|
أركاماني مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر في الصحراء الليبية |
ديسمبر 2006
طريق جديدة باتجاه إنتاج الطعام:
منظور من الصحراء الليبية
إلينا جارسيا
ترجمة أسامة عبدالرحمن النور
أنماط الشرق الأدنى
وأنماط شمال أفريقيا
تدجين الحيوانات في
الشرق الأدنى
تأصل إنتاج الطعام بطرق متنوعة في أجزاء مختلفة من العالم. أصبح تدجين النباتات مع تبني الزراعة ناجحاً في بعض المناطق دون مناطق أخرى أثبت فيها تدجين الحيوانات مع رعاوة بدوية أنه أكثر فاعلية. بالمثل، اتبعت المراحل السابقة لما قبل التكيف وتطور مدى واسع من استغلال الموارد البرية مسارات مختلفة، طبقاً للموارد المحلية المتوفرة وللظروف المناخية والجغرافية، والأنظمة الاجتماعية. أسهمت شمال أفريقيا بدرجة كبيرة في فهم أصل إنتاج الطعام في ظل ظروف اختلفت عن تلك الظروف التي وجدت في الهلال الخصيب. باستثناء شريط ضيق بامتداد وادي النيل، كانت أراضي شمال أفريقيا جافة وشحيحة العطاء بالنسبة للإنتاج الزراعي. مع ذلك، فسرت الدراسات المبكرة السجلات الآثارية الشمال أفريقية للهولوسين المبكر والأوسط طبقاً للأطر المرجعية للشرق الأدنى و لشمال-غرب المتوسط. بالتالي تم تطبيق مصطلحات مثل "الايبي باليوليتي" و"الميزوليتي" و"النيوليتى" بطريقة غير نقدية على محتويات شمال أفريقية. تقارن هذه الورقة وتناقش البينة الخاصة بإنتاج الطعام في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، آخذة في الحسبان إدخال سلالات محلية للحيوانات المدجنة في المغرب والصحراء. من ثم تتناول الورقة المعطيات ذات الصلة بالنماذج التي سادت لفترة طويلة بشأن انتقال الرعاوة إلى أفريقيا، وذلك بغرض توفير منظور مغاير ووسيلة ملائمة لتفسير السجلات الآثارية الشمال أفريقية. أخيراً، تختبر الورقة بعض المكتشفات الجديدة من تادرارت أكاكوس في الصحراء الليبية، والتي تسهم في توضيح المسارات الأفريقية المميزة وتقترح نموذجاً بديلاً لبداية إنتاج الطعام.
قامت شمال أفريقيا بدور بارز في الاكتشافات المبكرة لبدايات إنتاج الطعام وعمليات ما قبل التكيف السابقة. ظروفها الطبيعية، مع واحاتها غير البعيدة من نهر النيل، وأنماط الإعاشة، مع استغلال مدى واسع من الموارد الطبيعية، تم الاعتراف بها ظروفاً مسبقة ملائمة أفضت إلى إنتاج الطعام Caton-Thompson and Gardner 1934; Caton-Thompson 1952; Clark 1971. مع ذلك، فإن المنظور الشرق أدنوي يقدم تفسيراً متحيزاً للمعطيات الآثارية الأفريقية، مع أن أفريقيا لم تتبع أنماط الشرق الأدنى وأبانت مسارات متميزة لإنتاج الطعام.
اعتمد العديد من علماء الآثار الأفريقية لفترة طويلة على المواد الصنعية المجمعة خلال بعثات تهدف لأغراض أخرى غير الآثار. ضمت أعمال الاستكشاف العسكرية، والجغرافية، والجيولوجية عالم آثار بين أعضائها. كانت أعمال المسح والتجميع السطحية هي النشاطات الوحيدة التي كان من الممكن تنفيذها في مثل تلك الظروف. كنتيجة، كان التواتر الثقافي لعلم الآثار الصحراوي يعتمد في الأساس على مؤشرات أدواتية فقط. أصبح الفخار مؤشراً لمجاميع ما قبل التاريخ المتأخر. عندما يوجد الفخار، تعد المجاميع "نيوليتية"؛ وعندما يتغيب الفخار تعد المجاميع "ايبي باليوليتية" أو "ميزوليتية".
