|
أركاماني مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر في الصحراء الليبية |
أكتوبر 2006
المسارات الثقافية
المنحنية في كهف وان أفودا
سافينو دي ليرنيا
ترجمة أسامة عبدالرحمن النور
الإقامة البليستوسينية
المتأخرة
نظام الموقع، والترحال والتنظيم الاجتماعي المرتبط به
الجماعات "الأكاكوسية المتأخرة" أو "الميزوليتية"
نظام الموقع، والترحال، والتنظيم الاجتماعي المصاحب
النظر إلى الخارج:
تناظرات السمات الثقافية وتطابقاتها
كل المعلومات المجمعة في كهف وان أفودا يجري تركيبها في محاولة تهدف إلى توفير صورة عامة عن الإقامة الإنسانية ولاستكشاف العلاقات مع المناطق الصحراوية الأخرى. يبدو أن كهف وان أفودا يضيف بينة هامة لمعرفتنا بصيادي العصر الحجري الوسيط من ذوي التقاليد العاترية، بل وأكثر عن الصيادين/الجامعين في الهولوسين المبكر. الموضوعات ذات الصلة المباشرة فيما يبدو هي وجود فجوة بين الإقامة البليستوسينية المتأخرة وبين الصيادين/الجامعين الأوائل غير المستخدمين للفخار في الهولوسين. تبدو الاختلافات والمسارت الثقافية المميزة جلية في التعقد الثقافي المتنامي للجامعين "الأكاكوسيين المتأخرين"، الذين تميزوا بمحاولاتهم المبدئية للاستخدام المتأخر للموارد. اختبار مناطق صحراوية مجاورة يوفر معطيات لتقييم نقدي لبعض الأحداث الرئيسة، قبل ظهور اقتصاديات إنتاج الطعام.
|
"انتقل علم الآثار في التسعينيات إلى ما وراء الاهتمام بالأدوات الصنعية وتمييز تعاقب "الثقافات"؛ مبدئياً كان الهدف تحقيق دقة أعلى فيما يتعلق بتنظيم الاقتصاديات وفيما يخص قاعدتها الايكولوجية؛ في فترة قريبة، بغرض إماطة اللثام عن بنية مجتمعات ما قبل التاريخ وبناء نماذج لعمليات التغير. لا يتوجب أن نفترض أنه بالتخلي عن مصطلح "النيوليتى" واستبداله بعبارات "الرعاوة"، "الزراعة"، "الفلاحة"، "حصاد المحاصيل"، "إنتاج الطعام" أو أية تعبيرات أخرى، نكون قد حللنا كل المشاكل".
(بول سنكلير
1993) |
1- الإقامة البليستوسينية المتأخرة
تقريباً بعد 25 سنة من النشر الشامل للمعطيات الخاصة بالأبحاث التى تكاملت فيها فروع للمعرفة مختلفة والتي أجريت في تين طره (على سبيل المثال Barich 1974; 1987a)، فإن خلاصة المعلومات المتحصل عليها في كهف وان أفودا توفر معطيات جديدة تدمج جزئياً المعلومات السابقة، لكنها أيضاً تؤثث منظوراً جديداً لتحليل الإقامة الإنسانية في جبال الأكاكوس خلال الدهر الرباعي المتأخر. تتعلق معظم المعطيات بمرحلة الهولوسين المبكر، مع أن معلومات جديدة عن المحتوي البيئي القديم والنشاط الإنساني في البليستوسين المتأخر قد تمت مناقشتها كذلك.
الأهمية الكبيرة للتحكم الاستراتيجرافي للانتقال من البليستوسين المتأخر إلى الهولوسين المبكر في كهف وان أفودا تقدمه بينة محددة عن الفجوة الطويلة بين الإقامة الإنسانية البليستوسينية الأخيرة، الممثلة بالصيادين العاتريين ذوي التقاليد الصوانية للعصر الحجري الوسيط، والإقامة الهولوسينية الأولى المتميزة بتقاليد ايبي باليوليتية غير فخارية سميت بـ مجموعات "الأكاكوس المبكرة". هذه الفجوة الممتدة، التي أؤرخت للمرة الأولى في الصحراء الوسطى في موقعي وان أفودا ووان تابو Cremaschi and di Lernia 1998; Cremaschi et al. 1998 تعطي فكرة عن الظروف الجافة التي سادت في أواخر البليستوسين، والتي أعاقت نشوء أية إقامة إنسانية في المنطقة. بعض الجماعات المتفرقة الصغيرة ظلت موجودة احتمالاً في المنطقة، لكن لم يتم الكشف بعد عن آثار، كما ولم يتم الكشف عن آثار تقاليد صناعة حجرية للباليوليتي الأعلى.
صحيح أن الصيادين العاتريين في وان أفودا ووان تابو كانوا فيما يبدو متكيفين بصورة جيدة مع ظروف شبه جافة، والتي ميزت أيضاً إقامتهم، كما يستدل على ذلك من الكثبان الرملية حيث تموضعت مساكنهم. لكن ظروفاً شديدة الجفاف سادت في نهاية البليستوسين ارتبطت بتوسع الصحراء الأوجولية، وفرضت بالتأكيد على بني الإنسان التحرك إلى خارج الصحراء الوسطى، منتشرين في الغالب باتجاه الشمال.
