|
أركاماني مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر في الصحراء الليبية |
أكتوبر 2006
بعض الملاحظات حول المصطلحات الصحراوية
علم آثار ما قبل الرعاوة : الصحراء الليبية ووادي النيل الأوسطسافينو دي ليرنيا والينا جارسيا*
ترجمة أسامة عبدالرحمن النور
موجز
تمثل المصطلحات الفنية موضوعاً
للجدل في مجال دراسات ما قبل تاريخ أفريقيا وتصبح أكثر إشكالية مع تقدم البحث.
أهمية الوصول إلى حل لهذه الإشكالية تم الإحساس بها وجرت مناقشتها. الحاجة إلى تشييد مصطلحات فنية
متعارف عليها في علم الآثار تمثل مهمةً ابستمولوجيةً وأداةً ضروريةً للتواصل بين
الباحثين. معظم المصطلحات المستخدمة في مجال ما قبل تاريخ أفريقيا مشتق من محتويات
أوربية وشرق أوسطية، كما تأصلت في تلك المناطق. في هذه الورقة سنحاول مناقشة هذه
المنطقة، تحديداً منطقة تادرارت أكاكوس
(جنوب غرب ليبيا) ووادي النيل الأوسط
السوداني. تشديد خاص سيتركز على
مجموعات الهولوسين التي تتميز بالاعتماد على اقتصاد استحواذي.
المصطلحات الفنية : إعادة تقييم؟
خاض المتخصصون في الدراسات الأفريقية Mudimbe 1988; Irele 1991; Andah 1995 معركة محددة ضد استخدام المصطلحات الآثارية الأوربية الاشتقاق، بهدف التأكيد على استقلالية المسارات الثقافية التي تميز ما قبل تاريخ أفريقيا: استخدمت مصطلحات العصر الحجري المبكر، العصر الحجري الأوسط، والعصر الحجري المتأخر لتحديد العمليات التقنية لأركيولوجية البليستوسين، مع أن العديد من الباحثين استمروا في استخدام مصطلحات مثل الأشولي والموستيري. يمكننا أن نشير إلى المجهودات المتكررة للمؤتمرات "الكل أفريقية Pan-African Congresses"، التي أفضت إلى تأسيس ما يسمى بـ "مجلة لجنة ما قبل التاريخ للمؤتمر الكل أفريقي للمسميات والمصطلحات الفنية Pan-African Congress of Prehistoric Commission on Nomenclature and Terminology Bulletin" من أجل تغطية الاحتياج إلى تشييد تواترات أفريقية، بدلاً عن التواترات الأوربية.
المسارات نحو إنتاج الطعام والمصطلحات الفنية المستخدمة لها من المسائل الأكثر عرضة للجدل في مجال دراسة ما قبل تاريخ أفريقيا، كما تدل على ذلك كمية المصطلحات المختلفة المستخدمة. تم استخدام مصطلحات فنية مثل الايبي باليوليتي Epipalaeolithic، والميزوليتي Meolithic، والكراميكوم Keramikum أو عصر الفخار Ceramic Age، والنيوليتي الصحراوي السوداني Saharo-Sudanese Neolithic وأخرى، كلها لتعريف الجماعات البشرية التي اشتركت في محتوى ثقافي واقتصادي واحد. في عام 1967 اقترح ج. ستون الإقلاع عن مصطلح النيوليتى بالنسبة لشرق أفريقيا (نقلاً عن Sinclair-Shaw-Andah 1993)، ولازال أ.ب. سميث يتحدث اليوم عن النيوليتى بوصفه ("مفهوماً بربرياً" للصحراء) Smith 1996. تم اقتراح مصطلح الميزوليتي للمرة الأولى من قبل أ.ج. آركل Arkell 1949، ومن ثم تعرض للقبول تارة والرفض تارة أخرى عدة مرات.
في اعتقادنا أن التواصل بين الباحثين يجب تنقيته عن طريق التحليل اللغوي والابستمولوجي. كالعادة، فإن المجادلات تعتمد أساساً على الظواهر التشخيصية والأساسية لتمييز الظواهر الأساسية للمجتمعات القديمة. اختلاف أساسي يمكن تتبعه بين الباحثين المتحدثين بالإنجليزية وأولئك المتحدثين بالفرنسية، حيث يشدد المتحدثون بالإنجليزية على الظواهر الاقتصادية في حين يشدد المتحدثون بالفرنسية على العناصر التقنية، مثل الفخار.