على مدى عقود كثيرة ألقت الموضوعات المصطلحاتية بظلها على تفسير المعطيات الأفريقية وتاريخ البحث الآثاري في مجال بدايات إنتاج الطعام في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا. من ثم فإنها تحتاج إلى مراجعة نقدية. المصطلحات التي تشير إلى الآفاق الثقافية للهولوسين في شمال أفريقيا تم اشتقاقها من السجلات الآثارية التقليدية لحوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأدنى : "الايبي باليوليتي"، و"الميزوليتي"، و"النيوليتي". عُد الفخار والأدوات المصقولة مؤشرات لـ "النيوليتي". الشرق الأدنى كان معاصراً أو حتى متأخراً أكثر في إنتاج الطعام، وقد افترض أن وجود الفخار وحجارة الطحن حتى في مناطق أخرى، مثل شمال أفريقيا، "دليل متحجر" لاقتصاد إعاشي إنتاجي. الفرضية هي أن كل موقع يحتوي فخاراً أو حجارة طحن لا بدَّ وأن يكون "نيوليتياً" (انظر مثلاً Balout 1955; Hugot 1963; Maitre 1972). كنتيجة، فإن المنظور القائم على المعطيات التقنية أساء تفسير النظام الاقتصادي لشعوب شمال أفريقيا.
اعتمد قدر كبير من البحث المبكر في الصحراء على أعمال المسح السطحية؛ نادراً ما تمَّ العثور على بقايا عضوية وتغيبت المعطيات الاقتصادية في العادة، لكنه تم استنتاجها. فوق ذلك، ظهر الفخار في العديد من المواقع الشمال أفريقية بفترة سابقة للمدجنات. وجدت متزامنة فقط في واحتي نبتا بلايا وبئر كسيبا المصريتين. مع ذلك، كانت المواقع بما في ذلك الفخار و/أو حجارة الطحن تنسب لفترة طويلة إلى فترة غير محددة تمتد لـ 6.000 سنة تعرف باسم "النيوليتي الصحراوي السوداني" Camps 1974. ويُعتقد بأن "النيوليتي الصحراوي السوداني" انتشر من سواحل الأطلسي الموريتانية إلى وادي النيل السوداني، ليغطي مساحة هائلة تزيد عن 7.000 كيلو متر من الغرب إلى الشرق، و2.000 كيلو متر من الشمال إلى الجنوب. كنتيجة، فإن تعريفاً غير متجانس مثل هذا فيه تجاهل للتنوعات الإقليمية والتقلبات المحلية.
معنى مصطلح نيوليتي الذي يشدد على التغيرات الثورية التي جلبها إنتاج الطعام في ما قبل تاريخ الشرق الأدنى وأوربا Childe 1956 وجد قليل اهتمام في المغرب بل وأقل في معظم الصحراء، باستثناء الواحات المصرية. يبدو أن التحولات التقنية، مثل إنتاج الفخار وحجارة الطحن، كانت نتيجة إبداع اقتصادي شمل الاستقرار، وهو ما لم يكن عليه حال شمال أفريقيا عادة. مع ذلك، ظل البحث في ما قبل التاريخ الأفريقي على هامش المجادلات العلمية. المنظور الواسع الذى يشمل تكيفات إنسانية مع البيئة المتغيرة Binford 1968 أو مع الضغوط السكانية المتزايدة Cohen 1977; Binford 1983 حفز البحث في وادي النيل والصحراء المصرية، لكنه لم يستثير منظوراً بديلاً للاستقصاءات في بقية شمال أفريقيا (انظر أيضاً أطروحات كل من Hassan 1984b; Wenke and Casini 1989).
تبنى القليل من الباحثين في الآونة الأخيرة تناولاً مغايراً يشتمل على استقصاءات تعتمد تكامل العلوم. نُظر للدينامية الثقافية والسلوكيات الإنسانية في ارتباطها بالظروف المناخية والبيئية، وبالمنظر الطبيعي الحيواني والنباتي، وبأحداث الترسيب وما بعد الترسيب (على سبيل المثال Wendorf and Schild 1976; id. 1980; id. 1989; Close et al 1980; Close 1984; Barich 1987; id.1998b; Churcher and Mills 1999; di Lernia 1999b; Garcea 2001; Hassan et al. 2001; di Lernia and Manzi 2002).