على أية حال، تشير ظروف جافة أو شبه جافة مستنتجة من وجود كثبان الرمال إلى أن المعادلة "فترة رطبة/وجود إنساني" ليست صالحة على الدوام. قادت الخطوط الافتراضية للتحرك والاتصال خلال البليستوسين المتأخر، المعتمدة على حقيقة ضرورة نشوء ظروف رطبة شرطاً للوجود الإنساني، في الماضي إلى تفسيرات تعسفية. ربطت الإقامات الأشولية المتأخرة، والموستيرية، والعاترية ببساطة بالتقلبات الرطبة المسجلة في المناطق المدروسة. من بين الإشكاليات الأخرى، أن مثل هذا التناول جعل البحاثة يربطون الإقامة العاترية بالفترة الرطبة "الأخيرة" للبليستوسين Petit-Maire ed. 1982. إن هذا التناول يمثل حالة نموذجية لـ "الحتمية الجغرافية"، مع صدى ينعكس على التفسيرات العمومية للإقامة البشرية البليستوسينية في الصحراء الوسطى. أيضاً تعاني العلاقات مع أفريقيا الأبيضية المتوسطية وشمال أفريقيا عموماً من تأثير هذا المنظور، ويبدو أن تحاليل المركب التقني الثقافي العاتري قد تأثرت بصفة خاصة بهذا التناول Tillet 1987. تأريخ الإقامة العاترية في سلسلة الأكاكوس بـ 90,000-69,000 سنة يلغي مرة وللأبد مسألة الاستمرارية المحتملة (في الماضي انظر Maitre 1974؛ لكن أيضاً Tillet 1987 بين الصيادين البليستوسينيين وجماعات الهولوسين الأولى، وتلمح إلى عدم استمرارية واضح وسط أنواع البشريات. حتى اليوم، لم يتم الكشف عن أية بقايا بشرية يرجع تاريخها للبليستوسين المتأخر في المنطقة، ولا يمكن قول شئ عن العلاقة بين الصناعات الحجرية العاترية والأنواع البشرية، لكن من المغري افتراض بعض الصلات مع انتشار الإنسان الحديث تشريحياً (لمناقشة الموضوع انظر Cremaschi et al. 1998). تدفع تواريخ أقدم للمواقع العاترية في وادي النيل والصحراء الشرقية بهذه الصناعات الحجرية والبينة ذات العلاقة إلى الوراء حتى 140.000 سنة مضت، موفرة لمحة عن انتشار الإنسان الحديث تشريحياً الأول في شمال أفريقيا، وفي الصحراء على وجه الخصوص.
لا نستطيع استبعاد أهمية هذه البينة الجديدة فيما يتعلق بعلاقتها بالفن الصخري. أرجعت نقوش "الحيوانات المتوحشة الكبيرة" في الماضي إلى البليستوسين المتأخر Mori 1974; Lupacciolu 1992، لكن علينا الآن أن نحصر كل الإنتاج الفني في الهولوسين، احتمالاً من بداية طوره المبكر في التخوم التي تفصله عن البليستوسين الختامي (أي، 12.000 سنة مضت) حتى الفترات التاريخية.
نقطة هامة أخرى تثيرها كثافة المواقع العاترية في المنطقة، والتي تبدو أكثر تواتراً مما كان يعتقد في السابق. المثير هنا هو السمات التيبولوجية، الموثقة بصورة جيدة في موقع وان تابو القريب، وقدرة البشر على التكيف مع ظروف بيئية صعبة. سمحت أعمال المسح في الأكاكوس والمنطقة المحيطة لنا بتحديد مكان بعض عشرين موقع متشابهة Cremaschi and di Lernia 1998; Cremaschi et al. 1998. من بين السمات المشتركة وجود أدوات بمقبض، وإقامات مترابطة التنظيم، والحركية العالية، واستغلال كل من السلسلة الجبلية والحقول الكثبانية. الموقع الأكثر شهرة والأفضل حفظاً هو بالتأكيد وان تابو Garcea 1998. مع ذلك، يظل من الصعب تبيان علاقة الإقامة العاترية بالمناطق الأخرى، ومن ثم إعادة تركيب تحركات محتملة بين وادي النيل، والصحراء الوسطى، وأفريقيا البحر أبيضية متوسطية. على أية حال، يبدو أن جبال الصحراء الوسطى جذبت البشر حتى في أسوأ الفترات، بفضل ظروفها المتميزة. قد تغير معطيات جديدة الصورة، بخاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع التقنية الموستيرية، وتبدو منطقة مساك ستافت واعدة بوجه خاص Cremaschi and di Lernia 1998.
2.
الإقامة الهولوسينية المبكرة
1.2 جماعات "الأكاكوس
المبكر" و"الايبي باليوليتي"
1.1.2 الإطار البيئي والاستراتيجيات الاقتصادية
من بين أكثر الجوانب مخادعة التي كشف عنها تحليل كهف وان أفودا، وفيما بعد تحليل مواقع الهولوسين المبكر الأخرى في المنطقة، هي التغيرات الواضحة في الاستراتيجيات الاقتصادية، والتي أثرت عميقاً في سمات هامة أخرى للجماعات البشرية في وان أفودا. التنظيم المختلف للقاعدة الاقتصادية في وان أفودا، من الإقامة الأولى عبر ألفيتين من الإقامة، جلي وواضح للغاية. أعتقد أن عوامل مناخية وبيئية، وبنية الجماعة الداخلية، والضغوط الخارجية قد تكون تسببت في التنظيمات المختلفة على مدى قصير – أو قصير للغاية، لكن يمكننا الآن الكشف آثارياً فقط عن الاستراتيجيات العامة طويلة المدى. مثل هذا التناول العملياتي Binford 1983، حتى وإن لم يعد الموضة النظرية الآثارية (مثل التناولين ما بعد العملياتي والمعرفي المعاصرين : انظر على سبيل المثال Hodder 1986)، يظل يستجيب بصورة أفضل في اعتقادي لبينة السجل الآثاري كما تتجلى في تلك المناطق.
تشهد المعطيات الترسبية Cremaschi and di Lernia 1999، والميكرومورفولوجية Cremaschi and Trombino 1999، والأنثروأركيولوجية Castelletti et al. 1999، والبالينولوجية Mercuri 1999 على فترة رطبة في بداية الهولوسين، عندما عاش البشر مجدداً في الكهف بعد فترة ظروف جافة طويلة المدى. كما تمت مناقشته في مكان آخر Cremaschi and di Lernia 1995; Cremaschi 1998b، فإن تلك الظروف الرطبة كانت في حالة تراجع حوالي 10.000 سنة مضت.
طبقاً للمعطيات الأنثروبولوجية والأركيولوجية واللقاحية، تميزت البيئة بظروف رطبة على الأرجح؛ بالتالي يمكن استنتاج طاقة حاملة جيدة وما يرتبط بها من كتلة حياتية هامة. توجد بعض أنواع النباتات في هذا الطور، والتي اختفت أو تناقصت في الفترات اللاحقة.