تم بالفعل الإحساس بأهمية هذه المسألة وضرورة إيجاد حل لها وجرت مناقشتها (على سبيل المثال Safa Conference, Los Angeles 1992). وقد كشف المؤتمر العاشر لما قبل التاريخ والدراسات اللصيقة، وكذلك المؤتمر الثالث عشر لعلوم ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر، الحاجة الماسة العاجلة للوصول إلى اتفاق وسط مختلف الباحثين. مثل هذه الربكة المصطلحاتية لا تخفي فحسب مواقف أخلاقية مختلفة (أي، مصطلحات أفريقية في مواجهة مصطلحات أوربية)، بل أيضاً تردداً نظرياً لتحديد الظاهرة الثقافية وتبيان التعقيدات الأنثروبولوجية.
التناقض الظاهري لأعمال التنقيب الآثاري أننا نعرف من أين نبدأ، لكننا لا نعرف أين ومتى سوف ننتهي. في لحظة العمل نكون مدركين لكل المعلومات التي نجمعها. فقط بعد التحاليل المعملية ومعالجة المعطيات يمكننا الخروج بتواترات كرونولوجية، وتوزيعات عمودية وأفقية، وتنوعات في السجل الآثاري. تشكل تلك المعطيات بينة صلبة نشيد على قاعدتها تفسيراتنا.
تنتج التغيرات من مقارنة المعطيات الهادفة إلى فصل الظواهر التشخيصية. عرف جوردون تشايلد Childe 1956: 123 "الثقافة" بوصفها مجموعة أشكال تترابط بصورة متكررة وشاملة مع بعضها الآخر وتتوافق مع نمط توزيع معروف. مع ذلك، فإن السؤال الخاص بتعريف الثقافات عن طريق السجلات الآثارية يتأصل من الحاجة إلى إفراز عدم الاستمرارية في إطار سلوكيات تبدو متجانسة على امتداد فترة زمنية غير متقطعة Otte 1985: 420.
يرى ترنكاوس بأن الاختلافات الطفيفة يمكن تقديرها بيسر أكثر في السجل المتوفر، طالما أن علم الآثار يمكنه في الأساس تبيان التغيرات طويلة الأمد Trinkaus 1987. أعداد لا تحصى من المعطيات يمكن فقدانها بداية أثناء تجميعها، من ثم خلال عمليات ما بعد الترسيب، وأخيراً أثناء أعمال التنقيب وبعدها.
لا تمثل "الثقافات" ما قبل التاريخية المعروفة بالضرورة هُويَّات ثقافية مختلفة. يرى جيمس ساكت بأن علم الآثار يمكن أن يوفر نتاجات مادية وبالتالي، فإن بمقدور علماء الآثار فقط تحديد التنوعات المتكررة في فترات منتظمة، أو التنوعات الأسلوبية في الأدوات الصنعية Sackett 1977; 1990. وفق هذا المنظور، فإن التنوع الشكلي يكون "محدداً للأسلوب". مدت مارجريت كونكي التناول المادي إلى منظور أوسع لا يحدثنا فيها الأسلوب عن الثقافات أو المجموعات، بل عن "المحتويات التي يتم فيها حشد المجموعات أو أية ظاهرة اجتماعية/ثقافية أخرى بوصفها عمليات" Conkey 1990: 15.
في واقع الأمر، يمكن فهم الأدوات الصنعية وتنوعاتها بصورة أفضل إذا تم ربطها بمحتواها الاجتماعي والثقافي. فوق ذلك، كما يشير ستيفان ج. شينان، فإن "الثقافات" هي أيضاً "طريقة لتصنيف تنوعات مكانية في السجل الآثاري" Shennan 1989: 6. في اعتقادنا أن المنتجات المادية الناتجة عن البحث الآثاري يتوجب إخضاعها إلى معالجة أكثر اتساعاً تربط التنوعات الأسلوبية بالتنوعات الثقافية، والاقتصادية، والكرونولوجية، والمكانية. يعيدنا هذا إلى مارسيه ماوس، الذي يرى بأن التقنيات تعمل الصناعات والحرف، وأن التقنيات، والصناعات، والحرف سوياً تعمل الأنظمة التقنية للوجود Mauss 1947. بمعنى أنه لا يجب فصل التقنيات عن الأنظمة أو المحتويات التي تنتجها.