السؤال عما إذا كانت الحيوانات المدجنة قد جلبت إلى المغرب والصحراء أو تم استيلادها محلياً يحتاج إلى بعض الاهتمام، وهو ما سنسعى لتحقيقه أدناه. تقدم هذه الورقة أيضاً عرضاً للمعطيات ذات الصلة بالنسبة للنماذج الخاصة بالانتقال الثقافي طويل الأمد للرعاوة في أفريقيا بهدف توفير منظور مختلف والوسائل الأنجع لتفسير السجلات الآثارية الشمال أفريقية. وتناقش الورقة أيضاً المعطيات من شمال شرق أفريقيا الخاصة ببدايات إنتاج الطعام والمكتشفات الجديدة من تادرارت أكاكوس في الصحراء الليبية، والتي تسهم في توضيح المسارات الأفريقية المتميزة.
أنماط الشرق الأدنى وأنماط شمال أفريقيا
ارتبط تنظيم القرى المبكرة في الشرق الأدنى بالمراحل البدئية لما قبل التكيف الذى قاد إلى نظام اقتصادي جديد Flannery 1969; Braidwood 1973. تم تطبيق نماذج ما قبل التكيف تجريبياً على وادي النيل (من بين آخرين انظر Clark 1971) وعلى الصحراء الجنوبية Clark et al. 1973. على كل، رغم توفر بعض الظروف المسبقة في كلا المنطقتين، فإن سكانهما اختاروا الاستجابة إلى احتياجاتهم الجديدة الناشئة الخاصة بتكثيف الموارد والتنبؤ المتزايد بها بطرق مختلفة. بالتالي، يتوجب البحث عن مؤشرات مختلفة في السجلات الآثارية. في الواقع فإن التدجين في شمال أفريقيا كان حدثاً لاحقاً لإنتاج الفخار وحجارة الطحن. فوق ذلك، ظهرت الإقامات شبه المستقرة قبل التدجين وعملت لمصلحة استخدام الحاويات الفخارية وحجارة الطحن.
للأسف، لم يتبع البحث في شمال أفريقيا مسار المجادلة العلمية التي دارت في السنوات الخمسين الأخيرة في الشرق الأدنى وفي أوربا. نالت جوانب أخرى – اقتصادية واجتماعية وبيئية، حتى معرفية اهتماماً معتبراً في الكثير من أنحاء العالم، لكن ليس في شمال أفريقيا.
فوق ذلك فإن وجهات نظر إقليمية أصبحت مفضلة اليوم أكثر من وجهات النظر الشاملة. يربط كل إقليم ببيئته الايكولوجية المتميزة وله تطوراته المحددة. رغم أن الناس من مناطق مختلفة كانوا في حالة اتصال بعضهم مع الآخر، فإنهم لم يكونوا متطابقين في كل مكان. كانت التشابهات نتيجة علاقات "سياسية" ولم تك نتاج أصول مشتركة. بالتالي، عُد التنوع مؤشراً ثقافياً للتقاليد المختلفة التي تطورت في الشرق الأدنى. من مثل هذا النظام الممفصل، لم تكن شمال أفريقيا مجرد مستعمرة تابعة للشرق الأدنى أو الحد النهائي لحركة الانتقال الثقافي.
في شمال أفريقيا، باستثناء الصحراء المصرية تم في الآونة الأخيرة تبني منظور أكثر اتساعاً وطبق على بقية الصحراء، بخاصة في الصحراء الليبية (انظر Barich 1987; id.1998b; Cremaschi and di Lernia 1998b; di Lernia 1999b; Garcea 2001; di Lernia and Manzi 2002).