يوفر التحليل البالينولوجي صورة ممفصلة. كان تمركز اللقاحات في طور "الأكاكوس المبكر" متدنياً، حتى وإن كانت درجة حفظ لقاحات البذور بحالة جيدة. يؤكد هذا التحليل قصور هذه الفترة على بعض الأنواع الاستوائية. طبقاً لـ هوايت فإن تلك النباتات نموذجية في الوقت الراهن لمناطق الغابات التي تحتاج إلى معدل هطول أمطار يبلغ 400 مليمتر في السنة. الصورة تعبر عن بيئة نباتية مختلطة، تشمل عالم نباتي أبيضي متوسطي–صحراوي، وصحراوي، وصحراوي ساحلي مع إسهامات معتبرة لنباتات شبه استوائية، خليط من السافانا والأعشاب الشجرية، مع فقر متزايد يتميز بعناصر نباتية مائية. فقط مع تحسن الهولوسين الأوسط، الذي أدى إلى تكوين البحيرات والبرك في المنطقة، تم اعتراض هذه النزعة المتزايدة نحو الجفاف، لتبدأ مجدداً، بصورة نهائية، من حوالي 5000 سنة مضت وما بعدها Cremaschi 1998a.
بالنسبة للقاعدة الاقتصادية، في كهف وان أفودا بخاصة كل البقايا الحيوانية تنتمي لـ أموتراجوس ليرفيا (باستثناء عينة وحيدة لـ كانيس اوريوس)، ويحدث الشئ نفسه في المواقع الهولوسينية المبكرة الأخرى في الأكاكوس. العظام قليلة وفي حالة حفظ سيئة Corridi 1998. آخذين في الحسبان كائنات الكتلة الحية، وما ينتج عن ذلك من ثراء مفترض للعالمين النباتي والحيواني، فإن التخصص في الصيد يعكس خياراً ثقافياً لأولئك الصيادين/الجامعين في فترة "الأكاكوس المبكر"، في تناقض مع التقليل من قيمة الطيف الحيواني المتنوع الذي تمت دراسته في السابق. في وان أفودا، حتى لو أن ذلك بعدد صغير من البقايا الحيوانية المؤكدة، فإن التخصص في صيد الخراف البربرية يبدو جلياً، والمثير هو أن التنظيم نفسه يبدو سائداً في وان تابو (كوريدي، المرجع نفسه) وتين طره Gautier 1987a. عادة ليس من الضروري، في نظام بيئي في حالة توازن، بالنسبة لمفترس، حيواناً كان أم بشراً، التدخل مع الفريسة بطريقة تختلف عن مجرد فعل الافتراس. فوق ذلك، فإن ثراء أنواع الفرائس، وهو ما يمكن افتراضه من الكتلة الحيوية الجيدة في الهولوسين المبكر، مشهود بطريقة غير متوازنة بين الفريسة والمفترس، يمكن حله بإسقاط الحيوان المطارد من مكان مرتفع. هذا السلوك معروف جيداً في تاريخ العالم القديم : انظر كمثال النسب العالية لغزلان الرنة في الباليوليتي الأعلى الأوربي، أو الايل الأحمر في العديد من المجتمعات الايبي ميزوليتية في قارة أوربا وحوض البحر الأبيض المتوسط. تخصص عال مشهود في ممارسة صيد الغزلان في المواقع النطوفية بالشرق. أخيراً، نمط مشابه سُجل بالنسبة للخراف البربرية على امتداد الساحل الأفريقي للأبيض المتوسط Saxon et al. 1974، وفي الأكاكوس كذلك. تفسيرات هذا التخصص ومعانيه المضمنة ذات طبيعة مختلفة، بالتشديد من فترة لأخرى على أشكال التدجين الأولي Close 1992، أو التحكم الثقافي على الحيوانات البرية (انظر لعرض أوسع di Lernia 1998).
طبقاً للمعطيات الآثارية التي يقدمها كاستيلتي وزملاؤه Castelletti et al 1999، لا يوجد خشب متفحم في طبقات "الأكاكوس المبكر"، في حين يوجد الفحم وبقايا كربونية في بعض العينات المختبرة. يبدو أن محتواها الاستراتيجرافي مقبول بما يكفي، طالما أنها جُمعت باليد مباشرة في مكانها الأصلي، لكن لا تستبعد إمكانية حركة إعادة ترسيب في القدم. على كلٍ، سواء كانت بقايا النباتات في موضعها الأصلي أم أنها نتيجة عمليات ما بعد ترسيب (لمفهوم ما بعد الترسيب أضغط هنا)، فإن الموارد النباتية فيما يبدو كانت مستغلة بدرجة أقل في المستويات "الايبي باليوليتية" مقارنة بالمستويات "الميزوليتية"، وتمثل من حيث التناسب الميكرومورفولوجي أقل من 5% من الترسب Cremaschi et al. 1996. خلافاً لظروف الحفظ المختلفة، فإن هذه الظاهرة يمكن ربطها أيضاً إما باستراتيجيات اقتصادية نباتية-التوجه أقل أو لاستغلال أنواع مختلفة من النباتات، والتي قد تكون تركت آثاراً مختلفة في السجل الآثاري Hillman 1989. على كلٍ، هذا التشديد الطفيف على استغلال النباتات مثير للغاية، بالنسبة لجماعات الصيد/الجمع، وقد بُذلت مجهودات لتجميع أكبر قدر من العينات النباتية الممكنة وكللت بنجاح حتى الآن Castelletti et al. 1999. يحتمل أن تكون هناك ضرورة لاعتماد تناول مختلف للدراسة الاركو-نباتية لتجاوز هذه الفجوة في العمل الميداني: عندما يتم تجاوزها، فإن لمحات في حياة الجماعات البشرية قد تكون أكثر إنارة، كما يلاحظ، على سبيل المثال، في دراسة جماعات الباليوليتي المتأخر في وادي الكبانية بالصحراء الشرقية Wendorf et al. eds. 1989; Hillman et al. 1989. يمكن ربط ندرة الحبوب البرية بتنظيم مختلف لتلك الجماعات، الموجه غالباً إلى نباتات أخرى تكون بقاياها قابلة "آثارياً" للزوال. حقيقة، يبدو أن هناك عدم توازن بين استغلال النباتات في فترة الأكاكوس "المبكر" و"المتأخر". هناك، حيث كشف اختبار سريع لعينات تربة تنتمي لإقامة "أكاكوسية متأخرة" الوجود المنتظم والمكثف لبذور وحبوب برية، عُثر على القليل من البقايا الغامضة في عينات "أكاكوسية مبكرة" Castelletti et al. 1999. حتى لو أخذنا في الحسبان التحيز في اختيار العينات، فإن اختلافاً في استغلال الحبوب يبدو بيناً بين الطورين، مع اقتصاد ضعيف التوجه النباتي في الفترة "الباليوليتية" الأقدم أو "الأكاكوسية المبكرة".