تحدث كل التغيرات، سواء الأسلوبية، أو الاقتصادية، أو الثقافية في سلسلة متصلة بلا بداية وبلا نهاية، وهو ما يصعب على علماء الآثار تتبعه. هذا هو الحد الحقيقي للبحث الآثاري. الطريقة الوحيدة لتجاوز الحد هي وضع معايير قياس رمزية للتعرف على الاختلافات وقياسها. طبقاً لـ ترنكاوس، فإن هدفنا هو دراسة التغيرات وتثبيت الحدود أثناء عملية نمو مثل تلك التغيرات Trinkaus 1987.
ليس السجل الآثاري أكثر من مجرد جزء صغير من البينة الدالة على عملية مستمرة يتطور من خلالها المحتوى ويندمج في آخر. لا نتعامل مطلقاً مع تتابع وحدات منفردة، منفصلة، لكن مع أشكال للسلوك دائمة التغير وتكيفات للثقافات الإنسانية في البيئة الطبيعية.
مع ذلك، فإن النزعة إلى تورخة الماضي وتقسيمه إلى مراحل تبدو وكأنها تحدٍ ضروري رغم صعوبتها. وفقاً لـ كلفورد جيرتز، فإن ذلك مزعج بخاصة طالما أن هنالك العديد من الطرق لفعل ذلك، وكل طريقة تبدو قسرية، ترتبط كلياً تقريباً بأسئلة ذات طبيعة تلاءم الوصف Geertz 1995.
على مستوى عملي أكثر، عندما تكون الاختلافات الأسلوبية مدركة وعندما تتطابق مع التنوعات في بينة البقايا الحيوانية، والبقايا النباتية، والبينة الجيولوجية و/أو الراديومترية، فإنه يبدو صحيحاً التعرف على الآفاق الثقافية والاجتماعية-الاقتصادية المختلفة وتحديدها. لاحظ دانيل كاهن أن الجهد الأول لعلماء ما قبل التاريخ يوجه لوصف، وتصنيف، وتفسير، وترتيب المواد الأثرية طبقاً لوحدات متماسكة ومتكررة، والمتوفرة في إطار استقرار محدد جغرافي وكرونولوجي Cahen 1985: 39. يمكن إفراز مجموعات مختلفة على أساس مقارنات كل عنصر في السجل الآثاري.
أنجز الباحثون في علم الآثار الحديث تقدماً نسبياً في الإطار النظري الآثاري، والذين شددوا على العمليات أكثر من الأحداث على سبيل المثال Binford 1965; Flannery 1967. مثل هذا التناول اعتمد بصفة رئيسة على تحليل الثقافات المادية وعلاقاتها مع أنماط الإقامة وفق منظور وظيفي. تناول "غير رسمي" ما بعد عملياتي لما قبل التاريخ يهدف إلى إغفال إعادة التركيب الآثارية "المعتمدة على الناس"، مشدداً على تحليل "معتمد على الفرد" (على سبيل المثالHodder 1985). مع ذلك، يبدو أن هذا التناول يربط بطريقة خطيرة ما قبل التاريخ بأفكار أساسية نظرية الطابع.
بدون شك فإن إسهاماً أساسياً في خلق النماذج الآثارية يقدمه علم الاثنوأركيولوجيا (على سبيل المثال Binford 1968; Lee and DeVore 1968; Gould 1980): حتى إن جاز عدها بكونها تتسم بفوارق نظرية كثيرة فإن الاثنوأركيولوجيا توفر أفضل الأدوات لاختبار "مطارقنا" المنهجية Moore and Keene 1983 ولمراجعة قدرتنا على حل سجلات الماضي الآثارية عن طريق تحليل فعلي/حي. أما بالنسبة للاثنوأركيولوجيا الأفريقية، فإنه توجد بعض الدراسات المهمة (لعرض للأعمال الأفريقية انظر Atherton 1983; Agorsah 1990)، رغم أن هذا المجال لا يبدو مُستغلاً بصورة كاملة، حيث أنه توجد إسهامات قصيرة أكثر من "نماذج نظرية عامة" لتحليل المجتمعات الماضية Yellen 1977: 2. طبقاً لـ اثرتون، فإن التناول الاثنو-تاريخي هو الآخر لم يطبق بصورة شاملة، في منطقة واعدة بدرجة عالية مثل أفريقيا Atherton 1983: 79.