في الصحراء، والمغرب، ووادي النيل الأعلى، اعتمد الاقتصاد القائم على إنتاج الطعام على رعي الأبقار والخراف/الماعز. يجوز أن تكون محاولات قد جرت لترويض واحتمالاً تدجين أنواع حيوانية أخرى، مثل الخراف البربرية، لكن لم يتم استكمالها كلياً. عندما حلت الرعاوة محل الاقتصاد القائم كلياً على الصيد- الجمع، كان لا بدَّ لمعدلات البداوة من التزايد وكان لا بدَّ من إبداع مخزون أدواتي أرقى. بالتالي، لم يشتمل الاقتصاد "النيوليتي" في الصحراء على الاستقرار، كما هو الحال في الشرق الأدنى، حيث أصبحت الزراعة هي النشاط الرئيس. عكس ذلك، قاد إلى بداوة منتظمة وتقاليد مميزة للثقافات الرعوية، وظل الرعي النشاط الاقتصادي الأساسي لإنتاج الطعام لعدة ألفيات. في الجانب الثاني، كان إنتاج الفخار قد بدأ في شمال أفريقيا حتى قبل تبني اقتصاد "نيوليتي"، حيث وجدت تنظيمات شبه مستقرة وسط السكان الباحثين عن الطعام المتأخرين Caneva 1983; id. 1993; Caneva and Marks 1990; Close 1995; Garcea 2001; Nelson et al. 2002.
مصطلح "الرعاوة" المستخدم في هذه الورقة يشير إلى اقتصاد إعاشي يعتمد على استغلال قطعان الحيوانات المنزلية لإنتاج الطعام. يتضمن ذلك تبني نمط إقامة بدوية لتلبية احتياج القطعان للتحرك بحثاً عن المرعى. الرعاة هم أولئك الناس الذين يربون مواشي منزلية ويحركون قطعانهم للرعي وفقاً للوفرة الفصلية للمراعي Dyson-Hudson and Dyson-Hudson 1980; Marshall and Hildebrand 2002.
تدجين الحيوانات في الشرق الأدنى
رعي الحيوانات في الشرق الأدنى هو إلى هذا الحد أو ذاك معاصر للزراعة، رغم أنه ساد اعتقاد في العادة بأنه لاحق لها. التدجين الكامل مؤرخ بالتوالي إما بالنصف الثاني للألفية العاشرة من تاريخ اليوم (الألفية التاسعة ق.م.)، ويتطابق مع النيوليتي المبكر ما قبل الفخاري Vigne 2000; Horwitz 2003 أو بحوالي 9.000 مضت (8.000 ق.م. بالمعايرة) ويتطابق مع النيوليتي المتوسط المبكر. ظهرت أقدم أشكال الأغنام الخراف المدجنة المحسنة مورفولوجياً في جنوب شرقي تركيا، في المنحدرات الجنوبية لجبال تاوروس الشرقية، حيث يجري الفرات بفروعه ودجلة الأعلى Hauptmann 1999. تدجين الأغنام في زاجروس الإيرانية كان مستقلاً عن عملية التدجين التي حدثت في جنوب شرق الأناضول Vigne 2000. من جانب ثانٍ، فإن ممارسة تطويع الأنواع "ما قبل المدجنة" لكل من الأغنام والثيران البرية، والتي لم تعدل مورفولوجياً، انتشرت بسرعة منذ فترة مبكرة من جبال زاجروس إلى حوض البحر الأبيض المتوسط الشرقي قبل نهاية الألفية العاشرة من تاريخ اليوم Vigne and Buitenhuis 1999; Guilaine et al. 2000; Zeder and Hesse 2000. في المشرق الجنوبي واحتمالاً في وسط الأناضول انتشرت الأنواع المدجنة في فترة لاحقة حوالي 8000-8500 مضت (7000-7500 ق.م. معايرة). يفترض بعض المؤلفين (مثل Vigne and Buitenhuis 1999; Vigne 2000) بأن انتشار الأنواع المدجنة من الأناضول إلى الجنوب، إلى وسط الفرات، وإلى الغرب، إلى قبرص، حيث تم استيراد الأنواع المدجنة عن عمد من الداخل. يتمسك آخرون (Horwitz 2003) بالأصل المحلي لتدجين الماعز في أماكن متعددة، بما في ذلك المشرق الجنوبي والأناضول الأوسط. التدجين المبدئي للماعز تم افتراضه على أساس وجود المنجب البري للماعز المنزلي (كابرا آيجاجروس Capra aegagrus).