في الختام، فإن المدى المحدود للصيد، مع الاستغلال المحصور لـ اموتراجوس ليرفيا، والاعتماد الأقل على الموارد النباتية يبدو أنه يشير إلى اقتصاد متخصص انتقائي، الذي لا بدَّ وقد تطلب قدراً كبيراً من تحرك الجماعات وبالتالي نمط إقامة محدد Clark 1980. من المغري الافتراض بأن التدهور المناخي، الذي لازالت تقلباته بحاجة إلى استقصاء كامل، قد أدى إلى إعادة تنظيم متصاعدة في نظام الاستقرار وإلى تعديل في القاعدة الاقتصادية.
2.1.2 نظام الموقع، والترحال والتنظيم الاجتماعي المرتبط به
الاختلافات في معلومات الموقع بين المستويات الأسفل للتواتر الاستراتيجرافي التي تنتمي إلى "وحدة كلوفيالية" والمستويات الأعلى لـ "الوحدة العضوية" تشير إلى الاستعمالات المختلفة للموقع عبر الزمان. رغم أن مواقع "الأكاكوس المبكر" بصورة عامة أصغر من حيث الحجم وأقل تعقيداً من حيث البنية مقارنة بمواقع "الأكاكوس المتأخر"، فإن بينة دالة على جهد لبناء مصدات رياح حجرية مؤرخة بالكربون المشع14 بـ 9765 سنة مضت يمكن رؤيتها. استخدم كهف وان أفودا خلال أشهر معينة من السنة، على مدى مئات السنوات، وفقاً لتواريخ الكربون المشع14. التجويف الخفيف الذي يمكن رؤيته في البنية يمكن ربطه بعوامل تشبهية إنسانوية طالما أن الدراسات الاثنوغرافية لمواقع إقامة الصيادين/الجامعين الحاليين تدلل على أن هذه السمة المحددة يمكن استخدامها مؤشراً لإقامات فصلية مزدوجة McDonald 1991. إذا قورنت تلك العناصر مع مواقع "الأكاكوس المبكرة" الأخرى فإنه يتوجب عدها بينة للاعتراف "بمعسكر أساسي" للصيادين متعدد النشاط مع اقتصاد متخصص. إضافات هامة لهذا التفسير الوظيفي تقدمها البينة المختلطة لاستغلال المواد الخام، والتقنية، وبنية أطقم الأدوات. وزن الأدوات الصنعية وكميتها، وأطقم أدوات مركبة، ووجود مواد خام غريبة، هو في الواقع مؤشرات جلية دالة على معسكر أساسي.
بالنسبة لنمط الإقامة الإقليمي خلال هذا الطور، قادت أعمال مسح منتظمة في المنطقة المحيطة للأكاكوس di Lernia 1997b; Cremaschi and di Lernia 1998 إلى اكتشاف العديد من المواقع على طول البحيرات الجافة ذات السمات المحددة. تتميز تلك المواقع بصغر الحجم، واستخدام مواد خام محلية متميزة، ونشاط أُحادي، وأطقم أدوات متخصصة (في غالبيتها أدوات مدببة، وشفرات، وأدوات هلالية الشكل، ومثاقب مع القليل من المقاشط). تشير مقارنات تيبولوجية وتقنية دقيقة بين أطقم الأدوات من المواقع الجبلية ومواقع البحيرات إلى هُويَّة ثقافية متشابهة، مع تنظيم محدد للتقنية الحجرية. توفر التواريخ بالكربون المشع14 للترسبات البحيرية تاريخاً ما قبل ختامياً لهذه الإقامة حوالي 8.300 - 8.600 سنة مضت، ويبدو معقولاً ربط تلك المواقع بالمواقع الجبلية، من حيث الاستغلال اللوجستي للبيئة di Lernia 1997a. وفق هذا المنظور فإن نمط إقامة الجماعات "الايبي باليوليتية" أو "الأكاكوسية المبكرة" يتميز بهراركية واضحة، مع القليل من المعسكرات الأساسية الواقعة في غالبيتها في السلسلة الجبلية، وعدد كبير من المواقع أصغر، أُحادية النشاط ولفترات قصيرة في مناطق الكثبان، تختلف بعضها عن البعض فيما يتعلق بالوظائف التخصصية. في الواقع، فإن النظرة العامة تميز القليل من المواقع الأساسية مثل وان أفودا، ووان تابو، ولانكوسى (في الجبال) واحتمالاً الموقع م.ت. 126 (في منطقة الكثبان)، عن المعسكرات الأخرى الصغيرة العابرة، والتي توجد في الأساس على طول شطئان البحيرات. من بين الأخيرة، قادنا تحليل متعدد التناول إلى تمييز مواقع الورش، ومواقع التجهيز، ومواقع الذبح.
