أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السـودانية

ملف إنقاذ تراثنا القومي السودانوي من الإنقاذ

 

 

المصورات الصفراء وصروحها التاريخية

نهى عبدالحافظ

مستل من رسالة ماجستير - شعبة الآثار جامعة الخرطوم

 

موقع المصورات الصفراء

يقع موقع المصورات الصفراء على تقاطع خطي عرض ً47   َ24  ْ16 شمال وخط طول ً26  َ19  ْ23 شرق، وهى تبعد عن مدينة الخرطوم بحري حوالي 180 كلم وحوالي 35 كلم من الضفة الشرقية لنهر النيل، و10 أميال شمال شرق موقع النقعة. تقع المصورات في منطقة منعزلة تتخللها الوديان الموسمية، ويحيط بها عدد من الجبال المتكونة من الحجر النوبي الرملي، والجبال التى تحيط بها جبل الصفراء من الناحية الغربية، وجبل قْبلة من الناحية الجنوبية، وجبل معفر من الناحية الشرقية؛ ويمر بالموقع وادي معفر ووادي الصفراء اللذان يتحدان في وادٍ واحد يتجه جنوب غرب الموقع ليصب بدوره في وادي العواتيب بالقرب من جبل الخريف. وقد عرف موقع الصورات الصفراء قديماً بإسم أيبر عنخ IPBR- ANKH.

 

زار موقع المصورات الصفراء عدد من الرحالة الذين وصفوا وسجلوا ملاحظاتهم حول الموقع الى جانب عمل عدد من الخرط ونسخ النقوش والرسوم التى وجدت على جدران مبانيه وقد نشروا أعمالهم هذه فيما بعد. من أبرز الرحالة الذين زاروا الموقع جيمس بروس 1772م، لينان دي بلفوند 1820م والذي حققت رسوماته ومذكراته مارجريت شيني، وفريدريك كايو 1821م وهوسكنس عام 1833م.

 

يعتقد أن أهمية الموقع من الناحية الجغرافية قد جاءت من وقوعه على الطريق القديم من مروي الى جنوب البلاد (سنار) وبلاد أكسوم شرقاً، حيث أن هذا الطريق كان يستخدم حتى وقت قريب من قبل القوافل التجارية المنطلقة من بربر وشندي ويمر عبر البطانه الى سنار وفازوغلي.

يتكون موقع المصورات الصفراء من عدد من المعالم الأثرية هى : الحوش الكبير، والحفير الكبير، والحفير الصغير، ومعبد الأسد، والمعبد A11، والمعبد D11، والمعبد A111، والمبنى B11، والمبنى B1، ومدافن قد تم تأريخها بالفترة المسيحية، وورشة لعمل الجص [Wolf 1996: 20-29]

 

الحوش الكبير Great Enclosure

يعد الحوش الكبير أكثر المعالم الموجودة في موقع المصورات إثارة للجدل، وهو يقع في الجزء الجنوبي الغربي من وادي الصفراء وتبلغ مساحته الكلية حوالي 43 ألف متر مربع، وقد بني من الحجر النوبي الرملي الى جانب بعض الإضافات من الطوب الأحمر، جلبت الحجارة التى استخدمت في بنائه من محجر غير بعيد من الموقع يعرف باسم القرينات الصفر. يتكون الحوش الكبير من عدة تركيبات فهو يشتمل على فناء واسع يحيط بمعابد ومخازن متعددة بنيت على مصطبة مرتفعة ترتفع عن مستوى سطح الأرض بحوالي ثلاثة أمتار يتم الوصول إليها بممر صاعد وتتصل المعابد والمخازن والغرف المختلفة  فيه مع بعضها البعض بممرات طويلة.

 

يحتوي الحوش الكبير على ثلاثة معابد ذات عمارة مرَّوية على الرغم من احتوائها على بعض السمات المصرية، مثل وجود الكوبرا وقرص الشمس والمعابد هى المعبد 200 وهو يرتبط بممر صاعد مع المعبد المركزي، أما المعبد الثالث فهو المعبد رقم 300 الذى كرس لعبادة الإله سيبومكر "Sebewyemeker".

 

وجد بداخل الحوش الكبير العديد من كتل الحجارة التى تحتوي على رموز هندسيه تصويريه على سبيل المثال نهر، فأس، أقواس، طيور، نسور الى جانب مشهد الكلب الذى ينقض على أرنب سابق الذكر (حالياً في المتحف القومي).