الماعز المدجن (Copra hircus) وجد في مواقع يرجع تاريخها إلى 8900 مضت (8000 ق.م. معايرة) في جبال زاجروس، في جانج داريه، وجوران، وعلي كوش (إيران)، وبعد فترة قصيرة لاحقة، 8.500 سنة مضت في المشرق الشمالي بامتداد الفرات، في أبي هريرة والهلولة (سوريا) Helmer 1992; Legge 1996.
تؤرخ الخراف المدجنة (Ovis aries) بـ 8700-9000 سنة مضت (7700-8000 ق.م. معايرة) في الجزيرة، في نمرك (العراق) وتل أسود (سوريا)، وبامتداد الفرات، في أبي هريرة، والهلولة وبوقراص (سوريا)، وفي ديه لوران، وفي علي كوش (ايران) Helmer 1992.
خلال النيوليتي المبكر تكيفت الخراف أكثر مع البيئة المسطحة والقليلة الانحدار في المشرق الشمالي. من جانب ثانٍ كان الماعز أكثر انتشاراً في المشرق الجنوبي، والذي تميز ببيئة شديدة الانحدار وتضاريس متقاطعة. هناك قادت البيئة المختلفة سوياً مع عادات العلف المختلف للماعز والخراف إلى انقطاع مفاجئ في الإقامة في المواقع النيوليتية المحلية المبكرة Kohler-Rollerfson 1988. مثل هذا التغيير عمل في الغالب لمصلحة فرص الاتصال مع شمال أفريقيا، حيث لم تتوفر هناك منجبات لا للماعز ولا للخراف. في وسط وغرب حوض المتوسط الأوربي أيضاً، تم إدخال الماعز والخراف ببطء من الشرق كمدجنات، حيث أنها لم تمتلك أسلاف برية محلية Vinge and Hemler 1999.
ظهرت الأبقار المدجنة (Bos taurus) في الشرق الأدنى في فترة لاحقة للماعز والخراف، على امتداد الفرات بحوالي 8500-9000 سنة مضت (7500-8000 ق.م. معايرة)، في نمرك (العراق)، هالولة و بوقراص (سوريا). في سوريا وجدت أيضاً على امتداد ساحل البحر الأبيض المتوسط، في رأس شمرا Helmer 1992.
كان انتشار أو تبني الحيوانات المدجنة من مناطقها القديمة للغاية باتجاه جنوب غرب آسيا بمثابة عملية طويلة وبطيئة. استغرقت 1000 سنة قبل أن تصل الحيوانات المدجنة إلى المشرق الجنوبي. في الواقع فإنه وفي قاطف2 بالقرب من غزة، في فلسطين المحتلة، اؤرخت الأبقار والأغنام المدجنة فقط بالألفية السادسة من تاريخ اليوم وارتبطت بالفخار Horwitz 2003.
طريق واحد مباشر للمدجنات بين الشرق الأدنى وأفريقيا يمكن أن يكون شمال سيناء ودلتا النيل. على كل، فإن المعلومات عن النيوليتي المبكر شحيحة للغاية في شمال سيناء، وتمثلت في مواد صنعية نادرة، لكن لا وجود لبينة اركوزيولوجية للمدجنات Bar-Yosef and Phillips 1977; Goldberg and Bar-Yosef 1982. تغيبت ليس فحسب الحيوانات المدجنة بل أيضاً الفخار في شمال سيناء، مثل، على سبيل المثال، في عين قادس1. البقايا المعمارية والمواد الصنعية من هذا الموقع يمكن تضمينها صناعات رؤوس الأسهم الكبيرة، المؤرخة بين النصف الثاني للألفية العاشرة من تاريخ اليوم (الألفية التاسعة ق.م. معايرة) حتى نهاية الألفية التاسعة من تاريخ اليوم (الألفية الثامنة ق.م. معايرة). في شمال سيناء، نُسبت المواقع في جبل مجهرا، بخاصة في منطقة موشابي، إلى النيوليتي المبكر الختامي، رغم أنها كانت مركبات سطحية فحسب Cauvin 1997. إلى الشرق من سيناء، في ارتفاعات أدنى، على حواف منخفض أرابا، كان هناك موقع اسارون النيوليتي المتأخر والذي أظهر مبان دائرية وأغنام مدجنة. عُد هذا الموقع محطة مؤقتة مأهولة برعاة Cauvin 1997.