فيما يتعلق بالتشابهات الثقافية بين المواقع، فإن التشابه الأسلوبي للأداوات الحجرية، والتنظيم التقني المتجانس للمجاميع الحجرية، وتقاسم الاستراتيجيات الاقتصادية المتقاربة، كل ذلك يقودنا لعد وان أفودا والمواقع "الأكاكوسية المبكرة" الأخرى تعبيراً عن "هُويَّة ثقافية" واحدة: احتمالاً يمكننا، إذا أخذنا في الحسبان المنطقة الجغرافية المتسعة، أن نعد أدهان مرزق من جانب، ونظام عرق جبال الأكاكوس وان كاسا من جانب ثانٍ، كوحدتين إقليميتين فرعيتين مختلفتين di Lernia 1997a.
إلى الآن لم يتم جمع بينة واضحة لنمط ديموغرافي قديم: المواقع لازالت قليلة، وأعمال التنقيب صغيرة من حيث الحجم لتوفير مؤشرات مقبولة عن عدد الأفراد، أو تحديد الجماعات. مهما كان الأمر، فإن وجود جماعات اجتماعية غير ثابتة وحراك عال مشهود لجماعات "الأكاكوس المبكر" يتوافق تماماً مع الأدب الاثنوغرافي (انظر من بين آخرين Gould 1969; Yellen 1977; Binford 1983; Bettinger 1991). يعمل الحراك لمصلحة استغلال بيئات مختلفة (والأكثر أهمية بطرق متنوعة)، احتمالاً طبقاً لتقلبات فصلية. عموماً، فإنه يعمل لمصلحة السيطرة على بيئات هامشية، يمكن فيها لجماعات صغيرة أن تبني شبكة اجتماعية. الانعكاسات في المستوى الآثاري نجدها في تفاصيل الإقامة: يمكن أن يفسر هذا بحذر كتعبير لشبكة اجتماعية تقوم على قاعدة الزواج الخارجي. أخيراً، فإن هذا التنظيم يبدو انه يعمل لمصلحة تكامل أفضل وتعاون وسط العصب، مما يسمح بحلول أكثر ملائمة للتغيرات الكامنة في وفرة الموارد Bettinger 1991 وعموماً، بما يضمن سلامة اجتماعية أساسية أثناء فترات الضغوط المناخية والبيئية.
2.2
الجماعات "الأكاكوسية المتأخرة" أو "الميزوليتية"
1.2.2 الإطار البيئي والاستراتيجيات الاقتصادية
نزعة واضحة نحو جفاف متزايد بينة للغاية على امتداد التواتر الاستراتيجرافي لكهف وان أفودا، كما تشير إلى ذلك الدراسة الجيولوجية والبيدولوجية للترسيب Cremaschi and Trombino 1999; Cremaschi 1998b. في الواقع ليس هنالك عدم تماثل كامل في السلسلة، لكن تم أثناء أعمال التنقيب تسجيل رمل يتخلل قاعدة وحدة "الأكاكوس المتأخر". يصعب القول عما إذا كانت هذه الرمال في التواتر تعبر عن تنوع محلي أم أنها تشكل ظاهرة عامة. قد يكون مغرياً افتراض علاقة صارمة بين فترة جفاف قصيرة أو مفاجئة في حوالي 8.900 سنة مضت، وإعادة تنظيم للنشاط الإنساني في المنطقة. هناك حاجة للمزيد من المواقع المنقبة بصورة كاملة، ولدراسات في البيئة القديمة إذا كان لنا حصر الأحداث الممكنة. على أية حال، فإن بينة دالة على فترة جفاف قصيرة أو مفاجئة في الهولوسين المبكر مشهودة من واقع انخفاض صغير في اللقاحات الساحلية في بحيرة تشاد حوالي 8.500 سنة مضت، أعقبها تراجع كبير في حوالي 7.500 سنة مضت Maley 1989. ويحدد حسن Hassan 1986; 1997 وكذلك آخرون فترة جفاف قصيرة الأجل في حوالي 8.700 - 8.600 سنة مضت في الصحراء المصرية. كذلك تعرف وندورف على فواصل جافة في حوالي 8.500 - 8.200 سنة مضت و 7.900 - 7.700 سنة مضت Wendorf 1990; 1992. تلك الأحداث المناخية تبدو متزامنة في إطار العالم ككل، كما دلل عليها جاسي وفان كامبو Gasse and van Campo 1994 وأيضاً بريسون وموريه Bryson and Murray، لكن تنوعات إقليمية صغرى وقعت، مؤدية احتمالاً إلى صورة أشد تمفصلاً في مجمل الصحراء.
بالعودة إلى وان أفودا، تظهر معطيات الترسيبات والمعطيات الجيومورفولوجية جفافاً متزايداً من قاع سلسلة "الأكاكوس المتأخر" حتى قمته، حيث بقيت المواد العضوية في حالة حفظ جيدة. منعت ندرة المياه النشاط البكتيري، بالتالي، لم توجد عملية تكون تربة تؤثر على المستويات الإنسانية. كذلك دللت لقاحات الحبوب على مثل هذه النزعات، بخاصة نمو الشجيرات واختفاء بعض العناصر الاستوائية على امتداد فترة "الأكاكوس المتأخرة" Mercuri 1999.
تظهر الإقامة "الأكاكوسية المتأخرة" في وان أفودا إستراتيجيات اقتصادية جديدة واختراعات مؤثرة في الثقافة المادية : واضح أن هاتين الظاهرتين مترابطتين بصورة قوية، ويمكن تفسيرهما بوصفهما تكيفين ثقافيين استجابةً لكل من الضغوط البيئية والعوامل الداخلية. قاد سوء الأحوال البيئية احتمالاً إلى عدم استقرار في وفرة الموارد، وقد يكون التنوع في منسوب هطول الأمطار تطلب إدخال بعض التعديلات في الاستراتيجيات الاقتصادية. يمكننا أن نشير، من بين الاستجابات الأساسية، إلى التشديد على استغلال النباتات (في الغالب الحبوب البرية) وإعادة تنظيم إستراتيجيات الصيد.