 

يتميز الحوش الكبير بالحوائط التى تنتهي بتماثيل لأفيال في المعبد المركزي والعديد من المخربشات التى تمثل عدة حيوانات مثل الأفيال والأبقار والزراف أو تمثل الإله أبدماك الذى يتغلب على العدو الى جانب وجود نقوش ديموطيقية، وأغريقية، ونوبية قديمة، ولاتينية وعدد من النقوش التى تحتوي على عبارات تضرع للإله أبادماك [Hintze 1962: 170-202]

 

معابد المصورات الصفراء

(أ) معبد الأسد The Lion Temple

شيد هذا المعبد الملك ارنخاماني للإله أبادماك، ومن أسلوب الكتابة الهيروغلوفية على جدران المعبد فإن من المرجح أن المعبد قد بني في فترة البطالسه في مصر، أي الفترة ما بين عامي 235–211 ق.م. ويتكون المعبد من حجرة واحدة أبعادها 12 X 6.2 م، يقع مدخل المعبد في إتجاه جنوب شرق وهو عبارة عن بوابة ضخمة عرضها نحو 12.4 م، ويوجد أمام البوابه تمثالان لأسدين. كما وجدت قواعد لأربعة تماثيل لأسود أخرى في الطريق المؤدي للمعبد، يوجد داخل حجرة المعبد صفان من الأعمدة ثلاثة في كل جانب وتكاد المسافات بين هذه الأعمدة تكون متفاوته لحد ما، ويوجد أمام الجدار الخلفي مائدة للقرابين، وربما تكون هي موقع إستقرار التمثال الذى يمثل الإله أبادماك. زخرفت جدران المعبد الخارجية والداخلية بنقوش بارزة قليلاً، وينتهي النقش في أعلى المعبد في شكل إفريز مكون من زهرة على شكل نجوم ذات ستة بتلات وفوق هذا الإفريز كورنيش من الزينة التقليدية من أوراق النخيل. ومن الملاحظ أن أعمدة المعبد الداخلية قد تركت بلا زخارف في أسفلها لنحو 1.5 م ثم بدأت بعد ذلك النقوش ونسبة لوجود كمية كبيرة من رقائق الذهب في داخل المعبد وقريباً من سطح الأرض فقد إفترض هنتزا أن الأجزاء الدنيا من الأعمدة ربما كانت مغطأة بصفائح رقيقه من الذهب.

 

أما موضوع النقوش، ففي الجدار الجنوبي للمعبد من الخارج يظهر الملك أرنخاماني (218-235ق.م البجراوية شمال 53) واقفاً في مواجهة عدد من الآلهة ومن خلفه تقف الإلهة إزيس ممسكة بجريد النخل بيدها اليسرى ويقف أمامه ولي عهده الأمير أركا الذى عرف فيما بعد بإسم أركاماني (200-218 ق.م البجراوية شمال 7)، ويقود صف الآلهة التى تقف أمام الملك الإله أبادماك وهو يحمل قوس الحرب الذى يكاد يقارب طول قامته في يده اليمنى، وممسكاً أيضاً أحد الأسرى باليد نفسها وقد امتدت يده اليسرى بشئ أشبه بالمبخر وقد علاه هيئة الإله أبادماك نفسه وقد ارتدى الإله درعاً قصيراً يصل الى ركبتيه وعلى رأسه تاجه المميز، ومن الجدير بالذكر أن الإله أبادماك قد ارتدى في هذا المشهد أيضاً ما يعرف بخاتم الصياد الذى يستخدم في شد القوس، ومن خلفه الإله آمون وهو يظهر هنا على هيئة إنسان حاملاً عصاة طويلة في يده اليسرى ومفتاح الحياة في يده اليمنى وقد ارتدى تاجه المميز، ومن خلفه يظهر الإله المحلي سيبومكر وقد ارتدى تاجه الذى يظهر به غالباً وهو التاج المزدوج وممسكاً بعصاة طويلة في يده اليسرى وممسكاً بمفتاح الحياة في يده اليمنى، ويليه الإله المحلي أرنسنوفيس وقد ارتدى ازاراً أطول من بقية الآلهة وممسكاً في يده اليمنى بما يشبه باقة من الأعشاب أو الأزهار وفي يده اليسرى يمسك حيواناً ذا حافر يرجح أنه غزال صغير الى جانب العصاة الطويلة، وقد ارتدى تاجاً من الريش الطويل بالإضافة الى عصابة تحيط برأسه ويتدلى طرفها خلف رأسه وينتعل حذاءً مخالفاً بذلك بقية الآلهة، يليه الإله حورس وهو يظهر في شكل إنسان برأس صقر ويرتدي تاجاً وازاراً قصيراً وممسكاً في يده اليسرى بعصاة طويلة وفي يده اليمنى مفتاح الحياة، وأخيرً يظهر الإله توت إله القمر وقد محي جزء من مشهده.