بينة لاحقة أخرى لإقامات رعوية بدوية من شرق وسط سيناء، من حوض وادي جرافي الأعلى، مصر. تؤرخ تلك المواقع بحوالي 7.000 سنة مضت ونُسبت للخالكوليتي المبكر Eddy and Wendorf 1998; Eddy et al. 1999. مواقع فخار نيوليتية أخرى، مثل قطيف، الواقع على الشريط الساحلي لفلسطين المحتلة وغزة، تؤكد وجود بعض الصلات الثقافية بين المشرق وشمال أفريقيا، لكن فقط خلال الألفيتين السابعة والسادسة المبكرة من تاريخ اليوم Smith 1992b مع ذلك، فإن الفخار من قطيف، في فلسطين المحتلة، أكثر خشونة ومتأخر أكثر مقارنة بشمال أفريقيا Smith 1989.
أعمال مسح محددة في شمال غرب سيناء، بما في ذلك الجزء الشرقي الشمالي الأقصى لدلتا النيل كان قد كُرس لتحديد الصلات بين جنوب فلسطين ووادي النيل Caneva 1992; id.1996. رغم ذلك، لم يتم الكشف عن أية مواد تنتمي لعصر البرنز المبكر ما قبل الأسري أو الفلسطيني. كانت مواقع الإقامة الإنسانية في المنطقة فصلية ومؤقتة، بما في ذلك تلك المواقع التي خلفت بعض المواد الآثارية بدءاً من العصر البطلمي. اؤرخت العديد المواقع في شرق الدلتا بالعصر ما قبل الأسري المبكر Abd el-Moneim 1996. أعطى مسح آخر في شمال غرب دلتا النيل عدد كبير من المواقع، يؤرخ أقدمها بالفترة ما قبل الأسرية المتأخرة حوالي 4300 سنة مضت (3300 ق.م.) van den Brink 1993.
في واقع الأمر، يبدو أن مواقع نيوليتية مبكرة نادرة في دلتا النيل بمصر نشأت فقط حول أطراف الدلتا، لكن ليس في داخلها Krzyzaniak 1989. في مرميدة بني سلامة، في دلتا النيل أيضاً، ظهرت الأبقار والأغنام فقط في حوالي 6.100 سنة مضت Chenalelard 1997 أو 5.850 سنة مضت Gautier 1987. أشار غياب مواقع نيوليتية إلى عدم استمرارية مع إقامات ما قبل أسرية متتالية في داخل الدلتا. فوق ذلك، مورس إنتاج المحاصيل المحلية في الفترة ما قبل الأسرية في الدلتا. على أية حال لم يتم التعرف على أي استيراد للغلال من المشرق في المنطقة Thanheiser 1996.
في منخفض الفيوم، الواقع حوالي 100 كيلو متر جنوب غرب القاهرة، فإن زراعة محاصيل من الشرق الأدنى، أساساً القمح والشعير، مشهود في فترة الفيوم A، المؤرخة بمنتصف الألفية السابعة من تاريخ اليوم Neumann 2005. مع ذلك، فإن بقايا حيوانية لخراف وماعز وأبقار مدجنة نادرة للغاية وتؤرخ من نهاية الألفية السادسة من تاريخ اليوم Gautier 1987. فوق ذلك تختلف أطقم الأدوات الحجرية عن تلك المكتشفة في كل من وادي النيل وصحراء مصر الغربية Wendorf and Schild 1976.
الصلات بين ثقافتي بوتو-معادي في مصر وغسول بيرشيبا الفلسطينية مشهودة خلال فترات مختلفة، كلها لاحقة للنيوليتي Schmidt 1993. بعض تلك السمات من المعادي اؤرخت بـ 4700-4900 سنة مضت Caneva et al. 1989.