في الحقيقة توجد في السجل الآثاري العديد من الأنواع Castelletti et al. 1999. أود أن أذكر هنا بعض المعطيات المثيرة التي تمَّ جمعها. مثير أن نلاحظ أن كل العينات من الجزء الأعلى للتواتر "الميزوليتي"، بالرغم من أنها لم تدرس بصورة كاملة، أعطت بقايا بانيكويداي Panicoideae (الطبقات 1، و2، و3)؛ إلى جانب بعض العينات من الجزء الأسفل. كذلك مثلت الـ Boraginaceae بصورة جيدة في كل المستويات "الميزوليتية". يتوجب علىّ التشديد على أن حصاد الحبوب في وان أفودا لم يوجه فقط للاستهلاك الإنساني، لكن أيضاً بصورة جزئية لإطعام الخراف البربرية المحتفظ بها في الكهف. يدل على ذلك بقايا عُصافات روث متحجر بشري وحيواني. فوق ذلك فإن الوجود المحدود لثمار ذات بذرة واحدة يشير إلى تجهيز الحبوب.
تثير درجة استغلال النباتات أسئلة هامة، والتي يستوجب عدها منفصلة عن السؤال القديم الخاص بمسألة الحبوب برية/مدجنة. بالطبع، يبدو استقصاء مستوى استغلال الموارد البرية وسط الصيادين/الجامعين مجالاً أكثر واعدية بالنسبة للبحث، كما تمت مناقشة ذلك في العديد من الأوراق di Lernia and Manzi eds. 1998
يشدد كاستيليتي ورفاقه Castelletti et al 1999 على وجود المزيد من أنواع الفيكوس Ficus ذات السمات الايكولوجية المختلفة. قد يشير ذلك إلى عناية بالأنواع الصالحة للأكل (Ficus cf. sycomorus)، واحتمالاً أيضاً بأنواع الفيكوس سالسفوليا Ficus salicifolia. طبقاً لـ مركوري Mercuri 1999، تشير معطيات اللقاحات إلى نوع من الاصطفاء بين الحشائش، وأنه قد يكون تم الاعتناء بها. وجود لقاحات كبيرة الحجم يجب عده إثباتاً لعملية اصطفاء جارية في وان أفودا. حدث هذا بخاصة في البانيكوم مما يشير احتمالاً إلى أن الحشائش البرية الأصلية أو "الحبوب البرية" كانت متوفرة في المنطقة. يصعب القول عما إذا كانت تلك الحبوب تنتمي إلى أنواع سنوية، أو كل سنتين، أو دائمة، ثم أن ستراتيجية الحصاد لازال من الصعب تفكيكها وفهمها. من جانب ثانٍ، قد يشير وجود أنواع عديدة من الفيكوس، وهو مورد نباتي مهم في "الأكاكوس المتأخر"، كما أشرنا، إلى نوع من العناية بالأنواع الصالحة للأكل.
المعرفة العالية بالمنظر الطبيعي النباتي التي أكدها سكان وان أفودا قد تشير ليس فقط لاستغلال مكثف للموارد النباتية، لكن أيضاً إلى عناية عن وعي ببعض الأنواع البرية، والتي تمَّ احتمالاً الإقلاع عنها في الفترات اللاحقة.
يوثق التحليل الأركوزيولوجي للبقايا الحيوانية طيفاً واسعاً من الموارد Corridi 1998. تم اصطياد الثدييات الصغيرة والكبيرة. سجلت أيضاً آثار أسماك وطيور. حتى وإن كانت بعينة صغيرة (العدد الإجمالي للبقايا الحيوانية التي تم التعرف عليها حوالي 50)، فإن الاختلاف من المستويات "الميزوليتية" (العديد من الأنواع مشهودة) حتى الإقامة "الايبي باليوليتية" (مع وجود فعلي فقط للأموتراجوس ليرفيا) جلي وواضح للغاية. خلال الإقامة "الميزوليتية"، علينا أن نشدد أيضاً على الشكل الخاص لاستغلال الخراف البربرية. يتوافق هذا الطيف تماماً مع المواقع الهولوسينية المبكرة الأخرى، "الأكاكوس المتأخر" في المنطقة، مثل وان موهجاج di Lernia and Manzi 1998; Corridi 1998، ووان تابو Garcea 1998; Corridi 1998، وإلى الشمال، تين طره Gautier 1987a. في حالة المحتويات جيدة الترتيب الاستراتيجرافي، فإن اختلافاً واضحاً يمكن ملاحظته بين الإقامة "ما قبل الرعوية" المبكرة (المؤرخة راديوكاربونياً تقريبياً حوالي الألفية العاشرة قبل تاريخ اليوم) مع تشديد بقوة على الخراف البربرية، والإقامة "ما قبل الرعوية" المتأخرة (المؤرخة بالكربون المشع14 تقريبياً حوالي الألفية التاسعة-الثامنة من تاريخ اليوم)، التي تتميز بطيف أكبر للحيوانات المصطادة di Lernia 1998c. كنت قد أشرت في مكان آخر أن هذا الاختلاف لا بدَّ وأن ينسب لاستراتيجيات الصيد المختلفة، والمرتبطة بدورها بتنظيم للحراك مختلف di Lernia 1996، وأن الاستقرار المتزايد تسبب في إقليمية أكبر. قد يتطلب الاستغلال المكثف للحبوب البرية وسط الصيادين/الجامعين التحكم في المنطقة، ويشير إلى عودة مستمرة في بعض المناطق. هذا التخطيط الجديد لاستخدام المنطقة قد يكون تطلب نمطاً مختلفاً لصيد الخراف البربرية، مع أشكال جديدة للإدارة، أو التحكم الثقافي. خلال طور "الأكاكوس المتأخر" ينخفض وجود الخراف البربرية وسط الأنواع المصطادة مقارنة بطور "الأكاكوس المبكر"، ليصل حتى إلى ما دون الـ 50%. فرضية