يتعامل علم الآثار مع الأدوات الصنعية والعمليات، وهدفنا هو ربط الأول بالثاني وفق إطار أنثروبولوجي مقنع ومطور سلفاً: إذا نجحت مثل هذه المحاولة، سيكون ممكناً ترجمة الأدوات الصنعية إلى "ثقافات" وإعطاءها مسميات. يتضمن ذلك نسب مسميات اصطلاحية وتطوير مصطلحات فنية بهدف تيسير التعرف على الآفاق المختلفة.
ما نقترحه هنا هو تمييز الآفاق المختلفة لفترة ما قبل الرعاوة التي يمكن التعرف عليها في الصحراء الوسطى ووادي النيل الأوسط والأعلى خلال الهولوسين المبكر، اعتماداً على تحليل كل من المعطيات الميدانية والأدبية.
علم آثار ما قبل الرعاوة : عرض موجز
علم آثار "ما قبل الرعاوة" مصطلح يستخدم عموماً لوصف الجماعات البشرية للصحراء الوسطى. الهولوسين المبكر: غياب إنتاج الطعام هو القاسم المشترك الأدنى، بافتراض مسارهم الثقافي نحو اقتصاد رعوي. في المجادلات الآثارية، تُعد البادئة "ما قبل" شيئاً غير متبلور مقارنةً بسمات ثقافية واضحة المعالم، لكن علينا ألا ننسى أن مثل هذا الشعور يتعايش في الغالب مع مصطلح "ما قبل التاريخ" نفسه .. ففي اعتقادنا أن علم آثار "ما قبل الرعاوة"، والذي استخدم بصورة واسعة مصطلحاً افتراضياً لتجاوز استحالة وجود مصطلح فني مشترك أكثر دقة Garcea 1993، يشمل العديد من السمات المختلفة، والتي يمكن أن تحدد محتويات أنثروبولوجية متنوعة لمجموعات الهولوسين المبكر di Lernia 1996.
تادرارت أكاكوس
تقود نظرة عامة لمواقع ما قبل الرعاوة في الأكاكوس في الصحراء الليبية Mori 1965; Barich 1987c; Lupacciolu 1992 إلى الاعتراف بوجود تمايز واضح في التواتر الذي عد في السابق غير متمايز لفترة ما قبل الرعاوة في العديد من المواقع di Lernia 1996، مثل تين طره شرق وتين طره الكهفان في الأكاكوس الشماليBarich 1987a; Barich et al. 1984، ووان أفودا Cremaschi and di Lernia 1995; di Lernia 1996، ووان تابو Garcea 1992; 1996b في السلسلة الوسطى (شكل 1).
|
انطلاقاً من البحث
الجاري عن طريق البعثة الإيطالية-الليبية المشتركة
لجامعة روما "لاسابينزا"، فإن كهف وان أفودا هو الموقع الأول الذي يمكن
التعرف فيه على مثل هذا التمايز
Cremaschi and
di Lernia 1995، ذلك بفضل التواتر الاستراتيجرافي البالغ 4
أمتار في سمكه والذي يوجد في حالة حفظ جيدة: إقامة
بليستوسينية متأخرة مشهودة من خلال القليل من أدوات غير متآكلة من الباليوليتي
الأوسط. أعادت مجموعات ايبي باليوليتية الإقامة مجدداً في الكهف مع بداية
الهولوسين (تمتد التواريخ بالكربون
المشع14 من
9.765
إلى
9.260
سنة مضت). تُظهر تلك المواقع تنظيماً متعدد النشاطات،
اصطياد اصطفائي للخراف البربرية (مشهود فقط وجود نوعين،
ويمثل الاموتراجوس
80%)، وصناعة صوانية متنوعة مع
طاقم أدوات
ميكروليتية من الكوارتز والكوارتزايت. لا وجود لبينة للفخار، مع تشديد فيما ندر باتجاه
معالجة الحبوب واستغلال النباتات. |
على العكس، تشير تراكمات كبيرة من بقايا تبن ونبات إلى إقامة مجموعات لاحقة والتي سميت في البداية بـ "الميزوليتية": منطقة إقامة كبيرة، مناطق وظيفية متخصصة، بروز مخزون تقني متنوع، مثل إنتاج فخار متطور، وجود مكثف لأدوات طحن وصناعة ماكروليتية من حجر رملي هي السمات الأساسية. يُظهر هذا الطور مدى واسع من الموارد الحيوانية: العديد من الأنواع مشهودة، ثدييات كبيرة وصغيرة، أسماك وطيور. نوع معين من العناية بالخراف البربرية تمت ملاحظته أيضاً. تمتد التواريخ الراديوكاربونية من حوالي 8.900 إلى 8.000 سنة مضت.