 

وفي الجدار الشمالي يقف الملك وولي عهده وقد وقفت الإلهة إزيس لتحميه ووقف أمامه صف من الآلهة يقودهم الإله أبادماك ومن خلفه صف من الآلهة التى لا يبدو منها الكثير.

 

وتكرر تصوير الإله أرنسنوفيس حاملاً صيده ومنتعلاً حذاءً داخل المعبد على الجدار الشمالي منه وإن كان مشهداً قد محي منه الكثير وتكرر المشهد نفسه على أحد الأعمدة الأخيرة بالقرب من المذبح.

 

(ب) المعبد المركزي Central temple

يتميز هذا المعبد بتاريخ معماري معقد فقد تعرض لعمليات إعادة بناء مستمرة، حتى أن الجدران القديمة فيه أصبحت أساساً لجدرانه الجديدة وفي حالات عديدة صارت بمثابة مواد خام لبناء جدران أخرى. ويعتقد هنتزا أن أقدم بناء في الحوش الكبير كان عبارة عن ممر يقود الى مبنى تحت المعبد المركزي إلا أن هذا المبنى اختفى نهائياً وتاريخه غير معروف على وجه التحديد، ولكنه يرجح أنه يعود لعام 500 ق.م، وتعتبر قاعدة الأعمدة التى تضم ثمانية أعمدة وتقع في الساحة Mus.501 جزء من المرحلة الأولى من المراحل التى مر بها بناء هذا المعبد. وفي المرحلة الثانية من بناء هذا المعبد أجريت عمليات بناء على نطاق واسع ففي الغرب يلاحظ إضافة ساحات جديدة وأسوار يبدو بعضها بشكل غير منتظم، وأضيفت أيضاً حجرة صغيرة في أقصى الحائط الغربي في مواجهة الممر الذى تغيرت استقامته تغيراً طفيفاً. كما أضيف في هذه المرحلة أيضاً معبد صغير من الحجر كانت أبعاده 5.8 X 6.55 واتجاهه جنوباً وأضيفت أيضاً الغرفتان 107 و 108 وقد كانت قواعد أعمدة الغرفه 108 مزخرفة بأشكال أسود وأفيال إلا أنها أشكال غير مكتملة. ومن بين هذه الأعمدة عمودين على قدر من الأهمية، حيث نجد أن الأوجه الشرقية لهذين العمودين وهما على هيئة أسد وفيل منحوته كتمثالين للإلهين أرنسنوفيس وسيبومكر.

 

شهدت المرحلة الثالثة إتباع خطة جديدة كلياً، وهى تنقسم الى مرحلتين أولاً شيد المعبد المركزي على مصطبة وهذه المصطبة إرتفاعها نحو 1.7 م وتقع في مواجهة مبنى الحجرتين السابقتين 107 و 108، وفي النهاية الشمالية شيد المعبد 200 Mus الذى يرتبط بالمعبد المركزي من خلال الممر 124، ومبنى شبيه بالكبري المعلق بين الساحتين 120 و 513، وبالكيفية نفسها فإن عدد الجسور المعلقة تربط بين أجزاء وحجرات هذا المجمع. وفي الطور الثاني من هذه المرحلة امتد السور نحو الجنوب حيث أقيم عدد من الحجرات 112 و 110 والمجمع 400 وغرباً أنشئت الحجرات 515 و 517 وأصبح الوصول الى الممر 515  سهلاً من خلال الطريق المنحدر 514، كما أن المجمع 200 امتد أيضاً في إتجاه الغرب ومن جهة الشرق أصبح هناك مدخل جديد من خلال المنحدر 207.

