد. لكن منذ حوالي 15.000 سنة مضت تأخذ في الظهور بينة الفن الصخري التي تؤكد وجود إقامة إنسانية في فترة جفاف مما يؤكد وفرة موارد للمياه. بينة الفن الصخري تشير إلى مجتمعات تحمل سمات ثقافات صيادي الحيوانات الضخمة في صحراء فزان بجنوب غرب ليبيا وفي تاسيلي بالجزائر. أما في الشمال فإن البقايا المكتشفة في المغرب في تلك الفترة صارت تعرف باسم الثقافة الايبرومورسية. ورغم التسمية فإن معظم العلماء يؤكدون على عدم وصولها من أوروبا حيث أنها سبقت الإبحار من صقلية وعبر مضائق جبل طارق إلى شمال أفريقيا. وقد اقترح البعض، من بينهم دسانيه، احتمال قدوم هذه الثقافة من شمال السودان النيلي Desagne 1981: 424.

 

حالياً سيتم التشديد على هذا التغير والطرق التي تم بها وتاريخ وقوعه. صورة لأفق أول، يمكن ملاحظة نشاطات قبل تدجينية في الأطوار المبكرة للهولوسين، عندما كانت الصحراء ووادي النيل تؤلفان نظاماً ايكولوجياً واحداً. شملت الإستراتيجية الاقتصادية للجماعات استخدام سلسلة من التقنيات، جاعلة استغلال البيئة أكثر فاعلية: الصيد، وجمع النباتات، وصيد الأسماك. في وقت متزامن مع هذا بدأت في البيئات الأكثر جفافاً مثل الصحراء الليبية أولى تجارب رعى الأبقار التي قادت إلى أن تصبح الأبقار المصدر الرئيس للبروتين، ساحبة هذا الدور من الأسماك. في هذا الوقت كان هناك مصدران لهما القدر المعلى بالنسبة لنمو الجماعات الإنسانية -