المزيد من الاستقرار التي ألمحت إليها أعلاه قد تفسر جزئياً مثل هذه النقلة. مناطق "تجمع المياه" أصبحت أضيق، بالتالي اضطر الناس لاستغلال كل الموارد، متبنين إستراتيجية نفعية. نتيجة محتملة لمثل هذا السلوك هو أن الخراف البربرية أصبحت تحتل مكانة أقل في مجال الصيد، ذلك أنها حركت مناطق رعيها إلى مكان أكثر أمناً بعيداً عن أماكن تواجد الإنسان، وهى استجابة نموذجية لهذا النوع من ذوات الحوافر Cassinello and Alados 1996. في الواقع فإن الوجود المتدني لهذه الحيوانات في السجل الأركوزيولوجي يمكن عده صدفة، لكن وجود علف في المنطقة وتراكمات روث في الأجزاء الداخلية للفجوة تشير إلى تفسير مغاير. يؤثر الجفاف تأثيراً شديداً على قطعان الخراف البربرية، وسوف يقلل تدهور البيئة بشدة أعداد الحيوانات: ندرة الفرائس، وعموماً، إفقار الموارد قد يقود إلى اتخاذ قرارات وتجارب مبدعة. إعادة تخطيط إستراتيجيات الصيد المشهودة في السجل الأركوزيولوجي، يمكن تفسيرها أيضاً بالأشكال الأولى للإبقاء على الحيوانات البرية داخل حظائر، بدون تدخل من جانب الإنسان للتعامل الاصطفائي مع الأنواع فارضاً بالتالي تغيراً محدداً في حوض المورثات. في تقديري فإن التحكم الثقافي في الخراف البربرية عن طريق وضعها داخل الحظائر يفترض عده تخطيطاً لاستغلال الموارد، لاستخدام لاحق في فترات العوز. غالباً ما تكون هذه الاستراتيجية قد ارتبطت كذلك بالتقلبات الدرامية لوفرة الموارد : الانخفاض العددي المميز للأموتراجوس ليرفيا في بيئة تتجه نحو الجفاف، ووجهت احتمالاً الناس لتفادي استغلال يتجاوز الحد لهذا الحيوان، ومن ثمَّ إلى إعادة تنظيم الاستراتيجيات الاقتصادية.
تعتمد القاعدة الاقتصادية وتأمين الطعام على طيف عريض من الحيوانات وعمليات جمع مكثفة، تحديداً الحبوب البرية. مع ذلك، فإن زيادة استغلال النباتات وتنويعه تشير بوضوح إلى توسيع طيف الموارد. لا يمكننا استبعاد أن يكون توسيع القاعدة الاقتصادية في هذا الطور مرتبط بظروف كثافة سكانية متزايدة أو بتدهور في الموارد Cahen 1985. يمكن ربط هذه الاستراتيجية بالإقامات الأكثر استدامة. كمية الأنواع وكثافتها وتنوعها يمثل ظروفاً مميزة لتأسيس تقنيات صيد محددة، وأنماط إقامة ناتجة. يمكن أن يصبح استغلال الموارد النباتية ونشاط الصيد غير الاصطفائي مؤشراً للتخفيض المتزايد لتحرك تلك الجماعات خلال العصر "الميزوليتي" أو طور "الأكاكوس المتأخر".
2.2.2 نظام الموقع، والترحال، والتنظيم الاجتماعي المصاحب
كما ناقشنا أعلاه، فإنه يصعب تحديد فواصل جفاف فجائية في سجل ترسبات "الأكاكوس المتأخر"، وتشير المعطيات الخاصة بالبيئة القديمة العامة إلى نزعة جفاف متزايد، والذي حتم تكيفات محددة من قبل الناس الذين يعيشون في المنطقة. تمثل البينة الخاصة بعملية تكون الموقع وتنظيم الثقافة المادية مفاتيح لتدني معدلات الترحال وسط مجموعات "الأكاكوس المتأخر". كانت المواقع أكبر، كما هو جلي في وان أفودا، حيث يمكن تقدير مساحة سكنية تقارب الـ 800 متر مربع، وتعكس عمليات التكون بوضوح استقراراً متنامياً. المباني الحجرية، والأماكن المخصصة للنار، وكثافة المستويات الحاملة لمخلفات إنسانية كل ذلك يشير إلى استخدام طويل الأمد في الموقع من قبل مجموعات "الأكاكوس المتأخر". تتأكد هذه النزعة كذلك في مواقع أخرى في الأكاكوس، بخاصة في تين طره، حيث تم التنقيب في السابق عن العديد من المساكن الحجرية في طور الإقامة المتأخر Barich 1987e مما وفر أكثر بينة مكتملة حتى الآن لتنظيم الموقع في الأكاكوس. بينة دالة على استقرار متنامي يمكن مشاهدتها في بعض أشكال الثقافة المادية، مثل أدوات الطحن والفخار، وفي الترتيب العام للصناعة الحجرية. زيادة أعداد حجارة الطحن، ذات الحجم الكبير أيضاً، تشكل سمة مميزة لأفق "الأكاكوس المتأخر": فلنأخذ على سبيل المثال العددية المطلقة للعينات في أعلى طبقات كهف وان أفودا، أكثر من أربعمائة مقارنة بطور "الأكاكوس المبكر"، حيث وجدت فقط القليل من الحجارة اليدوية. هذه الظاهرة تمَّ تسجيلها ليس في وان أفودا لكنها مشهودة في مواقع أكاكوسية أخرى، بخاصة في تين طره. هناك تلاحظ زيادة واضحة لأدوات الطحن بخاصة في المستويات السفلى (Rinf and R) حتى المستويات CI وCII. الموضوعات الثقيلة، التي يصعب نظرياً نقلها، يمكن أن تكون مؤشراً لمعدلات ترحال متدنية أو إعادة إقامة فصلية في الموقع، ويتماشى وجود كميات كبيرة من الفخار مع هذا النمط.