 

أعطت المرحلة الرابعة المعبد شكله النهائي، فقد أدت عملية إعادة التخطيط الى توسيع مساحة المعبد باضافات عديدة، فقد شيد المعبد المركزي بإتجاه جنوب - شرق مثل معابد الأسد الأخرى في البطانة، وكانت أبعاده من الخارج 11.5 14 X م ومدخله من جهة الشرق وقد زين بالسقف بنحت رأس كبش توج بقرص الشمس وهو رمز المعبود آمون وقد نحت على يمينه ويساره المعبودان المحليان سيبومكر وأرنسنوفيس. على الرغم من أن الحجرة الرئيسة قد تركت خالية من الزخارف والنقوش والتصاوير وليس لها بوابة ضخمة أمامية فإن النوافذ على جوانبها والكوة في الخلف تشير الى وجود تماثيل في الداخل وربما قد حل الطلاء محل النقوش. أحيط المعبد بصف من الأعمدة كان على رأسها زهرة اللوتس بإستثناء الأعمدة التى كانت في مقدمة الرواق، فقد كانت تحتوي على صفين من الأعمده تميزت بزخارفها الكثيرة وقد ظهر في كثير من هذه الأعمدة التأثير المصري، قامت هذه الأعمدة على قواعد نحتت على أشكال أسود وأفيال وبعضها على شكل برعم زهرة اللوتس.

 

أدت قلة المادة المسجلة الى صعوبة وضع تاريخ محدد لتشييد المعبد المركزي إلا أن العينات التى أخذت من بقايا المرحلتين الأولى والثانية لبنائه أعطت بعد فحصها بكربون14 التواريخ التالية 443 429 ± 80 ق.م.  و 368 – 330 ± 80 ق.م. ومن ناحية أخرى فإن الحروف الإغريقية التى عثر عليها في المرحلة الثالثة من البناء تعود الى ما قبل عام 200 ق.م.[Hintze & Hintze-1970:49-64].

 

(ج) المعبد الشرقي MUS-300

ويعرف أيضاً باسم معبد سيبومكر. يقع المعبد تقريباً في الجزء الجنوبي الشرقي للحوش الكبير، ويتكون من سلم صاعد محروس بتمثالين لأسدين، ويقود هذا السلم الى رواق مرتفع ارتفاعاً طفيفاً. ولهذا الرواق أربعة أعمدة تقع في مقدمته، يرتكز العمودان الأماميان على قوائم على هيئة أفيال تتدلى خراطيمها أسفل جدار المصطبه. كما يوجد عمودان آخران يحملان الرواق الى الأمام. يحرس مدخل المعبد أسدان يحمل مقودهما الذى أحاط رقبتيهما تمثالان ضخمان للإله سيبومكر على يسار المدخل وأرنسنوفيس على يمين المدخل. وقد زين المدخل بثلاثة أقراص شمس مجنحة وضعت واحدة فوق الأخرى، كما زينت الجدران الخارجية للمعبد أعمدة مستديرة وضعت على رؤوسها تماثيل لأسود وصقور وكباش، ومن ناحية أخرى فإن المدخل كان يحرس جانبيه ثعبانان ملتفان حوله من أسفل المدخل الى أعلاه. تبلغ مساحة الحجرة الرئيسة للمعبد 12.6X15 م، وبنيت كلياً من الحجر النوبي الرملي، تركت جدران الحجرة من الداخل بلا نقوش إلا من بعض المخربشات المتأخرة والتى من بينها اسم الملك تانيد أماني (120- 100 ق.م. البجراوية شمال 20) والتى توجد في الجدار الشرقي، ارتكز عرش المعبد على ستة أعمدة نظمت على صفين، وقد رصفت أرض هذه الحجرة بألواح منتظمه من الحجر النوبي الرملي.

 

أما تاريخ بناء هذا المعبد فمن المرجح أنه ربما يعود الى الفترة المبكرة من تاريخ النشاط المعماري في موقع المصورات الصفراء 500- 400 ق.م. ونسبة لتشابه نقش الثعبان الملتف حول المدخل وذلك النقش الموجود في مقصورة الملك أماني نتكاي لبتي (538- 520 ق.م. نوري 10) فربما تعود فترة بناء هذا المعبد الى عهد هذا الملك خاصة أن هناك تقارباً بين التاريخ الذى وضعه هنتزا وتاريخ حكم هذا الملك [Hintze & Hintze - Ibid: 64-65].

 

الآلهة المحلية بموقع المصورات الصفراء

تعكس الجدارية التى نُقشت على الحائط الجنوبي لمعبد الأسد بالموقع صورة واضحة عن الآلهة المحلية التى عبدها المرويون القدماء، وهى ثلاث آلهة محلية : الإله أبادماك الذى ظهر لأول مرة في فترة مروي معبوداً رئيساً في معبد الأسد بموقع المصورات حيث قدم على الإله آمون كبير الآلهة المصرية والذى عبد في السودان القديم