لا بد كذلك من الأخذ في الحسبان الأسباب الجيومورفولوجية لانعدام بينة آثارية للصلات بين شمال أفريقيا وجنوب غرب آسيا. من المحتمل أن تكون الصلات العرضية التي يبدو أن البينة الاركوزيولوجية تشير إليها لم تترك آثاراً أركيولوجية نسبة لتأثير الترسبات أو عمليات التعرية التي غطت أو أزالت معظم المخلفات الآثارية.
تمت ملاحظة وجود القليل من التشابهات الاقتصادية أو الثقافية بين شمال أفريقيا وجنوب غرب آسيا خلال الهولوسين المبكر. حتى وادي النيل لم يتقاسم خصائص نيوليتية مشتركة تربط المناطق المختلفة في جنوب غرب آسيا من البحر الأبيض المتوسط حتى تركستان، بما في ذلك القمح والشعير والماعز والخراف والخنازير والأبقار المدجنة، والقرى المستقرة، والمنازل المستطيلة، واستخدام السبج Smith 1976. فوق ذلك، أظهر الاقتصاد النيوليتي في الشرق الأدنى عدداً من التغيرات، مثل الإقامات المستقرة الدائمة المرتبطة بمدافن، ومعدات حجرية "ثقيلة"، وأواني مصنوعة من الحجر، وسكاكين بمقابض Henry 1989; Kaufman 1992. لم تظهر أي من تلك السمات سوياً في شمال أفريقيا في الألفية الثامنة/السابعة من تاريخ اليوم. ظهرت في شمال أفريقيا فقط في شمال مصر، لكن في أزمان لاحقة.
ارتباط آخر محتمل بين الشرق الأدنى وأفريقيا يمكن أن يكون خليج السويس. تشير أعمال التنقيب الأخيرة في سهل القا، وبخاصة في موقع أبو جدار2، في جنوب غرب سيناء، إلى أن كرونولوجيا الأغنام المدجنة بين 6.000 و 6.600 سنة مضت، وهو تاريخ مبكر أكثر من المسجل بالنسبة لمصر السفلى Close 2002. آخذين في الاعتبار التواريخ من القا سوياً مع تلك من نبتا بلايا (6500-7000 سنة مضت)، وواحة داخلة (6500-6900 سنة مضت)، وكهف سودمين (6300-7000 سنة مضت)، يبدو أن طريقاً بحرياً عبر خليج السويس يصبح بديلاً محتملاً للطريق البرية عبر شمال سيناء Close 2002. تم كذلك اقتراح عبور البحر بالنسبة لاستعمار دلتا النيل من قبل مزارعين من المشرق بعد انهيار حضارة العصر الحجري الحديث المبكر.
بالإضافة إلى الصلات بين الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، طرحت فرضية أقدم تقول بتحركات مباشرة بين صقلية وتونس Camps 1974a; Ferembach 1986. مع ذلك، فإن مثل تلك الصلات يمكن الآن استبعادها نهائياً بالنظر لكرونولوجية كهف أوزي في صقلية (إيطاليا) المقتناة مؤخراً والتي تضع الأغنام المدجنة في فترة متأخرة أكثر من بداية الألفية الثامنة من تاريخ اليوم Vigne and Helmer 1999.
حسب كلمات سميث، شكل الشرق الأدنى ليس مجرد "قرن الخصوبة" بل "حنفية تسريب متقطع" Smith 1976: 170. من جانب ثانٍ، حدثت أيضاً تحركات بشرية ومبادلة أفكار باتجاه الشرق من الصحراء إلى وادي النيل في أزمان مختلفة، منذ حوالي 7.000 سنة مضت. بفعل تدهور المناخ، بين 6.000 و 7.000 سنة مضت، لا بدَّ وأن بعض المجموعات البشرية من الصحراء الوسطى والشرقية دخلت في علاقات مع سكان الواحات المصرية ووادي النيل.
كانت صحراء مصر الشرقية مركز الاهتمام في شمال أفريقيا بالنسبة للبحث الخاص بأصول إنتاج الطعام والشروط المسبقة له. تضم الواحات في صحراء مصر الغربية، من الشمال إلى الجنوب، جارا وسيوة، وفرفارا، وداخلة، وخارجة، وبئر كسيبة، ونبتا بلايا. فوق ذلك، وفر وادي النيل الأسفل والأعلى بينة لأشكال متميزة لاقتناء نباتات وحيوانات مدجنة.