وفرت أعمال مسح شاملة للمناطق المحيطة بالأكاكوس في مواسم العمل الأخيرة عناصر جديدة لإعادة تركيب نمط الإقامة والتنظيم التقني للمجموعات البشرية في الهولوسين المبكر. العديد من المواقع بامتداد أحواض البحيرات في الوديان الكثبانية وجدت في عرق وان كاسا وأدهان أوباري. إنها تُظهر مساحات محدودة، وأطقم أدوات متخصصة، وبينة دالة على صيد اصطفائي (خراف بربرية). توفر ترسبات ستراتيجرافية من البحيرة بعض التواريخ ما قبل الختامية حوالي 8.500 سنة مضت لتلك المواقع، والتي يمكن عدها "ايبي باليوليتية". للمرة الأولى يُظهر التحليل المنتظم لاستخدام المواد الخام خلال الهولوسين إلى أن استخدام مكثف للكوارتز كان سمة مميزة للمجموعات "الايبي باليوليتية di Lernia – Cremaschi – Notarpietro 1997. فقط لقي متناثرة مرتبطة بإقامات "ميزوليتية" عُثر عليها حول البحيرات، مما يقدم بينة إضافية لاستقرار متزايد خلال الألفية التاسعة في سلسلة الأكاكوس di Lernia 1996.
يوفر ترسب سقيفة وان تابو الصخرية البالغ سمكاً يصل إلى 255 سم دعماً إضافياً للتمايز الثقافي والاقتصادي للألفية التاسعة المبكرة. يمكن فصل ثلاث وحدات مختلفة اعتماداً على سماتها الترسيبية والعضوية. الوحدتان الأوليتان تشتملان على ترسيب رمادي مع رماد وألياف نباتية وتبلغان سمكاً يصل إلى حوالي 120 سم. الوحدة الثالثة بنية ويبلغ سمكها الـ 80 سم. البقايا النباتية نادرة للغاية. تأتي التواريخ الأقدم من الوحدة الثالثة، 8800±100 و 8870±100 سنة مضت. تؤرخ الوحدة الثانية بين 8800±100 و 8870±90 سنة مضت، وتغطي الوحدة الأولى الفترة من 8600±90 و 8720±110 سنة مضت. أربعة مبان محترقة تظهر في كلا الوحدتين الأولى والثانية، في حين أن مبنيين فقط يظهران في الوحدة الثالثة. الفخار نادر، لكنه يختلف من حيث التوزيع : في الوحدتين الأولى والثانية وجدت خمسة شقوف في كل وحدة منهما وفقط شقف واحد في الوحدة الثالثة. بالنسبة للزخرف، فإن المحزز المنقط المتموج هو السائد في كل الوحدات، رغم وجود زخرف آخر يُظهر خطوط متموجة صافية على الحافة ويظهر في الوحدتين الأولى والثانية Garcea 1996b. هذا الزخرف مشهود أيضاً في فوزيجارن ووان أفودا di Lernia and Manzi 1998;. الشفرات والنصال بالإضافة إلى الأدوات الميكروليتية المدببة شائعة بخاصة في الوحدة الثالثة. المدهش أن الكوارتز يوجد بنسبة 83% من مجمل المواد الخام، لكن 97.1% يأتي من الوحدة الثالثة Garcea 1997. حجارة الطحن تتوفر بدرجة أكبر في الوحدة الثالثة (46 قطعة) منها في الوحدة الأولى (14 قطعة) والوحدة الثانية (26 قطعة) ككل. تنتمي كل البقايا الحيوانية من الوحدة الثالثة إلى الاموتراجوس ليرفياAmmotragus lervia، في حين تظهر هستركس كريستاتا Histrix cristata في الوحدة الثانية. آخذين في الحسبان كل تلك العناصر، تبرز إلى دائرة الضوء، كما تمت ملاحظته di Lernia 1996، كينونتان ثقافيتان: في الأعلى، تضم الوحدتين الأولى والثانية، وفي الأسفل تتمثل في الوحدة الثالثة. الأعلى تخصصت كلياً في اصطياد الخراف البربرية، وطور الأخير الأسفل استغلالاً أوسع للموارد: صيد متنوع، ومعالجة النبات، واستخدام الحاويات الفخارية.