التشديد على الاستقرار جانب آخر للمنتجات الثقيلة والحاجة إلى تخزين الموارد. من استخدام مباشر محتمل للموارد، مع نشاط إنتاجي متدن وندرة ظاهرة للقدرة التخزينية في "الايبي باليوليتي" أو طور "الأكاكوس المبكر"، وخلال طور "الأكاكوس المتأخر"، يمكننا افتراض استغلال مخطط للموارد. يعني ذلك ضمنياً نشاط مكثف أكثر، ومشهودة أيضاً مفاتيح دالة على مركبات تخزينية : وجود بقايا سلال مع بذور حبوب برية في محتويات أقدم من 8.300 سنة مضت يمكن ربطها بحذر بشكل من أشكال التخزين. في الحقيقة، لا يشير ماسبيرو إلى استخدام مؤكد للسلال، لأن البقايا في الغالب مسطحة وليست منحنية Maspero 1999. على كل حال فإن وجود حصائر مع بذور ملتصقة بأسطحها قد يكون مؤشراً لمساحة لوضع البذور طالما أنه لا يمكن وضعها مباشرة على الأرض. وجود أشكال ممكنة للتخزين يستوجب التشديد عليه حيث أنه واحد من المفاتيح للتعرف على أشكال مركبة للتحكم المتزايد على البيئة (انظر مثلاً Testart 1982; Ingold 1983). بهذا المنطق فإن الوجود الواضح "للمواقد" داخل الكهف وكثرة الفخار يمكن ربطه بوظائف مشابهة لشكل من "التسهيلات".
يحتمل تقديم عمليتين مختلفتين مترابطتين لتفسير تطور السمات الاجتماعية الثقافية لمجموعات "الأكاكوس المتأخر": أ) الكثافة البشرية المتنامية، و ب) التنافس بين المجموعات.
يبين المسح الإقليمي المُنفذ في جنوب غرب فزان في السنوات الأخيرة Cremaschi and di Lernia 1998 كيف نزعت مجموعات "الأكاكوس المتأخر" إلى تفضيل المناطق الداخلية للسلسلة الجبلية، وإلى تقليل أو هجرة المواقع القريبة من البحيرات الضحلة سريعة الجفاف والبرك في حقول كثبان الأرض المنخفضة. يمكن أن يكون ذلك قد حدث لعدة أسباب، وبخاصة بسبب التدهور المناخي المتنامي الذي أصاب الألفية التاسعة قبل تاريخ اليوم Gautier 1987a; Cremaschi and di Lernia 1996a; Mercuri 1999. على كلٍ، يمكننا أن نلاحظ، حتى ولو بصورة محدودة، أن مواقع "الأكاكوس المتأخر" هي أكثر وأكبر في الحجم من مواقع "الأكاكوس المبكر".
في كهف وان أفودا فإن الإشارة إلى الحراك السكني تتمثل في وجود مناطق إقامة واسعة، مع مجاميع أثرية لنشاطات متنوعة وإنتاج متخصص (فخار، وأدوات طحن، وسلال). على هذا الأساس، يمكننا أن نفترض بأن الموقع كان مأهولاً فيما هو محتمل خلال الجزء الأعظم من السنة. بهذه الطريقة، فإن ندرة المواقع (بعض المكتشفات المتناثرة) خارج البيئة الجبلية ترمز، من جانب، إلى أشكال معينة لاستغلال الموارد، ومن جانب ثان، إلى نزوع باتجاه استقرار أكبر والذي يتوجب ربطه بخاصة البيئات الهامشية. من بين العناصر التي يمكن عدها ظروفاً تقود إلى تكثيف عمليات الاستغلال البيئي، يمكننا التشديد على كل من العوامل المناخية والبيئية، حتى لو أن أسباب أخرى يمكن البحث عنها في الجوانب الاجتماعية الداخلية لتعقد ثقافي متزايد مع نزوع باتجاه النمو الديموغرافي. قد يكون ذلك قاد، في رأي بعض الباحثين (على سبيل المثال Binford 1983)، إلى انخفاض معدل توفر الموارد وإلى عدم توازن بين الموارد وحجم السكان.
نمو ديموغرافي في الهولوسين المبكر يمكن التدليل عليه، وأن معالجة مختلفة لاستخدام الأرض تعد بالتالي نتيجة منطقية. التقلبات في توفر الموارد، وعملية تزايد الجفاف طويلة المدى التي وقعت على طول الألفية التاسعة قبل تاريخ اليوم قد تكون قادت الإنسان إلى الاعتماد بقوة على موارد قابلة للتخزين، بخاصة الحبوب البرية، وقد تكون التأثيرات الناجمة ضغوط أكثر على "حقوق الأرض". يمكن استنتاج بروز التنافس بين المجموعات، ومثل تلك الضغوط المختلفة على التنظيم الثقافي قد تكون أضحت قاعدة لإبداعات أيديولوجية واجتماعية ثقافية؛ إذا كانت رسوم الفن الصخري لأسلوب "الرؤوس المستديرة" مرتبطة بحق بالأفق الثقافي "الأكاكوس المتأخر" فإن عصراً ثقافياً جديداً يمكن أن يكون قد انبثق بالفعل.
واحدة من النتائج المخادعة للتنظيم الاجتماعي الاقتصادي لمجموعات "الأكاكوس المتأخر" تمثلت احتمالاً في وضع مختلف للنساء في داخل المجموعات. شدد تناول مادي لدراسة مجتمعات الماضي على الدور الذي تقوم به النساء في عملية الإنتاج، وبما أن العمل يبدو منقسماً جزئياً على أساس الجنس وسط الصيادين/الجامعين Kent 1998 فإن التشديد الخاص على استغلال النبات قد يكون طرح اهتماما جديداً بالنساء – وبالأطفال أيضاً – لاستخدامهم في عملية الجمع. آخذين هذا في الحسبان ليس من قبيل الصدفة أن تكون نسبة النساء عالية في رسوم "الرؤوس المستديرة"، الأعلى في كل المنتج الفني للأكاكوس وسلاسل الصحراء الوسطى Sansoni 1994; di Lernia 1996. قد تشير التعديلات في مركب الأدوات الحجرية، وتنوع المستودع التقني والتعامل المختلف مع الموارد في طور "الأكاكوس المتأخر" في وان أفودا، إلى إعادة تنظيم العلاقات بين النساء والرجال، وبين البالغين والأطفال: علم آثار الجندر فرع جديد واعد في مجال دراسات ما قبل تاريخ أفريقيا، كما أشارت إلى ذلك بعض الدراسات Wadley 1998; Gi