كانت الفيوم لفترة طويلة منطقة اهتمام أساسية أخرى بالنسبة لعلماء آثار ما قبل التاريخ. وبدت ذات أهمية خاصة لكونها وفرت ثيران برية وأبقار منزلية تؤرخ بـ 5.900 سنة مضت Gautier 1987.
وجدت الثيران البرية أيضاً في كل من الإقامات الباليوليتية والنيوليتية في هوا أفطيح، على الساحل الليبي، إلى الشرق من طرابلس، رغم أن الأبقار والخراف والماعز المدجنة ظهرت خلال فترة تؤرخ بين 6.400 و 7.000 سنة مضت Higgs 1967; Klein and Scott 1986.
يشير وجود الثيران البرية في العديد من المواقع الشمال أفريقية إلى أن هذا النوع يمكن أن يكون قد تم تدجينه محلياً قبل إدخال أية أنواع منزلية من الشرق الأدنى. كان الثور البري الأفريقي (Bos primigenius ssp) منجب بري مستوطن من الأبقار وتم افتراض حدوث عملية انتشار من المركز الأصلي. يبدو أن الصحراء الشرقية كانت هي منطقة الأصل الأكثر احتمالاً التي انطلقت منها الهجرة غرباً وجنوباً Hanotte et al. 2002. فوق ذلك كانت الأبقار المصرية مختلفة مورفولوجياً عن الأبقار الاوراسية التي لا سنام لها (Bos taurus) وعن الزبو (Bos indicus)، مما يشير إلى أن الأبقار الأفريقية تم تدجينها من سلف مشترك بري في أفريقيا (Bos primigenius mauritanicus). كذلك تمت ملاحظة أن الظروف المناخية والوراثية في شمال أفريقيا يمكن أن تكون دعمت تدجيناً محلياً.
انتشار سلالات أبقار من غرب آسيا إلى أفريقيا أضحى أمراً مرفوضاً من منطلق الأسس الجزيئية والمورفولوجية. تشير التنوعات الميتاكوندرية إلى اختلاف سابق للتدجين بين أسلاف البقريات الأفريقية والأوربية. تشير التقديرات إلى 22.000 سنة منذ وجود سلف مشترك للسلالتين القاريتين Loftus et al. 1994; Bradley et al. 1996; Bradley and Loftus 2000.
تم العثور على أقدم العظام المفترضة للأبقار في صحراء مصر الغربية، في نبتا بلايا، تؤرخ بـ 9.500 سنة مضت، وفي بئر كسيبة بحوالي 8.400 سنة مضت Gautier 1984; id. 1987; id. 2001; Wendorf et al. 1989. إن كرونولوجيا الأبقار المدجنة في نبتا بلايا أقدم من كرونولوجيا نظيرتها في الشرق الأدنى، بالتالي، تعزز تدجيناً مستقلاً للأبقار في شمال أفريقيا، كما وتشير إليه المعطيات البيولوجية والوراثية Gautier 2001. فوق ذلك تدعم البينة اللسانية لمجموعة اللغات النيلية الصحراوية رعاوة مبكرة تعتمد على الأبقار Ehret 1993.
طرحت افتراضات تقول بأن رعاة الأبقار جلبوا قطعانهم إلى واحات الصحراء بعد أمطار الصيف: كان بإمكانية الأبقار أن تتحمل الحياة في تلك الظروف البيئية التي كانت أشد جفافاً مما هو عليه الحال في وادي النيل وذلك بفضل المهارات الفائقة لرعاتها (انظر مثلاً Close and Wendorf 1992). الثور الأفريقي البري من الأنواع التي كان من الممكن لها أن تعيش في ظروف المغرب ووادي النيل، لكنه لم يوجد في الصحراء. بالتالي، لا بدَّ وأن الأبقار وصلت إلى الصحراء في حالتها المدجنة، عن طريق التبادلات التجارية التي تضمنت في السابق تأثيرات صحراوية على التقاليد النيلية، مثل استخدام الفخار المزخرف بخطوط متموجة في أزمان "ما قبل الرعاوة" Garcea 1998b.