أجريت بعض أعمال التنقيب الجديدة في وان موهجاج في منطقة الوادي، على بعد أمتار قليلة من السقيفة، وتم جلب ترسب يبلغ سمكه 200 سم إلى دائرة الضوء. تم تحديد خمس طبقات وجمعت كالتالي : تواتر أعلى (الطبقتان 1-2) يُظهر سمات آثارية نيوليتية رعوية وسطى نموذجية؛ وجدت حيوانات مدجنة وبرية. التواتر الأسفل (الطبقات 3-5) يتميز بعدد صغير للأدوات الصنعية، ووجود أكثر للميكروليتية، مع حيوانات برية مع انعدام للفخار. تم العثور على مدفن بشري في قاعدة السلسلة. المؤشرات الراديومترية من التواتر الأسفل تمتد من 7.400 إلى 7.800 سنة مضت؛ العمر، والسمات الآثارية، والمدى الواسع للصيد تمثل كلها مفاتيح لإقامة "ميزوليتية".
مزيد من البينة عن الإقامة "الميزوليتية" يمكن العثور عليها في فوزيجارن Mori 1965; Barich 1987b: 115-116 على أساس الثقافة المادية، وعملية تكون الموقع، والمجاميع الحيوانية. مواقع "ايبي باليوليتية أخرى، وميزوليتية تم التعرف عليها خلال أعمال السمح المنظمة في الأكاكوس الأوسط والمنطقة المحيطة: بعض المواد التشخيصية، والبقايا الحيوانية المتوفرة استخدمت للكشف عن نوع الطور "الثقافي" في الأكاكوس الشماليCremaschi – di Lernia 1995 .
أجريت أعمال تنقيب منتظمة في الأكاكوس الشمالي خلال السبعينات والثمانينات من القرن المنصرمBarich 1987c . في تين طره شرق، يبدو أن الطبقة Rinf تتميز بوجود عال لأطقم أدوات ميكروليتية، مع غلبة الأدوات المدببة: ويبدو أيضاً أن تنظيم التقنية يشير إلى استخدام القليل من المتعضيات الحجرية، مع تشديد أكثر على الكوارتز، والكوارتزيت، والصوان، بدلاً عن الحجر الرملي، والذي يتزايد بدءاً من المستوى Rinf حتى المستوى C؛ لم يتم العثور على شقوف فخار في الجزء التحت للطبقة (قاعدة Rinf)، المؤرخ بـ 9080 ± 70 سنة مضتBarich 1984: 149; Barich 1987b. بالنسبة للاستراتيجيات الاقتصادية كان الاموتراجوس هو الأكثر استغلالاً؛ الثدييات (70%)، في حين وجدت بعض الأنواع القليلة الأخرى؛ أدوات الطحن وجدت بأعداد كبيرة من بين العينات. على العكس، تميزت الطبقات بمبان حجرية، وإنتاج فخار، في الأساس مزخرف بتقنية الختم المهزوز. يُظهر التنظيم التقني زيادة في الحجر الرملي وأدوات الطحن. توفر كل تلك المعطيات مفتاحاً لاستقرار متنامي، كما لاحظت باريش، وأيضاً بالنسبة لتنظيم مغاير في نمط الإقامة، مثل ما تشير إليه التغيرات في الاستراتيجيات الاقتصادية والحراكdi Lernia 1996; Cremaschi – di Lernia 1996b.
يمكننا التعرف على نزعة مماثلة في تين طره الكهفين Barich 1987d، مع تحول عام بين الطبقة الثالثة والطبقتين الثانية والأولى لها إطار كرونولوجي مماثل وتوجد في حالة تعاقب ستراتيجرافي. أيضاً في هذه الحال نفضل التفكير في الاختلاف أكثر من عدم التمايز في العملية الثقافية.
تلخيصاً، نقول بأنه
يمكن تحديد مجموعتين مختلفتين (جدول
1) على أساس السمات
المذكورة أعلاه، واللتين يمكن ربطهما بكينونتين مختلفتين اجتماعياً، واقتصادياً،
وثقافياً
Cremaschi – di Lernia 1995;
di Lernia 1996:
1- المجموعات ذات الاقتصاد الاستحواذي المتخصص،
ونمط إقامة لوجستي (الجبل والعروق)، ودرجة عالية من الحراك المرتبط بها؛ توضح
المواقع مبان غير معقدة (تراكمات حجرية، ومصدات
رياح، ومواقد غير مشكلة)؛ تتألف القاعدة
الاقتصادية من مدى ضيق من الموارد، مع استغلال متخصص للثدييات، بخاصة اموتراجوس
ليرفيا (70%)، ودرجة معالجة منخفضة
للنباتات. يُظهر إنتاج الأدوات الحجرية بعض السمات المتكررة (وجود أدوات مدببة؛ شح الصخور
"الغريبة"؛ استخدام الكوارتز؛ وما إلى ذلك)، في حين يكون الفخار نادراً للغاية. يمتد مدى الإطار الكرونولوجى من
9.800 إلى حوالي
8.800 سنة مضت. في الطور
الأولي سميت بـ "الايبي باليوليتي".
2-
المجموعات ذات الاقتصاد الاستحواذي المتنوع،
وهو نمط إقامة في بيئة جبلية خالصة وإقامات شبه مستقرة. يصور تركيب الموقع تراكمات
نباتية كثيفة ومبان أكثر تعقيداً. تم صيد حيوانات مختلفة مع وجود قائمة منتجات
تقنية متنوعة (فخار وسلال)؛ تُظهر حجارة الطحن حضوراً قوياً، احتمالاً
ارتباطاً بزيادة نشاطات جمع الحبوب البرية. تشير الصناعة الحجرية إلى تطور التعامل
مع الرقاقات الكبيرة، من الحجر الرملي في الأساس، ويصبح الكوارتز نادر الاستخدام.
يتميز إنتاج الفخار قبل كل شئ بالزخرف المضغوط بالمهزة، في حالات بخطوط منقطة.
تبدأ التواريخ من بداية الألفية التاسعة حتى حوالي منتصف الألفية الثامنة، كما
استخدم مصطلح "الميزوليتي" لتمييزها عن "الايبي باليوليتية".
|
ما قبل الرعاوة |
|
|
|
الأكاكوس المتأخر |
الأكاكوس المبكر
(الايبي باليوليتي) |
|
|
حوالي8800-7400 سنة
مضت |
حوالي 9760-8800 سنة
مضت |
تواريخ كربون مشع14 |
|
اقتصاد استحواذي
متنوع (مدى متسع) |
اقتصاد استحواذي
متخصص (مدى ضيق) |
الاقتصاد |
|
تنظيم شبه مستقر (بيئة جبلية) |
تنظيم لوجستي (جبلية وفي أحواض البحيرات) |
نمط الإقامة |
|
حركية مع شبه استقرار |
حركية لوجستية |
الحركية |
|
مصنوعات من الرقائق
الكبيرة |
صناعة رقائق على حجر
رملي طقم أدوات ميكروليتية من الكوارتز والكوارتزيت) |
الصناعة الحجرية |
|
فخار بالضغط بالمهزة |
نادر للغاية |
الفخار |
|
جفاف متزايد |
من الرطوبة إلى ظروف
أشد جفافاً |
المناخ |
جدول 1 – السمات الأساسية للمجموعتين "ما قبل الرعويتين" فس سلسلة جبال